Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:32–33
4:32Page 83
وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢
And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
صفحة ٢٨
﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْئَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ. و: لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم.
والمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ: أنَّ التَّمَنِّيَ يُحَبِّبُ لِلْمُتَمَنِّي الشَّيْءَ الَّذِي تَمَنّاهُ، فَإذا أحَبَّهُ أتْبَعَهُ نَفْسَهُ فَرامَ تَحْصِيلَهُ وافْتَتَنَ بِهِ، فَرُبَّما بَعَثَهُ ذَلِكَ الِافْتِتانُ إلى تَدْبِيرِ الحِيَلِ لِتَحْصِيلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ، وإلى الِاسْتِئْثارِ بِهِ عَنْ صاحِبِ الحَقِّ فَيُغْمِضُ عَيْنَهُ عَنْ مُلاحَظَةِ الواجِبِ مِن إعْطاءِ الحَقِّ صاحِبَهُ وعَنْ مَناهِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الجُمَلُ المَعْطُوفُ عَلَيْها. وقَدْ أصْبَحَ هَذا التَّمَنِّي في زَمانِنا هَذا فِتْنَةً لِطَوائِفَ مِنَ المُسْلِمِينَ سَرَتْ لَهم مِن أخْلاقِ الغُلاةِ في طَلَبِ المُساواةِ مِمّا جَرَّ أُمَمًا كَثِيرَةً إلى نِحْلَةِ الشِّيُوعِيَّةِ فَصارُوا يَتَخَبَّطُونَ لِطَلَبِ التَّساوِي في كُلِّ شَيْءٍ ويُعانُونَ إرْهاقًا لَمْ يَحْصُلُوا مِنهُ عَلى طائِلٍ.
والنَّهْيُ عَنِ التَّمَنِّي وتَطَلُّعِ النُّفُوسِ إلى ما لَيْسَ لَها جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عامًّا، فَكانَ كالتَّذْيِيلِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ لِسَدِّ ذَرائِعِها وذَرائِعِ غَيْرِها، فَكانَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في دَرْءِ الشُّرُورِ. وقَدْ كانَ التَّمَنِّي مِن أعْظَمِ وسائِلِ الجَرائِمِ، فَإنَّهُ يُفْضِي إلى الحَسَدِ، وقَدْ كانَ أوَّلُ جُرْمٍ حَصَلَ في الأرْضِ نَشَأ عَنِ الحَسَدِ. ولَقَدْ كَثُرَ ما انْتُهِبَتْ أمْوالٌ، وقُتِلَتْ نُفُوسٌ لِلرَّغْبَةِ في بَسْطِ رِزْقٍ، أوْ فِتْنَةِ نِساءٍ، أوْ نَوالِ مُلْكٍ، والتّارِيخُ طافِحٌ بِحَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ.
والَّذِي يَبْدُو أنَّ هَذا التَّمَنِّيَ هو تَمَنِّي أمْوالِ المُثْرِينَ، وتَمَنِّي أنْصِباءِ الوارِثِينَ، وتَمَنِّي الِاسْتِئْثارِ بِأمْوالِ اليَتامى ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، وتَمَنِّي حِرْمانِ النِّساءِ مِنَ المِيراثِ لِيُناسِبَ ما سَبَقَ مِن إيتاءِ اليَتامى أمْوالَهم وإنْصافِ النِّساءِ في مُهُورِهِنَّ، وتَرْكِ مُضارَّتِهِنَّ إلْجاءً إلى إسْقاطِها، ومِن إعْطاءِ أنْصِباءِ الوَرَثَةِ كَما قَسَمَ اللَّهُ لَهم. وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ.
صفحة ٢٩
وقَدْ أبْدى القَفّالُ مُناسَبَةً لِلْعَطْفِ تَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْتُهُ. وفي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا يَغْزُو النِّساءُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ورِواياتُهُ كُلُّها حِسانٌ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ. قُلْتُ: لَمّا كانَ مُرْسَلًا يَكُونُ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ إلَخْ. مِن كَلامِ مُجاهِدٍ، ومَعْناهُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ قَرِيبًا مِن زَمَنِ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَكانَ في عُمُومِها ما يَرُدُّ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ وغَيْرِها.
وقَدْ رُوِيَتْ آثارٌ: بَعْضُها في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَمَنِّي النِّساءِ الجِهادَ، وبَعْضُها في أنَّها نَزَلَتْ في قَوْلِ امْرَأةٍ: إنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وشَهادَةَ امْرَأتَيْنِ بِرَجُلٍ أفَنَحْنُ في العَمَلِ كَذَلِكَ، وبَعْضُها في أنَّ رِجالًا قالُوا: إنَّ ثَوابَ أعْمالِنا عَلى الضِّعْفِ مِن ثَوابِ النِّساءِ، وبَعْضُها في أنَّ النِّساءَ سَألْنَ أجْرَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وقُلْنَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا القِتالُ لَقاتَلْنا. وكُلُّ ذَلِكَ جُزْئِيّاتٌ وأمْثِلَةٌ مِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ.
والتَّمَنِّي هو طَلَبُ حُصُولِ ما يَعْسُرُ حُصُولُهُ لِلطّالِبِ. وذَلِكَ لَهُ أحْوالٌ: مِنها أنْ يَتَمَنّى ما هو مِن فَضْلِ اللَّهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ فِيهِ إلى شَيْءٍ في يَدِ الغَيْرِ، ولا مانِعَ يَمْنَعُهُ مِن شَرْعٍ أوْ عادَةٍ، سَواءٌ كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ كَتَمَنِّي الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أمْ كانَ غَيْرَ مُمْكِنِ الحُصُولِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ولَوَدِدْتُ أنِّي أُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ» . وقَوْلِهِ ﷺ «لَيْتَنا نَرى إخْوانَنا» يَعْنِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَهُ.
ومِنها أنْ يَتَمَنّى ما لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِمانِعٍ عادِيٍّ أوْ شَرْعِيٍّ، كَتَمَنِّي أُمِّ سَلَمَةَ أنْ يَغْزُوَ النِّساءُ كَما يَغْزُو الرِّجالُ، وأنْ تَكُونَ المَرْأةُ مُساوِيَةَ الرَّجُلِ في المِيراثِ، ومِنها أنْ يَتَمَنّى تَمَنِّيًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الرِّضا بِما ساقَهُ اللَّهُ والضَّجَرِ مِنهُ، أوْ عَلى الِاضْطِرابِ والِانْزِعاجِ، أوْ عَلى عَدَمِ الرِّضا بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ.
ومِنها أنْ يَتَمَنّى نِعْمَةً تُماثِلُ نِعْمَةً في يَدِ الغَيْرِ مَعَ إمْكانِ حُصُولِها لِلْمُتَمَنِّي بِدُونِ أنْ تُسْلَبَ مِنَ الَّتِي هي في يَدِهِ كَتَمَنِّي عِلْمٍ مِثْلِ عِلْمِ المُجْتَهِدِ أوْ مالٍ مِثْلِ مالِ قارُونَ.
صفحة ٣٠
ومِنها أنْ يَتَمَنّى ذَلِكَ لَكِنَّ مِثْلَهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِسَلْبِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِهِ كَتَمَنِّي مُلْكِ بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ زَوْجَةِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ.
ومِنها أنْ يَتَمَنّى زَوالَ نِعْمَةٍ عَنِ الغَيْرِ بِدُونِ قَصْدِ مَصِيرِها إلى المُتَمَنِّي.
وحاصِلُ مَعْنى النَّهْيِ في الآيَةِ أنَّهُ إمّا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِتَرْبِيَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يَشْغَلُوا نُفُوسَهم بِما لا قِبَلَ لَهم بِنَوالِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ سَمّاها تَمَنِّيًا، لِئَلّا يَكُونُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي ورَدَ فِيها حَدِيثُ «يَتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ»، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ إرْشادٌ إلى طَلَبِ المُمْكِنِ، إذْ قَدْ عَلِمُوا أنَّ سُؤالَ اللَّهِ ودُعاءَهُ يَكُونُ في مَرْجُوِّ الحُصُولِ، وإلّا كانَ سُوءَ أدَبٍ.
وإمّا نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وهو الظّاهِرُ مِن عَطْفِهِ عَلى المَنهِيّاتِ المُحَرَّمَةِ، فَيَكُونُ جَرِيمَةً ظاهِرَةً، أوْ قَلْبِيَّةً كالحَسَدِ، بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
فالتَّمَنِّي الأوَّلُ والرّابِعُ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُما، وقَدْ تَرْجَمَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: " بابُ تَمَنِّي الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبابُ الِاغْتِباطِ في العِلْمِ والحِكْمَةِ، وذَكَرَ حَدِيثَ «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٍ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُها النّاسَ» .
وأمّا التَّمَنِّي الثّانِي والثّالِثُ فَمَنهِيٌّ عَنْهُما لِأنَّهُما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما اضْطِرابُ النَّفْسِ وعَدَمُ الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ والشَّكُّ في حِكْمَةِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وأمّا التَّمَنِّي الخامِسُ والسّادِسُ فَمَنهِيٌّ عَنْهُما لا مَحالَةَ، وهو مِنَ الحَسَدِ، وفي الحَدِيثِ «لا تَسْألِ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها» ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أنْ يَخْطِبَ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ، إلّا إذا كانَ تَمَنِّيهِ في الحالَةِ الخامِسَةِ تَمَنِّي حُصُولِ ذَلِكَ لَهُ بَعْدَ مَن هي بِيَدِهِ بِحَيْثُ لا يَسْتَعْجِلُ مَوْتَهُ. وقَدْ قالَ أبُو بَكْرٍ، لَمّا اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، يُخاطِبُ المُهاجِرِينَ: فَكُلُّكم ورِمَ أنْفُهُ يُرِيدُ أنْ يَكُونَ لَهُ الأمْرُ دُونَهُ.
والسّادِسُ أشَدُّ وهو شَرُّ الحَسَدَيْنِ إلّا إذا كانَ صاحِبُ النِّعْمَةِ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى ضُرٍّ يَلْحَقُ الدِّينَ أوِ الأُمَّةَ أوْ عَلى إضْرارِ المُتَمَنِّي.
صفحة ٣١
ثُمَّ مَحَلُّ النَّهْيِ في الآيَةِ: هو التَّمَنِّي، وهو طَلَبُ ما لا قِبَلَ لِأحَدٍ بِتَحْصِيلِهِ بِكَسْبِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى سُلُوكِ مَسالِكِ العَداءِ، فَأمّا طَلَبُ ما يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ مِن غَيْرِ ضُرٍّ بِالغَيْرِ فَلا نَهْيَ عَنْهُ، لِأنَّهُ بِطَلَبِهِ يَنْصَرِفُ إلى تَحْصِيلِهِ فَيُحَصِّلُ فائِدَةً دِينِيَّةً أوْ دُنْيَوِيَّةً، أمّا طَلَبُ ما لا قِبَلَ لَهُ بِتَحْصِيلِهِ فَإنْ رَجَعَ إلى الفَوائِدِ الأُخْرَوِيَّةِ فَلا ضَيْرَ فِيهِ.
وحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الأقْسامِ المَنهِيِّ عَنْها مِنَ التَّمَنِّي أنَّها تُفْسِدُ ما بَيْنَ النّاسِ في مُعامَلاتِهِمْ فَيَنْشَأُ عَنْها الحَسَدُ، وهو أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ، إذْ حَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَنِ الحَسَدِ الغَيْظُ والغَضَبُ فَيُفْضِي إلى أذى المَحْسُودِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] . وكانَ سَبَبُ أوَّلِ جَرِيمَةٍ في الدُّنْيا الحَسَدَ: إذْ حَسَدَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ إنَّ تَمَنِّي الأحْوالِ المَنهِيِّ عَنْها يَنْشَأُ في النُّفُوسِ أوَّلَ ما يَنْشَأُ خاطِرًا مُجَرَّدًا، ثُمَّ يَرْبُو في النَّفْسِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى يَصِيرَ مَلَكَةً، فَتَدْعُو المَرْءَ إلى اجْتِرامِ الجَرائِمِ لِيَشْفِيَ غِلَّتَهُ، فَلِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ لِيَزْجُرُوا نُفُوسَهم عِنْدَ حُدُوثِ هاتِهِ التَّمَنِّياتِ بِزاجِرِ الدِّينِ والحِكْمَةِ فَلا يَدَعُوها تَرْبُو في النُّفُوسِ. وما نَشَأتِ الثَّوْراتُ والدِّعاياتُ إلى ابْتِزازِ الأمْوالِ بِعَناوِينَ مُخْتَلِفَةٍ إلّا مِن تَمَنِّي ما فَضَّلَ بِهِ اللَّهُ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ، أوْ إلّا أثَرٌ مِن آثارِ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ آحادُ النّاسِ، ولِأنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ أصْنافُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ الآيَةَ: إنْ أُرِيدَ بِذِكْرِ الرِّجالِ والنِّساءِ هُنا قَصْدُ تَعْمِيمِ النّاسِ مِثْلَ ما يُذْكَرُ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والنَّجْدُ والغَوْرُ، فالنَّهْيُ المُتَقَدِّمُ عَلى عُمُومِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي قَطْعًا لِعُذْرِ المُتَمَنِّينَ، وتَأْنِيسًا بِالنَّهْيِ، ولِذَلِكَ فَصَّلَتْ، وإنْ أُرِيدَ بِالرِّجالِ والنِّساءِ كُلًّا مِنَ النَّوْعَيْنِ بِخُصُوصِهِ بِمَعْنى أنَّ الرِّجالَ يَخْتَصُّونَ بِما اكْتَسَبُوهُ، والنِّساءَ يَخْتَصِصْنَ بِما اكْتَسَبْنَ مِنَ الأمْوالِ، فالنَّهْيُ المُتَقَدِّمُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّمَنِّي الَّذِي يُفْضِي إلى أكْلِ أمْوالِ اليَتامى والنِّساءِ، أيْ لَيْسَ لِلْأوْلِياءِ أكْلُ أمْوالِ مَوالِيهِمْ ووَلاياهم إذْ لِكُلٍّ مِن هَؤُلاءِ ما اكْتَسَبَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّتْ هي عَلَيْها، تَقْدِيرُها: ولا تَتَمَنَّوْا فَتَأْكُلُوا أمْوالَ مَوالِيكم.
صفحة ٣٢
والنَّصِيبَ: الحَظُّ والمِقْدارُ، وهو صادِقٌ عَلى الحَظِّ في الآخِرَةِ والحَظِّ في الدُّنْيا، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
والِاكْتِسابُ: السَّعْيُ لِلْكَسْبِ، وقَدْ يُسْتَعارُ لِحُصُولِ الشَّيْءِ ولَوْ بِدُونِ سَعْيٍ وعِلاجٍ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتَحَقَّ الرِّجالُ والنِّساءُ كُلٌّ حَظَّهُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ المُنْجَزِ لَهُ مِن عَمَلِهِ، فَلا فائِدَةَ في تَمَنِّي فَرِيقٍ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَ فَرِيقٍ آخَرَ، لِأنَّ الثَّوابَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ في عَمَلٍ مُعَيَّنٍ، فَإنَّ وسائِلَ الثَّوابِ كَثِيرَةٌ فَلا يَسُوءُكُمُ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: اسْتَحَقَّ كُلُّ شَخْصٍ، سَواءٌ كانَ رَجُلًا أمِ امْرَأةً، حَظَّهُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا المُنْجَزِ لَهُ مِمّا سَعى إلَيْهِ بِجُهْدِهِ، أوِ الَّذِي هو بَعْضُ ما سَعى إلَيْهِ، فَتَمَنِّي أحَدٍ شَيْئًا لَمْ يَسْعَ إلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ مِن حُقُوقِهِ، هو تَمَنٍّ غَيْرُ عادِلٍ، فَحَقَّ النَّهْيُ عَنْهُ، أوِ المَعْنى اسْتَحَقَّ أُولَئِكَ نَصِيبَهم مِمّا كَسَبُوا، أيْ مِمّا شُرِعَ لَهم مِنَ المِيراثِ ونَحْوِهِ، فَلا يَحْسُدْ أحَدٌ أحَدًا عَلى ما جُعِلَ لَهُ مِنَ الحَقِّ، لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِأحَقِّيَّةِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ: واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ. إنْ كانَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ إلَخْ، الَّذِي هو عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي، فالمَعْنى: لِلرِّجالِ مَزاياهم وحُقُوقُهم، ولِلنِّساءِ مَزاياهُنَّ وحُقُوقُهُنَّ، فَمَن تَمَنّى ما لَمْ يُعَدَّ لِصِنْفِهِ فَقَدِ اعْتَدى، لَكِنْ يَسْألُ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ أنْ يُعْطِيَهُ ما أعَدَّ لِصِنْفِهِ مِنَ المَزايا، ويَجْعَلَ ثَوابَهُ مُساوِيًا لِثَوابِ الأعْمالِ الَّتِي لَمْ تُعَدَّ لِصِنْفِهِ، كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلنِّساءِ: «لَكُنَّ أفْضَلُ الجِهادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وإنْ كانَ عَطْفًا عَلى النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ فالمَعْنى: لا تَتَمَنَّوْا ما في يَدِ الغَيْرِ ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ فَضْلَ اللَّهِ يَسَعُ الإنْعامَ عَلى الكُلِّ، فَلا أثَرَ لِلتَّمَنِّي إلّا تَعَبُ النَّفْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (واسْألُوا) بِإثْباتِ الهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ السّاكِنَةِ وهي عَيْنُ الفِعْلِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ وحَذْفِ الهَمْزَةِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى السِّينِ السّاكِنِ قَبْلَها تَخْفِيفًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِهَذا التَّكْلِيفِ، لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِ النَّفْسِ لا يُراقِبُ فِيهِ إلّا رَبَّهُ.
4:33Page 83
وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣
And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.
صفحة ٣٣
﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ .
الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ جامِعًا لِمَعْنى النَّهْيِ عَنِ الطَّمَعِ في مالِ صاحِبِ المالِ، قُصِدَ مِنها اسْتِكْمالُ تَبْيِينِ مَن لَهم حَقٌّ في المالِ.
وشَأْنُ (كُلٍّ) إذا حُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ أنْ يُعَوِّضَ التَّنْوِينُ عَنِ المَحْذُوفِ، فَإنْ جَرى في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ قُدِّرَ المَحْذُوفُ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ هُنا فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ (﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٣٢]) (﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٣٢]) فَيُقَدَّرُ: ولِكُلِّ الرِّجالِ والنِّساءِ جَعَلْنا مَوالِيَ، أوْ لِكُلِّ تارِكٍ جَعَلْنا مَوالِيَ.
ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ: ولِكُلِّ أحَدٍ أوْ شَيْءٍ جَعَلْنا مَوالِيَ.
والجَعْلُ مِن قَوْلِهِ (جَعَلْنا) هو الجَعْلُ التَّشْرِيعِيُّ أيْ شَرَعْنا لِكُلِّ مَوالِي لَهم حَقٌّ في مالِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا.
والمَوالِي جَمْعُ مَوْلًى وهو مَحَلُّ الوَلْيِ، أيِ القُرْبُ، وهو مَحَلٌّ مَجازِيٌّ وقُرْبٌ مَجازِيٌّ، والوَلاءُ اسْمُ المَصْدَرِ لِلْوَلْيِ المَجازِيِّ.
وفِي نَظْمِ الآيَةِ تَقادِيرُ جَدِيرَةٌ بِالِاعْتِبارِ، وجامِعَةٌ لِمَعانٍ مِنَ التَّشْرِيعِ:
الأوَّلُ: ولِكُلِّ تارِكٍ، أيْ تارِكٍ مالًا جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ أهْلَ ولاءٍ لَهُ، أيْ قُرْبٍ، أيْ ورَثَةٍ. ويَتَعَلَّقُ (مِمّا تَرَكَ) بِما في (مَوالِيَ) مِن مَعْنى يَلُونَهُ، أيْ يَرِثُونَهُ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ، وماصْدَقُ (ما) المَوْصُولَةِ هو المالُ، والصِّلَةُ قَرِينَةٌ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالمَوالِي المِيراثَ، وكَوْنِ المُضافِ إلَيْهِ ”كُلٍّ“ هو الهالِكُ أوِ التّارِكُ، ”ولِكُلٍّ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلْنا)، قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ.
صفحة ٣٤
وقَوْلُهُ ”الوالِدانِ“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَ بِهِ المُرادَ مِن ”مَوالِيَ“، ويَصْلُحُ أنْ يُبَيِّنَ بِهِ كُلَّ المُقَدَّرَ لَهُ مُضافٌ. تَقْدِيرُهُ: لِكُلِّ تارِكٍ. وتُبَيِّنَ كِلا اللَّفْظَيْنِ سَواءٌ في المَعْنى، لِأنَّ التّارِكَ: والِدٌ أوْ قَرِيبٌ، والمَوالِيَ: والِدُونَ أوْ قَرابَةٌ. وفي ذِكْرِ ”الوالِدانِ“ غُنْيَةٌ عَنْ ذِكْرِ الأبْناءِ لِتَلازُمِهِما، فَإنْ كانَ الوالِدانِ مِنَ الوَرَثَةِ فالهالِكُ ولَدٌ وإلّا فالهالِكُ والِدٌ. والتَّعْرِيفُ في (﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾) عِوَضٌ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ أيْ: والِداهُمُ وأقْرَبُوهم، والمُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَوالِي، وهَذا التَّقْدِيرُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ [النساء: ٣٢]، أيْ ولِكُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَهُ، وهو الجَعْلُ الَّذِي في آياتِ المَوارِيثِ.
والتَّقْدِيرُ الثّانِي: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ قَوْمًا يَلُونَهُ بِالإرْثِ، أيْ يَرِثُونَهُ، أيْ يَكُونُ تُراثًا لَهم، فَيَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ اسْمًا نَكِرَةً عامًّا يُبَيِّنُ نَوْعَهُ المَقامُ، ويَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) بَيانًا لِما في تَنْوِينِ (كُلٍّ) مِنَ الإيهامِ، ويَكُونُ (﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾) فاعِلًا لِـ (تَرَكَ) .
وهَذا التَّقْدِيرُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] أيْ في الأمْوالِ، أيْ ولِكُلٍّ مِنَ الَّذِينَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ جَعَلْنا مَوالِيَ يَؤُولُ إلَيْهِمُ المالُ، فَلا تَتَمَنَّوْا ما لَيْسَ لَكم فِيهِ حَقٌّ في حَياةِ أصْحابِهِ، ولا ما جَعَلْناهُ لِلْمَوالِي بَعْدَ مَوْتِ أصْحابِهِ.
التَّقْدِيرُ الثّالِثُ: ولِكُلٍّ مِنكم جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ عاصِبِينَ مِنَ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ الوالِدانِ، مِثْلَ الأعْمامِ والأجْدادِ والأخْوالِ، فَإنَّهم قُرَباءُ الأبَوَيْنِ، ومِمّا تَرَكَهُمُ الأقْرَبُونَ مِثْلُ أبْناءِ الأعْمامِ وأبْنائِهِمْ وإنْ تَعَدَّدُوا، وأبْناءُ الأخَواتِ كَذَلِكَ، فَإنَّهم قُرَباءُ الأقْرَبِينَ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى إرْجاعِ الأمْوالِ إلى العَصَبَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإلى ذَوِيِ الأرْحامِ عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهاءِ، وذَلِكَ إذا انْعَدَمَ الوَرَثَةُ الَّذِينَ في آيَةِ المَوارِيثِ السّابِقَةِ، وهو حُكْمٌ مُجْمَلٌ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما بَقِيَ فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ»، وقَوْلُهُ «ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنهم أوْ مِن أنْفُسِهِمْ» رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وقَوْلُهُ الخالُ وارْثُ مَن لا وارِثَ لَهُ " أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبِذَلِكَ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وعَلَيْهِ فَـ (ما) المَوْصُولَةُ في قَوْلِهِ (مِمّا تَرَكَ) بِمَعْنى (مَن) المَوْصُولَةِ، ولا بِدْعَ في ذَلِكَ. وهَذا
صفحة ٣٥
التَّقْدِيرُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ آيَةِ المَوارِيثِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] فَتَكُونَ تَكْمِلَةً لِآيَةِ المَوارِيثِ.
التَّقْدِيرُ الرّابِعُ: ولِكُلٍّ مِنكم أيُّها المُخاطَبُونَ بِقَوْلِنا ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ شَرَعْنا أحْكامَ الوَلاءِ لِمَن هم مُوالٍ لَكم، فَحُكْمُ الوَلاءِ الَّذِي تَرَكَهُ لَكم أهالِيكم: الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، أيْ أهْلُ الوَلاءِ القَدِيمِ في القَبِيلَةِ المُنْجَرِّ مِن حِلْفٍ قَدِيمٍ، أوْ بِحُكْمِ الوَلاءِ الَّذِي عاقَدَتْهُ الأيْمانُ، أيِ الأحْلافُ بَيْنَكم وبَيْنَهم أيُّها المُخاطَبُونَ، وهو الوَلاءُ الجَدِيدُ الشّامِلُ لِلتَّبَنِّي المُحْدَثِ، ولِلْحِلْفِ المُحْدَثِ، مِثْلَ المُؤاخاةِ الَّتِي فَرَضَها النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَإنَّ الوَلاءَ مِنهُ ولاءٌ قَدِيمٌ في القَبائِلِ، ومِنهُ ما يَتَعاقَدُ عَلَيْهِ الحاضِرُونَ، كَما أشارَ إلَيْهِ أبُو تَمّامٍ.
أعْطَيْتَ لِي دِيَةَ القَتِيلِ ولَيْسَ لِي عَقْلٌ ولا حِلْفٌ هُناكَ قَـدِيمُ
وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ (﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾) مَعْطُوفًا عَلى (﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾) . وهَذا التَّقْدِيرُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ تَكْمِلَةً لِآياتِ المَوارِيثِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ تَقادِيرُ أُخْرى لا تُلائِمُ بَعْضَ أجْزاءِ النَّظْمِ إلّا بِتَعَسُّفٍ فَلا يَنْبَغِي التَّعْرِيجُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾، وقِيلَ هو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هُمُ المَوالِي ؟ فَقِيلَ: الوالِدانِ والأقْرَبُونَ إلَخْ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ (﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ﴾) . وأُدْخِلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ (والأقْرَبُونَ) ولَيْسَ عَلى قَوْلِهِ (أيْمانُكم) . والمُعاقَدَةُ: حُصُولُ العَقْدِ مِنَ الجانِبَيْنِ، أيِ الَّذِينَ تَعاقَدْتُمْ مَعَهم عَلى أنْ يَكُونُوا بِمَنزِلَةِ الأبْناءِ أوْ بِمَنزِلَةِ الإخْوَةِ أوْ بِمَنزِلَةِ أبْناءِ العَمِّ. والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ: إمّا بِمَعْنى اليَدِ، أُسْنِدَ العَقْدُ إلى الأيْدِي مَجازًا لِأنَّها تُقارِنُ المُتَعاقِدِينَ لِأنَّهم يَضَعُونَ أيْدِيَ بَعْضِهِمْ في أيْدِي الآخَرِينَ، عَلامَةً عَلى انْبِرامِ العَقْدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ العَقْدُ صَفْقَةً أيْضًا، لِأنَّهُ يُصَفَّقُ فِيهِ اليَدُ عَلى اليَدِ، فَيَكُونُ مِن بابِ أوْ ما مَلَكَتْ إيمانُكم؛ وإمّا بِمَعْنى القَسَمِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَصْحَبُهُ قَسَمٌ،
صفحة ٣٦
ومِن أجْلِ ذَلِكَ سُمِّي حِلْفًا، وصاحِبُهُ حَلِيفًا. وإسْنادُ العَقْدِ إلى الأيْمانِ بِهَذا المَعْنى مَجازٌ أيْضًا، لِأنَّ القَسَمَ هو سَبَبُ انْعِقادِ الحِلْفِ.
والمُرادُ بِـ (﴿الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾): قِيلَ مَوالِي الحِلْفِ الَّذِي كانَ العَرَبُ يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، وهو أنْ يُحالِفَ الرَّجُلُ الآخَرَ فَيَقُولُ لَهُ دَمِي دَمُكَ وهَدْمِي هَدْمُكَ أيْ إسْقاطُ أحَدِهِما لِلدَّمِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ يَمْضِي عَلى الآخَرِ وثَأْرِي ثَأْرُكَ وحَرْبِي حَرْبُكَ وسِلْمِي سِلْمُكَ وتَرِثُنِي وأرِثُكَ وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ وتَعْقِلُ عَنِّي وأعْقِلُ عَنْكَ. وقَدْ جَمَعَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ المَوالِي الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ في قَوْلِهِ:
مَوالِيكم مَوْلى الوِلادَةِ مِنـكُـمُ ∗∗∗ ومَوْلى اليَمِينِ حابِسٌ قَدْ تُقُسِّما
قِيلَ: كانُوا جَعَلُوا لِلْمَوْلى السُّدُسَ في تَرِكَةِ المَيِّتِ، فَأقَرَّتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ الأنْفالِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ولَعَلَّ مُرادَهم أنَّ المُسْلِمِينَ جَعَلُوا لِلْمَوْلى السُّدُسَ وصِيَّةً لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهم مَوارِيثُ مُعَيَّنَةٌ. وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مِيراثِ الإخْوَةِ الَّذِينَ آخى النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَهم مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في أوَّلِ الهِجْرَةِ، فَكانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ دُونَ ذَوِي الأرْحامِ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِآيَةِ الأنْفالِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّها نَزَلَتْ في التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ المُتَبَنّى يَرِثُ المُتَبَنِّي بِالكَسْرِ مِثْلُ تَبَنِّي النَّبِيءِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ الكَلْبِيَّ، وتَبَنِّي الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ المِقْدادَ الكِنْدِيَّ، المَشْهُورَ بِالمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ، وتَبَنِّي الخَطّابِ بْنِ نُفَيْلٍ عامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ وتَبَنِّي أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سالِمَ بْنَ مَعْقِلٍ الإصْطَخْرِيَّ، المَشْهُورَ بِسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالمَوارِيثِ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّ ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فالآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ في البُخارِيِّ هي ناسِخَةٌ لِتَوْرِيثِ المُتَآخِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ حَصَرَ المِيراثَ في القَرابَةِ، فَتَعَيَّنَ عَلى هَذا أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ أيْ نَصِيبَ الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم مِنَ النَّصْرِ والمَعُونَةِ، أوْ فَآتُوهم نَصِيبَهم بِالوَصِيَّةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ.
صفحة ٣٧
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: نَزَلَتْ في التَّبَنِّي أمْرًا بِالوَصِيَّةِ لِلْمُتَبَنّى. وعَنِ الحَسَنِ أنَّها في شَأْنِ المُوصى لَهُ إذا ماتَ قَبْلَ مَوْتِ المُوصِي أنْ تُجْعَلَ الوَصِيَّةُ لِأقارِبِهِ لُزُومًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عاقَدَتْ) بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (عَقَدَتْ) بِدُونِ ألِفٍ ومَعَ تَخْفِيفِ القافِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ عَلى جَعْلِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾، أوْ هي زائِدَةٌ في الخَبَرِ إنْ جُعِلَ (﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ﴾) مُبْتَدَأً عَلى تَضْمِينِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ. والأمْرُ في الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences