Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:7–10
4:7Page 78
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧
For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو جارٍ مَجْرى النَّتِيجَةِ لِحُكْمِ إيتاءِ أمْوالِ اليَتامى، ومَجْرى المُقَدِّمَةِ لِأحْكامِ المَوارِيثِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] .
ومُناسَبَةُ تَعْقِيبِ الآيِ السّابِقَةِ بِها: أنَّهم كانُوا قَدِ اعْتادُوا إيثارَ الأقْوِياءِ والأشِدّاءِ بِالأمْوالِ، وحِرْمانَ الضُّعَفاءِ، وإبْقاءَهم عالَةً عَلى أشِدّائِهِمْ حَتّى يَكُونُوا في مَقادَتِهِمْ، فَكانَ الأوْلِياءُ يَمْنَعُونَ عَنْ مَحاجِيرِهِمْ أمْوالَهم، وكانَ أكْبَرُ العائِلَةِ يَحْرِمُ إخْوَتَهُ مِنَ المِيراثِ مَعَهُ فَكانَ أُولَئِكَ لِضَعْفِهِمْ يَصْبِرُونَ عَلى الحِرْمانِ، ويَقْنَعُونَ العائِلَةَ بِالعَيْشِ في ظِلالِ أقارِبِهِمْ، لِأنَّهم إنْ نازَعُوهم أطْرَدُوهم وحَرَمُوهم، فَصارُوا عالَةً عَلى النّاسِ.
وأخَصُّ النّاسِ بِذَلِكَ النِّساءُ فَإنَّهُنَّ يَجِدْنَ ضَعْفًا مِن أنْفُسِهِنَّ، ويَخْشَيْنَ عارَ الضَّيْعَةِ،
صفحة ٢٤٨
ويَتَّقِينَ انْحِرافَ الأزْواجِ، فَيَتَّخِذْنَ رِضا أوْلِيائِهِنَّ عُدَّةً لَهُنَّ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ، فَلَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُؤْتُوا اليَتامى أمْوالَهم، أمَرَ عَقِبَهُ بِأمْرِهِمْ بِأنْ يَجْعَلُوا لِلرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ.
فَإيتاءُ مالِ اليَتِيمِ تَحْقِيقٌ لِإيصالِ نَصِيبِهِ مِمّا تَرَكَ لَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، وتَوْرِيثُ القَرابَةِ إثْباتٌ لِنَصِيبِهِمْ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، وذُكِرَ النِّساءُ هُناكَ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ المِيراثِ، وقَدْ تَأيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى واليَتامى﴾ [النساء: ٨] فَإنَّ ذَلِكَ يُناسِبُ المِيراثَ، ولا يُناسِبُ إيتاءَ أمْوالِ اليَتامى.
ولا جَرَمَ أنَّ مِن أهَمِّ شَرائِعِ الإسْلامِ المِيراثَ، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَ أمْوالَهم بِالوَصِيَّةِ لِعُظَماءِ القَبائِلِ ومَن تَلْحَقُهم بِالِانْتِسابِ إلَيْهِمْ حُسْنُ الأُحْدُوثَةِ، وتَجْمَعُهم بِهِمْ صِلاتُ الحِلْفِ أوِ الِاعْتِزازِ والوِدِّ، وكانُوا إذا لَمْ يُوصُوا أوْ تَرَكُوا بَعْضَ مالِهِمْ بِلا وصِيَّةٍ يُصْرَفُ لِأبْناءِ المَيِّتِ الذُّكُورِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُكُورٌ فَقَدْ حُكِيَ أنَّهم يَصْرِفُونَهُ إلى عُصْبَةٍ مِن أُخْوَةٍ وأبْناءِ عَمٍّ، ولا تُعْطى بَناتُهُ شَيْئًا، أمّا الزَّوْجاتُ فَكُنَّ مَوْرُوثاتٍ لا وارِثاتٍ.
وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ بِالبُنُوَّةِ إلّا إذا كانَ الأبْناءُ ذُكُورًا، فَلا مِيراثَ لِلنِّساءِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّما يَرِثُ أمْوالَنا مَن طاعَنَ بِالرُّمْحِ، وضَرَبَ بِالسَّيْفِ. فَإنْ لَمْ تَكُنِ الأبْناءُ الذُّكُورُ ورِثَ أقْرَبُ العُصْبَةِ: الأبُ ثُمَّ الأخُ ثُمَّ العَمُّ وهَكَذا، وكانُوا يُوَرِّثُونَ بِالتَّبَنِّي وهو أنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ ابْنَ غَيْرِهِ ابْنًا لَهُ فَتَنْعَقِدُ بَيْنَ المُتَبَنِّي والمُتَبَنّى جَمِيعُ أحْكامِ الأُبُوَّةِ.
ويُوَرِّثُونَ أيْضًا بِالحِلْفِ وهو أنْ يَرْغَبَ رَجُلانِ في الخُلَّةِ بَيْنَهُما فَيَتَعاقَدا عَلى أنَّ دَمَهُما واحِدٌ ويَتَوارَثا، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ يَقَعْ في مَكَّةَ تَغْيِيرٌ لِأحْكامِ المِيراثِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لِتَعَذُّرِ تَنْفِيذِ ما يُخالِفُ أحْكامَ سُكّانِها، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَقِيَ مُعْظَمُ أقارِبِ المُهاجِرِينَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ صارَ التَّوْرِيثُ بِالهِجْرَةِ، فالمُهاجِرُ يَرِثُ المُهاجِرَ، وبِالحِلْفِ، وبِالمُعاقَدَةِ، وبِالأُخُوَّةِ الَّتِي آخاها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ونَزَلَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ
صفحة ٢٤٩
جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] الآيَةَ مِن هاتِهِ السُّورَةِ. وشَرَعَ اللَّهُ وُجُوبَ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِآيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ تَوالَدَ المُسْلِمُونَ ولَحِقَ بِهِمْ آباؤُهم وأبْناؤُهم مُؤْمِنِينَ، فَشَرَعَ اللَّهُ المِيراثَ بِالقَرابَةِ، وجَعَلَ لِلنِّساءِ حُظُوظًا في ذَلِكَ فَأتَمَّ الكَلِمَةَ، وأسْبَغَ النِّعْمَةَ، وأوْمَأ إلى أنَّ حِكْمَةَ المِيراثِ صَرْفُ المالِ إلى القَرابَةِ بِالوِلادَةِ وما دُونَها.
وقَدْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أوَّلَ إعْطاءٍ لِحَقِّ الإرْثِ لِلنِّساءِ في العَرَبِ.
ولِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ كالمُقَدِّمَةِ جاءَتْ بِإجْمالِ الحَقِّ والنَّصِيبِ في المِيراثِ وتَلاهُ تَفْصِيلُهُ، لِقَصْدِ تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ، وحِكْمَةُ هَذا الإجْمالِ حِكْمَةُ وُرُودِ الأحْكامِ المُرادِ نَسْخُها إلى أثْقَلَ لِتَسْكُنَ النُّفُوسُ إلَيْها بِالتَّدْرِيجِ.
رَوى الواحِدِيُّ، في أسْبابِ النُّزُولِ، والطَّبَرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وأحَدُهُما يَزِيدُ عَلى الآخَرِ ما حاصِلُهُ: «إنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ تُوُفِّيَ وتَرَكَ امْرَأةً يُقالُ لَها أُمُّ كُحَّةٍ فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ إنَّ زَوْجِي قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ وهاتانِ بِنْتاهُ وقَدِ اسْتَوْفى عَمُّهُما مالَهُما فَما تَرى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَواللَّهِ ما تُنْكَحانِ أبَدًا إلّا ولَهُما مالٌ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي اللَّهُ في ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ وفِيها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ادْعُ لِي المَرْأةَ وصاحِبَها فَقالَ لِعَمِّهِما أعْطِهِما الثُّلُثَيْنِ وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ وما بَقِيَ فَلَكَ» . ويُرْوى: أنَّ ابْنَيْ عَمِّهِ سُوَيْدٌ وعُرْفُطَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما قَتادَةُ وعُرْفُجَةُ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا دَعا العَمَّ أوِ ابْنَيِ العَمِّ قالَ، أوْ قالا لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نُعْطِي مَن لا يَرْكَبُ فَرَسًا ولا يَحْمِلُ كَلًّا ولا يَنْكى عَدُوًّا. فَقالَ: انْصَرِفْ أوِ انْصَرِفا، حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ فِيهِنَّ. فَنَزَلَتْ آيَةُ ”﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾“ الآيَةِ» . ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هاتِهِ الآيَةُ أرْسَلَ النَّبِيءُ ﷺ إلى ولِيِّ البِنْتَيْنِ فَقالَ: لا تُفَرِّقُ مِن مالِ أبِيهِما شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًا» .
صفحة ٢٥٠
والنَّصِيبُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَيانٌ لِ ”ما تَرَكَ“ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ ما تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنَ المالِ، حَتّى لا يَسْتَأْثِرَ بَعْضُهم بِشَيْءٍ، وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُعْطِي أبْناءَهُ مِن مالِهِ عَلى قَدْرِ مَيْلِهِ كَما أوْصى نِزارُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَدْنانَ لِأبْنائِهِ: مُضَرَ، ورَبِيعَةَ، وإيادٍ، وأنْمارٍ، فَجَعَلَ لِمُضَرَ الحَمْراءَ كُلَّها، وجَعَلَ لِرَبِيعَةَ الفَرَسَ، وجَعَلَ لِإيادٍ الخادِمَ، وجَعَلَ لِأنْمارٍ الحِمارَ، ووَكَلَهم في إلْحاقِ بَقِيَّةِ مالِهِ بِهاتِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ إلى الأفْعى الجُرْهُمَيِّ في نَجْرانَ، فانْصَرَفُوا إلَيْهِ، فَقَسَمَ بَيْنَهم، وهو الَّذِي أرْسَلَ المَثَلَ: ”إنَّ العَصا مِنَ العُصَيَّةِ“ .
وقَوْلُهُ ”نَصِيبًا مَفْرُوضًا“ حالٌ مِن ”نَصِيبٌ“ في قَوْلِهِ لِلرِّجالِ ”نَصِيبٌ“ ”ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ“ وحَيْثُ أُرِيدَ بِنَصِيبٍ الجِنْسُ جاءَ الحالُ مِنهُ مُفْرَدًا ولَمْ يُراعَ تَعَدُّدُهُ، فَلَمْ يَقُلْ: نَصِيبَيْنِ مَفْرُوضَيْنِ، عَلى اعْتِبارِ كَوْنِ المَذْكُورِ نَصِيبَيْنِ، ولا قِيلَ: أنْصابٌ مَفْرُوضَةٌ، عَلى اعْتِبارِ كَوْنِ المَذْكُورِ مُوَزَّعًا لِلرِّجالِ ولِلنِّساءِ، بَلْ ورُوعِيَ الجِنْسُ فَجِيءَ بِالحالِ مُفْرَدًا و”مَفْرُوضًا“ وصْفٌ. ومَعْنى كَوْنِهِ مَفْرُوضًا أنَّهُ مُعَيَّنُ المِقْدارِ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الآتِيَةِ ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] . وهَذا أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِهَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيعُ المَوارِيثِ.
4:8Page 78
وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨
And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.
﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] إلى آخِرِها. وهَذا أمْرٌ بِعَطِيَّةٍ تُعْطى مِنَ الأمْوالِ المَوْرُوثَةِ: أمَرَ الوَرَثَةَ أنْ يُسْهِمُوا لِمَن يَحْضُرُ القِسْمَةَ مِن ذَوِي قَرابَتِهِمْ غَيْرِ الَّذِينَ لَهم حَقٌّ في الإرْثِ، مِمَّنْ شَأْنُهم أنْ يَحْضُرُوا مَجالِسَ الفَصْلِ بَيْنَ الأقْرِباءِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] وقَوْلُهُ ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] يَقْتَضِيانِ مَقْسُومًا، فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿القِسْمَةَ﴾ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
صفحة ٢٥١
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ مَحْمُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ عَلى النَّدْبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، إذْ لَيْسَ في الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ غَيْرُ الزَّكاةِ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِلْأعْرابِيِّ لَمّا قالَ لَهُ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها ؟ «لا إلّا أنْ تَطَّوَّعَ» وبِهَذا قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وفُقَهاءُ الأمْصارِ، وجَعَلُوا المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ الوَرَثَةَ المالِكِينَ أمْرَ أنْفُسِهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ مَحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى حَمْلِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ عَلى الوُجُوبِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ: أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ واجِبٌ عَلى الوَرَثَةِ المالِكِينَ أمَرَ أنْفُسِهِمُ فَهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: وأبِي صالِحٍ: أنَّ ذَلِكَ كانَ فَرْضًا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ، ومَآلُ هَذا القَوْلِ إلى مُوافَقَةِ قَوْلِ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أنَّ الأمْرَ مُوَجَّهٌ إلى صاحِبِ المالِ في الوَصِيَّةِ الَّتِي كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ شَرْعِ المِيراثِ واجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ في وصِيَّتِهِ شَيْئًا لِمَن يَحْضُرُ وصِيَّتَهُ مِن أُولِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ غَيْرِ الَّذِينَ أوْصى لَهم، وأنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ تَبَعًا لِنَسْخِ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، وهَذا يَقْتَضِي تَأْوِيلَ قَوْلِهِ ﴿القِسْمَةَ﴾ بِمَعْنى تَعْيِينِ ما لِكُلِّ مُوصًى لَهُ مِن مِقْدارٍ.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الآيَةَ في نَفْسِ المِيراثِ وأنَّ المَقْصُودَ مِنها هو قَوْلُهُ ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قالَ: فَقَوْلُهُ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ هو المِيراثُ نَفْسُهُ.
وقَوْلُهُ ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أيْ قُولُوا لِغَيْرِ الوَرَثَةِ بِأنْ يُقالَ لَهم إنَّ اللَّهَ قَسَمَ المَوارِيثَ.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَوْقِعَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِتَفْصِيلِ الفَرائِضِ، وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ هو التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِلْآيَةِ، وكَفاكَ بِاضْطِرابِ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَأْوِيلِها تَوْهِينًا لِتَأْوِيلاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٢
والأمْرُ بِأنْ يَقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا أيْ قَوْلًا حَسَنًا وهو ضِدُّ المُنْكَرِ تَسْلِيَةً لِبَعْضِهِمْ عَلى ما حُرِمُوا مِنهُ مِن مالِ المَيِّتِ كَما كانُوا في الجاهِلِيَّةِ.
4:9Page 78
وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩
And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.
﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ .
مَوْعِظَةٌ لِكُلِّ مَن أُمِرَ أوْ نُهِيَ أوْ حُذِّرَ أوْ رُغِّبَ في الآيِ السّابِقَةِ، في شَأْنِ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ الضِّعافِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، فابْتُدِئَتِ المَوْعِظَةُ بِالأمْرِ بِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى أيْ خَشْيَةِ عَذابِهِ، ثُمَّ أُعْقِبَ بِإثارَةِ شَفَقَةِ الآباءِ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ بِأنْ يُنَزِّلُوا أنْفُسَهم مَنزِلَةَ المَوْرُوثِينَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا هم عَلى أمْوالِهِمْ، ويُنَزِّلُوا ذُرِّيّاتِهِمْ مَنزِلَةَ الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ أكَلُوا هم حُقُوقَهم، وهَذِهِ المَوْعِظَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قِياسِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وزادَ إثارَةَ الشَّفَقَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَدى عَلَيْهِمْ خَلْقٌ ضِعافٌ بِقَوْلِهِ ﴿ضِعافًا﴾، ثُمَّ أعْقَبَ بِالرُّجُوعِ إلى الغَرَضِ المُنْتَقِلِ مِنهُ وهو حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى، بِالتَّهْدِيدِ عَلى أكْلِهِ بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ التَّهْدِيدِ بِسُوءِ الحالِ في الدُّنْيا. فَيُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنَّ نَصِيبَ أبْنائِهِمْ مِثْلُ ما فَعَلُوهُ بِأبْناءِ غَيْرِهِمْ والأظْهَرُ أنَّ مَفْعُولَ ﴿يَخْشَ﴾ [التوبة: ١٨] حُذِفَ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُحْتَمَلٍ، فَيَنْظُرُ كُلَّ سامِعٍ بِحَسَبِ الأهَمِّ عِنْدَهُ مِمّا يَخْشاهُ أنْ يُصِيبَ ذُرِّيَّتَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾ إلى ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ صِلَةُ المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ جَوابُ لَوْ.
وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِأنَّ الصِّلَةَ لَمّا كانَتْ وصْفًا مَفْرُوضًا حَسُنَ التَّعْرِيفُ بِها إذِ المَقْصُودُ تَعْرِيفُ مَن هَذِهِ حالُهُ، وذَلِكَ كافٍ في التَّعْرِيفِ لِلْمُخاطَبِينَ بِالخَشْيَةِ إذْ كُلُّ سامِعٍ يَعْرِفُ مَضْمُونَ هَذِهِ الصِّلَةِ لَوْ فَرْضَ حُصُولِها لَهُ، إذْ هي أمْرٌ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ النّاسِ.
ووَجْهُ اخْتِيارِ لَوْ هُنا مِن بَيْنِ أدَواتِ الشَّرْطِ أنَّها هي الأداةُ الصّالِحَةُ لِفَرْضِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإمْكانِهِ، فَيَصْدُقُ مَعَها الشَّرْطُ المُتَعَذِّرُ الوُقُوعِ والمُسْتَبْعَدُهُ
صفحة ٢٥٣
والمُمْكِنُهُ: فالَّذِينَ بَلَغُوا اليَأْسَ مِنَ الوِلادَةِ، ولَهم أوْلادٌ كِبارٌ أوْ لا أوْلادَ لَهم، يَدْخُلُونَ في فَرْضِ هَذا الشَّرْطِ لِأنَّهم لَوْ كانَ لَهم أوْلادٌ صِغارٌ لَخافُوا عَلَيْهِمْ، والَّذِينَ لَهم أوْلادٌ صِغارٌ أمْرُهم أظْهَرُ.
وفِعْلُ تَرَكُوا ماضٍ مُسْتَعْمَلٍ في مُقارَبَةِ حُصُولِ الحَدَثِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الأوَّلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
إلى مَلِكٍ كادَ الجِبالُ لِفَقْدِهِ تَزُولُ زَوالَ الرّاسِياتِ مِنَ الصَّخْرِ
أيْ وقارَبَتِ الرّاسِياتُ الزَّوالَ إذِ الخَوْفُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ مُقارَبَةِ المَوْتِ لا بَعْدَ المَوْتِ. فالمَعْنى: لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا لَخافُوا عَلَيْهِمْ مِن أوْلِياءِ السُّوءِ.
والمُخاطَبُ بِالأمْرِ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الأصْنافِ المُتَقَدِّمَةِ: مِنَ الأوْصِياءِ، ومِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَحْرِمُونَ النِّساءَ مِيراثَهم، ويَحْرِمُونَ صِغارَ إخْوَتِهِمْ أوْ أبْناءِ إخْوَتِهِمْ وأبْناءِ أعْمامِهِمْ مِن مِيراثِ آبائِهِمْ، كُلُّ أُولَئِكَ داخِلٌ في الأمْرِ بِالخَشْيَةِ، والتَّخْوِيفِ بِالمَوْعِظَةِ، ولا يَتَعَلَّقُ هَذا الخِطابُ بِأصْحابِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨] لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ وقَعَتْ كالِاسْتِطْرادِ، ولِأنَّهُ لا عَلاقَةَ لِمَضْمُونِها بِهَذا التَّخْوِيفِ.
وفِي الآيَةِ ما يَبْعَثُ النّاسَ كُلَّهم عَلى أنْ يَغْضَبُوا لِلْحَقِّ مِنَ الظُّلْمِ، وأنْ يَأْخُذُوا عَلى أيْدِي أوْلِياءِ السُّوءِ، وأنْ يَحْرُسُوا أمْوالَ اليَتامى ويُبَلِّغُوا حُقُوقَ الضُّعَفاءِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم إنْ أضاعُوا ذَلِكَ يُوشِكُ أنْ يَلْحَقَ أبْناءَهم وأمْوالَهم مِثْلُ ذَلِكَ، وأنْ يَأْكُلَ قَوِيَّهم ضَعِيفَهم، فَإنَّ اعْتِيادَ السُّوءِ يُنْسِي النّاسَ شَناعَتَهُ، ويُكْسِبُ النُّفُوسَ ضَراوَةً عَلى عَمَلِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الذُّرِّيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ فُرِّعَ الأمْرُ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ بِالخَشْيَةِ وإنْ كانا أمْرَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ: لِأنَّ الأمْرَ الأوَّلَ لَمّا عُضِّدَ بِالحُجَّةِ اعْتُبِرَ كالحاصِلِ فَصَحَّ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ، والمَعْنى: فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في أمْوالِ النّاسِ ولْيُحْسِنُوا إلَيْهِمُ القَوْلَ.
4:10Page 78
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠
Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].
صفحة ٢٥٤
﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تُفِيدُ تَكْرِيرَ التَّحْذِيرِ مِن أكْلِ مالِ اليَتامى، جَرَّتْهُ مُناسَبَةُ التَّعَرُّضِ لِقِسْمَةِ أمْوالِ الأمْواتِ، لِأنَّ الوَرَثَةَ يَكْثُرُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ يَتامى لِكَثْرَةِ تَزَوُّجِ الرِّجالِ في مُدَّةِ أعْمارِهِمْ، فَقَلَّما يَخْلُو مَيِّتٌ عَنْ ورَثَةٍ صِغارٍ، وهو مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ عِنايَةِ الشّارِعِ بِهَذا الغَرَضِ، فَذَلِكَ عادَ إلَيْهِ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ.
وقَوْلُهُ ظُلْمًا حالٌ مِن يَأْكُلُونَ مُقَيِّدَةٌ لِيَخْرُجَ الأكْلُ المَأْذُونُ فِيهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] .
ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نارًا مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ مُرادًا بِها نارُ جَهَنَّمَ، كَما هو الغالِبُ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ فَفِعْلُ يَأْكُلُونَ ناصِبٌ نارًا المَذْكُورَ عَلى تَأْوِيلِ يَأْكُلُونَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى النّارِ، فَأطْلَقَ النّارَ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الأوَّلِ أوِ السَّبَبِيَّةِ أيْ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ، فالمَعْنى أنَّهم حِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى قَدْ أكَلُوا ما يُفْضِي بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ.
وعَلى هَذا فَعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ عَطْفُ مُرادِفٍ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ النّارِ مُسْتَعارًا لِلْألَمِ بِمَعْنى أسْبابِ الألَمِ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِعَذابٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ مُسْتَعارًا لِلتَّلَفِ لِأنَّ شَأْنَ النّارِ أنْ تَلْتَهِمَ ما تُصِيبُهُ، والمَعْنى إنَّما يَأْخُذُونَ أمْوالًا هي سَبَبٌ في مَصائِبَ تَعْتَرِيهِمْ في ذَواتِهِمْ وأمْوالِهِمْ كالنّارِ إذا تَدْنُو مِن أحَدٍ فَتُؤْلِمُهُ وتُتْلِفُ مَتاعَهُ، فَيَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا بِمَصائِبَ في الدُّنْيا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٦] ويَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ جارِيًا عَلى ظاهِرِ العَطْفِ مِنَ اقْتِضاءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، فالجُمْلَةُ الأُولى تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ وعِيدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.
صفحة ٢٥٥
وذِكْرُ في بُطُونِهِمْ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ وتَرْشِيحٍ لِاسْتِعارَةِ يَأْكُلُونَ لِمَعْنى يَأْخُذُونَ ويَسْتَحْوِذُونَ.
والسِّينُ في سَيَصْلَوْنَ حَرْفُ تَنْفِيسٍ أيِ اسْتِقْبالٍ، أيْ أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ فَتَمْحَضَهُ لِلِاسْتِقْبالِ، سَواءً كانَ اسْتِقْبالًا قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا، وهي مُرادِفَةُ سَوْفَ، وقِيلَ: إنَّ سَوْفَ أوْسَعُ زَمانًا. وتُفِيدانِ في مَقامِ الوَعْدِ تَحْقِيقَ الوَعْدِ وكَذَلِكَ التَّوَعُّدِ.
ويَصْلَوْنَ مُضارِعُ صَلِيَ كَرَضِيَ إذا قاسى حَرَّ النّارِ بِشِدَّةٍ، كَما هُنا، يُقالُ: صَلِيَ بِالنّارِ، ويَكْثُرُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ فِعْلِ صَلِيَ ونُصِبَ الِاسْمُ بَعْدَهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
لا تَصْطَلِي النّارَ إلّا مُجْمِرًا أرِجًا قَدْ كَسَّرَتْ مِن يَلَنْجُوجٍ لَهُ وقَصا
وهُوَ الوارِدُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ بِاطِّرادٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وسَيَصْلَوْنَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مُضارِعُ صَلِيَ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ مُضارِعُ أصْلاهُ إذا أحْرَقَهُ ومَبْنِيًّا لِلنّائِبِ.
والسَّعِيرُ النّارُ المُسَعَّرَةُ أيِ المُلْتَهِبَةُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، بُنِيَ بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ، وهو مِنَ المُضاعَفِ، كَما بُنِيَ السَّمِيعُ مِن أسْمَعَ، والحَكِيمُ مِن أحْكَمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences