Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:36–40

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:36–40

4:36Page 84

۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦

Worship Allāh and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side,1 the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allāh does not like those who are self-deluding and boastful,

صفحة ٤٨

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ .

عَطْفُ تَشْرِيعٍ يَخْتَصُّ بِالمُعامَلَةِ مَعَ ذَوِي القُرْبى والضُّعَفاءِ، وقَدَّمَ لَهُ الأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الإشْراكِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ وأنَّهُ أحَقُّ ما يَتَوَخّاهُ المُسْلِمُ، تَجْدِيدًا لِمَعْنى التَّوْحِيدِ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ كَما قَدَّمَ لِذَلِكَ في طالِعِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] . والمُناسَبَةُ هي ما أُرِيدَ جَمْعُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أحْكامِ أواصِرِ القَرابَةِ في النَّسَبِ والدِّينِ والمُخالَطَةِ.

والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ لِأنَّهم قَدْ تَقَرَّرَ نَفْيُ الشِّرْكِ بَيْنَهم وأُرِيدَ مِنهم دَوامُ العِبادَةِ لِلَّهِ، والِاسْتِزادَةُ مِنها، ونُهُوا عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ في قُوَّةِ صِيغَةِ حَصْرٍ؛ إذْ مُفادُهُ: اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ فاشْتَمَلَ عَلى مَعْنى إثْباتٍ ونَفْيٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ. والعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ القَصْرِ في مِثْلِ هَذا طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ جاءَ عَلَيْها قَوْلُ السَّمَوْألِ، أوْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيِّ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

وإنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَما يَكُونُ الغَرَضُ الأوَّلُ هو طَرَفَ الإثْباتِ، ثُمَّ يَقْصِدُ بَعْدَ ذَلِكَ نَفِيَ الحُكْمِ عَمّا عَدا المُثْبَتِ لَهُ، لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِالقَصْرِ كانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ هو نَفْيَ الحُكْمِ عَمّا عَدا المَذْكُورِ وذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَضى المَقامِ هُنا، ولِأجْلِ ذَلِكَ لَمّا خُوطِبَ بَنُو إسْرائِيلَ بِنَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ خُوطِبُوا بِطَرِيقَةِ القَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] الآيَةَ، لِأنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ إيقاظُهم إلى إبْطالِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهم قالُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ولِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ في مُدَّةِ مُناجاةِ مُوسى رَبَّهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِالنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

صفحة ٤٩

وكَذَلِكَ البَيْتُ فَإنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ هو التَّمَدُّحُ بِأنَّهم يُقْتَلُونَ في الحَرْبِ، فَتَزْهَقُ نُفُوسُهم بِالسُّيُوفِ، ثُمَّ بَدا لَهُ فَأعْقَبَهُ بِأنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ فِيهِمْ لا تَتَخَلَّفُ ولا مُبالَغَةَ فِيها.

و”شَيْئًا“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُشْرِكُوا“ أيْ لا تَجْعَلُوا شَرِيكًا شَيْئًا مِمّا يُعْبَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ ولَوْ ضَعِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢] .

وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ اهْتِمامٌ بِشَأْنِ الوالِدَيْنِ إذْ جَعَلَ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِما عَقِبَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٣]، ولِذا قَدَّمَ مَعْمُولَ ”إحْسانًا“ عَلَيْهِ تَقْدِيمًا لِلِاهْتِمامِ إذْ لا مَعْنى لِلْحَصْرِ هُنا لِأنَّ الإحْسانَ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ووَقَعَ المَصْدَرُ مَوْقِعَ الفِعْلِ، وإنَّما عُدِّيَ الإحْسانُ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى البِرِّ. وشاعَتْ تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ في القُرْآنِ في مِثْلِ هَذا. وعِنْدِي أنَّ الإحْسانَ إنَّما يُعَدّى بِالباءِ إذا أُرِيدَ بِهِ الإحْسانُ المُتَعَلِّقُ بِمُعامَلَةِ الذّاتِ وتَوْقِيرِها وإكْرامِها، وهو مَعْنى البِرِّ ولِذَلِكَ جاءَ ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ وإذا أُرِيدَ بِهِ إيصالُ النَّفْعِ المالِيِّ عُدِّيَ بِإلى، تَقُولُ: أحْسَنَ إلى فُلانٍ، إذا وصَلَهُ بِمالٍ ونَحْوِهِ.

”﴿وذِي القُرْبى﴾ [البقرة: ٨٣]“ صاحِبُ القَرابَةِ، والقُرْبى فُعْلى، اسْمٌ لِلْقُرْبِ مَصْدَرُ قَرُبَ كالرُّجْعى، والمُرادُ بِها قَرابَةُ النَّسَبِ، كَما هو الغالِبُ في هَذا المُرَكَّبِ الإضافِيِّ، وهو قَوْلُهم: ذُو القُرْبى، وإنَّما أمَرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِ اسْتِبْقاءً لِأواصِرِ الوِدِّ بَيْنَ الأقارِبِ، إذْ كانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ قَدْ حَرَّفُوا حُقُوقَ القَرابَةِ فَجَعَلُوها سَبَبَ تَنافُسٍ وتَحاسُدٍ وتَقاتُلٍ. وأقْوالُهم في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في شِعْرِهِمْ؛ قالَ أرْطاةُ بْنُ سُهَيَّةَ:

ونَحْنُ بَنُو عَمٍّ عَلى ذاكَ بَيْنَنا ∗∗∗ زَرابِيٌّ فِيها بِغْضَةٌ وتَنافُسُ

وحَسْبُكَ ما كانَ بَيْنَ بَكْرٍ وتَغْلِبَ في حَرْبِ البَسُوسِ، وهُما أقارِبُ وأصْهارٌ، وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَوْمَها عَرَبًا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالجاهِلِيَّةِ؛ فَلِذَلِكَ حَثَّهم عَلى الإحْسانِ إلى القَرابَةِ. وكانُوا يُحْسِنُونَ بِالجارِ، فَإذا كانَ مِن قَرابَتِهِمْ لَمْ يَكْتَرِثُوا بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ بَعْدَ العاطِفِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ تُؤَكَّدْ بِالباءِ في حِكايَةِ وصِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ (﴿وذِي القُرْبى﴾ [البقرة: ٨٣]) لِأنَّ الإسْلامَ أكَّدَ

صفحة ٥٠

أواصِرَ القَرابَةِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ. وفي الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى الأقارِبِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مِن سَفالَةِ الأخْلاقِ أنْ يَسْتَخِفَّ أحَدٌ بِالقَرِيبِ لِأنَّهُ قَرِيبُهُ، وآمِنٌ مِن غَوائِلِهِ، ويَصْرِفَ بِرَّهُ ووُدَّهُ إلى الأباعِدِ لِيَسْتَكْفِيَ شَرَّهم، أوْ لِيُذْكَرَ في القَبائِلِ بِالذِّكْرِ الحَسَنِ، فَإنَّ النَّفْسَ الَّتِي يُطَوِّعُها الشَّرُّ، وتُدَنِّيها الشِّدَّةُ، لَنَفْسٌ لَئِيمَةٌ، وكَما ورَدَ: شَرُّ النّاسِ مَنِ اتَّقاهُ النّاسُ لِشَرِّهِ. فَكَذَلِكَ نَقُولُ شَرُّ النّاسِ مَن عَظَّمَ أحَدًا لِشَرِّهِ.

وقَوْلُهُ ”﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾“ هَذانِ صِنْفانِ ضَعِيفانِ عَدِيما النَّصِيرِ، فَلِذَلِكَ أُوصِيَ بِهِما.

والجارُ هو النَّزِيلُ بِقُرْبِ مَنزِلِكِ، ويُطْلَقُ عَلى النَّزِيلِ بَيْنَ القَبِيلَةِ في جِوارِها، فالمُرادُ بِـ ﴿الجارِ ذِي القُرْبى﴾ الجارُ النَّسِيبُ مِنَ القَبِيلَةِ، وبِـ ﴿الجارِ الجُنُبِ﴾ الجارُ الغَرِيبُ الَّذِي نَزَلَ بَيْنَ القَوْمِ ولَيْسَ مِنَ القَبِيلَةِ، فَهو جُنُبٌ، أيْ بَعِيدٌ، مُشْتَقٌّ مِنَ الجانِبِ، وهو وصْفٌ عَلى وزْنِ فُعُلٍ، كَقَوْلِهِمْ: ناقَةٌ أُجُدٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُطابِقْ مَوْصُوفَهُ، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:

لا يَجْتَوِينا مُجَـاوِرٌ أبَـدًا ∗∗∗ ذُو رَحِمٍ أوْ مُجاوِرٌ جُنُبُ

ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ في شِعْرِهِ الَّذِي اسْتَشْفَعَ بِهِ عِنْدَ المَلِكِ الحارِثِ بْنِ جَبَلَةَ الغَسّانِيِّ، لِيُطْلِقَ لَهُ أخاهُ شاسا، حِينَ وقَعَ في أسْرِ الحارِثِ:

فَلا تَحْرِمْنِي نائِلًا عَنْ جِـنَـايَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبٌ

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الجارَ ذا القُرْبى بِقَرِيبِ الدّارِ، والجُنُبُ بِعِيدُها، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ القُرْبى لا تُعْرَفُ في القُرْبِ المَكانِيِّ، والعَرَبُ مَعْرُوفُونَ بِحِفْظِ الجِوارِ والإحْسانِ إلى الجارِ، وأقْوالُهم في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَأُكِدَّ ذَلِكَ في الإسْلامِ لِأنَّهُ مِن مَحامِدِ العَرَبِ الَّتِي جاءَ الإسْلامُ لِتَكْمِيلِها مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ومِن ذَلِكَ الإحْسانُ إلى الجارِ.

وأكَّدَتِ السُّنَّةُ الوِصايَةَ بِالجارِ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ: فَفي البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ: «قالَ: ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُورِّثُهُ» . وفِيهِ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَرَجَ وهو يَقُولُ «واللَّهِ لا

صفحة ٥١

يُؤْمِنُ واللَّهِ لا يُؤْمِنُ واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَن يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» وفِيهِ عَنْ عائِشَةَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي ؟ قالَ «إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي ذَرٍّ «إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأكْثِرْ ماءَها وتَعاهَدْهُ جِيرانَكَ» . واخْتُلِفَ في حَدِّ الجِوارِ: فَقالَ ابْنُ شِهابٍ، والأوْزاعِيُّ: أرْبَعُونَ دارًا مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ، ولَيْسَ عَنْ مالِكٍ في ذَلِكَ حَدٌّ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلى ما تَعارَفَهُ النّاسُ.

وقَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ هو المُصاحِبُ المُلازِمُ لِلْمَكانِ، فَمِنهُ الضَّيْفُ، ومِنهُ الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، وكُلُّ مَن هو مُلِمٌّ بِكَ لِطَلَبِ أنْ تَنْفَعَهُ، وقِيلَ: أرادَ الزَّوْجَةَ.

وابْنِ السَّبِيلِ هو الغَرِيبُ المُجْتازُ بِقَوْمٍ غَيْرِ ناوٍ الإقامَةَ، لِأنَّ مَن أقامَ فَهو الجارُ الجُنُبُ. وكَلِمَةُ (ابْنٍ) فِيهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِانْتِسابِ والِاخْتِصاصِ، كَقَوْلِهِمْ: أبُو اللَّيْلِ، وقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: أبُوها وكِيّالُها. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ السّابِلَةُ، فابْنُ السَّبِيلِ هو الَّذِي لازَمَ الطَّرِيقَ سائِرًا، أيْ مُسافِرًا، فَإذا دَخَلَ القَبِيلَةَ فَهو لَيْسَ مِن أبْنائِها، فَعَرَّفُوهُ بِأنَّهُ ابْنُ الطَّرِيقِ، رَمى بِهِ الطَّرِيقُ إلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ ولَدُهُ. والوِصايَةُ بِهِ لِأنَّهُ ضَعِيفُ الحِيلَةِ، قَلِيلُ النَّصِيرِ، إذْ لا يَهْتَدِي إلى أحْوالِ قَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِهِ، وبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ.

وكَذَلِكَ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم لِأنَّ العَبِيدَ في ضَعْفِ الرِّقِّ والحاجَةِ وانْقِطاعِ سُبُلِ الخَلاصِ مِن سادَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا أحِقّاءَ بِالوِصايَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى مَن سَمّاهم بِذَمِّ مَوانِعِ الإحْسانِ إلَيْهِمُ الغالِبَةِ عَلى البَشَرِ. والِاخْتِيالُ: التَّكَبُّرُ، افْتِعالٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الخُيَلاءِ، يُقالُ: خالَ الرَّجُلُ خَوْلًا وخالًا. والفَخُورُ: الشَّدِيدُ الفَخْرِ بِما فَعَلَ، وكِلا الوَصْفَيْنِ مَنشَأٌ لِلْغِلْظَةِ والجَفاءِ، فَهُما يُنافِيانِ الإحْسانَ المَأْمُورَ بِهِ، لِأنَّ المُرادَ الإحْسانُ في المُعامَلَةِ وتَرْكُ التَّرَفُّعِ عَلى مَن يُظَنُّ بِهِ سَبَبٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِقامِ.

ومَعْنى نَفْيِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى نَفْيُ رِضاهُ وتَقْرِيبِهِ عَمَّنْ هَذا وصْفُهُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأخْلاقِ أهْلِ الشِّرْكِ، لِما عُرِفُوا بِهِ مِنَ الغِلْظَةِ والجَفاءِ، فَهو في مَعْنى التَّحْذِيرِ مِن بَقايا الأخْلاقِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها.

4:37–39Page 84

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٣٧

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allāh has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ٣٨

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allāh nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا ٣٩

And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.

صفحة ٥٢

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، جِيءَ بِهِ عَقِبَ الأمْرِ بِالإحْسانِ لِمَن جَرى ذِكْرُهم في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُناسَبَةُ إرْدافِ التَّحْرِيضِ عَلى الإحْسانِ التَّحْذِيرُ مِن ضِدِّهِ وما يُشْبِهُ ضِدَّهُ مِن كُلِّ إحْسانٍ غَيْرِ صالِحٍ؛ فَقُوبِلَ الخُلُقُ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأخْلاقِ أهْلِ الكُفْرِ وحِزْبِ الشَّيْطانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما في خِلالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مُبْتَدَأً، وحُذِفَ خَبَرُهُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . وقُصِدَ العُدُولُ عَنِ العَطْفِ: لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً، ولِما فِيهِ مِن فائِدَةِ العُمُومِ، وفائِدَةِ الإعْلامِ بِأنَّ هَؤُلاءِ مِنَ الكافِرِينَ. فالتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أعَتَدْنا لَهم عَذابًا مُهِينًا وأعْتَدْنا ذَلِكَ لِلْكافِرِينَ أمْثالِهِمْ، وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ مَعْطُوفَةً أيْضًا عَلى جُمْلَةِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مَحْذُوفَةَ الخَبَرِ أيْضًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ. ونُكْتَةُ العُدُولِ إلى العَطْفِ مِثْلُ نُكْتَةِ ما قَبْلَها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِن ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وجُمْلَةُ ”وأعْتَدْنا“ مُعْتَرِضَةٌ. وهَؤُلاءِ هُمُ المُشْرِكُونَ المُتَظاهِرُونَ بِالكُفْرِ، وكَذَلِكَ المُنافِقُونَ.

والبُخْلُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ اسْمُ مَصْدَرِ بَخِلَ مِن بابِ فَرِحَ، ويُقالُ البَخَلُ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ وهو مَصْدَرُهُ القِياسِيُّ، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ.

صفحة ٥٣

والبُخْلُ: ضِدُّ الجُودِ وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ يَحُضُّونَ النّاسَ عَلَيْهِ، وهَذا أشَدُّ البُخْلِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

وإنِ امْرَأً ضَنَّتْ يَداهُ عَلى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِن غَيْرِهِ لَـبَـخِـيلُ

والكِتْمانُ: الإخْفاءُ. و﴿ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كِتْمانُ التَّوْراةِ بِما فِيها مِن صِفَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ: المُنافِقِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِمُ: اليَهُودَ؛ وهَذا المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في المُنافِقِينَ، فَقَدْ كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾، عَقِبَهُ، يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ أحَدُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وجُمْلَةُ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ.

وأصْلُ (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، لِثِقَلِ الدّالَيْنِ عِنْدَ فَكِّ الإدْغامِ بِاتِّصالِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ، وهَكَذا مادَّةُ أعَدَّ في كَلامِ العَرَبِ إذا أدْغَمُوها لَمْ يُبْدِلُوا الدّالَ بِالتّاءِ لِأنَّ الإدْغامَ أخَفُّ، وإذا أظْهَرُوا أبْدَلُوا الدّالَ تاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: (عَتادٌ) لِعُدَّةِ السِّلاحِ، وأعْتُدٌ جَمْعُ عَتادٍ.

ووَصَفَ العَذابَ بِالمُهِينِ جَزاءً لَهم عَلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ.

وعَطَفَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَلى ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: لِأنَّهم أنْفَقُوا إنْفاقًا لا تَحْصُلُ بِهِ فائِدَةُ الإنْفاقِ غالِبًا، لِأنَّ مَن يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءً لا يَتَوَخّى بِهِ مَواقِعَ الحاجَةِ، فَقَدْ يُعْطِي الغَنِيَّ ويَمْنَعُ الفَقِيرَ، وأُرِيدَ بِهِمْ هُنا المُنْفِقُونَ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ وُصِفُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قَدِ انْقَطَعَ الجِدالُ مَعَهم بَعْدَ الهِجْرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ.

صفحة ٥٤

وقَوْلُهُ: ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”ساءَ“: إنْ كانَ عائِدًا إلى الشَّيْطانِ فَـ ”ساءَ“ بِمَعْنى بِئْسَ، والضَّمِيرُ فاعِلُها، وقَرِينًا تَمْيِيزٌ لِلضَّمِيرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٧]، أيْ: فَساءَ قَرِينًا لَهُ، لِيَحْصُلَ الرَّبْطُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَبْقى (ساءَ) عَلى أصْلِها ضِدَّ حَسُنَ، وتَرْفَعَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ”مَن“ ويَكُونَ (قَرِينًا) تَمْيِيزَ نِسْبَةٍ، كَقَوْلِهِمْ ساءَ سَمْعًا فَساءَ إجابَةً أيْ فَساءَ مَن كانَ الشَّيْطانُ قَرِينَهُ مِن جِهَةِ القَرِينِ، والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ سُوءُ حالِ مَن كانَ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا بِإثْباتِ سُوءِ قَرِينِهِ؛ إذِ المَرْءُ يُعْرَفُ بِقَرِينِهِ، كَما قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارِنِ يَقْتَدِي

وقَوْلُهُ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَتَيْنِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى الفَرِيقَيْنِ، والمَقْصُودُ اسْتِنْزالُ طائِرِهِمْ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

”وماذا“ اسْتِفْهامٌ، وهو هُنا إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ. و(ذا) إشارَةٌ إلى (ما)، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَ (ذا) اسْمٌ مَوْصُولٌ نَحْوَ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وكَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ حَذْفُهُ وإبْقاءُ صِلَتِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَقالَ النُّحاةُ: نابَتْ (ذا) مَنابَ المَوْصُولِ، فَعَدُّوها في المَوْصُوَلاتِ وما هي مِنها في قُبَيْلٍ ولا دُبَيْرٍ، ولَكِنَّها مُؤْذِنَةٌ بِها في بَعْضِ المَواضِعِ. و(عَلى) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو صِلَةُ المَوْصُولِ، فَهو مُؤَوَّلٌ بِكَوْنٍ. و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا. (ولَوْ آمَنُوا) شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ قُدِّمَ دَلِيلُ الجَوابِ اهْتِمامًا بِالِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ قَتِيلَةَ بِنْتِ الحارِثِ:

ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ∗∗∗ مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ

ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ تَوَلَّدَ مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ في ”لَوِ“ الشَّرْطِيَّةِ، فَأثْبَتَهُ بَعْضُ النُّحاةِ في مَعانِي ”لَوْ“، ولَيْسَ بِمَعْنى ”لَوْ“ في التَّحْقِيقِ، ولَكِنَّهُ يَنْشَأُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْ آمَنُوا ماذا الَّذِي كانَ يُتْعِبُهم ويُثْقِلُهم، أيْ لَكانَ خَفِيفًا عَلَيْهِمْ ونافِعًا لَهم، وهَذا مِنَ الجَدَلِ بِإراءَةِ الحالَةِ المَتْرُوكَةِ أنْفَعَ ومَحْمُودَةً.

ثُمَّ إذا ظَهَرَ أنَّ التَّفْرِيطَ في أخَفِّ الحالَيْنِ وأسَدِّهِما أمْرٌ نُكْرٌ، ظَهَرَ أنَّ المُفَرِّطَ في ذَلِكَ مَلُومٌ، إذْ لَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ بِأرْشَدِ الخَلَّتَيْنِ، فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ اسْتِعْمالًا

صفحة ٥٥

كِنائِيًّا بِواسِطَتَيْنِ. والمَلامُ مُتَوَجِّهٌ لِلْفَرِيقَيْنِ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءً، لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ عَلى عَكْسِ تَرْتِيبِ الكَلامِ السّابِقِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، وهي تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ والجَزاءِ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ.

4:40Page 85

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠

Indeed, Allāh does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَعْدَ أنْ وصَفَ حالَهم، وأقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، وأراهم تَفْرِيطَهم مَعَ سُهُولَةِ أخْذِهِمْ بِالحَيْطَةِ لِأنْفُسِهِمْ لَوْ شاءُوا، بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ القَلِيلِ، بَلْهَ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِوَعِيدٍ مَحْذُوفٍ هو مِن جِنْسِ العِقابِ، وأنَّهُ في حَقِّهِمْ عَدْلٌ، لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ أيْضًا مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ولَمّا كانَ المَنفِيُّ الظُّلْمَ، عَلى أنَّ مِثْقالَ ذَرَّةٍ تَقْدِيرٌ لِأقَلِّ ظُلْمٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ المُسِيءَ بِأكْثَرِ مِن جَزاءِ سَيِّئَتِهِ.

وانْتَصَبَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ لا يَظْلِمُ ظُلْمًا مُقَدَّرًا بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ، والمِثْقالُ ما يَظْهَرُ بِهِ الثِّقَلُ، فَلِذَلِكَ صِيغَ عَلى وزْنِ اسْمِ الآلَةِ، والمُرادُ بِهِ المِقْدارُ.

والذَّرَّةُ تُطْلَقُ عَلى بَيْضَةِ النَّمْلَةِ، وعَلى ما يَتَطايَرُ مِنَ التُّرابِ عِنْدَ النَّفْخِ، وهَذا أحْقَرُ ما يُقَدَّرُ بِهِ، فُعُلِمَ انْتِفاءُ ما هو أكْثَرُ مِنهُ بِالأوْلى. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”حَسَنَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”تَكُ“ مُضارِعُ كانَ التّامَّةِ، أيْ إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ (حَسَنَةً) عَلى الخَبَرِيَّةِ لِـ ”تَكُ“ عَلى اعْتِبارِ كانَ ناقِصَةً، واسْمُ كانَ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى مِثْقالِ ذَرَّةٍ، وجِيءَ بِفِعْلِ الكَوْنِ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُؤَنَّثِ مُراعاةً لِلَفْظِ ”ذَرَّةٍ“ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ (مِثْقالُ) لِأنَّ لَفْظَ ”مِثْقالَ“ مُبْهَمٌ لا يُمَيِّزُهُ إلّا لَفْظُ ذَرَّةٍ فَكانَ كالمُسْتَغْنى عَنْهُ.

صفحة ٥٦

والمُضاعَفَةُ إضافَةُ الضِّعْفِ بِكَسْرِ الضّادِ أيِ المَثَلِ، يُقالُ: ضاعَفَ وضَعَّفَ وأضْعَفَ، وهي بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ أيِمَّةِ اللُّغَةِ، مِثْلِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ (ضاعَفَ) يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن ضِعْفٍ واحِدٍ و(ضَعَّفَ) يَقْتَضِي ضِعْفَيْنِ. ورُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وأمّا دَلالَةُ إحْدى الصِّيَغِ الثَّلاثِ عَلى مِقْدارِ التَّضْعِيفِ فَيُؤْخَذُ مِنَ القَرائِنِ لِحِكْمَةِ الصِّيغَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُضاعِفْها، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: (يُضَعِّفْها) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ.

والأجْرُ العَظِيمُ ما يُزادُ عَلى الضِّعْفِ، ولِذَلِكَ أضافَهُ اللَّهُ تَعالى إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، فَقالَ ”مِن لَدُنْهُ“ إضافَةَ تَشْرِيفٍ. وسَمّاهُ أجْرًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ في ثَوابِ الهِجْرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском