Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:4–5
4:4Page 77
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤
And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2
﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .
جانِبانِ مُسْتَضْعَفانِ في الجاهِلِيَّةِ: اليَتِيمُ، والمَرْأةُ. وحَقّانِ مَغْبُونٌ فِيهِما أصْحابُهُما: مالُ الأيْتامِ، ومالُ النِّساءِ، فَلِذَلِكَ حَرَسَهُما القُرْآنُ أشَدَّ الحِراسَةِ فابْتَدَأ بِالوِصايَةِ بِحَقِّ مالِ اليَتِيمِ وثَنّى بِالوِصايَةِ بِحَقِّ المَرْأةِ في مالٍ يَنْجَرُّ إلَيْها لا مَحالَةَ، وكانَ تَوَسُّطُ حُكْمِ النِّكاحِ بَيْنَ الوِصايَتَيْنِ أحْسَنَ مُناسَبَةٍ تُهَيِّئُ لِعَطْفِ هَذا الكَلامِ.
فَقَوْلُهُ ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والقَوْلُ في مَعْنى الإيتاءِ فِيهِ سَواءٌ. وزادَهُ اتِّصالًا بِالكَلامِ السّابِقِ أنَّ ما قَبْلَهُ جَرى عَلى وُجُوبِ القِسْطِ في يَتامى النِّساءِ، فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةَ الِانْتِقالِ. والمُخاطَبُ بِالأمْرِ في أمْثالِ هَذا كُلُّ مَن لَهُ نَصِيبٌ في العَمَلِ بِذَلِكَ، فَهو خِطابٌ لِعُمُومِ الأُمَّةِ عَلى مَعْنى تَناوُلِهِ لِكُلِّ مَن لَهُ فِيهِ يَدٌ مِنَ الأزْواجِ والأوْلِياءِ ثُمَّ وُلاةِ الأُمُورِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ المَرْجِعُ في الضَّرْبِ عَلى أيْدِي ظَلَمَةِ الحُقُوقِ أرْبابَها. والمَقْصُودُ بِالخِطابِ ابْتِداءً هُمُ الأزْواجُ،
صفحة ٢٣٠
لِكَيْلا يَتَذَرَّعُوا بِحَياءِ النِّساءِ وضَعْفِهِنَّ وطَلَبِهِنَّ مَرْضاتَهم إلى غَمَصِ حُقُوقِهِنَّ في أكْلِ مُهُورِهِنَّ، أوْ يَجْعَلُوا حاجَتَهُنَّ لِلتَّزَوُّجِ لِأجْلِ إيجادِ كافِلٍ لَهُنَّ ذَرِيعَةً لِإسْقاطِ المَهْرِ في النِّكاحِ، فَهَذا ما يُمْكِنُ في أكْلِ مُهُورِهِنَّ، وإلّا فَلَهُنَّ أوْلِياءُ يُطالِبُونَ الأزْواجَ بِتَعْيِينِ المُهُورِ، ولَكِنْ دُونَ الوُصُولِ إلى وُلاةِ الأُمُورِ مَتاعِبُ وكُلَفٌ قَدْ يَمَلُّها صاحِبُ الحَقِّ فَيَتْرُكَ طَلَبَهُ، وخاصَّةً النِّساءُ ذَواتُ الأزْواجِ. وإلى كَوْنِ الخِطابِ لِلْأزْواجِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، فالآيَةُ عَلى هَذا قَرَّرَتْ دَفْعَ المُهُورِ وجَعَلَتْهُ شَرْعًا، فَصارَ المَهْرُ رُكْنًا مِن أرْكانِ النِّكاحِ في الإسْلامِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِدَّةِ آياتٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] وغَيْرِ ذَلِكَ.
والمَهْرُ عَلامَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّكاحِ وبَيْنَ المُخادَنَةِ، لَكِنَّهم في الجاهِلِيَّةِ كانَ الزَّوْجُ يُعْطِي مالًا لِوَلِيِّ المَرْأةِ ويُسَمُّونَهُ حُلْوانًا - بِضَمِّ الحاءِ - ولا تَأْخُذُ المَرْأةُ شَيْئًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ في الإسْلامِ بِأنْ جَعَلَ المالَ لِلْمَرْأةِ بِقَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ: الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: لِأنَّ عادَةَ بَعْضِ العَرَبِ أنْ يَأْكُلَ ولِيُّ المَرْأةِ مَهْرَها فَرَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ. وعَنِ الحَضْرَمِيِّ: خاطَبَتِ الآيَةُ المُتَشاغِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ امْرَأةً بِأُخْرى، ولَعَلَّ هَذا أخَذَ بِدَلالَةِ الإشارَةِ ولَيْسَ صَرِيحَ اللَّفْظِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ عُمُومُ النِّساءِ وعُمُومُ الصَّدُقاتِ.
والصَّدُقاتُ جَمْعُ صَدُقَةٍ - بِضَمِّ الدّالِ - والصَّدُقَةُ: مَهْرُ المَرْأةِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ لِأنَّها عَطِيَّةٌ يَسْبِقُها الوَعْدُ بِها فَيَصْدُقُهُ المُعْطِي.
والنِّحْلَةُ - بِكَسْرِ النُّونِ - العَطِيَّةُ بِلا قَصْدِ عِوَضٍ، ويُقالُ نُحْلٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
وانْتَصَبَ ”نِحْلَةً“ عَلى الحالِ مِن صَدُقاتِهِنَّ، وإنَّما صَحَّ مَجِيءُ الحالِ مُفْرِدَةً وصاحِبُها جَمْعٌ لِأنَّ المُرادَ بِهَذا المُفْرَدِ الجِنْسُ الصّالِحُ لِلْأفْرادِ كُلِّها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نِحْلَةٌ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِـ ”آتُوا“ لِبَيانِ النَّوْعِ مِنَ الإيتاءِ أيْ إعْطاءِ كَرامَةٍ.
وسُمِّيَتِ الصَّدُقاتُ نِحْلَةً إبْعادًا لِلصَّدُقاتِ عَنْ أنْواعِ الأعْواضِ، وتَقْرِيبًا بِها إلى الهَدِيَّةِ، إذْ لَيْسَ الصَّداقُ عِوَضًا عَنْ مَنافِعِ المَرْأةِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَإنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ بَيْنَ
صفحة ٢٣١
الرَّجُلِ والمَرْأةِ قُصِدَ مِنهُ المُعاشَرَةُ، وإيجادُ آصِرَةٍ عَظِيمَةٍ، وتَبادُلُ حُقُوقٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وتِلْكَ أغْلى مِن أنْ يَكُونَ لَها عِوَضٌ مالِيٌّ، ولَوْ جُعِلَ لَكانَ عِوَضُها جَزِيلًا ومُتَجَدِّدًا بِتَجَدُّدِ المَنافِعِ، وامْتِدادِ أزْمانِها، شَأْنُ الأعْواضِ كُلِّها، ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ هَدِيَّةً واجِبَةً عَلى الأزْواجِ إكْرامًا لِزَوْجاتِهِمْ، وإنَّما أوْجَبَهُ اللَّهُ لِأنَّهُ تَقَرَّرَ أنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ النِّكاحِ وبَيْنَ المُخادَنَةِ والسِّفاحِ، إذْ كانَ أصْلُ النِّكاحِ في البَشَرِ اخْتِصاصَ الرَّجُلِ بِامْرَأةٍ تَكُونُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَكانَ هَذا الِاخْتِصاصُ يُنالُ بِالقُوَّةِ، ثُمَّ اعْتاضَ النّاسُ عَنِ القُوَّةِ بَذْلَ الأثْمانِ لِأوْلِياءِ النِّساءِ بِبَيْعِهِنَّ بَناتِهِنَّ ومَوْلَياتِهِنَّ، ثُمَّ ارْتَقى التَّشْرِيعُ وكَمُلَ عَقْدُ النِّكاحِ، وصارَتِ المَرْأةُ حَلِيلَةَ الرَّجُلِ شَرِيكَتَهُ في شُئُونِهِ وبَقِيَتِ الصَّدُقاتُ أماراتٍ عَلى ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ القَدِيمِ تُمَيِّزُ عَقْدَ النِّكاحِ عَنْ بَقِيَّةِ أنْواعِ المُعاشَرَةِ المَذْمُومَةِ شَرْعًا وعادَةً، وكانَتِ المُعاشَرَةُ عَلى غَيْرِ وجْهِ النِّكاحِ خالِيَةً عَنْ بَذْلِ المالِ لِلْأوْلِياءِ إذْ كانَتْ تَنْشَأُ عَنِ الحُبِّ أوِ الشَّهْوَةِ مِنَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ عَلى انْفِرادٍ وخُفْيَةٍ مِن أهْلِها، فَمِن ذَلِكَ الزِّنى المُوَقَّتُ، ومِنهُ المُخادَنَةُ، فَهي زِنًا مُسْتَمِرٌّ، وأشارَ إلَيْها القُرْآنُ في قَوْلِهِ ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥] ودُونَ ذَلِكَ البِغاءُ وهو الزِّنا بِالإماءِ بِأُجُورٍ مُعَيَّنَةٍ، وهو الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ النَّهْيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النور: ٣٣] وهُنالِكَ مُعاشَراتٌ أُخْرى، مِثْلُ الضِّمادِ وهو أنْ تَتَّخِذَ ذاتُ الزَّوْجِ رَجُلًا خَلِيلًا لَها في سَنَةِ القَحْطِ لِيُنْفِقَ عَلَيْها مَعَ نَفَقَةِ زَوْجِها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ سَمّى اللَّهُ الصَّداقَ نِحْلَةً، فَأبْعَدَ الَّذِينَ فَسَّرُوها بِلازِمِ مَعْناها فَجَعَلُوها كِنايَةً عَنْ طِيبِ نَفْسِ الأزْواجِ أوِ الأوْلِياءِ بِإيتاءِ الصَّدُقاتِ، والَّذِينَ فَسَّرُوها بِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِلنِّساءِ فَرَضَها لَهُنَّ، والَّذِينَ فَسَّرُوها بِمَعْنى الشَّرْعِ الَّذِي يُنْتَحَلُ أيْ يُتَّبَعُ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ الآيَةَ أيْ فَإنْ طابَتْ أنْفُسُهُنَّ لَكم بِشَيْءٍ مِنهُ أيِ المَذْكُورِ. وأفْرَدَ ضَمِيرَ ”مِنهُ“ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ حَمْلًا عَلى اسْمِ الإشارَةِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:
فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
فَقالَ لَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَقُولَ: كَأنَّها إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ، وإمّا أنْ تَقُولَ: كَأنَّهُما إنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَلَقَ فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ، ويْلَكَ ! ! أيْ أجْرى الضَّمِيرَ كَما
صفحة ٢٣٢
يُجْرى اسْمُ الإشارَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ضَمِيرٍ مِثْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٣٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
وجِيءَ بِلَفْظِ ”نَفْسًا“ مُفْرَدًا مَعَ أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ ”طِبْنَ“ إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ النِّساءِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ اسْمُ جِنْسٍ نَكِرَةٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ. وأُسْنِدَ الطَّيِّبُ إلى ذَواتِ النِّساءِ ابْتِداءً ثُمَّ جِيءَ بِالتَّمْيِيزِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ هَذا الطَّيِّبِ عَلى ما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ المَعانِي: مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وبَيْنَ اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، لِيُعْلَمَ أنَّهُ طِيبُ نَفْسٍ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الضَّغْطِ والإلْجاءِ.
وحَقِيقَةُ فِعْلِ طابَ اتِّصافُ الشَّيْءِ بِالمُلاءَمَةِ لِلنَّفْسِ، وأصْلُهُ طَيِّبُ الرّائِحَةِ لِحُسْنِ مَشْمُومِها،، وطَيِّبُ الرِّيحِ مُوافَقَتُها لِلسّائِرِ في البَحْرِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ. ومِنهُ أيْضًا ما تَرْضى بِهِ النَّفْسُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما يَزْكُو بَيْنَ جِنْسِهِ كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] ومِنهُ فِعْلُ ﴿طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ هُنا أيْ رَضِينَ بِإعْطائِهِ دُونَ حَرَجٍ ولا عَسْفٍ، فَهو اسْتِعارَةٌ.
وقَوْلُهُ فَكُلُوهُ اسْتَعْمَلَ الأكْلَ هُنا في مَعْنى الِانْتِفاعِ الَّذِي لا رُجُوعَ فِيهِ لِصاحِبِ الشَّيْءِ المُنْتَفَعِ بِهِ، أيْ في مَعْنى تَمامِ التَّمَلُّكِ. وأصْلُ الأكْلِ في كَلامِهِمْ يُسْتَعارُ لِلِاسْتِيلاءِ عَلى مالِ الغَيْرِ اسْتِيلاءً لا رُجُوعَ فِيهِ، لِأنَّ الأكْلَ أشَدُّ أنْواعِ الِانْتِفاعِ حائِلًا بَيْنَ الشَّيْءِ وبَيْنَ رُجُوعِهِ إلى مُسْتَحِقِّهِ. ولَكِنَّهُ أُطْلِقَ هُنا عَلى الِانْتِفاعِ لِأجْلِ المُشاكَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَتِلْكَ مُحَسِّنُ الِاسْتِعارَةِ.
و”هَنِيئًا مَرِيئًا“ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وهُما صِفَتانِ مُشَبَّهَتانِ مِن هَنا وهَنِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها بِمَعْنى ساغَ ولَمْ يُعَقِّبْ نَغْصًا. والمَرِيءُ مِن مَرُوَ الطَّعامَ - مُثَلَّثُ الرّاءِ - بِمَعْنى هَنِئَ، فَهو تَأْكِيدٌ يُشْبِهُ الِاتِّباعَ. وقِيلَ: الهَنِيءُ الَّذِي يَلَذُّهُ الآكِلُ والمَرِيءُ ما تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ. وهَذانِ الوَصْفانِ يَجُوزُ كَوْنُهُما تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ ”كُلُوهُ“ بِمَعْنى خُذُوهُ أخْذَ مِلْكٍ، ويَجُوزُ كَوْنُهُما مُسْتَعْمَلَيْنِ في انْتِفاءِ التَّبِعَةِ عَنِ الأزْواجِ في أخْذِ ما طابَتْ لَهم بِهِ نُفُوسُ أزْواجِهِمْ، أيْ حَلالًا مُباحًا، أوْ حَلالًا لا غُرْمَ فِيهِ.
صفحة ٢٣٣
وإنَّما قالَ ”عَنْ شَيْءٍ مِنهُ“ فَجِيءَ بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ إشارَةً إلى أنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَعْرى العَقْدُ عَنِ الصَّداقِ، فَلا تُسْقِطْهُ كُلَّهُ إلّا أنَّ الفُقَهاءَ لَمّا تَأوَّلُوا ظاهِرَ الآيَةِ مِنَ التَّبْعِيضِ، وجَعَلُوا هِبَةَ جَمِيعِ الصَّداقِ كَهِبَتِهِ كُلِّهِ أخْذًا بِأصْلِ العَطايا، لِأنَّها لَمّا قَبَضَتْهُ فَقَدْ تَقَرَّرَ مِلْكُها إيّاهُ، ولَمْ يَأْخُذْ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ في هَذا بِالتُّهْمَةِ لِأنَّ مَبْنى النِّكاحِ عَلى المُكارَمَةِ، وإلّا فَإنَّهم قالُوا في مَسائِلِ البَيْعِ: إنَّ الخارِجَ مِنَ اليَدِ ثُمَّ الرّاجِعَ إلَيْها يُعْتَبَرُ كَأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ، وهَذا عِنْدَنا في المالِكاتِ أمْرَ أنْفُسِهِنَّ دُونَ المَحْجُوراتِ تَخْصِيصًا لِلْآيَةِ بِغَيْرِها مِن أدِلَّةِ الحَجْرِ فَإنَّ الصَّغِيراتِ غَيْرَ داخِلاتٍ هُنا بِالإجْماعِ. فَدَخَلَ التَّخْصِيصُ لِلْآيَةِ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: ذَلِكَ لِلثَّيِّبِ والبِكْرِ، تَمَسُّكًا بِالعُمُومِ. وهو ضَعِيفٌ في حَمْلِ الأدِلَّةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في رُجُوعِ المَرْأةِ في هِبَتِها بَعْضَ صَداقِها: فَقالَ الجُمْهُورُ: لا رُجُوعَ لَها، وقالَ شُرَيْحٌ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ: لَها الرُّجُوعِ، لِأنَّها لَوْ طابَتْ نَفْسُها لَما رَجَعَتْ. ورَوَوْا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كَتَبَ إلى قُضاتِهِ إنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً فَأيُّما امْرَأةً أعْطَتْهُ، ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَذَلِكَ لَها وهَذا يَظْهَرُ إذا كانَ بَيْنَ العَطِيَّةِ وبَيْنَ الرُّجُوعِ قَرِيبًا، وحَدَثَ مِن مُعامَلَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ العَطِيَّةِ خِلافُ ما يُؤْذَنُ بِهِ حُسْنُ المُعاشَرَةِ السّابِقِ لِلْعَطِيَّةِ.
وحَكْمُ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] .
4:5Page 77
وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥
And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.
﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيَمًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .
عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إيجابِ أنْ يُؤْتى كُلُّ مالٍ لِمالِكِهِ مِن أجْلِ تَقَدُّمِ الأمْرِ بِإتْيانِ الأمْوالِ مالِكِيها مَرَّتَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] . أوْ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٢] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
صفحة ٢٣٤
والمَقْصُودُ بَيانُ الحالِ الَّتِي يُمْنَعُ فِيها السَّفِيهُ مِن مالِهِ، والحالِ الَّتِي يُؤْتى فِيها مالَهُ، وقَدْ يُقالُ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقَدَّمَ هُنالِكَ حُكْمُ مَنعِ تَسْلِيمِ مالِ اليَتامى لِأنَّهُ أسْبَقُ في الحُصُولِ، فَيَتَّجِهُ لِمُخالَفَةِ هَذا المُقْتَضى أنْ نَقُولَ قَدَّمَ حُكْمَ التَّسْلِيمِ، لِأنَّ النّاسَ أحْرَصُ عَلى ضِدِّهِ، فَلَوِ ابْتَدَأ بِالنَّهْيِ عَنْ تَسْلِيمِ الأمْوالِ لِلسُّفَهاءِ لاتَّخَذَهُ الظّالِمُونَ حُجَّةً لَهم، وتَظاهَرُوا بِأنَّهم إنَّما يَمْنَعُونَ الأيْتامَ أمْوالَهم خَشْيَةً مِنَ اسْتِمْرارِ السَّفَهِ فِيهِمْ، كَما يَفْعَلُهُ الآنَ كَثِيرٌ مِنَ الأوْصِياءِ والمُقَدَّمِينَ غَيْرُ الأتْقِياءِ، إذْ يَتَصَدَّوْنَ لِلْمُعارَضَةِ في بَيِّناتِ ثُبُوتِ الرُّشْدِ لِمُجَرَّدِ الشَّغَبِ وإمْلالِ المَحاجِيرِ مِن طَلَبِ حُقُوقِهِمْ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ﴾ كَمِثْلِ الخِطابِ في وآتُوا اليَتامى وآتُوا النِّساءَ هو لِعُمُومِ النّاسِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] لِيَأْخُذَ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِهَذا الحُكْمِ حَظَّهُ مِنَ الِامْتِثالِ.
و(السُّفَهاءُ) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اليَتامى، لِأنَّ الصِّغَرَ هو حالَةُ السَّفَهِ الغالِبَةِ، فَيَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٢] لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الحِفْظِ والإيتاءِ بِمَعْنى التَّمْكِينِ، ويَكُونُ العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِاليَتامى إلى التَّعْبِيرِ هُنا بِالسُّفَهاءِ لِبَيانِ عِلَّةِ المَنعِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مُطْلَقُ مَن ثَبَتَ لَهُ السَّفَهُ، سَواءً كانَ عَنْ صِغَرٍ أمْ عَنِ اخْتِلالِ تَصَرُّفٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلْحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ الكَبِيرِ اسْتِطْرادًا لِلْمُناسَبَةِ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِأنَّهُ أوْفَرُ مَعْنًى وأوْسَعُ تَشْرِيعًا. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي السَّفَهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إلّا مِن سَفِهَ نَفْسَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُرادُ بِالأمْوالِ أمْوالُ المَحاجِيرِ المَمْلُوكَةُ لَهم، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ وارْزُقُوهم فِيها وأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِ (يا أيُّها النّاسُ) إشارَةً بَدِيعَةً إلى أنَّ المالَ الرّائِجَ بَيْنَ النّاسِ هو حَقٌّ لِمالِكِيهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَ التَّأمُّلِ تَلُوحُ فِيهِ حُقُوقُ المِلَّةِ جَمْعاءَ لِأنَّ في حُصُولِهِ مَنفَعَةً لِلْأُمَّةِ كُلِّها، لِأنَّ ما في أيْدِي بَعْضِ أفْرادِها مِنَ الثَّرْوَةِ يَعُودُ إلى الجَمِيعِ بِالصّالِحَةِ، فَمِن تِلْكَ الأمْوالِ يُنْفِقُ أرْبابُها ويَسْتَأْجِرُونَ ويَشْتَرُونَ ويَتَصَدَّقُونَ ثُمَّ تُورَثُ عَنْهم إذا ماتُوا فَيَنْتَقِلُ المالُ بِذَلِكَ مِن يَدٍ إلى غَيْرِها فَيَنْتَفِعُ العاجِزُ والعامِلُ والتّاجِرُ والفَقِيرُ وذُو الكَفافِ، ومَتى قَلَّتِ الأمْوالُ
صفحة ٢٣٥
مِن أيْدِي النّاسِ تَقارَبُوا في الحاجَةِ، والخَصاصَةِ، فَأصْبَحُوا في ضَنْكٍ وبُؤْسٍ، واحْتاجُوا إلى قَبِيلَةٍ أوْ أُمَّةٍ أُخْرى، وذَلِكَ مِن أسْبابِ ابْتِزازِ عِزِّهِمْ، وامْتِلاكِ بِلادِهِمْ، وتَصْيِيرِ مَنافِعِهِمْ لِخِدْمَةِ غَيْرِهِمْ، فَلِأجْلِ هاتِهِ الحِكْمَةِ أضافَ اللَّهُ تَعالى الأمْوالَ إلى جَمِيعِ المُخاطَبِينَ لِيَكُونَ لَهُمُ الحَقُّ في إقامَةِ الأحْكامِ الَّتِي تَحْفَظُ الأمْوالَ والثَّرْوَةَ العامَّةَ.
وهَذِهِ إشارَةٌ لا أحْسَبُ أنَّ حَكِيمًا مِن حُكَماءِ الِاقْتِصادِ سَبَقَ القُرْآنَ إلى بَيانِها. وقَدْ أبْعَدَ جَماعَةٌ جَعَلُوا الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، لِأنَّ الأمْوالَ في يَدِ الأوْلِياءِ، وجَعَلُوا الخِطابَ لِلْأوْلِياءِ خاصَّةً. وجَماعَةٌ جَعَلُوا الإضافَةَ لِلْمُخاطَبِينَ لِأنَّ الأمْوالَ مِن نَوْعِ أمْوالِهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ أمْوالُهم حَقِيقَةً، وإلَيْهِ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وجَماعَةٌ جَعَلُوا الإضافَةَ لِأنَّ السُّفَهاءَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ فَكَأنَّ أمْوالَهم أمْوالُهم وإلَيْهِ مالَ فَخْرُ الدِّينِ. وقارَبَ ابْنُ العَرَبِيِّ إذْ قالَ لِأنَّ الأمْوالَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الخَلْقِ تَنْتَقِلُ مِن يَدٍ إلى يَدٍ وتَخْرُجُ مِن مِلْكٍ إلى مِلْكٍ وبِما ذَكَرْتُهُ مِنَ البَيانِ كانَ لِكَلِمَتِهِ هَذِهِ شَأْنٌ. وأبْعَدَ فَرِيقٌ آخَرُونَ فَجَعَلُوا الإضافَةَ حَقِيقِيَّةٌ أيْ لا تُؤْتُوا يا أصْحابَ الأمْوالِ أمْوالَكم لِمَن يُضَيِّعُها مِن أوْلادِكم ونِسائِكم، وهَذا أبْعَدُ الوُجُوهِ، ولا إخالُ الحامِلَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلّا الحَيْرَةَ في وجْهِ الجَمِيعِ بَيْنَ كَوْنِ المَمْنُوعِينَ مِنَ الأمْوالِ السُّفَهاءِ، وبَيْنَ إضافَةِ تِلْكَ الأمْوالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وإنَّما وصَفْتُهُ بِالبُعْدِ لِأنَّ قائِلَهُ جَعَلَهُ هو المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ ولَوْ جَعَلَهُ وجْهًا جائِزًا يَقُومُ مِن لَفْظِ الآيَةِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ بِناءً عَلى ما تَقَرَّرَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وأُجْرِيَ عَلى الأمْوالِ صِفَةٌ تَزِيدُ إضافَتُها إلى المُخاطَبِينَ وُضُوحًا وهي قَوْلُهُ ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيَمًا﴾ فَجاءَ في الصِّفَةِ بِمَوْصُولٍ إيماءً إلى تَعْلِيلِ النَّهْيِ، وإيضاحًا لِمَعْنى الإضافَةِ، فَإنَّ (قِيَمًا) مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فِعَلٍ بِمَعْنى فِعالٍ: مِثْلُ عِوَذٍ بِمَعْنى عِياذٍ، وهو مِنَ الواوِيِّ وقِياسُهُ قِوَمٌ، إلّا أنَّهُ أُعِلَّ بِالياءِ شُذُوذًا كَما شَذَّ جِيادٌ في جَمْعِ جَوادٍ وكَما شَذَّ طِيالٌ في لُغَةِ ضَبَّةَ في جَمْعِ طَوِيلٍ، قَصَدُوا قَلْبَ الواوِ ألِفًا بَعْدَ الكَسْرَةِ كَما فَعَلُوهُ في قِيامٍ ونَحْوِهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ في وزْنِ فِعالٍ مُطَّرِدٌ، وفي غَيْرِهِ شاذٌّ لِكَثْرَةِ فِعالٍ في المَصادِرِ، وقِلَّةِ فِعَلٍ فِيها، وقِيَمٌ مِن غَيْرِ الغالِبِ. كَذا قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: قِيَمًا بِوَزْنِ فِعَلٍ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ قِيامًا، والقِيامُ ما بِهِ يُتَقَوَّمُ المَعاشُ وهو واوِيٌّ أيْضًا
صفحة ٢٣٦
وعَلى القِراءَتَيْنِ فالإخْبارُ عَنِ الأمْوالِ بِهِ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ قَوْلِ الخَنْساءِ:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
والمَعْنى أنَّها تَقْوِيمٌ عَظِيمٌ لِأحْوالِ النّاسِ. وقِيلَ: قِيَمًا جَمْعُ قِيمَةٍ أيِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ قِيَمًا أيْ أثْمانًا لِلْأشْياءِ، ولَيْسَ فِيهِ إيذانٌ بِالمَعْنى الجَلِيلِ المُتَقَدِّمِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ أيْ لا تُؤْتُوهُمُ الأمْوالَ إيتاءَ تَصَرُّفٍ مُطْلَقٍ، ولَكِنْ آتَوْهم إيّاها بِمِقْدارِ انْتِفاعِهِمْ مِن نَفَقَةٍ وكُسْوَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا: تُسَلَّمُ لِلْمَحْجُورِ نَفَقَتُهُ وكِسْوَتُهُ إذا أمِنَ عَلَيْها بِحَسَبِ حالِهِ ومالِهِ، وعَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ ارْزُقُوهم واكْسُوهم بِ (مِن) إلى تَعْدِيَتِها بِ (في) الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ، حِينَ لا يَقْصِدُ التَّبْعِيضَ المُوهِمَ لِلْإنْقاصِ مِن ذاتِ الشَّيْءِ، بَلْ يُرادُ أنَّ في جُمْلَةِ الشَّيْءِ ما يَحْصُلُ بِهِ الفِعْلُ: تارَةً مِن عَيْنِهِ، وتارَةً مِن ثَمَنِهِ، وتارَةً مِن نِتاجِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ مُكَرَّرًا مُسْتَمِرًّا. وانْظُرْ ذَلِكَ في قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها ∗∗∗ ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
يُرِيدُ الإبِلَ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ في دِيَةِ قَتِيلٍ مِنهم، أيْ نَشْرَبُ بِأثْمانِها ونُقامِرُ، فَإمّا شَرِبْنا بِجَمِيعِها أوْ بِبَعْضِها أوْ نَسْتَرْجِعُ مِنها في القِمارِ، وهَذا مَعْنًى بَدِيعٌ في الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ هُنا، فَأهْمَلَ مُعْظَمُهُمُ التَّنْبِيهَ عَلى وجْهِ العُدُولِ إلى في، واهْتَدى إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ بَعْضَ الِاهْتِداءِ فَقالَ: أيِ اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا فِيها وتَتَرَبَّحُوا حَتّى تَكُونَ نَفَقَتُهم مِنَ الرِّبْحِ لا مِن صُلْبِ المالِ. فَقَوْلُهُ لا مِن صُلْبِ المالِ مُسْتَدْرَكٌ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لاقْتَضى نَهْيًا عَنِ الإنْفاقِ مَن صُلْبِ المالِ. وإنَّما قالَ ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ لِيَسْلَمَ إعْطاؤُهُمُ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ مِنَ الأذى، فَإنَّ شَأْنَ مَن يُخْرِجُ المالَ مِن يَدِهِ أنْ يَسْتَثْقِلَ سائِلَ المالِ، وذَلِكَ سَواءٌ في العَطايا الَّتِي مِن مالِ المُعْطِي والَّتِي مِن مالِ المُعْطى، ولِأنَّ جانِبَ السَّفِيهِ مَلْمُوزٌ بِالهَوْنِ،
صفحة ٢٣٧
لِقِلَّةِ تَدْبِيرِهِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُ ولِيَّهُ عَلى القَلَقِ مِن مُعاشَرَةِ اليَتِيمِ فَيُسْمِعُهُ ما يَكْرَهُ مَعَ أنَّ نُقْصانَ عَقْلِهِ خَلَلٌ في الخِلْقَةِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُشْتَمَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ السَّفِيهَ غالِبًا يَسْتَنْكِرُ مَنعَ ما يَطْلُبُهُ مِن واسِعِ المَطالِبِ، فَقَدْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، أوْ يَصْدُرُ مِنهُ كَلِماتٌ مَكْرُوهَةٌ لِوَلِيِّهِ، فَأمَرَ اللَّهُ لِأجْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ الأوْلِياءَ بِأنْ لا يَبْتَدِئُوا مَحاجِيرَهم بِسَيِّئِ الكَلامِ، ولا يُجِيبُوهم بِما يَسُوءُ، بَلْ يَعِظُونَ المَحاجِيرَ، ويُعَلِّمُونَهم طُرُقَ الرَّشادِ ما اسْتَطاعُوا، ويُذَكِّرُونَهم بِأنَّ المالَ مالُهم، وحِفْظَهُ حِفْظٌ لِمَصالِحِهِمْ فَإنَّ في ذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا، وهو بَقاءُ الكَرامَةِ بَيْنَ الأوْلِياءِ ومَوالِيهِمْ، ورَجاءُ انْتِفاعِ المَوالِي بِتِلْكَ المَواعِظِ في إصْلاحِ حالِهِمْ حَتّى لا يَكُونُوا كَما قالَ:
إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ ∗∗∗ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ
وقَدْ شَمِلَ القَوْلُ المَعْرُوفُ كُلَّ قَوْلٍ لَهُ مَوْقِعٌ حالَ مَقالِهِ. وخَرَجَ عَنْهُ كُلُّ قَوْلٍ مُنْكَرٍ لا يَشْهَدُ العَقْلُ ولا الخُلُقُ بِمُصادَفَتِهِ المَحَزَّ، فالمَعْرُوفُ قَدْ يَكُونُ مِمّا يَكْرَهُهُ السَّفِيهُ إذا كانَ فِيهِ صَلاحُ نَفْسِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences