Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:93–96

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:93–96

4:93Page 93

وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ .

هَذا هو المَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ لِأحْكامِ القَتْلِ، لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ مِنَ النّاسِ، وإنَّما أُخِّرَ لِتَهْوِيلِ أمْرِهِ، فابْتَدَأ بِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ بِعُنْوانِ قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] .

والمُتَعَمِّدُ: القاصِدُ لِلْقَتْلِ، مُشْتَقٌّ مِن عَمَدَ إلى كَذا بِمَعْنى قَصَدَ وذَهَبَ. والأفْعالُ كُلُّها لا تَخَرُجُ عَنْ حالَتَيْ عَمْدٍ وخَطَأٍ، ويُعْرَفُ التَّعَمُّدُ بِأنْ يَكُونَ فِعْلًا لا يَفْعَلُهُ أحَدٌ بِأحَدٍ إلّا وهو قاصِدٌ إزْهاقَ رُوحِهِ بِخُصُوصِهِ بِما تُزْهَقُ بِهِ الأرْواحُ في مُتَعارَفِ النّاسِ، وذَلِكَ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.

ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الفُقَهاءِ: القَتْلُ نَوْعانِ عَمْدٌ وخَطَأٌ، وهو الجارِي عَلى وفْقِ الآيَةِ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَن جَعَلَ نَوْعًا ثالِثًا سَمّاهُ شِبْهَ العَمْدِ، واسْتَنَدُوا في ذَلِكَ إلى آثارٍ مَرْوِيَّةٍ، إنْ صَحَّتْ فَتَأْوِيلُها مُتَعَيِّنٌ وتُحْمَلُ عَلى خُصُوصِ ما ورَدَتْ فِيهِ.

وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والواحِدِيُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ وأخاهُ هِشامًا جاءا مُسْلِمَيْنِ مُهاجِرَيْنِ فَوُجِدَ هِشامٌ قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ، ولَمْ يُعْرَفْ قاتِلُهُ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِإعْطاءِ أخِيهِ مِقْيَسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، دِيَةَ أخِيهِ، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ فَلَمّا أخَذَ مِقْيَسٌ الإبِلَ عَدا عَلى الفِهْرِيِّ فَقَتَلَهُ، واسْتاقَ الإبِلَ، وانْصَرَفَ إلى مَكَّةَ كافِرًا وأنْشَدَ في شَأْنِ أخِيهِ:

صفحة ١٦٤

قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سُراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ

حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وأدْرَكْتُ ثَأْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ

وقَدْ أهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقُتِلَ بِسُوقِ مَكَّةَ.

وقَوْلُهُ خالِدًا فِيها مَحْمَلُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ السُّنَّةِ عَلى طُولِ المُكْثِ في النّارِ لِأجْلِ قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا، لِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ لَيْسَ كُفْرًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا خُلُودَ في النّارِ إلّا لِلْكُفْرِ، عَلى قَوْلِ عُلَمائِنا مِن أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الخُلُودِ بِالمُبالَغَةِ في طُولِ المُكْثِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ. قالَ النّابِغَةُ في مَرَضِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ:

ونَحْنُ لَدَيْهِ نَسْألُ اللَّهَ خُلْدَهُ ∗∗∗ يَرُدُّ لَنا مَلْكًا ولِلْأرْضِ عامِرا

ومَحْمَلُهُ عِنْدَ مَن يُكَفِّرُ بِالكَبائِرِ مِنَ الخَوارِجِ، وعِنْدَ مَن يُوجِبُ الخُلُودَ عَلى أهْلِ الكَبائِرِ، عَلى وتِيرَةِ إيجابِ الخُلُودِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ.

وكِلا الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَرِدُ عَلى جَرِيمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا، كَما تَرِدُ عَلى غَيْرِها مِنَ الكَبائِرِ، إلّا أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ شَذَّ شُذُوذًا بَيِّنًا في مَحْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ مُتَعَمِّدًا لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ، واشْتَهَرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُرِفَ بِهِ، أخْذًا بِهَذِهِ الآيَةِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيها إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَسَألْتُهُ عَنْها، فَقالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ الآيَةَ. هي آخِرُ ما نَزَلَ وما نَسَخَها شَيْءٌ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِطَرِيقِ التَّأْوِيلِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَحَمَلَهُ جَماعَةٌ عَلى ظاهِرِهِ، وقالُوا: إنَّ مُسْتَنَدَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي آخِرُ ما نَزَلَ، فَقَدْ نَسَخَتِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، الَّتِي تَقْتَضِي عُمُومَ التَّوْبَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقاتِلُ النَّفْسِ مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] .

ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] .

صفحة ١٦٥

والحَقُّ أنَّ مَحَلَّ التَّأْوِيلِ لَيْسَ هو تَقَدُّمُ النُّزُولِ أوْ تَأخُّرُهُ، ولَكِنَّهُ في حَمْلِ مُطْلَقِ الآيَةِ عَلى الأدِلَّةِ الَّتِي قَيَّدَتْ جَمِيعَ أدِلَّةِ العُقُوباتِ الأُخْرَوِيَّةِ بِحالَةِ عَدَمِ التَّوْبَةِ.

فَأمّا حُكْمُ الخُلُودِ فَحَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى مَجازِهِ، وهو طُولُ المُدَّةِ في العِقابِ، مَسْألَةٌ أُخْرى لا حاجَةَ إلى الخَوْضِ فِيها حِينَ الخَوْضِ في شَأْنِ تَوْبَةِ القاتِلِ المُتَعَمِّدِ، وكَيْفَ يُحْرَمُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ، وهو أعْظَمُ الذُّنُوبِ مَقْبُولَةٌ، فَكَيْفَ بِما هو دُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

وحَمَلَ جَماعَةٌ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى قَصْدِ التَّهْوِيلِ والزَّجْرِ، لِئَلّا يَجْتَرِئَ النّاسُ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا، ويَرْجُونَ التَّوْبَةَ، ويُعَضِّدُونَ ذَلِكَ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ ألِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوْبَةٌ ؟ فَقالَ لا إلّا النّارَ.

فَلَمّا ذَهَبَ قالَ لَهُ جُلَساؤُهُ أهَكَذا كُنْتَ تُفْتِينا فَقَدْ كُنْتَ تَقُولُ إنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ فَقالَ إنِّي لَأحْسَبُ السّائِلَ رَجُلًا مُغْضَبًا يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، قالَ: فَبَعَثُوا في أثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ. وكانَ ابْنُ شِهابٍ إذا سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ مَن يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ كانَ قَتَلَ نَفْسًا يَقُولُ لَهُ تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ وإذا سَألَهُ مَن لَمْ يَقْتُلْ، وتَوَسَّمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يُحاوِلُ قَتْلَ نَفْسٍ، قالَ لَهُ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ.

وأقُولُ: هَذا مَقامٌ قَدِ اضْطَرَبَتْ فِيهِ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِلاكُهُ أنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ هُنا في وعِيدِ قاتِلِ النَّفْسِ قَدْ تَجاوَزَ فِيهِ الحَدَّ المَأْلُوفَ مِنَ الإغْلاظِ، فَرَأى بَعْضُ السَّلَفِ أنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِحَمْلِ الوَعِيدِ في الآيَةِ عَلى ظاهِرِهِ، دُونَ تَأْوِيلٍ، لِشِدَّةِ تَأْكِيدِهِ تَأْكِيدًا يَمْنَعُ مَن حَمْلِ الخُلُودِ عَلى المَجازِ، فَيُثْبِتُ لِلْقاتِلِ الخُلُودَ حَقِيقَةً، بِخِلافِ بَقِيَّةِ آيِ الوَعِيدِ، وكَأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي جَعَلَهم يَخُوضُونَ في اعْتِبارِ هَذِهِ الآيَةِ مُحْكَمَةً أوْ مَنسُوخَةً، لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا مَلْجَأً آخَرَ يَأْوُونَ إلَيْهِ في حَمْلِها عَلى ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ آياتُ الوَعِيدِ: مِن مَحامِلِ التَّأْوِيلِ، أوِ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَعارِضاتِ، فَآوَوْا إلى دَعْوى نَسْخِ نَصِّها بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ إلّا مَن تابَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إمّا أنْ يُرادَ بِهِ مَجْمُوعُ الذُّنُوبِ المَذْكُورَةِ، فَإذا كانَ فاعِلُ مَجْمُوعِها تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ فَفاعِلُ بَعْضِها وهو القَتْلُ عَمْدًا أجْدَرُ، وإمّا أنْ يُرادَ فاعِلُ واحِدَةٍ مِنها فالقَتْلُ عَمْدًا مِمّا عُدَّ مَعَها.

ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ آيَةَ النِّساءِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وما نَسَخَها شَيْءٌ، ومِنَ العَجَبِ أنْ يُقالَ

صفحة ١٦٦

كَلامٌ مِثْلُ هَذا، ثُمَّ أنْ يُطالَ وتَتَناقَلَهُ النّاسُ وتَمُرَّ عَلَيْهِ القُرُونُ، في حِينِ لا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي وعِيدٌ لِقاتِلِ النَّفْسِ وبَيْنَ آياتِ قَبُولِ التَّوْبَةِ. وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى الجَوابِ بِأنَّها نُسِخَتْ بِآيَةِ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، بِناءً عَلى أنَّ عُمُومِ مَن يَشاءُ نَسَخَ خُصُوصَ القَتْلِ.

وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى الجَوابِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وهو كافِرٌ. فالخُلُودُ لِأجْلِ الكُفْرِ، وهو جَوابٌ مَبْنِيٌّ عَلى غَلَطٍ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ عامٌّ إذْ هو بِصِيغَةِ الشَّرْطِ فَتَعَيَّنَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ وهي مِن صِيغَ العُمُومِ فَلا تُحْمَلُ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، إلّا عِنْدَ مَن يَرى أنَّ سَبَبَ العامِّ يُخَصِّصُهُ بِسَبَبِهِ لا غَيْرُ، وهَذا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ.

وهَذِهِ كُلُّها مَلاجِئُ لا حاجَةَ إلَيْها، لِأنَّ آياتِ التَّوْبَةِ ناهِضَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْها مُتَظاهِرَةٌ ظَواهِرُها، حَتّى بَلَغَتْ حَدَّ النَّصِّ المَقْطُوعِ بِهِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْها آياتُ وعِيدِ الذُّنُوبِ كُلِّها حَتّى الكُفْرِ.

عَلى أنَّ تَأْكِيدَ الوَعِيدِ في الآيَةِ إنَّما يَرْفَعُ احْتِمالَ المَجازِ في كَوْنِهِ وعِيدًا لا في تَعْيِينِ المُتَوَعَّدِ بِهِ وهو الخُلُودُ. إذِ المُؤَكِّداتُ هُنا مُخْتَلِفَةُ المَعانِي فَلا يَصِحُّ أنْ يُعْتَبَرَ أحَدُها مُؤَكِّدًا لِمَدْلُولِ الآخَرِ بَلْ إنَّما أكَّدَتِ الغَرَضَ، وهو الوَعِيدُ، لا أنْواعُهُ، وهَذا هو الجَوابُ القاطِعُ لَهاتِهِ الحَيْرَةِ، وهو الَّذِي يَتَعَيَّنُ اللَّجَأُ إلَيْهِ، والتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ.

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، اسْتِقْصاءً لِلتَّحْذِيرِ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ بِذِكْرِ أحْوالٍ قَدْ يُتَساهَلُ فِيها وتَعْرِضُ فِيها شُبَهٌ.

والمُناسَبَةُ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ. وفي رِوايَةٍ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَمَلَ دِيَتَهُ إلى أهْلِهِ ورَدَّ غُنَيْمَتَهُ» .

صفحة ١٦٧

واخْتُلِفَ في اسْمِ القاتِلِ والمَقْتُولِ، بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى ابْنُ القاسِمِ، عَنْ مالِكٍ: أنَّ القاتِلَ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، والمَقْتُولَ مِرْداسُ بْنُ نَهِيكٍ الفَزارِيُّ مِن أهْلِ فَدَكَ، وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ القاتِلَ مُحَلَّمٌ مِن جَثّامَةَ، والمَقْتُولَ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ. وقِيلَ: القاتِلُ أبُو قَتادَةَ، وقِيلَ أبُو الدَّرْداءِ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ وبَّخَ القاتِلَ، وقالَ لَهُ: " «فَهَلّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ ما في قَلْبِهِ» . ومُخاطَبَتُهم بِـ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُلَوِّحُ إلى أنَّ الباعِثَ عَلى قَتْلِ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ مَنهِيٌّ عَنْهُ.

ولَوْ كانَ قَصْدُ القاتِلِ الحِرْصَ عَلى تَحَقُّقِ أنَّ وصْفَ الإيمانِ ثابِتٌ لِلْمَقْتُولِ، فَإنَّ هَذا التَّحَقُّقَ غَيْرُ مُرادٍ لِلشَّرِيعَةِ، وقَدْ ناطَتْ صِفَةُ الإسْلامِ بِقَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أوْ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ وهي السَّلامُ عَلَيْكم.

والضَّرْبُ: السَّيْرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ضَرَبْتُمْ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ ضَرَبْتُمْ لِأنَّ الضَّرْبَ أيِ السَّيْرَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ إذْ سَبِيلُ اللَّهِ لَقَبٌ لِلْغَزْوِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ.

والتَّبَيُّنُ: شِدَّةُ طَلَبِ البَيانِ، أيِ التَّأمُّلُ القَوِيُّ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى فِعْلِ تَبَيَّنُوا لِما في إذا مِن تَضَمُّنِ مَعْنى الِاشْتِراطِ غالِبًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَبَيَّنُوا بِفَوْقِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ نُونٍ مِنَ التَّبَيُّنِ وهو تَفَعُّلٌ، أيْ تَثَبَّتُوا واطْلُبُوا بَيانَ الأُمُورِ فَلا تَعْجَلُوا فَتَتَّبِعُوا الخَواطِرَ الخاطِفَةَ الخاطِئَةَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) - بِفاءٍ فَوْقِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ - بِمَعْنى اطْلُبُوا الثّابِتَ، أيِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ ولا يَحْتَمِلُ نَقِيضَ ما بَدا لَكم.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ (السَّلَمَ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ وهو ضِدُّ الحَرْبِ، ومَعْنى ألْقى السَّلَمَ أظْهَرَهُ بَيْنَكم كَأنَّهُ رَماهُ بَيْنَهم. وقَرَأ البَقِيَّةُ السَّلامَ بِالألِفِ وهو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعْنى السَّلَمِ ضِدَّ الحَرْبِ، ومَعْنى تَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَهي قَوْلُ: السَّلامُ عَلَيْكم، أيْ مَن خاطَبَكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ عَلامَةً عَلى أنَّهُ مُسْلِمٌ.

صفحة ١٦٨

وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ مَقُولُ لا تَقُولُوا. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: مُؤْمِنًا بِكَسْرِ المِيمِ الثّانِيَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ لا تَنْفُوا عَنْهُ الإيمانَ وهو يُظْهِرُهُ لَكم، وقَرَأهُ ابْنُ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لا تَقُولُوا لَهُ لَسْتَ مُحَصِّلًا تَأْمِينَنا إيّاكَ، أيْ إنَّكَ مَقْتُولٌ أوْ مَأْسُورٌ.

وعَرَضَ الحَياةِ: مَتاعُ الحَياةِ، والمُرادُ بِهِ الغَنِيمَةُ فَعَبَّرَ عَنْها بِـ عَرَضَ الحَياةِ تَحْقِيرًا لَها بِأنَّها نَفْعٌ عارِضٌ زائِلٌ.

وجُمْلَةُ تَبْتَغُونَ حالِيَّةٌ، أيْ ناقَشْتُمُوهُ في إيمانِهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ قَصَدَ إحْرازَ مالِهِ، فَكانَ عَدَمُ تَصْدِيقِهِ آئِلًا إلى ابْتِغاءِ غَنِيمَةِ مالِهِ، فَأُوخِذُوا بِالمَآلِ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا القَيْدِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَوْ قالَ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ: لَسْتَ مُؤْمِنًا، وقَتْلَهُ غَيْرَ آخِذٍ مِنهُ مالًا لَكانَ حُكْمُهُ أوْلى مِمَّنْ قَصَدَ أخْذَ الغَنِيمَةِ، والقَيْدُ يَنْظُرُ إلى سَبَبِ النُّزُولِ، والحُكْمُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ لَمْ يَحْصُرِ اللَّهُ مَغانِمَكم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ.

وزادَ في التَّوْبِيخِ قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ كُنْتُمْ كُفّارًا فَدَخَلْتُمُ الإسْلامَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فَلَوْ أنَّ أحَدًا أبى أنْ يُصَدِّقَكم في إسْلامِكم أكانَ يُرْضِيكم ذَلِكَ. وهَذِهِ تَرْبِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي أنْ يَسْتَشْعِرَ الإنْسانُ عِنْدَ مُؤاخَذَتِهِ غَيْرَهُ أحْوالًا كانَ هو عَلَيْها تُساوِي أحْوالَ مَن يُؤاخِذُهُ، كَمُؤاخَذَةِ المُعَلِّمِ التِّلْمِيذَ بِسُوءٍ إذا لَمْ يُقَصِّرْ في إعْمالِ جُهْدِهِ.

وكَذَلِكَ هي عِظَةٌ لِمَن يَمْتَحِنُونَ طَلَبَةَ العِلْمِ فَيَعْتادُونَ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ وتَطَلُّبَ عَثَراتِهِمْ، وكَذَلِكَ وُلاةُ الأُمُورِ وكِبارُ المُوَظَّفِينَ في مُعامَلَةِ مَن لِنَظَرِهِمْ مِن صِغارِ المُوَظَّفِينَ، وكَذَلِكَ الآباءُ مَعَ أبْنائِهِمْ إذا بَلَغَتْ بِهِمُ الحَماقَةُ أنْ يَنْتَهِرُوهم عَلى اللَّعِبِ المُعْتادِ أوْ عَلى الضَّجَرِ مِنَ الآلامِ.

وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ في حِفْظِ الجامِعَةِ الدِّينِيَّةِ، وهي بَثُّ الثِّقَةِ والأمانِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ، وطَرْحُ ما مِن شَأْنِهِ إدْخالُ الشَّكِّ لِأنَّهُ إذا فُتِحَ هَذا البابُ عَسُرَ سَدُّهُ، وكَما يَتَّهِمُ المُتَّهَمُ غَيْرَهُ فَلِلْغَيْرِ أنْ يَتَّهِمَ مَنِ اتَّهَمَهُ، وبِذَلِكَ تَرْتَفِعُ الثِّقَةُ، ويَسْهُلُ عَلى ضُعَفاءِ الإيمانِ المُرُوقُ، إذْ قَدْ أصْبَحَتِ التُّهْمَةُ تُظِلُّ الصّادِقَ والمُنافِقَ، وانْظُرْ مُعامَلَةَ النَّبِيءِ ﷺ المُنافِقِينَ مُعامَلَةَ المُسْلِمِينَ.

عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ سَرِيعُ السَّرَيانِ في القُلُوبِ فَيَكْتَفِي أهْلُهُ بِدُخُولِ الدّاخِلِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ مُناقَشَةٍ، إذْ لا يَلْبَثُونَ أنْ يَأْلَفُوهُ،

صفحة ١٦٩

وتُخالِطَ بِشاشَتُهُ قُلُوبَهم، فَهم يَقْتَحِمُونَهُ عَلى شَكٍّ وتَرَدُّدٍ فَيَصِيرُ إيمانًا راسِخًا، ومِمّا يُعِينُ عَلى ذَلِكَ ثِقَةُ السّابِقِينَ فِيهِ بِاللّاحِقِينَ بِهِمْ.

ومِن أجْلِ ذَلِكَ أعادَ اللَّهُ الأمْرَ فَقالَ فَتَبَيَّنُوا تَأْكِيدًا لِـ تَبَيَّنُوا المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وهو يَجْمَعُ وعِيدًا ووَعْدًا.

4:95–96Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

ولَمّا لامَ اللَّهُ بَعْضَ المُجاهِدِينَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّعَمُّقِ في الغايَةِ مِنَ الجِهادِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَضْلِ المُجاهِدِينَ كَيْلا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْمُ مُوهِمًا انْحِطاطَ فَضِيلَتِهِمْ في بَعْضِ أحْوالِهِمْ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ دَفْعًا لِلْيَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ أنْفُسِ المُسْلِمِينَ.

يَقُولُ العَرَبُ: ”لا يَسْتَوِي“ ”ولَيْسَ سَواءً“ بِمَعْنى أنَّ أحَدَ المَذْكُورِينَ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ. ويَعْتَمِدُونَ في ذَلِكَ عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى تَعْيِينِ المُفَضَّلِ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ. قالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ

وقالَ تَعالى ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقَدْ يُتْبِعُونَهُ بِما يُصَرِّحُ بِوَجْهِ نَفْيِ السَّوائِيَّةِ: إمّا لِخَفائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] .

وقَدْ يَكُونُ التَّصْرِيحُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ

صفحة ١٧٠

﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . وإذْ قَدْ كانَ وجْهُ التَّفاضُلِ مَعْلُومًا في أكْثَرِ مَواقِعِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، صارَ في الغالِبِ أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكِنايَةِ، وهو التَّعْرِيضُ بِالمَفْضُولِ في تَفْرِيطِهِ وزُهْدِهِ فِيما هو خَيْرٌ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ هو هُنا لِظُهُورِ أنَّ القاعِدَ عَنِ الجِهادِ لا يُساوِي المُجاهِدَ في فَضِيلَةِ نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا في ثَوابِهِ عَلى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ التَّعْرِيضُ بِالقاعِدِينَ وتَشْنِيعُ حالِهِمْ.

وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ كَيْلا يَحْسَبَ أصْحابُ الضَّرَرِ أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّحْرِيضِ فَيَخْرُجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيُكَلِّفُوهم مَؤُونَةَ نَقْلِهِمْ وحِفْظِهِمْ بِلا جَدْوى، أوْ يَظُنُّوا أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّعْرِيضِ فَتَنْكَسِرُ لِذَلِكَ نُفُوسُهم، زِيادَةً عَلى انْكِسارِها بِعَجْزِهِمْ، ولِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ إنْصافًا لَهم وعُذْرًا بِأنَّهم لَوْ كانُوا قادِرِينَ لَما قَعَدُوا، فَذَلِكَ الظَّنُّ بِالمُؤْمِنِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ صَرِيحَ المَعْنى لَما كانَ لِلِاسْتِثْناءِ مَوْقِعٌ. فاحْفَظُوا هَذا فالِاسْتِثْناءُ مَقْصُودٌ، ولَهُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يُضاعُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرُ الِاسْتِثْناءُ لَكانَ تَجاوُزُ التَّعْرِيضِ أصْحابَ الضَّرَرِ مَعْلُومًا مِن سِياقِ الكَلامِ، فالِاسْتِثْناءُ عُدُولٌ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى القَرِينَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ.

ويَدُلُّ لِهَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا إلى جَنْبِهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ: فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ) - وخَلْفَ النَّبِيءِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، فَنَزَلَتْ مَكانَها ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» .

فابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَهِمَ المَقْصُودَ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ فَظَنَّ أنَّ التَّعْرِيضَ يَشْمَلُهُ وأمْثالَهُ، فَإنَّهُ مِنَ القاعِدِينَ، ولِأجْلِ هَذا الظَّنِّ عَدَلَ عَنْ حِراسَةِ المَقامِ إلى صَراحَةِ الكَلامِ، وهُما حالانِ مُتَساوِيانِ في عُرْفِ البُلَغاءِ، هُما حالُ مُراعاةِ خِطابِ الذَّكِيِّ وخِطابِ الغَبِيِّ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ زِيادَةُ الِاسْتِثْناءِ مُفِيتَةً مُقْتَضى حالٍ مِنَ البَلاغَةِ، ولَكِنَّها مُعَوِّضَتُهُ بِنَظِيرِهِ لِأنَّ السّامِعِينَ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (غَيْرَ) بِنَصْبِ الرّاءِ عَلى الحالِ مِنَ القاعِدُونَ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِـ القاعِدُونَ.

صفحة ١٧١

وجازَ في غَيْرَ الرَّفْعُ عَلى النَّعْتِ، والنَّصْبُ عَلى الحالِ، لِأنَّ القاعِدُونَ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ فَيَجُوزُ فِيهِ مُراعاةُ اللَّفْظِ ومُراعاةُ المَعْنى.

والضَّرَرُ: المَرَضُ والعاهَةُ مِن عَمًى أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ، لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِمَصادِرِ الأدْواءِ ونَحْوِها، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ في العَمى، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْأعْمى: ضَرِيرٌ، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلْأعْرَجِ والزَّمِنِ، وأحْسَبُ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصُ العَمى وأنَّ غَيْرَهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ.

والضَّرَرُ مَصْدَرُ ضَرِرَ - بِكَسْرِ الرّاءِ - مِثْلَ مَرِضَ، وهَذِهِ الزِّنَةُ تَجِيءُ في العاهاتِ ونَحْوِها، مِثْلَ عَمِيَ وعَرِجَ وحَصِرَ، ومَصْدَرُها مَفْتُوحُ العَيْنِ مِثْلَ العَرَجِ، ولِأجْلِ خِفَّتِهِ بِفَتْحِ العَيْنِ امْتَنَعَ إدْغامُ المِثْلَيْنِ فِيهِ، فَقِيلَ: ضَرَرٌ بِالفَكِّ، وبِخِلافِ الضُّرِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ ضَرَّهُ فَهو واجِبُ الإدْغامِ إذْ لا مُوجِبَ لِلْفَكِّ.

ولا نَعْرِفُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقَ الضَّرَرِ عَلى غَيْرِ العاهاتِ الضّارَّةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» “ فَهو نادِرٌ أوْ جَرى عَلى الإتْباعِ والمُزاوَجَةِ لِاقْتِرانِهِ بِلَفْظِ ”ضِرارَ“ وهو مُفَكَّكٌ. وزَعَمَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ ضَرَرَ اسْمُ مَصْدَرِ الضُّرِّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ ولَمْ يُحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِ ولا شاهِدَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ لِأنَّ الجِهادَ يَقْتَضِي الأمْرَيْنِ: بَذْلَ النَّفْسِ، وبَذْلَ المالِ، إلّا أنَّ الجِهادَ عَلى الحَقِيقَةِ هو بَذْلُ النَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَوْ لَمْ يُنْفِقْ شَيْئًا، بَلْ ولَوْ كانَ كَلًّا عَلى المُؤْمِنِينَ، كَما أنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِإعانَةِ الغُزاةِ، ولَمْ يُجاهِدْ بِنَفْسِهِ، لا يُسَمّى مُجاهِدًا وإنْ كانَ لَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ، وكَذَلِكَ مَن حَبَسَهُ العُذْرُ وكانَ يَتَمَنّى زَوالَ عُذْرِهِ واللَّحاقَ بِالمُجاهِدِينَ، لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، ولَكِنَّ فَضْلَ الجِهادِ بِالفِعْلِ لا يُساوِيهِ فَضْلُ الآخَرِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .

وحَقِيقَةُ الدَّرَجَةِ أنَّها جُزْءٌ مِن مَكانٍ يَكُونُ أعْلى مِن جُزْءٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ بِهِ، بِحَيْثُ تَتَخَطّى القَدَمُ إلَيْهِ بِارْتِقاءٍ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ بِصُعُودٍ، وذَلِكَ مِثْلُ دَرَجَةِ العُلَيَّةِ ودَرَجَةِ السُّلَّمِ.

والدَّرَجَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والعُلُوُّ المُرادُ هُنا عُلُوُّ الفَضْلِ ووَفْرَةِ الأجْرِ.

صفحة ١٧٢

وجِيءَ بِـ دَرَجَةً بِصِيغَةِ الإفْرادِ، ولَيْسَ إفْرادُها لِلْوَحْدَةِ، لِأنَّ دَرَجَةً هُنا جِنْسٌ مَعْنَوِيٌّ لا أفْرادَ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ التَّعْبِيرُ عَنْها في الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَها تَأْكِيدًا لَها بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِقَوْلِهِ دَرَجاتٍ مِنهُ لِأنَّ الجَمْعَ أقْوى مِنَ المُفْرَدِ.

وتَنْوِينُ دَرَجَةً لِلتَّعْظِيمِ. وهو يُساوِي مَفادَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ الآتِي دَرَجاتٍ مِنهُ.

وانْتَصَبَ دَرَجَةً بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ في فِعْلِ فَضَّلَ إذِ الدَّرَجَةُ هُنا زِيادَةٌ في مَعْنى الفَضْلِ، فالتَّقْدِيرُ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ فَضْلًا هو دَرَجَةٌ، أيْ دَرَجَةً فَضْلًا.

وجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وتَنْوِينُ كُلًّا تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ.

وعُطِفَ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾، وإنْ كانَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ واحِدًا بِاعْتِبارِ ما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن زِيادَةِ أجْرًا عَظِيمًا فَبِذَلِكَ غايَرَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها مُغايَرَةً سَوَّغَتِ العَطْفَ. مَعَ ما في إعادَةِ مُعْظَمِ ألْفاظِها مِن تَوْكِيدٍ لَها.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ المُجاهِدِينَ المُجاهِدُونَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ القَيْدِ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. وانْتَصَبَ أجْرًا عَظِيمًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ لِأنَّ الأجْرَ هو ذَلِكَ التَّفْضِيلُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ عَظِيمٌ.

وانْتَصَبَ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا، أوْ عَلى الحالِ بِاعْتِبارِ وصْفِ دَرَجاتٍ بِأنَّها مِنهُ أيْ مِنَ اللَّهِ.

وجُمِعَ دَرَجاتٍ لِإفادَةِ تَعْظِيمِ الدَّرَجَةِ لِأنَّ الجَمْعَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الكَثْرَةِ تُسْتَعارُ صِيغَتُهُ لِمَعْنى القُوَّةِ، ألا تَرى أنَّ عَلْقَمَةَ لَمّا أنْشَدَ الحارِثَ بْنَ جَبَلَةَ مَلِكَ غَسّانَ قَوْلَهُ يَسْتَشْفِعُ لِأخِيهِ شَأْسِ بْنِ عَبْدَةَ:

وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ

قالَ لَهُ المَلِكُ: وأذْنِبَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском