Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:48–55
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها مِن تَهْدِيدِ اليَهُودِ بِعِقابٍ في الدُّنْيا، فالكَلامُ مَسُوقٌ لِتَرْغِيبِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، وإعْلامِهِمْ بِأنَّهم بِحَيْثُ يَتَجاوَزُ اللَّهُ عَنْهم عِنْدَ حُصُولِ إيمانِهِمْ، ولَوْ كانَ عَذابُ الطَّمْسِ نازِلًا عَلَيْهِمْ، فالمُرادُ بِالغُفْرانِ التَّجاوُزُ في الدُّنْيا عَنِ المُؤاخَذَةِ لَهم بِعِظَمِ كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، أيْ بِرَفْعِ العَذابَ عَنْهم. وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ تَهْدِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا يَحِلُّ بِهِمْ فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] الآيَةَ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ حَرْفُ ”أنْ“ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ، أيْ آمِنُوا بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ، لِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ما دُونُ الإشْراكِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، أيْ لِيُعَذِّبَهم عَذابَ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، أيْ في الدُّنْيا، وهو عَذابُ الجُوعِ والسَّيْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠]، أيْ دُخانُ عامِ المَجاعَةِ في قُرَيْشٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] أيْ بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ؛ أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالغُفْرانِ التَّسامُحَ، فَإنَّ الإسْلامَ قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ الدُّخُولَ تَحْتَ ذِمَّةِ الإسْلامِ دُونَ الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، وذَلِكَ حُكْمُ الجِزْيَةِ، ولَمْ يَرْضَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا بِالإيمانِ دُونَ الجِزْيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلى قَوْلِهِ
صفحة ٨١
﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وقالَ في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ قَوارِعِ أهْلِ الكِتابِ ومَواعِظِهِمْ، فَيَكُونُ حَرْفُ ”إنَّ“ لِتَوْكِيدِ الخَبَرِ لِقَصْدِ دَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ أوِ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وهو إمّا تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ لِتَشْنِيعِ جُرْمِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِتَشْنِيعِ حالِ الَّذِينَ فَضَّلُوا الشِّرْكَ عَلى الإيمانِ، وإظْهارًا لِمِقْدارِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمُ الآتِي في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]، أيْ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ بِحالِ مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَنْهُ. والمَغْفِرَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَصِحُّ حَمْلُها عَلى مَعْنى التَّجاوُزِ الدُّنْيَوِيِّ، وعَلى مَعْنى التَّجاوُزِ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ.
وإمّا أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ تَعْلِيمِ حِكَمٍ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ العُصاةِ: ابْتُدِئَ بِمُحْكَمٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وذُيِّلَ بِمُتَشابِهٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾؛ فالمَغْفِرَةُ مُرادٌ مِنها التَّجاوُزُ في الآخِرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ فَهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ العُلَماءُ فِيهِ وهو يُرِيدُ أنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أُمُورًا مُشْكَلَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُ الكُفْرَ الَّذِي لَيْسَ بِشِرْكٍ كَكُفْرِ اليَهُودِ.
الثّانِي: أنَّهُ يَغْفِرُ لِمُرْتَكِبِ الذُّنُوبِ ولَوْ لَمْ يَتُبْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ لا يَغْفِرُ لِلْكافِرِ بَعْدَ إيمانِهِ ولِلْمُذْنِبِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، لِأنَّهُ وكَّلَ الغُفْرانَ إلى المَشِيئَةِ، وهي تُلاقِي الوُقُوعَ والِانْتِفاءَ. وكُلُّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ قَدْ جاءَتِ الأدِلَّةُ المُتَظافِرَةُ عَلى خِلافِها، واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى مُخالَفَةِ ظاهِرِها، فَكانَتِ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِبَيانِ ما تَعارَضَ مِن آياتِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وتَلْخِيصُ الكَلامِ فِيها أنْ يُقالَ: النّاسُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: كافِرٌ ماتَ عَلى كُفْرِهِ، فَهَذا مُخَلَّدٌ في النّارِ بِإجْماعٍ، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ وماتَ عَلى ذَلِكَ فَهو في الجَنَّةِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ بِإجْماعٍ، وتائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فَهَذا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الأُمَّةِ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، ومُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فَهَذا هو مَوْضِعُ
صفحة ٨٢
الخِلافِ: فَقالَتِ المُرْجِئَةُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً بِالكُفّارِ وآياتِ الوَعْدِ عامَّةً في المُؤْمِنِينَ؛ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ فَهو في النّارِ لا مَحالَةَ، وقالَتِ الخَوارِجُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أوْ صَغِيرَةٍ فَهو في النّارِ مُخَلَّدٌ ولا إيمانَ لَهُ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعْدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ والمُؤْمِنِ التّائِبِ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كُفّارًا أوْ مُؤْمِنِينَ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: آياتُ الوَعْدِ ظاهِرَةُ العُمُومِ ولا يَصِحُّ نُفُوذُ كُلِّها لِوَجْهِهِ بِسَبَبِ تَعارُضِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، فَلا بُدَّ أنْ نَقُولَ: إنَّ آياتِ الوَعْدِ لَفْظُها لَفْظُ العُمُومِ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ: في المُؤْمِنِ المُحْسِنِ، وفِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى العَفْوُ عَنْهُ دُونَ تَعْذِيبٍ مِنَ العُصاةِ، وأنَّ آياتِ الوَعِيدِ لَفْظُها عُمُومٌ والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ، وفِيمَن سَبَقَ عِلْمُهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ العُصاةِ. وآيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ جَلَتِ الشَّكَّ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ مُبْطِلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وقَوْلَهُ: لِمَن يَشاءُ رادًّا عَلى المُرْجِئَةِ دالٌّ عَلى أنَّ غُفْرانَ ما دُونُ الشِّرْكِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، ولَعَلَّهُ بَنى كَلامَهُ عَلى تَأْوِيلِ الشِّرْكِ بِهِ بِما يَشْمَلُ الكُفْرَ كُلَّهُ، أوْ بَناهُ عَلى أنَّ اليَهُودَ أشْرَكُوا فَقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى أشْرَكُوا فَقالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وهو تَأْوِيلُ الشّافِعِيِّ فِيما نَسَبَهُ إلَيْهِ فَخْرُ الدِّينِ، وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. فالإشْراكُ لَهُ مَعْناهُ في الشَّرِيعَةِ، والكَفْرُ دُونَهُ لَهُ مَعْناهُ.
والمُعْتَزِلَةُ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ: بِأنَّ قَوْلَهُ (لِمَن يَشاءُ) مَعْمُولٌ يَتَنازَعُهُ (لا يَغْفِرُ) المَنفِيُّ ويَغْفِرُ المُثْبِتُ. وتَحْقِيقُ كَلامِهِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ ويَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ، ويَصِيرُ مَعْنى لا يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ أنَّهُ لا يَشاءُ المَغْفِرَةَ لَهُ إذْ لَوْ شاءَ المَغْفِرَةَ لَهُ لَغَفَرَ لَهُ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ المُمْكِنَ لا يَمْنَعُها شَيْءٌ، وهي لا تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ، فَلَمّا قالَ (لا يَغْفِرُ) عَلِمْنا أنَّ (مَن يَشاءُ) مَعْناهُ لا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ، فَيَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ لا تَفْعَلْ فَأعْرِفُكَ فاعِلًا، وهَذا التَّأْوِيلُ تَعَسُّفٌ بَيِّنٌ.
وأحْسَبُ أنَّ تَأْوِيلَ الخَوارِجِ قَرِيبٌ مِن هَذا. وأمّا المُرْجِئَةُ فَتَأوَّلُوا بِما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ مَفْعُولَ (مَن يَشاءُ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أنْ يُشْرِكَ بِهِ، أيْ ويَغْفِرُ ما دُونَ
صفحة ٨٣
الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ الإيمانَ، أيْ لِمَن آمَنَ، وهي تَعَسُّفاتٌ تُكْرِهُ القُرْآنَ عَلى خِدْمَةِ مَذاهِبِهِمْ. وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، إنْ كانَتْ مُرادًا بِها الإعْلامُ بِأحْوالِ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ فَهي آيَةٌ اقْتُصِرَ فِيها عَلى بَيانِ المَقْصُودِ، وهو تَهْوِيلُ شَأْنِ الإشْراكِ، وأُجْمِلَ ما عَداهُ إجْمالًا عَجِيبًا، بِأنْ أُدْخِلَتْ صُوَرُهُ كُلُّها في قَوْلِهِ (لِمَن يَشاءُ) المُقْتَضِي مَغْفِرَةً لِفَرِيقٍ مُبْهَمٍ ومُؤاخَذَةً لِفَرِيقٍ مُبْهَمٍ. والحِوالَةُ في بَيانِ هَذا المُجْمَلِ عَلى الأدِلَّةِ الأُخْرى المُسْتَقْراةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ في أوَّلِ البِعْثَةِ لَأمْكَنَ أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَعْدَها مِنَ الآياتِ نَسَخَ ما تَضَمَّنَتْهُ، ولا يَهُولُنا أنَّها خَبَرٌ لِأنَّها خَبَرٌ مَقْصُودٌ مِنهُ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، ولَكِنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مُعْظَمِ القُرْآنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها تَنْظُرُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَها، وبِذَلِكَ يَسْتَغْنِي جَمِيعُ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ عَنِ التَّعَسُّفِ في تَأْوِيلِها كُلٌّ بِما يُساعِدُ نِحْلَتَهُ، وتُصْبِحُ صالِحَةً لِمَحامِلِ الجَمِيعِ، والمَرْجِعُ في تَأْوِيلِها إلى الأدِلَّةِ المُبَيِّنَةِ، وعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الإشْراكِ بِما يَشْمَلُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، ولَعَلَّهُ نَظَرَ فِيهِ إلى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ في تَحْرِيمِ تَزَوُّجِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ بِأنَّهُما مُشْرِكَتانِ. وقالَ: أيُّ شِرْكٍ أعْظَمُ مِن أنْ يُدْعى لِلَّهِ ابْنٌ.
وأدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ صَرِيحَةٌ في اخْتِلافِ مَفْهُومِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وكَوْنُ طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، لا يَقْتَضِي جَعْلَهم مُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَدَّعُوا مَعَ ذَلِكَ لِهَذَيْنِ إلَهِيَّةً تُشارِكُ اللَّهَ تَعالى، واخْتِلافُ الأحْكامِ التَّكْلِيفِيَّةِ بَيْنَ الكُفْرَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا يُرادَ بِهَذا اللَّفْظِ مَفْهُومُ مُطْلَقِ الكُفْرِ، عَلى أنَّهُ ماذا يُغْنِي هَذا التَّأْوِيلُ إذا كانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ لا يَقُولُ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ مِثْلَ مُعْظَمِ اليَهُودِ.
وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ، أيِ الإيمانَ، يُوجِبُ مَغْفِرَتَهُ سَواءٌ كانَ كُفْرَ إشْراكٍ أمْ كُفْرًا بِالإسْلامِ، لا شَكَّ في ذَلِكَ، إمّا بِوَعْدِ اللَّهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ؛ وأنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ مُطْلَقًا لا يُغْفَرُ بِلا شَكٍّ، إمّا بِوَعِيدِ اللَّهِ، أوْ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ؛ وأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ يُغْفَرُ ذَنْبُهُ قَطْعًا، إمّا بِوَعْدِ اللَّهِ أوْ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ. واخْتُلِفَ في المُذْنِبِ إذا ماتَ عَلى ذَنْبِهِ ولَمْ يَتُبْ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الحَسَناتِ ما يُغَطِّي عَلى ذُنُوبِهِ، فَقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: يُعاقَبُ ولا يُخَلَّدُ في العَذابِ بِنَصِّ الشَّرِيعَةِ، لا بِالوُجُوبِ، وهو مَعْنى المَشِيئَةِ، فَقَدْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وعَرَّفَنا مَشِيئَتَهُ بِأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
صفحة ٨٤
وقالَ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ: هو في النّارِ خالِدًا بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ، وقالَ المُرْجِئَةُ: لا يُعاقَبُ بِحالٍ، وكُلُّ هاتِهِ الأقْسامِ داخِلٌ في إجْمالِ (لِمَن يَشاءُ) .
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ زِيادَةٌ في تَشْنِيعِ حالِ الشِّرْكِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِلْكاذِبِ فِيهِ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَرْيِ وهو قَطْعُ الجِلْدِ. وهَذا مِثْلُ ما أطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الِاخْتِلاقِ مِنَ الخَلْقِ. وهو قَطْعُ الجِلْدِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والإثْمُ العَظِيمُ: الفاحِشَةُ الشَّدِيدَةُ.
4:49–50Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ .
تَعْجِيبٌ مِن حالِ اليَهُودِ إذْ يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إدْلالِهِمُ الكاذِبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ بِإثْباتِ ضِدِّهِ، وهو أنَّ التَّزْكِيَةَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِـ (بَلْ) تَصْرِيحٌ بِإبْطالِ تَزْكِيَتِهِمْ. وأنَّ الَّذِينَ زَكَّوْا أنْفُسَهم لا حَظَّ لَهم في تَزْكِيَةِ اللَّهِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ تَزْكِيَتَهُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ (بَلْ) فَقِيلَ: واللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ. لَكانَ لَهم مَطْمَعٌ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى.
ومَعْنى ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْرِمْهم ما هم بِهِ أحْرِياءُ، وأنَّ تَزْكِيَةَ اللَّهِ غَيْرَهم لا تُعَدُّ ظُلْمًا لَهم لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ولا يَظْلِمُ أحَدًا.
والفَتِيلُ: شِبْهُ خَيْطٍ في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لِلْقِلَّةِ إذْ هو لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا لَهُ مَرْأًى واضِحٌ.
صفحة ٨٥
وانْتَصَبَ ”فَتِيلًا“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ”ظُلْمًا“ كالفَتِيلِ، أيْ بِقَدْرِهِ، فَحُذِفَتْ أداةُ التَّشْبِيهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] .
وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ جَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ، لِشَدَّةِ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مَرْئِيٌّ يَنْظُرُهُ النّاسُ بِأعْيُنِهِمْ، وإنَّما هو مِمّا يُسْمَعُ ويُعْقَلُ، وكَلِمَةُ ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ نِهايَةٌ في بُلُوغِهِ غايَةَ الإثْمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَرْكِيبُ: كَفى بِهِ كَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (كَفى) عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] .
4:51–52Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ .
أُعِيدَ التَّعْجِيبُ مِنَ اليَهُودِ، ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، بِما هو أعْجَبُ مِن حالِهِمُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ فَإنَّ إيمانَهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ وتَصْوِيبَهم لِلْمُشْرِكِينَ تَباعُدٌ مِنهم عَنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ بِمَراحِلَ شاسِعَةٍ، لِأنَّ أوَّلَ قَواعِدِ التَّوْراةِ وأُولى كَلِماتِها العَشْرِ هي: لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى أمامِي، لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثالًا مَنحُوتًا، لا تَسْجُدْ لَهُنَّ ولا تَعْبُدْهُنَّ. وتَقَدَّمَ بَيانُ تَرْكِيبِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ آنِفًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والجِبْتُ: كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الحَبَشِيَّةِ، أيِ الشَّيْطانُ والسِّحْرُ؛ لِأنَّ مادَّةَ: ج ب ت مُهْمَلَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِمَةُ دَخِيلَةً. وقِيلَ: أصْلُها جِبْسٌ: وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في قَوْلِ عِلْباءَ بْنِ أرْقَمَ:
يا لَعَنَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرارَ النّاتِ
لَيْسُوا أعِفّاءَ ولا أكْياتِ
أيْ شِرارُ النّاسِ ولا بِأكْياسٍ، وكَما قالُوا: الجَتُّ بِمَعْنى الجَسِّ.
صفحة ٨٦
والطّاغُوتُ: الأصْنامُ. كَذا فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ هُنا ونُقِلَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ فَيُقالُ لِلصَّنَمِ طاغُوتٌ ولِلْأصْنامِ طاغُوتٌ، فَهو نَظِيرُ طِفْلٍ وفُلْكٍ. ولَعَلَّ التِزامَ اقْتِرانِهِ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ هو الَّذِي سَوَّغَ إطْلاقَهُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ نَظِيرَ الكِتابِ والكُتُبِ. ثُمَّ لَمّا شاعَ ذَلِكَ طَرَّدُوهُ حَتّى في حالَةِ تَجَرُّدِهِ عَنِ اللّامِ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فَأفْرَدَهُ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] إلَخْ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مَن طَغى يَطْغُو: إذا تَعاظَمَ وتَرَفَّعَ، وأصْلُهُ مَصَدْرٌ بِوَزْنِ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلُ: رَهَبُوتٍ، ومَلَكُوتٍ، ورَحَمُوتٍ، وجَبَرُوتٍ، فَأصْلُهُ طَغْوُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبُ مَكانِيٌّ بِتَقْدِيمِ لامِ الكَلِمَةِ عَلى عَيْنِها فَصارَ طَوَغُوتٌ بِوَزْنِ فَلَعُوتٍ، والقَصْدُ مِن هَذا القَلْبِ تَأتِّي إبْدالِ الواوِ ألِفًا بِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهم قَدْ يَقْلِبُونَ حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِيَتَأتّى الإبْدالُ كَما قَلَبُوا أرْءامَ جَمْعَ رِيمٍ إلى آرامَ لِيَتَأتّى إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ السّاكِنَةِ ألِفًا بَعْدَ الأُولى المَفْتُوحَةِ، وقَدْ يُنْزِلُونَ هَذا الِاسْمَ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ فَيَجْمَعُونَهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى طَواغِيتَ ووَزْنُهُ فَعالِيلُ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّواغِيتِ» . وفي كَلامِ ابْنِ المُسَيَّبِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ.
وقَدْ يُطْلَقُ الطّاغُوتُ عَلى عَظِيمِ أهْلِ الشِّرْكِ كالكاهِنِ، لِأنَّهم يُعَظِّمُونَهُ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ مِن بَعْضِ اليَهُودِ، وفِيهِمْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، فَإنَّهم بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ طَمِعُوا أنْ يَسْعَوْا في اسْتِئْصالِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ لِيُحالِفُوا المُشْرِكِينَ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ كَعْبٌ عِنْدَ أبِي سُفْيانَ، ونَزَلَ بَقِيَّتُهم في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ ولَعَلَّكم أنْ تَكُونُوا أدْنى إلى مُحَمَّدٍ وأتْباعِهِ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم. فَقالُوا لَهم: إنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أرْضى عِنْدَ اللَّهِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ: فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم. فَفَعَلُوا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إعْلامًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِما بَيَّتَهُ اليَهُودُ وأهْلُ مَكَّةَ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا لامُ العِلَّةِ، أيْ يَقُولُونَ لِأجْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ولَيْسَ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ. وأُرِيدَ بِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وذَلِكَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ في إطْلاقِ صِفَةِ الكُفْرِ
صفحة ٨٧
أنَّهُ الشِّرْكُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ أهْدى﴾ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهو حِكايَةٌ لِلْقَوْلِ بِمَعْناهُ، لِأنَّهم إنَّما قالُوا أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، أوْ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ هَؤُلاءِ أهْدى، أيْ حِينَ تَناجَوْا وزَوَّرُوا ما سَيَقُولُونَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى نِداءً عَلى غَلَطِهِمْ، لِأنَّهم إنَّما قالُوا: هَؤُلاءِ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأتْباعِهِ، وإذْ كانَ مُحَمَّدٌ وأتْباعُهُ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ لَزِمَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ المُشْرِكِينَ أهْدى مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا مَحَلُّ التَّعْجِيبِ.
وعَقَّبَ التَّعْجِيبَ بُقُولِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ . ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا في نِهايَةِ الرَّشاقَةِ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِن وصْفِ حالِهِ هَذا المَبْلَغَ صارَ كالمُشاهَدِ، فَناسَبَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ أنْ يُشارَ إلى هَذا الفَرِيقِ المُدَّعى أنَّهُ مَرْئِيٌّ، فَيُقالُ: أُولَئِكَ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما سَيُذْكَرُ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِهِمْ.
والصِّلَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لَيْسَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ اتِّصافُ المُخْبَرِ عَنْهم بِها اتِّصافَ مَنِ اشْتُهِرَ بِها؛ فالمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ إنْ سَمِعْتُمْ بِقَوْمٍ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَهم هم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا أنَّ اليَهُودَ مَلْعُونُونَ، فالمَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ هو ما عُطِفَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . والمَوْصُولُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فِيهِ إيماءٌ إلى تَعْلِيلِ الإخْبارِ الضِّمْنِيِّ عَنْهم: بِأنَّهم لا نَصِيرَ لَهم، لِأنَّهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ، والَّذِي يَلْعَنُهُ لا نَصِيرَ لَهُ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في شَأْنِ المُسْلِمِينَ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] .
4:53–55Page 87
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤
Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.
فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥
And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.
صفحة ٨٨
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ .
(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ:
إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ
وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ.
والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ.
لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ.
وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ
صفحة ٨٩
بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ بِأعْجَبَ مِن إرْسالِ مُوسى. وفي تَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ حَتّى لا يَعُدُّوا تَكْذِيبَهم مُحَمَّدًا ﷺ ثُلْمَةً في نُبُوَّتِهِ، إذْ لا يُعْرَفُ رَسُولٌ أجْمَعَ أهْلُ دَعْوَتِهِ عَلى تَصْدِيقِهِ مِن إبْراهِيمَ فَمَن بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ. وتَفْسِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences