Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:71–76

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:71–76

4:71–73Page 89

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1

صفحة ١١٧

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ.

ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ.

ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .

وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ.

صفحة ١١٨

ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا.

ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا.

ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى اخْرُجُوا لِلْحَرْبِ، ومَصْدَرُهُ النَّفْرُ، بِخِلافِ نَفَرَ يَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ في المُضارِعِ فَمَصْدَرُهُ النُّفُورُ.

و”ثُباتٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ جَمْعُ ”ثُبَةٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ أيْضًا وهي الجَماعَةُ، وأصْلُها ثُبَيَةٌ أوْ ثُبَوَةٌ بِالياءِ أوِ الواوِ، والأظْهَرُ أنَّها بِالواوِ، لِأنَّ الكَلِماتِ الَّتِي بَقِيَ مِن أُصُولِها حَرْفانِ وفي آخِرِها هاءُ التَّأْنِيثِ أصْلُها الواوُ نَحْوَ عِزَةٌ وعِضَةٌ فَوَزْنُها فِعَةٌ.

وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ، وهي وسَطُهُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ فَهي مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، وأصْلُها ثُوَبَةٌ فَخُفِّفَتْ فَصارَتْ بِوَزْنِ فُلَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّها تُصَغَّرُ عَلى ثُوَيْبَةٍ، وأنَّ الثُّبَةَ بِمَعْنى الجَماعَةِ تُصَغَّرُ عَلى ثُبَيَّةٍ. قالَ النَّحّاسُ: رُبَّما تَوَهَّمَ الضَّعِيفُ في اللُّغَةِ أنَّهُما واحِدٌ مَعَ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، ومَعَ هَذا فَقَدَ جَعَلَهُما صاحِبُ القامُوسِ مِن وادٍ واحِدٍ وهو حَسَنٌ، إذْ قَدْ تَكُونُ ثُبَةُ الحَوْضِ مَأْخُوذَةً مِنَ الِاجْتِماعِ إلّا إذا ثَبَتَ اخْتِلافُ التَّصْغِيرِ بِسَماعٍ صَحِيحٍ.

وانْتَصَبَ ”ثُباتٍ“ عَلى الحالِ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ: مُتَفَرِّقِينَ، ومَعْنى جَمِيعًا جَيْشًا واحِدًا.

وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ مِن جَماعَتِكم وعِدادِكم، والخَبَرُ الوارِدُ فِيهِمْ ظاهِرٌ مِنهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ في خَلْوَتِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ أبْطَأ عَنِ الجِهادِ لا يَقُولُ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾، فَهَؤُلاءِ مُنافِقُونَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِمِثْلِ هَذا صَراحَةً في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ

صفحة ١١٩

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] .

وعَلى كَوْنِ المُرادِ بِـ مَن لَيُبَطِّئَنَّ المُنافِقِينَ حَمَلَ الآيَةَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ يَتَثاقَلُونَ عَنِ الخُرُوجِ إلى أنْ يَتَّضِحَ أمْرُ النَّصْرِ. قالَ الفَخْرُ وهَذا اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى مِنكم أيْ مِن أهْلِ دِينِكم. وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِأقْوى المُؤَكِّداتِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ.

وبَطَّأ بِالتَّضْعِيفِ قاصِرٌ، بِمَعْنى تَثاقَلَ في نَفْسِهِ عَنْ أمْرٍ، وهو الإبْطاءُ عَنِ الخُرُوجِ إبْطاءٌ بِداعِي النِّفاقِ أوِ الجُبْنِ. والإخْبارُ بِذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الإنْكارَ عَلَيْهِ، والتَّعْرِيضَ بِهِ، مَعَ كَوْنِ الخَبَرِ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ لا تُوصَفُ بِالمَجازِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾، إذْ هَذا الإبْطاءُ تارَةً يَجُرُّ لَهُ الِابْتِهاجَ بِالسَّلامَةِ، وتارَةً يَجُرُّ لَهُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ.

(والمُصِيبَةُ) اسْمٌ لِما أصابَ الإنْسانَ مِن شَرٍّ، والمُرادُ هُنا مُصِيبَةُ الحَرْبِ أعْنِي الهَزِيمَةَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ.

ومَعْنى ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ الإنْعامُ بِالسَّلامَةِ: فَإنْ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّ القَتْلَ عِنْدَهم مُصِيبَةٌ مَحْضَةٌ إذْ لا يَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا؛ وإنْ كانَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ فَهو قَدْ عَدَّ نِعْمَةَ البَقاءِ أوْلى مِن نِعْمَةِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لِشِدَّةِ الجُبْنِ، وهَذا مِن تَغْلِيبِ الدّاعِي الجِبِلِّيِّ عَلى الدّاعِي الشَّرْعِيِّ.

والشَّهِيدُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: إمّا بِمَعْنى الحاضِرِ المُشاهِدِ لِلْقِتالِ، وإمّا تَهَكُّمٌ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الشَّهِيدُ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيُّ وهو القَتِيلُ في الجِهادِ. وأُكِّدَ قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِلامِ جَوابِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى غَرِيبِ حالَتِهِ حَتّى يُنَزَّلَ سامِعُها مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ.

والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الفَتْحُ والغَنِيمَةُ. وهَذا المُبَطِّئُ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَ الجَيْشِ لِيَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، وهو الفَوْزُ

صفحة ١٢٠

بِالغَنِيمَةِ والفَوْزُ بِأجْرِ الجِهادِ، حَيْثُ وقَعَتِ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِرِضا الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ ”أفُوزَ“ بِالمَصْدَرِ والوَصْفِ بِعَظِيمٍ.

ووَجْهٌ غَرِيبٌ حالُهُ أنَّهُ أصْبَحَ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ يَوَدُّ أنْ تَجْرِيَ المَقادِيرُ عَلى وفْقِ مُرادِهِ، فَإذا قَعَدَ عَنِ الخُرُوجِ لا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.

وجُمْلَةُ (﴿كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَوْلِ ومَقُولِهِ. والمَوَدَّةُ الصُّحْبَةُ والمَحَبَّةُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُ المَوَدَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الصُّورِيَّةِ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقَ، وإمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً إنْ أُرِيدَ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ.

وشَبَّهَ حالَهم في حِينِ هَذا القَوْلِ بِحالِ مَن لَمْ تَسْبِقْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُخاطَبِينَ مَوَدَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أوْ صُورِيَّةٌ، فاقْتَضى التَّشْبِيهُ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ.

ووَجْهُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّهُ لَمّا تَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَهم وتَحَسَّرَ عَلى فَواتِ فَوْزِهِ لَوْ حَضَرَ مَعَهم، كانَ حالُهُ في تَفْرِيطِهِ رُفْقَتَهم يُشْبِهُ حالَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اتِّصالٌ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَشْهَدُ ما أزْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، فَهَذا التَّشْبِيهُ مَسُوقٌ مَساقَ زِيادَةِ تَنْدِيمِهِ وتَحْسِيرِهِ، أيْ أنَّهُ الَّذِي أضاعَ عَلى نَفْسِهِ سَبَبَ الِانْتِفاعِ بِما حَصَلَ لِرُفْقَتِهِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ أنَّهُ قَدْ كانَ لَهُ مِنَ الخِلْطَةِ مَعَ الغانِمِينَ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في خُرُوجِهِ مَعَهم، وانْتِفاعِهِ بِثَوابِ النَّصْرِ وفَخْرِهِ ونِعْمَةِ الغَنِيمَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَمْ يَكُنْ) بِياءِ الغَيْبَةِ وهو طَرِيقَةٌ في إسْنادِ الفِعْلِ لِما لَفْظُهُ مُؤَنَّثٌ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، مِثْلَ لَفْظِ مَوَدَّةٍ هُنا، ولا سِيَّما إذا كانَ فَصْلٌ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلامَةِ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى المُؤَنَّثِ اعْتِبارًا بِتَأْنِيثِ لَفْظِ مَوَدَّةٍ.

4:74–76Page 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

صفحة ١٢١

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ.

و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، .

لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ

صفحة ١٢٢

مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، .

ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ.

ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في الحَرْبِ فَغُلِبَ إذِ الحَرْبُ لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ بِمَأْمُورٍ أنْ يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُجْدِي عَنْهُ الِاسْتِبْسالُ، فَإنَّ مِن مَنافِعِ الإسْلامِ اسْتِبْقاءَ رِجالِهِ لِدِفاعِ العَدُوِّ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ، وهو طَرِيقُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ إلى طَرِيقِ المُخاطَبَةِ.

ومَعْنى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ ما يَمْنَعُكم مِنَ القِتالِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّ شَيْءٍ حَقٌّ لَكم في حالِ كَوْنِكم لا تُقاتِلُونَ، فَجُمْلَةُ ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما مِنهُ الِاسْتِفْهامُ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا شَيْءَ لَكم في حالِ لا تُقاتِلُونَ، والمُرادُ أنَّ الَّذِي هو لَكم هو أنْ تُقاتِلُوا، فَهو بِمَنزِلَةِ أمْرٍ، أيْ قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَصُدُّكم شَيْءٌ عَنِ القِتالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأجْلِ دِينِهِ ولِمَرْضاتِهِ، فَحَرْفُ (في) لِلتَّعْلِيلِ، ولِأجْلِ المُسْتَضْعَفِينَ، أيْ لِنَفْعِهِمْ ودَفْعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم.

والمُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ النّاسُ ضُعَفاءَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، وأرادَ بِهِمْ مَن بَقِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ الهِجْرَةِ بِمُقْتَضى الصُّلْحِ الَّذِي

صفحة ١٢٣

انْعَقَدَ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ سَفِيرِ قُرَيْشٍ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ إذْ كانَ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْها الصُّلْحُ: أنَّ مَن جاءَ إلى مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ مُرْتَدًّا عَنِ الإسْلامِ لا يُرَدُّ إلى المُسْلِمِينَ، ومَن جاءَ إلى المَدِينَةِ فارًّا مِن مَكَّةَ مُؤْمِنًا يُرَدُّ إلى مَكَّةَ.

ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وسَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ. وأمّا النِّساءُ فَهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أوْ ولايى الأوْلِياءِ المُشْرِكِينَ اللّائِي يَمْنَعُهُنَّ أزْواجُهُنَّ وأوْلِياؤُهُنَّ مِنَ الهِجْرَةِ: مِثْلَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وأُمِّ الفَضْلِ لُبابَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ العَبّاسِ، فَقَدْ كُنَّ يُؤْذَيْنَ ويُحَقَّرْنَ.

وأمّا الوِلْدانُ فَهُمُ الصِّغارُ مِن أوْلادِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَإنَّهم كانُوا يَأْلَمُونَ مِن مُشاهَدَةِ تَعْذِيبِ آبائِهِمْ وذَوِيهِمْ وإيذاءِ أُمَّهاتِهِمْ وحاضِناتِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ.

والقِتالُ في سَبِيلِ هَؤُلاءِ ظاهِرٌ، لِإنْقاذِهِمْ مِن فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ، وإنْقاذِ الوِلْدانِ مِن أنْ يَشِبُّوا عَلى أحْوالِ الكُفْرِ أوْ جَهْلِ الإيمانِ.

و”القَرْيَةِ“ هي مَكَّةُ. وسَألُوا الخُرُوجَ مِنها لِما كَدَّرَ قُدْسَها مِن ظُلْمِ أهْلِها، أيْ ظُلْمِ الشِّرْكِ وظُلْمِ المُؤْمِنِينَ، فَكَراهِيَةُ المُقامِ بِها مِن جِهَةِ أنَّها صارَتْ يَوْمَئِذٍ دارَ شِرْكٍ ومُناواةٍ لِدِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أحَلَّها اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنْ يُقاتِلَ أهْلَها، وقَدْ قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَفْتَخِرُ بِاقْتِحامِ خَيْلِ قَوْمِهِ في زُمْرَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ:

شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مُسَوَّماتٍ حُنَيْنًا وهي دامِيَةُ الحَوامِي

ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ

وقَدْ سَألُوا مِنَ اللَّهِ ولِيًّا ونَصِيرًا، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم يَوْمَئِذٍ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيئِهِ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الفَتْحِ.

وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دَعْوَتَهم وهَيَّأ لَهُمُ النَّصْرَ بِيَدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾، أيْ فَجَنَّدَ اللَّهُ لَهم عاقِبَةَ النَّصْرِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِقَوْلِهِ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

صفحة ١٢٤

والطّاغُوتُ: الأصْنامُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] .

والمُرادُ بِكَيْدِ الشَّيْطانِ تَدْبِيرُهُ، وهو ما يَظْهَرُ عَلى أنْصارِهِ مِنَ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ والتَّدْبِيرِ لِتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِمْ. وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِمُؤَكِّدَيْنِ ”إنَّ“ و”كانَ“ الزّائِدَةِ الدّالَّةِ عَلى تَقَرُّرِ وصْفِ الضَّعْفِ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском