Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:62–70

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:62–70

4:62–63Page 88

فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣

Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.

صفحة ١٠٧

﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] الآيَةَ، لِأنَّ الصُّدُودَ عَنْ ذَلِكَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهُمُ اللَّهُ بِمُصِيبَةٍ مِن غَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ، مِثْلَ انْكِشافِ حالِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيُعْرَفُوا بِالكُفْرِ فَيُصْبِحُوا مُهَدَّدِينَ، أوْ مُصِيبَةٌ مِن أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ وأنْ يَقْتُلُوهم لِنِفاقِهِمْ فَيَجِيئُوا يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم ما أرادُوا بِالتَّحاكُمِ إلى أهْلِ الطّاغُوتِ إلّا قَصْدَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالفِعْلانِ بَعْدَها: وهُما (أصابَتْهم) و(جاءُوكَ) مُسْتَقْبَلانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] .

و(كَيْفَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: أيْ كَيْفَ حالُهم حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا فَيَجِيئُونَكَ مُعْتَذِرِينَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ، كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] .

وتَرْكِيبُ ”كَيْفَ بِكَ“ يُقالُ إذا أُرِيدَتْ بِشارَةٌ أوْ وعِيدٌ تَعْجِيبًا أوْ تَهْوِيلًا. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ: «كَيْفَ بِكَ إذا لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرى، بِشارَةً بِأنَّ سِوارَيْ كِسْرى سَيَقَعانِ بِيَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا أُتِيَ بِسِوارَيْ كِسْرى في غَنائِمِ فَتْحِ فارِسَ ألْبَسَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ تَحْقِيقًا لِمُعْجِزَةِ النَّبِيءِ» ﷺ - .

صفحة ١٠٨

ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ جاءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، لِأنَّهم قَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ ما جَعَلَهم كالمُشاهَدِينَ، وأرادَ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ الَّذِي أبْطَنُوهُ وأمَرَ رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم.

وحَقِيقَةُ الإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ بِقَصْدِ التَّباعُدِ عَنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو الجانِبُ، فَلَعَلَّ أصْلَ الهَمْزَةِ في فِعْلِ أعْرَضَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ، أيْ دَخَلَ في عُرْضِ المَكانِ، أوِ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ صارَ ذا عُرْضٍ، أيْ جانِبٍ، أيْ أظْهَرَ جانِبَهُ لِغَيْرِهِ ولَمْ يُظْهِرْ لَهُ وجْهَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في التَّرْكِ والإمْساكِ عَنِ المُخالَطَةِ والمُحادَثَةِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإعْراضَ غالِبًا.

يُقالُ: أعْرَضَ عَنْهُ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ولِذَلِكَ كَثُرَ هَذا اللَّفْظُ في أشْعارِ المُتَيَّمِينَ رَدِيفًا لِلصُّدُودِ، وهَذا أقْرَبُ المَعانِي إلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وقَدْ شاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَفْوِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِتَشْبِيهِ حالَةِ مَن يَعْفُو بِحالَةِ مَن لا يَلْتَفِتُ إلى الشَّيْءِ فَيُوَلِّيهِ عُرْضَ وجْهِهِ.

كَما اسْتُعْمِلَ صَفَحَ في هَذا المَعْنى مُشْتَقًّا مِن صَفْحَةِ الوَجْهِ، أيْ جانِبِهِ، وهو أبْعَدُ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّشْبِيهِ.

والوَعْظُ: الأمْرُ بِفِعْلِ الخَيْرِ وتَرْكِ الشَّرِّ بِطَرِيقَةٍ فِيها تَخْوِيفٌ وتَرْقِيقٌ يَحْمِلانِ عَلى الِامْتِثالِ، والِاسْمُ مِنهُ المَوْعِظَةُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] .

فَهَذا الإعْراضُ إعْراضُ صَفْحٍ أوْ إعْراضُ عَدَمِ الحُزْنِ مِن صُدُودِهِمْ عَنْكَ، أيْ لا تَهْتَمَّ بِصُدُودِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُجازِيهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، وذَلِكَ إبْلاغٌ لَهم في المَعْذِرَةِ، ورَجاءٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ، شَأْنَ النّاصِحِ السّاعِي بِكُلِّ وسِيلَةٍ إلى الإرْشادِ والهُدى.

والبَلِيغُ فَعِيلٌ بِمَعْنى بالِغٌ بُلُوغًا شَدِيدًا بِقُوَّةٍ، أيْ: بالِغًا إلى نُفُوسِهِمْ مُتَغَلْغِلًا فِيها. وقَوْلُهُ في أنْفُسِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ بَلِيغًا، وإنَّما قُدِّمَ المَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ قُلْ لَهم، أيْ قُلْ لَهم قَوْلًا في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ، فَظَرْفِيَّةُ (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، شُبِّهَتْ أنْفُسُهم بِظَرْفٍ لِلْقَوْلِ.

4:64Page 88

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.

صفحة ١٠٩

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ الخَبَرِ عَنْ قَضِيَّةِ المُنافِقِ الَّذِي تَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ. وهو رُجُوعٌ إلى الغَرَضِ الأوَّلِ، وهو الإنْحاءُ عَلَيْهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ، وأنَّ إعْراضَهم ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِنِفاقِهِمْ: بِبَيانِ أنَّ مَعْنى الإيمانِ الرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ إذْ ما جاءَ الرَّسُولُ إلّا لِيُطاعَ فَكَيْفَ يُعْرَضُ عَنْهُ.

وقَوْلُهُ بِإذْنِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُطاعَ) أيْ مُتَلَبِّسًا في ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ أيْ بِأمْرِهِ ووِصايَتِهِ، إذْ لا تَظْهَرُ فائِدَةُ الشَّرائِعِ بِدُونِ امْتِثالِها. فَمِنَ الرُّسُلِ مَن أُطِيعَ، ومِنهم مَن عُصِيَ تارَةً أوْ دائِمًا، وقَدْ عُصِيَ مُوسى في مَواقِعَ، وعُصِيَ عِيسى في مُعْظَمِ أمْرِهِ، ولَمْ يُعْصَ مُحَمَّدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ المُحِقِّينَ إلّا بِتَأوُّلٍ مِثْلِ ما وقَعَ في يَوْمِ أُحُدٍ إذْ قالَ اللَّهُ تَعالى ”وعَصَيْتُمْ“، وإنَّما هو عِصْيانٌ بِتَأوُّلٍ، ولَكِنَّهُ اعْتُبِرَ عِصْيانًا لِكَوْنِهِ في الواقِعِ مُخالَفَةً لِأمْرِ الرَّسُولِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أكْمَلُ مَظاهِرِ الرِّسالَةِ تَأْيِيدَ الرَّسُولِ بِالسُّلْطانِ، وكَوْنَ السُّلْطانِ في شَخْصِهِ لِكَيْلا يَكُونَ في حاجَةٍ إلى غَيْرِهِ، وإنَّما تَمَّ هَذا المَظْهَرُ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ نَبِيءُ المَلاحِمِ، وقَدِ ابْتَدَأتْ بَوارِقُ ذَلِكَ في رِسالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمْ تُسْتَكْمَلْ، وكَمُلَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] ولا أحْسَبُهُ أرادَ بِرُسُلِهِ إلّا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وكانَ هو المُرادُ مِنَ الجَمْعِ لِأنَّهُ الأكْمَلُ فِيهِمْ.

* * *

﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] تَوْبِيخًا لَهم عَلى تَحاكُمِهِمْ إذْ كانَ ذَلِكَ عِصْيانًا عَلى عِصْيانٍ، فَإنَّهم ما كَفاهم أنْ أعْرَضُوا عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ حَتّى زادُوا فَصَدُّوا عَمَّنْ قالَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] . فَلَوِ

صفحة ١١٠

اسْتَفاقُوا حِينَئِذٍ مِن غُلَوائِهِمْ لَعَلِمُوا أنَّ إرادَتَهم أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الكُفّارِ والكَهَنَةِ جَرِيمَةٌ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها ولَكِنَّهم أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا. وفي ذِكْرِ ”لَوْ“ وجَعْلِ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ جَوابًا لَها إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمّا لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ حُرِمُوا الغُفْرانَ.

وكانَ فِعْلُ هَذا المُنافِقِ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ أقْحَمَها في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، فَجَرَّ لَها عِقابَ الآخِرَةِ وعَرَّضَها لِمَصائِبِ الِانْتِقامِ في العاجِلَةِ.

4:65Page 88

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] وما بَعْدَهُ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَكانَ الزَّعْمُ إشارَةً إلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، ثُمَّ أُرْدِفَ بِما هو أصْرَحُ وهو أنَّ أفْعالَهم تُنافِي كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ وبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

وأصْلُ الكَلامِ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، والعَرَبُ تَأْتِي بِحَرْفِ النَّفْيِ قَبْلَ القَسَمِ إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ مَنفِيًّا لِلتَّعْجِيلِ بِإفادَةِ أنَّ ما بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ قَسَمٌ عَلى النَّفْيِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها. فَتَقْدِيمُ النَّفْيِ لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ:

فَلا واللَّهِ أشْرَبُها صَحِيحًا ولا أُشْفى بِها أبَدًا سَقِيما

ويَكْثُرُ أنْ يَأْتُوا مَعَ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ بِحَرْفِ نَفْيٍ مِثْلِهِ في الجَوابِ لِيَحْصُلَ مَعَ الِاهْتِمامِ التَّأْكِيدُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الأكْثَرُ، ولَمْ أرَ في كَلامِ العَرَبِ تَقْدِيمَ (لا) عَلى حَرْفِ العَطْفِ إبْطالًا لِلْكَلامِ السّابِقِ، ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ:

لا والَّذِي هو عالِمٌ أنَّ النَّوى ∗∗∗ صَبْرٌ وأنَّ أبا الحُسَيْنِ كَرِيمُ

ولَيْسَتْ ”لا“ هَذِهِ هي الَّتِي تَرِدُ مَعَ فِعْلِ القَسَمِ مَزِيدَةً والكَلامُ مَعَها عَلى الإثْباتِ، نَحْوَ لا أُقْسِمُ وفي غَيْرِ القَسَمِ نَحْوَ ﴿لِيَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، لِأنَّ تِلْكَ لَيْسَ الكَلامُ مَعَها

صفحة ١١١

عَلى النَّفْيِ، وهَذِهِ الكَلامُ مَعَها نَفْيٌ، فَهي تَأْكِيدٌ لَهُ عَلى ما اخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ خِلافًا لِصاحِبِ الكَشّافِ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَواقِعُ الحَرْفِ الواحِدِ مُتَّحِدَةً في المَواقِعِ المُتَقارِبَةِ.

وقَدْ نُفِيَ عَنْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كَما يَزْعُمُونَ في حالٍ يَظُنُّهُمُ النّاسُ مُؤْمِنِينَ، ولا يَشْعُرُ النّاسُ بِكُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ الخَبَرُ لِلتَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، لِأنَّهُ كَشْفٌ لِباطِنِ حالِهِمْ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو: الغايَةُ، وما عُطِفَ عَلَيْها بِثُمَّ، مَعًا، فَإنْ هم حَكَّمُوا غَيْرَ الرَّسُولِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم فَهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ.

أيْ إذا كانَ انْصِرافُهم عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ لِلْخَشْيَةِ مِن جَوْرِهِ كَما هو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ فافْتَضَحَ كُفْرَهم، وأعْلَمَ اللَّهُ الأُمَّةَ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتّى يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ ولا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِن حُكْمِهِ، أيْ حَرَجًا يَصْرِفُهم عَنْ تَحْكِيمِهِ، أوْ يُسْخِطُهم مَن حُكْمِهِ بَعْدَ تَحْكِيمِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنْصَرِفُونَ عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ولا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِن قَضائِهِ بِحُكْمِ قِياسِ الأحْرى.

ولَيْسَ المُرادُ الحَرَجَ الَّذِي يَجِدُهُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مِن كَراهِيَةِ ما يُلْزَمُ بِهِ إذا لَمْ يُخامِرْهُ شَكٌّ في عَدْلِ الرَّسُولِ وفي إصابَتِهِ وجْهَ الحَقِّ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النُّورِ كَيْفَ يَكُونُ الإعْراضُ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ كُفْرًا، سَواءً كانَ مِن مُنافِقٍ أمْ مِن مُؤْمِنٍ، إذْ قالَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] .

ثُمَّ قالَ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١]، لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ بِما شَرَعَ اللَّهُ مِنَ الأحْكامِ لا يَحْتَمِلُ الحَيْفَ إذْ لا يُشَرِّعُ اللَّهُ إلّا الحَقَّ، ولا يُخالِفُ الرَّسُولُ في حُكْمِهِ شَرْعَ اللَّهِ تَعالى.

ولِهَذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً بِحُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا الإعْراضُ عَنْ حُكْمِ غَيْرِ الرَّسُولِ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ إذا جَوَّزَ المُعْرِضُ عَلى الحاكِمِ عَدَمَ إصابَتِهِ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَدَمَ العَدْلِ في الحُكْمِ.

وقَدْ كَرِهَ العَبّاسُ وعَلِيٌّ حُكْمَ أبِي بَكْرٍ وحُكْمَ عُمَرَ في قَضِيَّةِ ما تَرَكَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن أرْضِ فَدَكَ، لِأنَّهُما كانا يَرَيانِ أنَّ اجْتِهادَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الصَّوابِ.

وقَدْ قالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ لِعُمَرَ: إنَّكَ لا تَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ ولا تَعْدِلُ في القَضِيَّةِ فَلَمْ يُعَدُّ طَعْنُهُ في حُكْمِ عُمَرَ كُفْرًا

صفحة ١١٢

مِنهُ.

ثُمَّ إنَّ الإعْراضَ عَنِ التَّقاضِي لَدى قاضٍ يَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ الإسْلامِ قَدْ يَكُونُ لِلطَّعْنِ في الأحْكامِ الإسْلامِيَّةِ الثّابِتِ كَوْنِها حُكْمَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ كُفْرٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا﴾ [النور: ٥٠]؛ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ مُتابَعَةِ الهَوى إذا كانَ الحُكْمُ المُخالِفُ لِلشَّرْعِ مُلائِمًا لِهَوى المَحْكُومِ لَهُ، وهَذا فُسُوقٌ وضَلالٌ، كَشَأْنِ كُلِّ مُخالَفَةٍ يُخالِفُ بِها المُكَلَّفُ أحْكامَ الشَّرِيعَةِ لِاتِّباعِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

وقَدْ يَكُونُ لِلطَّعْنِ في الحاكِمِ وظَنِّ الجَوْرِ بِهِ إذا كانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ، وهَذا فِيهِ مَراتِبُ بِحَسَبِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِصافِ مِنَ الحاكِمِ وتَقْوِيمِهِ، وسَيَجِيءُ بَيانُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في سُورَةِ العُقُودِ.

ومَعْنى (شَجَرَ) تَداخَلَ واخْتَلَفَ ولَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الإنْصافُ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّجَرِ لِأنَّهُ يَلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وتَلْتَفُّ أغْصانُهُ. وقالُوا: شَجَرَ أمْرُهم، أيْ كانَ بَيْنَهُمُ الشَّرُّ. والحَرَجُ: الضِّيقُ الشَّدِيدُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .

وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ عَلى ما قَبْلَهُ يَقْتَضِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هو قَضِيَّةُ الخُصُومَةِ بَيْنَ اليَهُودِيِّ والمُنافِقِ، وتَحاكُمِ المُنافِقِ فِيها لِلْكاهِنِ، وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ.

وفِي البُخارِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ: «أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُومَةٍ بَيْنِي وبَيْنَ أحَدِ الأنْصارِ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ أيْ مَسِيلِ مِياهٍ جَمْعُ شَرْجٍ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ - وهو مَسِيلُ الماءِ يَأْتِي مِن حَرَّةِ المَدِينَةِ إلى الحَوائِطِ الَّتِي بِها - إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لَأنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَغَيَّرَ وجْهُ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ حَتّى يَبْلُغَ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أرْسِلْ إلى جارِكَ واسْتَوْفِ حَقَّكَ والجَدْرُ هو ما يُدارُ بِالنَّخْلِ مِنَ التُّرابِ كالجِدارِ» .

فَكانَ قَضاؤُهُ الأوَّلُ صُلْحًا، وكانَ قَضاؤُهُ الثّانِي أخْذًا بِالحَقِّ، وكَأنَّ هَذا الأنْصارِيَّ ظَنَّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أرادَ الصُّلْحَ بَيْنَهم عَلى وجْهٍ فِيهِ تَوْفِيرٌ لِحَقِّ الزُّبَيْرِ جَبْرًا لِخاطِرِهِ، ولَمْ يَرَ في ذَلِكَ ما يُنافِي العِصْمَةَ، فَقَدْ كانَ الصَّحابَةُ مُتَفاوِتِينَ في العِلْمِ. بِحَقائِقِ صِفاتِ الرَّسُولِ مَدْفُوعِينَ في سَبْرِ النُّفُوسِ بِما اعْتادُوهُ مِنَ الأمْيالِ والمُصانَعاتِ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى الطَّعْنِ في العِصْمَةِ. ولَيْسَ هَذا الأنْصارِيُّ بِمُنافِقٍ ولا شاكٍّ

صفحة ١١٣

فِي الرَّسُولِ، فَإنَّهم وصَفُوهُ بِالأنْصارِيِّ وهو وصْفٌ لِخِيرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وما وصَفُوهُ بِالمُنافِقِ، ولَكِنَّهُ جَهِلَ وغَفَلَ فَعَفا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَتِبْهُ.

وهَذِهِ القَضِيَّةُ تَرْجِعُ إلى النَّظَرِ في التَّكْفِيرِ بِلازِمِ القَوْلِ والفِعْلِ، وفِيها تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِابْنِ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ في كِتابِ الجَنائِزِ وكِتابِ المُرْتَدِّينَ. خُلاصَتُهُ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَنْبِيهِ مَن يَصْدُرُ مِنهُ مِثْلُ هَذا عَلى ما يَلْزَمُ قَوْلَهُ مِن لازِمِ الكُفْرِ فَإنِ التَزَمَهُ ولَمْ يَرْجِعْ عُدَّ كافِرًا، لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ دَلالَةِ الِالتِزامِ، .

ويُؤْخَذُ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن أُسْلُوبِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ إلى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا فَنَبَّهَ الأنْصارِيُّ بِأنَّهُ قَدِ التَبَسَ بِحالَةٍ تُنافِي الإيمانَ في خَفاءٍ، إنِ اسْتَمَرَّ عَلَيْها بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى عاقِبَتِها لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا.

والأنْصارِيُّ، قِيلَ: هو غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وحَبَّذا إخْفاؤُهُ، وقِيلَ: هو ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وهو سَهْوٌ مِن مُؤَلِّفِهِ، وقِيلَ: ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ.

وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ لا يَسْتَمِرُّ إيمانُهم. والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الحادِثَتَيْنِ وقَعَتا في زَمَنٍ مُتَقارِبٍ ونَزَلَتِ الآيَةُ في شَأْنِ حادِثَةِ بِشْرٍ المُنافِقِ فَظَنَّها الزُّبَيْرُ نَزَلَتْ في حادِثَتِهِ مَعَ الأنْصارِيِّ.

4:66–68Page 89

وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧

And then We would have given them from Us a great reward.

وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨

And We would have guided them to a straight path.

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .

لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ.

وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا

صفحة ١١٤

يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم.

وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.

وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ.

ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ.

ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ فَإنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ القِتالَ اسْتِبْقاءً لِأنْفُسِهِمْ، ويَكْرَهُونَ المُهاجَرَةَ حُبًّا لِأوْطانِهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الجِهادَ والتَّغَرُّبَ فِيهِ أوْ في غَيْرِهِ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، لِأنَّهُ يَذُودُ عَنْهم أعْداءَهم، كَما قالَ الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ:

تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما

صفحة ١١٥

ومِمّا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ خَيْرُ الدُّنْيا، وبِالتَّثْبِيتِ التَّثْبِيتُ فِيها، قَوْلُهُ عاطِفًا عَلَيْهِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ ”لَوْ“، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ خَيْرًا وأشَدَّ تَثْبِيتًا ولَآتَيْناهم إلَخْ، ووُجُودُ اللّامِ الَّتِي تَقَعُ في جَوابِ ”لَوْ“ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ. وأمّا واوُ العَطْفِ فَلِوَصْلِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها. وأمّا ”إذَنْ“ فَهي حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، أيْ في مَعْنى جَوابٍ لِكَلامٍ سَبَقَها ولا تَخْتَصُّ بِالسُّؤالِ، فَأُدْخِلَتْ في جَوابِ ”لَوْ“ بِعَطْفِها عَلى الجَوابِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الجَزاءِ، فَقَدْ أُجِيبَتْ ”لَوْ“ في الآيَةِ بِجَوابَيْنِ في المَعْنى لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، ولا يَحْسُنُ اجْتِماعُ جَوابَيْنِ إلّا بِوُجُودِ حَرْفِ عَطْفٍ، وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ العَنْبَرِيِّ في الحَماسَةِ:

لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شِيبانا

إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا

.

قالَ المَرْزُوقِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذَنْ لَقامَ“ جَوابَ: ”لَوْ كُنْتَ مِن مازِنٍ“ في البَيْتِ السّابِقِ كَأنَّهُ أُجِيبَ بِجَوابَيْنِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهُمْ﴾ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ: قِيلَ وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: وإذَنْ لَآتَيْناهم.

قالَ التَّفْتَزانِيُّ: عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، أيْ لِأنَّ العَطْفَ يُنافِي تَقْدِيرَ سُؤالٍ. والحَقُّ أنَّ ما صارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا التِزامَ كَوْنِ ”إذَنْ“ حَرْفًا لِجَوابِ سائِلٍ، والوَجْهُ أنَّ الجَوابَ هو ما يُتَلَقّى بِهِ كَلامٌ آخَرُ سَواءً كانَ سُؤالًا أوْ شَرْطًا أوْ غَيْرَهُما.

وقَوْلُهُ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ لَفَتَحْنا لَهم طُرُقَ العِلْمِ والهِدايَةِ، لِأنَّ تَصَدِّيَهم لِامْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ هو مَبْدَأُ تَخْلِيَةِ النُّفُوسِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِأوْهامِها وعَوائِدِها الحاجِبَةِ لَها عَنْ دَرَكِ الحَقائِقِ، فَإذا ابْتَدَءُوا يَرْفُضُونَ هَذِهِ المَواقِعَ فَقَدِ اسْتَعَدُّوا لِتَلَقِّي الحِكْمَةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ فَفاضَتْ عَلَيْهِمُ المَعارِفُ تَتْرى بِدَلالَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وبِتَيْسِيرِ اللَّهِ صَعْبَها بِأنْوارِ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ، ولا شَكَّ أنَّ الطّاعَةَ مِفْتاحُ المَعارِفِ بَعْدَ تَعاطِي أسْبابِها.

4:69–70Page 89

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩

And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠

That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.

صفحة ١١٦

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ .

تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] وإنَّما عُطِفَتْ بِاعْتِبارِ إلْحاقِها بِجُمْلَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَدارَتِهِمْ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ المَنزِلَةِ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتِ الدَّرَجاتُ مُتَفاوِتَةً.

ومَعْنى مَن يُطِعِ مَن يَتَّصِفُ بِتَمامِ مَعْنى الطّاعَةِ، أيْ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ودَلَّتْ ”مَعَ“ عَلى أنَّ مَكانَةَ مَدْخُولِها أرْسَخُ وأعْرَفُ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» . والصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا الأنْبِياءَ ابْتِداءً، مِثْلَ الحَوارِيِّينَ والسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الشُّهَداءُ فَهم مَن قُتِلُوا في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمُ الِاسْتِقامَةُ.

و(حَسُنَ) فِعْلٌ مُرادٌ بِهِ المَدْحُ مُلْحَقٌ بِنِعْمَ ومُضَمَّنٌ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حُسْنِهِمْ، وذَلِكَ شَأْنُ ”فَعُلَ“ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثُّلاثِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ بِحَسَبِ مادَّتِهِ مَعَ التَّعَجُّبِ، وأصْلُ الفِعْلِ ”حَسَنَ“ بِفَتْحَتَيْنِ فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ لِقَصْدِ المَدْحِ والتَّعَجُّبِ. و”أُولَئِكَ“ فاعِلُ ”حَسُنَ“ . و”رَفِيقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ ما أحْسَنَهم حَسُنُوا مِن جِنْسِ الرُّفَقاءِ.

والرَّفِيقُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وفي حَدِيثِ الوَفاةِ الرَّفِيقَ الأعْلى. وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ أنْواعٌ، وأصْنافٌ، ولَكِنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في قُوَّةِ هَذا الفَضْلِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْهُمُ النّاسُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهم والجَزاءُ بِيَدِهِ فَهو يُوَفِّيهِمُ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ ما عَلِمَ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском