Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:28–31
4:28Page 83
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
صفحة ٢٢
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ .
أعْقَبَ الِاعْتِذارَ الَّذِي تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَزالُ مُراعِيًا رِفْقَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وإرادَتِهِ بِها اليُسْرَ دُونَ العُسْرِ، إشارَةً إلى أنَّ هَذا الدِّينَ بَيَّنَ حِفْظَ المَصالِحِ ودَرْءَ المَفاسِدِ، في أيْسَرِ كَيْفِيَّةٍ وأرْفَقِها، فَرُبَّما ألْغَتِ الشَّرِيعَةُ بَعْضَ المَفاسِدِ إذا كانَ في الحَمْلِ عَلى تَرْكِها مَشَقَّةٌ أوْ تَعْطِيلُ مَصْلَحَةٍ، كَما ألْغَتْ مَفاسِدَ نِكاحِ الإماءِ نَظَرًا لِلْمَشَقَّةِ عَلى غَيْرِ ذِي الطَّوْلِ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى بَلَغَتْ مَبْلَغَ القَطْعِ كَقَوْلِهِ وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ. وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشادَّ هَذا الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ»، وكَذَلِكَ كانَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ الَّذِينَ يُرْسِلُهم إلى بَثِّ الدِّينِ؛ فَقالَ لِمُعاذٍ وأبِي مُوسى: «يَسِّرا ولا تُعَسِّرا» وقالَ «إنَّما بُعِثْتُمْ مُبَشِّرِينَ لا مُنَفِّرِينَ» . وقالَ لِمُعاذٍ لَمّا شَكا بَعْضُ المُصَلِّينَ خَلْفَهُ مِن تَطْوِيلِهِ «أفَتّانٌ أنْتَ» . فَكانَ التَّيْسِيرُ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وعَنْهُ تَفَرَّعَتِ الرُّخَصُ بِنَوْعَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ تَذْيِيلٌ وتَوْجِيهٌ لِلتَّخْفِيفِ، وإظْهارٌ لِمَزِيَّةِ هَذا الدِّينِ وأنَّهُ ألْيَقُ الأدْيانِ بِالنّاسِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، ولِذَلِكَ فَما مَضى مِنَ الأدْيانِ كانَ مُراعًى فِيهِ حالٌ دُونَ حالٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ. وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الضَّعْفَ هُنا بِأنَّهُ الضَّعْفُ مِن جِهَةِ النِّساءِ. قالَ طاوُسٌ لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ في شَيْءٍ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِّساءِ. ولَيْسَ مُرادُهُ حَصْرَ مَعْنى الآيَةِ فِيهِ، ولَكِنَّهُ مِمّا رُوعِيَ في الآيَةِ لا مَحالَةَ، لِأنَّ مِنَ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ ما هو تَرْخِيصٌ في النِّكاحِ.
4:29–30Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
صفحة ٢٣
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ .
اسْتِئْنافٌ مِنَ التَّشْرِيعِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَلامَةُ الِاسْتِئْنافِ افْتِتاحُهُ بِـ (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾) ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ أحْكامَ المَوارِيثِ والنِّكاحِ اشْتَمَلَتْ عَلى أوامِرَ بِإيتاءِ ذِي الحَقِّ في المالِ حَقَّهُ، كَقَوْلِهِ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم وقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآيَةَ، فانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى تَشْرِيعٍ عامٍّ في الأمْوالِ والأنْفُسِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْلَ مَجازٌ في الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ انْتِفاعًا تامًّا، لا يَعُودُ مَعَهُ إلى الغَيْرِ، فَأكْلُ الأمْوالِ هو الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها بِنِيَّةِ عَدَمِ إرْجاعِها لِأرْبابِها، وغالِبُ هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ اسْتِيلاءَ ظُلْمٍ، وهو مَجازٌ صارَ كالحَقِيقَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الِانْتِفاعِ المَأْذُونِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ولِذَلِكَ غَلَبَ تَقْيِيدُ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن ذَلِكَ بِقَيْدِ (بِالباطِلِ) ونَحْوِهِ.
والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِـ (تَأْكُلُوا) والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (أمْوالٌ): راجِعانِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، وظاهِرٌ أنَّ المَرْءَ لا يُنْهى عَنْ أكْلِ مالِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى انْتِفاعُهُ بِمالِهِ أكْلًا، فالمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُهم مالَ بَعْضٍ. والباطِلُ ضِدُّ الحَقِّ، وهو ما لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ ولا كانَ عَنْ إذْنِ مِنهُ، والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ﴾ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ التِّجارَةَ لَيْسَتْ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، فالمَعْنى: لَكِنْ كَوْنُ التِّجارَةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. ومَوْقِعُ المُنْقَطِعِ هُنا بَيِّنٌ جارٍ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ، إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ شُمُولُ الكَلامِ السّابِقِ لِلشَّيْءِ المُسْتَدْرَكِ ولا يُفِيدُ الِاسْتِدْراكُ حَصْرًا، ولِذَلِكَ فَهو مُقْتَضى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ قَيْدُ الباطِلِ في حالَةِ الِاسْتِثْناءِ مُلْغًى، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مِن أكْلِ الأمْوالِ ويَكُونَ مُتَّصِلًا، وهو يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ قَدْ حَصَرَ إباحَةَ أكْلِ الأمْوالِ في التِّجارَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ الِاسْتِثْناءُ فَتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِالِاسْتِدْراكِ أوْ بِالِاسْتِثْناءِ لِأنَّها أشَدُّ أنْواعِ أكْلِ الأمْوالِ
صفحة ٢٤
شَبَهًا بِالباطِلِ، إذِ التَّبَرُّعاتُ كُلُّها أكْلُ أمْوالٍ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، والمُعاوَضاتُ غَيْرُ التِّجاراتِ كَذَلِكَ، لِأنَّ أخْذَ كِلا المُتَعاوِضَيْنِ عِوَضًا عَمّا بَذَلَهُ لِلْآخَرِ مُساوِيًا لِقِيمَتِهِ في نَظَرِهِ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ. وأمّا التِّجارَةُ فَلِأجْلِ ما فِيها مِن أخْذِ المُتَصَدِّي لِلتَّجَرِ مالًا زائِدًا عَلى قِيمَةِ ما بَذَلَهُ لِلْمُشْتَرِي قَدْ تُشْبِهُ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالِاسْتِدْراكِ أوِ الِاسْتِثْناءِ. وحِكْمَةُ إباحَةِ أكْلِ المالِ الزّائِدِ فِيها أنَّ عَلَيْها مَدارَ رَواجِ السِّلَعِ الحاجِيَّةِ والتَّحَسُّنِيَّةِ، ولَوْلا تَصَدِّي التُّجّارِ وجَلْبُهُمُ السِّلَعَ لَما وجَدَ صاحِبُ الحاجَةِ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ عِنْدَ الِاحْتِياجِ. ويُشِيرُ إلى هَذا ما في المُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ في احْتِكارِ الطَّعامِ: ولَكِنْ أيُّما جالِبٍ جَلَبَ عَلى عَمُودِ كَبِدِهِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ فَلْيَبِعْ كَيْفَ شاءَ ويُمْسِكْ كَيْفَ شاءَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ﴾ بِرَفْعِ (تِجارَةٌ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِكانَ مِن كانَ التّامَّةِ، أيْ تَقَعُ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِنَصْبِ (تِجارَةً) عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ النّاقِصَةِ، وتَقْدِيرُ اسْمِها: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً، أيْ أمْوالُ تِجارَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ مِنكم صِفَةٌ لِـ ”تِجارَةً“، و(عَنْ) فِيهِ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ صادِرَةٌ عَنِ التَّراضِي وهو الرِّضا مِنَ الجانِبَيْنِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن لَفْظٍ أوْ عُرْفٍ. وفي الآيَةِ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِقَوْلِ مالِكٍ مِن نَفْيِ خِيارِ المَجْلِسِ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَناطَ الِانْعِقادِ هو التَّراضِي، والتَّراضِي يَحْصُلُ عِنْدَ التَّبايُعِ بِالإيجابِ والقَبُولِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في حُرْمَةِ الأمْوالِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ» . وفي خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» .
وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الأمْوالِ عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأنْفُسِ، مَعَ أنَّ الثّانِيَ أخْطَرُ، إمّا لِأنَّ مُناسَبَةَ ما قَبْلَهُ أفْضَتْ إلى النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الأمْوالِ فاسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ لِذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالجاهِلِيَّةِ، وكانَ أكْلُ الأمْوالِ أسْهَلَ عَلَيْهِمْ، وهم أشَدُّ اسْتِخْفافًا بِهِ مِنهم بِقَتْلِ الأنْفُسِ، لِأنَّهُ كانَ يَقَعُ في مَواقِعِ الضَّعْفِ حَيْثُ لا يَدْفَعُ صاحِبُهُ عَنْ نَفْسِهِ كاليَتِيمِ والمَرْأةِ والزَّوْجَةِ. فَآكِلُ أمْوالِ هَؤُلاءِ في مَأْمَنٍ مِنَ التَّبِعاتِ
صفحة ٢٥
بِخِلافِ قَتْلِ النَّفْسِ، فَإنَّ تَبِعاتِهِ لا يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، وإنْ بَلَغَ مِنَ الشَّجاعَةِ والعِزَّةِ في قَوْمِهِ كُلَّ مَبْلَغٍ، ولا أمْنَعَ مِن كُلَيْبِ وائِلٍ، لِأنَّ القَبائِلَ ما كانَتْ تُهْدِرُ دِماءَ قَتْلاها.
* * *
﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنِ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ نَهْيٌ عَنْ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ، فالضَّمِيرانِ فِيهِ عَلى التَّوْزِيعِ، إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ أحَدًا لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ فَيُنْهى عَنْ ذَلِكَ، وقَتْلُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ داخِلٌ في النَّهْيِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ لِلْإنْسانِ إتْلافَ نَفْسِهِ كَما أباحَ لَهُ صَرْفَ مالِهِ، أمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا خُصُوصَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ المَرْءِ نَفْسَهُ فَلا. وأمّا ما في مُسْنَدِ أبِي داوُدَ: «أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَيَمَّمَ في يَوْمٍ شَدِيدِ البَرْدِ ولَمْ يَغْتَسِلْ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ وصَلّى بِالنّاسِ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، فَسَألَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيءُ» ﷺ - فَذَلِكَ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعُمُومِ ضَمِيرِ ”تَقْتُلُوا“ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورَ: مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ والقَتْلِ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يَرِدْ بَعْدَهُ وعِيدٌ، ووَرَدَ وعِيدٌ قَبْلَهُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، وإنَّما قَيَّدَهُ بِالعُدْوانِ والظُّلْمِ لِيَخْرُجَ أكْلُ المالِ بِوَجْهِ الحَقِّ، وقَتْلُ النَّفْسِ كَذَلِكَ، كَقَتْلِ القاتِلِ، وفي الحَدِيثِ «فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» .
والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ كُفْرانٍ، ويُقالُ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو التَّسَلُّطُ بِشِدَّةٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِظُلْمٍ غالِبًا، ويَكُونُ بِحَقٍّ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] وعَطْفُ قَوْلِهِ ”وظُلْمًا“ عَلى ”عُدْوانًا“ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ.
و(سَوْفَ) حَرْفٌ يَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ فَيُمَحِّضُهُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ، وهو مُرادِفٌ لِلسِّينِ عَلى الأصَحِّ، وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: (سَوْفَ) تَدُلُّ عَلى مُسْتَقْبَلٍ بَعِيدٍ وسَمّاهُ: التَّسْوِيفَ، ولَيْسَ في
صفحة ٢٦
الِاسْتِعْمالِ ما يَشْهَدُ لِهَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. و(نُصَلِيهِ) نَجْعَلُهُ صالِيًا أوْ مُحْتَرِقًا، وقَدْ مَضى فِعْلُ صَلِيَ أيْضًا، ووَجْهُ نَصْبِ ”نارًا“ هُنالِكَ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى كُلِّيَّتَيْنِ مِن كُلِّيّاتِ الشَّرِيعَةِ: وهُما حِفْظُ الأمْوالِ وحِفْظُ الأنْفُسِ، مِن قِسْمِ المُناسِبِ الضَّرُورِيِّ.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مَدْخَلًا كَرِيمًا﴾ .
اعْتِراضٌ ناسَبَ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذِكْرِ ذَنْبَيْنِ كَبِيرَيْنِ: وهُما قَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ المالِ بِالباطِلِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، وفي انْتِهازِ الفُرَصِ في إلْقاءِ التَّشْرِيعِ عَقِبَ المَواعِظِ وعَكْسِهِ.
وقَدْ دَلَّتْ إضافَةُ ”كَبائِرَ“ إلى ”ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ“ عَلى أنَّ المَنهِيّاتِ قِسْمانِ: كَبائِرُ، ودُونَها، وهي الَّتِي تُسَمّى الصَّغائِرَ، وصْفًا بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ، وقَدْ سُمِّيَتْ هُنا سَيِّئاتٌ. ووَعَدَ بِأنَّهُ يَغْفِرُ السَّيِّئاتِ لِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ المَنهِيّاتِ، وقالَ في آيَةِ النَّجْمِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] فَسَمّى الكَبائِرَ فَواحِشَ وسَمّى مُقابِلَها اللَّمَمَ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المَعاصِيَ عِنْدَ اللَّهِ قِسْمانِ: مَعاصٍ كَبِيرَةٌ فاحِشَةٌ، ومَعاصٍ دُونَ ذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يُلِمَّ المُؤْمِنُ بِها، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ الكَبائِرِ. فَعَنْ عَلِيٍّ: هي سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ. واسْتَدَلَّ لِجَمِيعِها بِما في القُرْآنِ مِن أدِلَّةِ جازِمِ النَّهْيِ عَنْها. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ» . فَذَكَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلِيٌّ إلّا أنَّهُ جَعَلَ السِّحْرَ عِوَضَ التَّعَرُّبِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هي تِسْعٌ بِزِيادَةِ الإلْحادِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى هُنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدُ نارٍ أوْ عَذابٌ أوْ لَعْنَةٌ فَهو كَبِيرَةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَبائِرُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في كِتابِهِ. وأحْسَنُ ضَبْطٍ لِلْكَبِيرَةِ قَوْلُ إمامِ الحَرَمَيْنِ: هي كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ
صفحة ٢٧
وبِضَعْفِ دِيانَتِهِ. ومِنَ السَّلَفِ مَن قالَ: الذُّنُوبُ كُلُّها سَواءٌ، إنْ كانَتْ عَنْ عَمْدٍ. وعَنْ أبِي إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيِّ أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها سَواءٌ مُطْلَقًا، ونَفى الصَّغائِرَ. وهَذانِ القَوْلانِ واهِيانِ لِأنَّ الأدِلَّةَ شاهِدَةٌ بِتَقْسِيمِ الذُّنُوبِ إلى قِسْمَيْنِ، ولِأنَّ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ مِنَ المَفاسِدِ مُتَفاوِتٌ أيْضًا، وفي الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ إثْباتُ نَوْعِ الكَبائِرِ وأكْبَرِ الكَبائِرِ.
ويَتَرَتَّبُ عَلى إثْباتِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ أحْكامٌ تَكْلِيفِيَّةٌ: مِنها المُخاطَبَةُ بِتَجَنُّبِ الكَبِيرَةِ تَجَنُّبًا شَدِيدًا، ومِنها وُجُوبُ التَّوْبَةِ مِنها عِنْدَ اقْتِرافِها، ومِنها أنَّ تَرْكَ الكَبائِرِ يُعْتَبَرُ تَوْبَةً مِنَ الصَّغائِرِ، ومِنها سَلْبُ العَدالَةِ عَنْ مُرْتَكِبِ الكَبائِرِ، ومِنها نَقْضُ حُكْمِ القاضِي المُتَلَبِّسِ بِها، ومِنها جَوازُ هِجْرانِ المُتَجاهِرِ بِها، ومِنها تَغْيِيرُ المُنْكَرِ عَلى المُتَلَبِّسِ بِها. وتَتَرَتَّبُ عَلَيْها مَسائِلُ في أُصُولِ الدِّينِ: مِنها تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ عِنْدَ طائِفَةٍ مِنَ الخَوارِجِ، الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ المَعاصِي الكَبائِرِ والصَّغائِرِ، واعْتِبارُهُ مَنزِلَةً بَيْنَ الكُفْرِ والإسْلامِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، خِلافًا لِجُمْهُورِ عُلَماءِ الإسْلامِ. فَمِنَ العَجائِبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُمَيِّزِ الكَبائِرَ عَنِ الصَّغائِرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا لِلنّاسِ عَنِ الإقْدامِ عَلى كُلِّ ذَنَبٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الصَّلاةِ الوُسْطى في الصَّلَواتِ، ولَيْلَةِ القَدْرِ في لَيالِي رَمَضانَ، وساعَةِ الإجابَةِ في ساعاتِ الجُمُعَةِ، هَكَذا حَكاهُ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ، وقَدْ تَبَيَّنَ ذُهُولُ هَذا القائِلِ، وذُهُولُ الفَخْرِ عَنْ رَدِّهِ، لِأنَّ الأشْياءَ الَّتِي نَظَرُوا بِها تَرْجِعُ إلى فَضائِلِ الأعْمالِ الَّتِي لا يَتَعَلَّقُ بِها تَكْلِيفٌ، فَإخْفاؤُها يُقْصَدُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في تَوَخِّي مَظانِّها لِيُكْثِرَ النّاسُ مَن فِعْلِ الخَيْرِ، ولَكِنَّ إخْفاءَ الأمْرِ المُكَلَّفِ بِهِ إيقاعٌ في الضَّلالَةِ، فَلا يَقَعُ ذَلِكَ مِنَ الشّارِعِ.
والمَدْخَلُ بِفَتْحِ المِيمِ اسْمُ مَكانِ الدُّخُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا. والمَعْنى: نُدْخِلُكم مَكانًا كَرِيمًا، أوْ نُدْخِلُكم دُخُولًا كَرِيمًا. والكَرِيمُ هو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ. فالمُرادُ إمّا الجَنَّةُ وإمّا الدُّخُولُ إلَيْها، والمُرادُ بِهِ الجَنَّةُ. والمُدْخَلُ بِضَمِّ المِيمِ كَذَلِكَ مَكانٌ أوْ مَصْدَرُ أدْخَلَ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِضَمِّ المِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences