Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:83–87
4:83Page 91
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
صفحة ١٣٩
﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١] فَضَمِيرُ الجَمْعِ راجِعٌ إلى الضَّمائِرِ قَبْلَهُ، العائِدَةِ إلى المُنافِقِينَ، وهو المُلائِمُ لِلسِّياقِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إلّا قَوْلُهُ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم، وسَتَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ هَذا راجَعٌ إلى فَرِيقٍ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ: مِمَّنْ قَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ وضَعُفَ جَلَدُهُ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَيَكُونُ مَعادُ الضَّمِيرِ مَحْذُوفًا مِنَ الكَلامِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ حالِ النُّزُولِ، كَما في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ.
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ لِلْمُنافِقِينَ واللَّوْمِ لِمَن يَقْبَلُ مِثْلَ تِلْكَ الإذاعَةِ، مِنَ المُسْلِمِينَ الأغْرارِ.
ومَعْنى ”﴿جاءَهم أمْرٌ﴾“ أيْ أُخْبِرُوا بِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وذَلِكَ مِن نَبَأٍ جاءَنِي فالمَجِيءُ مَجازٌ عُرْفِيٌّ في سَماعِ الأخْبارِ، مِثْلُ نَظائِرِهِ، وهي: بَلَغَ، وانْتَهى إلَيْهِ، وأتاهُ، قالَ النّابِغَةُ:
أتَأْنِي - أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ - لُمْتَنِي والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّيْءِ، وهو هُنا الخَبَرُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أذاعُوا بِهِ.
ومَعْنى ”أذاعُوا“: أفْشَوْا، ويَتَعَدّى إلى الخَبَرِ بِنَفْسِهِ، وبِالباءِ، يُقالُ: أذاعَهُ وأذاعَ بِهِ، فالباءُ لِتَوْكِيدِ اللُّصُوقِ كَما في وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.
والمَعْنى إذا سَمِعُوا خَبَرًا عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ مِنَ الأمْنِ، أيِ الظَّفَرِ الَّذِي يُوجِبُ أمْنَ المُسْلِمِينَ أوِ الخَوْفَ وهو ما يُوجِبُ خَوْفَ المُسْلِمِينَ، أيِ اشْتِدادَ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ،
صفحة ١٤٠
بادَرُوا بِإذاعَتِهِ، أوْ إذا سَمِعُوا خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ أصْحابِهِ، في تَدْبِيرِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ مِن أحْوالِ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، تَحَدَّثُوا بِتِلْكَ الأخْبارِ في الحالَيْنِ، وأرْجَفُوها بَيْنَ النّاسِ لِقَصْدِ التَّثْبِيطِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ، إذا جاءَتْ أخْبارُ أمْنٍ حَتّى يُؤْخَذَ المُؤْمِنُونَ وهم غارُّونَ، وقَصْدِ التَّجْبِينِ إذا جاءَتْ أخْبارُ الخَوْفِ، واخْتِلافِ المَعاذِيرِ لِلتَّهْيِئَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ إذا اسْتُنْفِرُوا إلَيْهِ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن مَكائِدِ هَؤُلاءِ، ونَبَّهَ هَؤُلاءِ عَلى دَخِيلَتِهِمْ، وقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ في كَيْدِهِمْ بِقَوْلِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ إلَخْ، أيْ لَوْلا أنَّهم يَقْصِدُونَ السُّوءَ لاسْتَثْبَتُوا الخَبَرَ مِنَ الرَّسُولِ ومِن أهْلِ الرَّأْيِ.
وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ فالآيَةُ عِتابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذا التَّسَرُّعِ بِالإذاعَةِ، وأمْرُهم بِإنْهاءِ الأخْبارِ إلى الرَّسُولِ وقادَةِ الصَّحابَةِ لِيَضَعُوهُ مَواضِعَهُ ويُعَلِّمُوهم مَحامِلَهُ.
وقِيلَ: كانَ المُنافِقُونَ يَخْتَلِقُونَ الأخْبارَ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، وهي مُخالِفَةٌ لِلْواقِعِ، لِيَظُنَّ المُسْلِمُونَ الأمْنَ حِينَ الخَوْفِ فَلا يَأْخُذُوا حِذْرَهم، أوِ الخَوْفَ حِينَ الأمْنِ فَتَضْطَرِبُ أُمُورُهم وتَخْتَلُّ أحْوالُ اجْتِماعِهِمْ، فَكانَ دَهْماءُ المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ راجَ عِنْدَهم فَأذاعُوا بِهِ.
فَتَمَّ لِلْمُنافِقِينَ الدَّسْتُ، وتَمَشَّتِ المَكِيدَةُ، فَلامَهُمُ اللَّهُ وعَلَّمَهم أنْ يُنْهُوا الأمْرَ إلى الرَّسُولِ وجِلَّةِ أصْحابِهِ قَبْلَ إشاعَتِهِ لِيَعْلَمُوا كُنْهَ الخَبَرِ وحالَهُ مِنَ الصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ، ويَأْخُذُوا لِكُلِّ حالَةٍ حَيْطَتَها، فَيَسْلَمُ المُؤْمِنُونَ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ الَّذِي قَصَدُوهُ. وهَذا بَعِيدٌ مِن قَوْلِهِ ”جاءَهم“ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ”لَعَلِمَهُ“ هو دَلِيلُ جَوابِ ”لَوْ“ وعِلَّتُهُ، فَجُعِلَ عِوَضَهُ وحُذِفَ المَعْلُولُ، إذِ ا لْمَقْصُودُ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِن أُولِي الأمْرِ فَلَبَيَّنُوهُ لَهم عَلى وجْهِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا الخَبَرَ فَلَخابُوا إذْ يُوقِنُونَ بِأنَّ حِيلَتَهم لَمْ تَتَمَشَّ عَلى المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ المَوْصُولُ صادِقًا عَلى المُخْتَلِقِينَ بِدَلالَةِ المَقامِ، ويَكُونُ ضَمِيرُ ”مِنهم“ الثّانِي عائِدًا عَلى المُنافِقِينَ بِقَرِينَةِ المَقامِ.
والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ إرْجاعُ شَيْءٍ إلى ما كانَ فِيهِ مِن مَكانٍ أوْ يَدٍ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في إبْلاغِ الخَبَرِ إلى أوْلى النّاسِ بِعِلْمِهِ. وأُولُو الأمْرِ هم كُبَراءُ المُسْلِمِينَ وأهْلُ الرَّأْيِ
صفحة ١٤١
مِنهم، فَإنْ كانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهُمُ المُنافِقِينَ فَوَصْفُ أُولِي الأمْرِ بِأنَّهم مِنهم جارٍ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ وإرْخاءِ العِنانِ، أيْ أُولُو الأمْرِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أنْفُسَهم بَعْضَهم؛ وإنْ كانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهُمُ المُؤْمِنِينَ، فالتَّبْعِيضُ ظاهِرٌ.
والِاسْتِنْباطُ حَقِيقَتُهُ طَلَبُ النَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ. وهو أوَّلُ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ عِنْدَ الحَفْرِ، وهو هُنا مَجازٌ في العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ ومَعْرِفَةِ عَواقِبِهِ، وأصْلُهُ مَكْنِيَّةٌ: شَبَّهَ الخَبَرَ الحادِثَ بِحَفِيرٍ يُطْلَبُ مِنهُ الماءُ، وذِكْرُ الِاسْتِنْباطِ تَخْيِيلٌ. وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ حَتّى صارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَصارَ الِاسْتِنْباطُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ والتَّبْيِينِ، وتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الأمْرِ عَلى اعْتِبارِ المَعْنى العُرْفِيِّ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: يَسْتَنْبِطُونَ مِنهُ، كَما هو ظاهِرٌ، أوْ هو عَلى نَزْعِ الخافِضِ.
وإذا جَرَيْتَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ (يَسْتَنْبِطُونَ) بِمَعْنى يَخْتَلِقُونَ كَما تَقَدَّمَ كانَتْ ”يَسْتَنْبِطُونَهُ“ تَبَعِيَّةً، بِأنْ شَبَّهَ الخَبَرَ المُخْتَلَقَ بِالماءِ المَحْفُورِ عَنْهُ، وأطْلَقَ يَسْتَنْبِطُونَ بِمَعْنى يَخْتَلِقُونَ، وتَعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ الخَبَرِ لِأنَّهُ المُسْتَخْرَجُ. والعَرَبُ يُكْثِرُونَ الِاسْتِعارَةَ مِن أحْوالِ المِياهِ كَقَوْلِهِمْ: يُصْدِرُ ويُورِدُ، وقَوْلِهِمْ ضَرَبَ أخْماسًا لِأسْداسٍ، وقَوْلِهِمْ: يَنْزِعُ إلى كَذا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُوَمِنهُ قَوْلُهم: تَساجَلَ القَوْمُ، أصْلُهُ مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ.
وقالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
إذا ما اصْطَبَحْتُ أرْبَعًا خَطَّ مِئْزَرِي ∗∗∗ وأتْبَعْتُ دَلْوِي في السَّماحِ رِشاءَها
فَذَكَرَ الدَّلْوَ والرِّشاءَ. وقالَ النّابِغَةُ:
خَطاطِيفُ حَجْنٍ في حِبالٍ مَتِينَةٍ ∗∗∗ تَمُدُّ بِها أيْدٍ إلَيْكَ نَوازِعُ
وقالَ:
ولَوْلا أبُو الشَّقْراءِ ما زالَ ماتِحٌ ∗∗∗ يُعالِجُ خَطّافًا بِإحْدى الجَرائِرِ
صفحة ١٤٢
وقالُوا أيْضًا ”انْتَهَزَ الفُرْصَةَ“، والفُرْصَةُ نَوْبَةُ الشُّرْبِ، وقالُوا: صَدَرَ القَوْمُ عَنْ رَأْيِ فُلانٍ ووَرَدُوا عَلى رَأْيِهِ.
وقَوْلُهُ ”مِنهم“ وصْفٌ لِلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ، وهم خاصَّةُ أُولِي الأمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ يَرُدُّونَهُ إلى جَماعَةِ أُولِي الأمْرِ فَيَفْهَمُهُ الفاهِمُونَ مِن أُولِي الأمْرِ، وإذا فَهِمَهُ جَمِيعُهم فَأجْدَرُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ امْتِنانٌ بِإرْشادِهِمْ إلى أنْواعِ المَصالِحِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ المَكائِدِ ومِن حَبائِلِ الشَّيْطانِ وأنْصارِهِ.
واسْتِثْناءُ ”إلّا قَلِيلًا“ مِن عُمُومِ الأحْوالِ المُؤْذِنِ بِها ”اتَّبَعْتُمْ“، أيْ إلّا في أحْوالٍ قَلِيلَةٍ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ما يَشْمَلُ البَعْثَةَ فَما بَعْدَها، فالمُرادُ بِالقَلِيلِ الأحْوالُ الَّتِي تَنْساقُ إلَيْها النُّفُوسُ في بَعْضِ الأحْوالِ بِالوازِعِ العَقْلِيِّ أوِ العادِيِّ، وإنْ أُرِيدَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ النَّصائِحُ والإرْشادُ فالمُرادُ بِالقَلِيلِ ما هو مَعْلُومٌ مِن قَواعِدِ الإسْلامِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ ”اتَّبَعْتُمْ“ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنكم، فالمُرادُ مِنَ الِاتِّباعِ اتِّباعُ مِثْلِ هَذِهِ المَكائِدِ الَّتِي لا تَرُوجُ عَلى أهْلِ الرَّأْيِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
4:84Page 91
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ومِن وصْفِ المُثَبِّطِينَ عَنْهُ، والمُتَذَمِّرِينَ مِنهُ، والَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ أفادَ الِاهْتِمامَ بِأمْرِ القِتالِ، والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، فَتَهَيَّأ الكَلامُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِهِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ فَصِيحَةً بَعْدَ تِلْكَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ، أيْ: إذا كانَ كَما عَلِمْتَ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا عَوْدٌ إلى ما مَضى مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. فالآيَةُ أوْجَبَتْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ
صفحة ١٤٣
القِتالَ، وأوْجَبَتْ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ المُؤْمِنِينَ الأمْرَ بِالقِتالِ وتَحْرِيضَهم عَلَيْهِ، .
فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ وهَذا الأُسْلُوبُ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الحَثِّ والتَّحْرِيضِ لِغَيْرِ المُخاطَبِ، لِأنَّهُ إيجابُ القِتالِ عَلى الرَّسُولِ، وقَدْ عُلِمَ إيجابُهُ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَهو أمْرٌ لِلْقُدْوَةِ بِما يَجِبُ اقْتِداءُ النّاسِ بِهِ فِيهِ. وبَيَّنَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ وهي رَجاءُ كَفِّ بَأْسِ المُشْرِكِينَ، فَـ ”عَسى“ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْوَعْدِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا كُفّارُ مَكَّةَ، فالآياتُ تَهْيِئَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ الرَّجاءِ أوِ الوَعْدِ، والمَعْنى أنَّهُ أشَدُّ بَأْسًا إذا شاءَ إظْهارَ ذَلِكَ، ومِن دَلائِلِ المَشِيئَةِ امْتِثالُ أوامِرِهِ الَّتِي مِنها الِاسْتِعْدادُ وتَرَقُّبُ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها.
والتَّنْكِيلُ عِقابٌ يَرْتَدِعُ بِهِ رائِيهِ فَضْلًا عَنِ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ.
4:85Page 91
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ والتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] وهو بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ جِهادَ المُجاهِدِينَ بِدَعْوَتِهِ يَنالُهُ مِنهُ نَصِيبٌ عَظِيمٌ مِنَ الأجْرِ، فَإنَّ تَحْرِيضَهُ إيّاهم وساطَةٌ بِهِمْ في خَيْراتٍ عَظِيمَةٍ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ الإرْشادِ.
ويُعْلَمُ مِن عُمُومِها أنَّ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ، وأنَّ سَعْيَ المُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ مِن قَبِيلِ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ إيذانًا لِلْفَرِيقَيْنِ بِحالَتِهِما. والمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في التَّوَسُّطِ في الخَيْرِ والتَّرْهِيبُ مِن ضِدِّهِ.
والشَّفاعَةُ: الوَساطَةُ في إيصالِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ شَرٍّ، سَواءٌ كانَتْ بِطَلَبٍ مِنَ المُنْتَفِعِ أمْ لا، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الحَدِيثِ «اشْفَعُوا
صفحة ١٤٤
فَلْتُؤْجَرُوا» .
ووَصْفُها بِالحَسَنَةِ وصْفٌ كاشِفٌ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الوَساطَةِ في الخَيْرِ، وأمّا إطْلاقُ الشَّفاعَةِ عَلى السَّعْيِ في جَلْبِ شَرٍّ فَهو مُشاكَلَةٌ، وقَرِينَتُها وصْفُها بِسَيِّئَةٍ، إذْ لا يُقالُ شَفَعَ لِلَّذِي سَعى بِجَلْبِ سُوءٍ.
والنَّصِيبُ: الحَظُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والكِفْلُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ الحَظُّ كَذَلِكَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي وجْهُ اشْتِقاقِهِ بِوُضُوحٍ. ويُسْتَعْمَلُ الكِفْلُ بِمَعْنى المِثْلُ، فَيُؤْخَذُ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ أنَّ الكِفْلَ هو الحَظُّ المُماثِلُ لِحَظٍّ آخَرَ.
وقالَ صاحِبُ اللِّسانِ: لا يُقالُ هَذا كِفْلُ فُلانٍ حَتّى يَكُونَ قَدْ هُيِّئَ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ، ولَمْ يَعْزُ هَذا، ونَسَبَهُ الفَخْرُ إلى ابْنِ المُظَفَّرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أحَدٌ غَيْرَ هَذَيْنِ فِيما عَلِمْتُ، ولَعَلَّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ.
وهَلْ يُحْتَجُّ بِما قالَهُ ابْنُ المُظَفَّرِ وابْنُ المُظَفَّرِ هو مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ المُظَفَّرِ الحاتِمِيُّ الأدِيبُ مُعاصِرُ المُتَنَبِّي. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ أنَّ الكِفْلَ هو الحَظُّ مِنَ الشَّرِّ والشِّدَّةِ، وأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الكِفْلِ وهو الشَّيْءُ الرَّدِيءُ، فالجَزاءُ في جانِبِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ بِأنَّهُ نَصِيبٌ إيماءً إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أجْرٌ أكْثَرُ مِن ثَوابِ مَن شَفَعَ عِنْدَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةَ، لِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ يُجازِي عَلى كُلِّ عَمَلٍ بِما يُناسِبُهُ مِن حُسْنٍ أوْ سُوءٍ.
والمُقِيتُ: الحافِظُ، والرَّقِيبُ، والشّاهِدُ، والمُقْتَدِرُ. وأصْلُهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ الحافِظُ. وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أقاتَ إذا أعْطى القُوتَ، فَوَزْنُهُ مُفْعِلٌ وعَيْنُهُ واوٌ. واسْتُعْمِلَ مَجازًا في مَعانِي الحِفْظِ والشَّهادَةِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، لِأنَّ مَن يُقِيتُ أحَدًا فَقَدْ حَفِظَهُ مِنَ الخَصاصَةِ أوْ مِنَ الهَلاكِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاطِّلاعِ، أوْ مُضَمَّنٌ مَعْناهُ، كَما يَنْبِيءُ عَنْهُ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (عَلى) .
ومِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى المُقِيتُ، وفَسَّرَهُ الغَزالِيُّ بِمُوَصِّلِ الأقْواتِ، فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الرّازِقِ، إلّا أنَّهُ أخَصُّ، وبِمَعْنى المُسْتَوْلِي عَلى الشَّيْءِ القادِرِ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ فَيَكُونُ راجِعًا إلى القُدْرَةِ والعِلْمِ.
4:86Page 91
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.
صفحة ١٤٥
﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] بِاعْتِبارِ ما قُصِدَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها، وهو التَّرْغِيبُ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والتَّحْذِيرُ مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّرْغِيبَ في قَبُولِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ ورَدِّ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ.
وإذْ قَدْ كانَ مِن شَأْنِ الشَّفِيعِ أنْ يَدْخُلَ عَلى المُسْتَشْفَعِ إلَيْهِ بِالسَّلامِ اسْتِئْناسًا لَهُ لِقَبُولِ الشَّفاعَةِ، فالمُناسَبَةُ في هَذا العَطْفِ هي أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي حُضُورَ الشَّفِيعِ عِنْدَ المَشْفُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ صِفَةَ تَلَقِّي المَشْفُوعِ إلَيْهِ لِلشَّفِيعِ تُؤْذِنُ بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِهِ لِقَبُولِ الشَّفاعَةِ، وأنَّ أوَّلَ بَوادِرِ اللِّقاءِ هو السَّلامُ ورَدُّهُ.
فَعَلَّمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أدَبَ القَبُولِ واللِّقاءِ في الشَّفاعَةِ وغَيْرِها وقَدْ كانَ لِلشَّفاعاتِ عِنْدَهم شَأْنٌ عَظِيمٌ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَرَّ رَجُلٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ماذا تَقُولُونَ فِيهِ ؟ قالُوا: هَذا جَدِيرٌ إنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ» . الحَدِيثَ حَتّى إذا قَبِلَ المُسْتَشْفَعُ إلَيْهِ الشَّفاعَةَ كانَ قَدْ طَيَّبَ خاطِرَ الشَّفِيعِ، وإذا لَمْ يَقْبَلْ كانَ في حُسْنِ التَّحِيَّةِ مَرْضاةٌ لَهُ عَلى الجُمْلَةِ. وهَذا دَأْبُ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ الإرْشادِ والتَّأْدِيبِ.
وبِهَذا البَيانِ تَنْجَلِي عَنْكَ الحَيْرَةُ الَّتِي عَرَضَتْ في تَوْجِيهِ انْتِظامِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ سابِقَتِها، وتَسْتَغْنِي عَنِ الِالتِجاءِ إلى المُناسَباتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي صارُوا إلَيْها.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ عَلى الأمْرِ بِرَدِّ السَّلامِ، ووُجُوبِ الرَّدِّ لِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ عَلى مُقْتَضى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في مَحْمَلِ صِيغَةِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذا كانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ جَماعَةً هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم: فَقالَ مالِكٌ: هو واجِبٌ عَلى الجَماعَةِ وُجُوبَ الكِفايَةِ فَإذا رَدَّ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ أجْزَأ عَنْهم، ووَرَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ عَلى أنَّهُ إذا كانَتِ الجَماعَةُ كَثِيرَةً يَصِيرُ رَدُّ الجَمِيعِ غَوْغاءَ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الرَّدُّ فَرْضٌ عَلى كُلِّ شَخْصٍ مِنَ الجَماعَةِ بِعَيْنِهِ. ولَعَلَّ دَلِيلَهُ في ذَلِكَ القِياسُ.
صفحة ١٤٦
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ابْتِداءَ السَّلامِ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧]، وسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ.
وأفادَ قَوْلُهُ بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها التَّخْيِيرَ بَيْنَ الحالَيْنِ، ويُعْلَمُ مِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ بِأحْسَنَ مِنها أنَّ ذَلِكَ أفْضَلُ.
وحَيّى أصْلُهُ في اللُّغَةِ دَعا لَهُ بِالحَياةِ، ولَعَلَّهُ مِن قَبِيلِ النَّحْتِ مِن قَوْلِ القائِلِ: حَيّاكَ اللَّهُ، أيْ وهَبَ لَكَ طُولَ الحَياةِ. فَيُقالُ لِلْمَلِكِ: حَيّاكَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ جاءَ في دُعاءِ التَّشَهُّدِ التَّحِيّاتُ لِلَّهِ أيْ هو مُسْتَحِقُّها لا مُلُوكُ النّاسِ. وقالَ النّابِغَةُ:
يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ - أيْ يُحَيَّوْنَ مَعَ تَقْدِيمِ الرَّيْحانِ في يَوْمِ عِيدِ الشَّعانِينِ وكانَتِ التَّحِيَّةُ خاصَّةً بِالمُلُوكِ بِدُعاءِ حَيّاكَ اللَّهُ غالِبًا، فَلِذَلِكَ أطْلَقُوا التَّحِيَّةَ عَلى المُلْكِ في قَوْلِ زُهَيْرِ بْنِ جَنّابٍ الكَلْبِيِّ:
ولَكُلُّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَّحِيَّةَ
يُرِيدُ أنَّهُ بَلَغَ غايَةَ المَجْدِ سِوى المُلْكِ. وهو الَّذِي عَناهُ المَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ:
تَحِيَّةُ كِسْرى في الثَّناءِ وتُبَّعِ ∗∗∗ لِرَبْعِكِ لا أرْضى تَحِيَّةَ أرْبُعِ
.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن آدابِ الإسْلامِ: عَلَّمَ اللَّهُ بِها أنْ يَرُدُّوا عَلى المُسَلِّمِ بِأحْسَنَ مِن سَلامِهِ أوْ بِما يُماثِلُهُ، لِيَبْطُلَ ما كانَ بَيْنَ الجاهِلِيَّةِ مِن تَفاوُتِ السّادَةِ والدَّهْماءِ.
وتَكُونُ التَّحِيَّةُ أحْسَنَ بِزِيادَةِ المَعْنى، فَلِذَلِكَ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥]: إنَّ تَحِيَّةَ إبْراهِيمَ كانَتْ أحْسَنَ إذْ عَبَّرَ عَنْها بِما هو أقْوى في كَلامِ العَرَبِ وهو رَفْعُ المَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ وتَناسِي الحُدُوثِ المُؤْذِنِ بِهِ نَصْبُ المَصْدَرِ، ولَيْسَ في لُغَةِ إبْراهِيمَ مِثْلُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ مِن بَدِيعِ التَّرْجَمَةِ.
”ولِذَلِكَ جاءَ في تَحِيَّةِ الإسْلامِ: السَّلامُ عَلَيْكم، وفي رَدِّها وعَلَيْكُمُ السَّلامُ لِأنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ فِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ.
وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ الواوَ في رَدِّ السَّلامِ تُفِيدُ مَعْنى الزِّيادَةِ فَلَوْ كانَ المُسَلِّمُ بَلَغَ غايَةَ التَّحِيَّةِ أنْ يَقُولَ:
صفحة ١٤٧
السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَإذا قالَ الرّادُّ وعَلَيْكُمُ السَّلامُ إلَخْ، كانَ قَدْ رَدَّها بِأحْسَنَ مِنها بِزِيادَةِ الواوِ، وهَذا وهْمٌ.
ومَعْنى“ رُدُّوها ”رُدُّوا مِثْلَها، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، لِظُهُورِ تَعَذُّرِ رَدِّ ذاتِ التَّحِيَّةِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها﴾ [النساء: ١٧٦] فَعادَ ضَمِيرُ“ وهو ”وهاءُ“ يَرِثُها ”إلى اللَّفْظَيْنِ لا إلى الذّاتَيْنِ، ودَلَّ الأمْرُ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى حُكْمِ الِابْتِداءِ بِالسَّلامِ، فَذَلِكَ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ العَرَبَ كانُوا لا يُقَدِّمُونَ اسْمَ المُسَلَّمِ عَلَيْهِ المَجْرُورِ بِعَلى في ابْتِداءِ السَّلامِ إلّا في الرِّثاءِ، في مِثْلِ قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّيِّبِ:
عَلَيْكَ سَلامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنَ عاصِمٍ ∗∗∗ ورَحْمَتُهُ ما شاءَ أنْ يَتَرَحَّما
وفِي قَوْلِ الشَّمّاخِ:
عَلَيْكَ سَلامٌ مِن أمِيرٍ وبارَكَتْ ∗∗∗ يَدُ اللَّهِ في ذاكَ الأدِيمِ المُمَزَّقِ
يَرْثِي عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ أوْ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ. رَوى أبُو داوُدَ «أنَّ جابِرَ بْنَ سُلَيْمٍ سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ إنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتى، قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ» .
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ لِقَصْدِ الِامْتِنانِ بِهَذِهِ التَّعْلِيماتِ النّافِعَةِ.
والحَسِيبُ: العَلِيمُ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ: مِن حَسِبَ بِكَسْرِ السِّينِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ القَلْبِ، فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ عَيْنِهِ لَمّا أُرِيدَ بِهِ أنَّ العِلْمَ وصْفٌ ذاتِيٌّ لَهُ، وبِذَلِكَ نَقَصَتْ تَعْدِيَتُهُ فاقْتَصَرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنى المُحْصِي فَعُدِّيَ إلَيْهِ بـِ“ عَلى ”. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ. قِيلَ: الحَسِيبُ هُنا بِمَعْنى المُحاسِبِ، كالأكِيلِ والشَّرِيبِ. فَعَلى كَلامِهِمْ يَكُونُ التَّذْيِيلُ وعْدًا بِالجَزاءِ عَلى قَدْرِ فَضْلِ رَدِّ السَّلامِ، أوْ بِالجَزاءِ السَّيِّئِ عَلى تَرْكِ الرَّدِّ مِن أصْلِهِ. وقَدْ أُكِّدَ وصْفُ اللَّهِ بِحَسِيبٍ بِمُؤَكِّدَيْنِ: حَرْفُ“ إنَّ ”وفِعْلُ“ كانَ " الدّالُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ مُقَرَّرٌ أزَلِيٌّ.
4:87Page 92
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧
Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.
صفحة ١٤٨
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، جَمَعَ تَمْجِيدَ اللَّهِ، وتَهْدِيدًا، وتَحْذِيرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرًا لِلْإيمانِ بِيَوْمِ البَعْثِ، ورَدًّا لِإشْراكِ بَعْضِ المُنافِقِينَ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ.
فاسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ لِتَمْجِيدِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ”لَيَجْمَعَنَّكم“ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ واقِعٍ جَمِيعُهُ مَوْقِعَ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ: بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ، وبِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، لِتَقْوِيَةِ تَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ، إبْطالًا لِإنْكارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ.
ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ نَفْيٌ أنْ يَتَطَرَّقَهُ جِنْسُ الرَّيْبِ والشَّكِّ أيْ في مَجِيئِهِ، والمَقْصُودُ لا رَيْبَ حَقِيقِيًّا فِيهِ، أوْ أنَّ ارْتِيابَ المُرْتابِينَ لِوَهَنِهِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجِنْسِ المَعْدُومِ.
والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنَ اللَّهِ هو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. و”حَدِيثًا“ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ فِعْلِ التَّفْضِيلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences