Ibn 'AshurGhafir · 40:17–24

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:17–24

40:17Page 469

ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧

This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.

﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

لا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ الثَّلاثَ مُتَّصِلَةٌ بِالمَقُولِ الصّادِرِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مَقُولًا واحِدًا أمْ كانَتِ الثّانِيَةُ مِنهُما مِن مَقُولِ أهَلِ المَحْشَرِ.

وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ الخَمْسِ هو أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ المُلْكَ لِلَّهِ وحْدَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِمَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، عُدِّدَتْ آثارُ التَّصَرُّفِ بِذَلِكَ المُلْكِ وهي الحُكْمُ عَلى العِبادِ بِنَتائِجِ أعْمالِهِمْ وأنَّهُ حُكْمٌ عادِلٌ لا يَشُوبُهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ عاجِلٌ لا يُبْطِئُ لِأنَّ اللَّهَ لا يَشْغَلُهُ عَنْ إقامَةِ الحَقِّ شاغِلٌ ولا هو بِحاجَةٍ إلى التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ في طُرُقِ قَضائِهِ، وعَلى هَذِهِ النَّتائِجِ جاءَ تَرْتِيبُ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ ثُمَّ

صفحة ١١٢

﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾، ثُمَّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾، وأمّا مَواقِعُ هاتِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ فَإنَّ جُمْلَةَ (﴿اليَوْمَ تُجْزى﴾) إلَخْ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِما في جُمْلَةِ (﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]) وجَوابِها مِن إجْمالٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ جَزاءً عادِلًا لا ظُلْمَ فِيهِ، أيْ لَيْسَ فِيهِ أقَلُّ شَوْبٍ مِنَ الظُّلْمِ حَسْبَما اقْتَضاهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ بَعْدَ لا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ.

وتَعْرِيفُ (اليَوْمَ) في قَوْلِهِ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ نَظِيَرُ تَعْرِيفِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولِانْتِفاءِ الظُّلْمِ عَنْ ذَلِكَ الجَزاءِ. وتَأْخِيرُها عَنْ تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ مُشِيرٌ إلى أنَّها عِلَّةٌ لَهُما، فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ واقِعٌ مَوْقِعَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما هو شَأْنُ (إنَّ) إذا جاءَتْ في غَيْرِ مَقامِ رَدِّ الإنْكارِ، فَسُرْعَةُ الحِسابِ تَقْتَضِي سُرْعَةَ الحُكْمِ. وسُرْعَةُ الحُكْمِ تَقْتَضِي تَمَلُّؤَ الحاكِمِ مِنَ العِلْمِ بِالحَقِّ، ومِن تَقْدِيرِ جَزاءِ كُلِّ عامِلٍ عَلى عَمَلِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ ولا بَحْثٍ لِأنَّ الحاكِمَ عَلّامُ الغُيُوبِ، فَكانَ قَوْلُهُ (﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾) عِلَّةً لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ في هَذا الغَرَضِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مُحاسِبُهم حِسابًا سَرِيعًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ.

والحِسابُ مَصْدَرُ حاسَبَ غَيْرَهُ إذا حَسِبَ لَهُ ما هو مَطْلُوبٌ بِإعْدادِهِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ تَخْتَلِفُ فَتارَةً يَكُونُ الحِسابُ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ أشْياءَ كَيْلا يَضِيعَ مِنها شَيْءٌ، وتارَةً يَكُونُ لِقَصْدِ تَوْقِيفِ مَن يَتَعَيَّنُ تَوْقِيفُهُ عَلَيْها، وتارَةً يَكُونُ لِقَصْدِ مُجازاةِ كُلِّ شَيْءٍ مِنها بِعَدْلِهِ، وهَذا الأخِيرُ هو المُرادُ هُنا ولِأجْلِهِ سُمِّيَ يَوْمُ الجَزاءِ يَوْمَ الحِسابِ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣]، والباءُ في قَوْلِهِ (بِما كَسَبَتْ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ تُجْزى بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ، أيْ جَزاءً مُناسِبًا لِما كَسَبَتْ، أيْ عَمِلَتْ.

وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ تَأْخِيرَ القَضاءِ بِالحَقِّ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ لِلْقاضِي بِدُونِ عُذْرٍ ضَرْبٌ مِن مَضْرُوبِ الجَوْرِ لِأنَّ الحَقَّ إنْ كانَ حَقَّ العِبادِ فَتَأْخِيرُ الحُكْمِ لِصاحِبِ الحَقِّ إبْقاءٌ لِحَقِّهِ بِيَدِ غَيْرِهِ، فَفِيهِ تَعْطِيلُ انْتِفاعِهِ بِحَقِّهِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ وذَلِكَ ظُلْمٌ، ولَعَلَّ صاحِبَ الحَقِّ في حاجَةٍ إلى تَعْجِيلِ حَقِّهِ لِنَفْعٍ مُعَطَّلٍ أوْ لِدَفْعِ ضُرٍّ جاثِمٍ، ولَعَلَّهُ أنْ

صفحة ١١٣

يَهْلَكَ في مُدَّةِ تَأْخِيرِ حَقِّهِ فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ، أوْ لَعَلَّ الشَّيْءَ المَحْكُومَ بِهِ يَتْلَفُ بِعارِضٍ أوْ قَصْدٍ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ صاحِبُهُ بَعْدُ.

وإنْ كانَ الحَقُّ حَقَّ اللَّهِ كانَ تَأْخِيرُ القَضاءِ فِيهِ إقْرارًا لِلْمُنْكِرِ. في صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا مُوسى عَلى اليَمَنِ ثُمَّ أتْبَعَهُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ فَلَمّا قَدِمَ مُعاذٌ عَلى أبِي مُوسى ألْقى إلَيْهِ أبُو مُوسى وِسادَةً وقالَ لَهُ: انْزِلْ، وإذا رَجُلٌ مُوَثَّقٌ عِنْدَ أبِي مُوسى، قالَ مُعاذٌ: ما هَذا ؟ قالَ: كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قالَ مُعاذٌ: لا أجْلِسُ حَتّى يُقْتَلَ، قَضاءُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأمَرَ بِهِ أبُو مُوسى فَقُتِلَ» .

40:18Page 469

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨

And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.

﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ .

الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (وأنْذِرْهم) وما بَعْدَهُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ (إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ) وجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] عَلى الوَجْهَيْنِ الآتِيَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والمُناسَبَةُ أنَّ ذِكْرَ الحِسابِ بِهِ يَقْتَضِي التَّذْكِيرَ بِالِاسْتِعْدادِ لِيَوْمِ الحِسابِ وهو يَوْمُ الآزِفَةِ.

ويَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ القِيامَةِ. وأصْلُ الآزِفَةِ اسْمُ فاعِلٍ مُؤَنَّثٌ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ أزِفَ الأمْرُ، إذا قَرُبَ، فالآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: السّاعَةُ الآزِفَةُ، أوِ القِيامَةُ الآزِفَةُ، مِثْلُ الصّاخَّةِ، فَتَكُونُ إضافَةُ (يَوْمَ) إلى (الآزِفَةِ)، حَقِيقِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في تَعْدِيَةِ الإنْذارِ إلى اليَوْمِ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] .

و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) فَهو اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ) .

و”ألْ“ في (القُلُوبُ) و(الحَناجِرِ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وأصْلُهُ: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ، فَبِواسِطَةِ ”ألْ“ عُوِّضَ تَعْرِيفُ الإضافَةِ بِتَعْرِيفِ العَهْدِ وهو رَأْيُ نُحاةِ الكُوفَةِ، والبَصْرِيُّونَ يُقَدِّرُونَ: إذِ القُلُوبُ مِنهم والحَناجِرُ

صفحة ١١٤

مِنهم والمَعْنى: إذْ قُلُوبُ الَّذِينَ تُنْذِرُهم، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، فَأمّا قُلُوبُ الصّالِحِينَ يَوْمَئِذٍ فَمُطْمَئِنَّةٌ.

والقُلُوبُ: البَضْعاتُ الصُّنُوبَرِيَّةُ الَّتِي تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً مُسْتَمِرَّةً ما دامَ الجِسْمُ حَيًّا فَتَدْفَعُ الدَّمَ إلَيَّ الشَّرايِينِ الَّتِي بِها حَياةُ الجِسْمِ.

والحَناجِرُ: جَمْعُ حَنْجَرَةٍ بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ الجِيمِ وهي الحُلْقُومُ. ومَعْنى (﴿القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾): أنَّ القُلُوبَ يَشْتَدُّ اضْطِرابُ حَرَكَتِها مِن فَرْطِ الجَزَعِ مِمّا يُشاهِدُ أهْلُها مِن بَوارِقِ الأهْوالِ حَتّى تَتَجاوَزَ القُلُوبُ مَواضِعَها صاعِدَةً إلى الحَناجِرِ كَما قالَ تَعالى في ذِكْرِ يَوْمِ الأحْزابِ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .

وكاظِمٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن كَظَمَ كُظُومًا، إذا احْتَبَسَ نَفَسُهُ بِفَتْحِ الفاءِ. فَمَعْنى كاظِمِينَ ساكِنِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ كَلامًا. فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يُقَدَّرُ لِ (كاظِمِينَ) مَفْعُولٌ لِأنَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الفِعْلِ اللّازِمِ. ويُقالُ: كَظَمَ كَظْمًا، إذا سَدَّ شَيْءٌ مَجْرى ماءٍ أوْ بابًا أوْ طَرِيقًا فَهو كاظِمٌ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَفْعُولُ مُقَدَّرًا. والتَّقْدِيرُ كاظِمِينَها، أيْ كاظِمِينَ حَناجِرَهم إشْفاقًا مِن أنْ تَخْرُجَ مِنها قُلُوبُهم مِن شِدَّةِ الِاضْطِرابِ.

وانْتَصَبَ (كاظِمِينَ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ في قَوْلِهِ (أنْذِرْهم) عَلى أنَّ الحالَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ القُلُوبِ عَلى المَجازِ العَقْلِيِّ بِإسْنادِ الكاظِمِ إلى القُلُوبِ وإنَّما الكاظِمُ أصْحابُ القُلُوبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]) وإنَّما الكاتِبُونَ هم بِأيْدِيهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ بَدَلِ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾) لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ تَقْتَضِي أنْ يَسْتَشْرِفُوا إلى شَفاعَةِ مَنِ اتَّخَذُوهم لِيَشْفَعُوا لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَلْفَوْنَ صَدِيقًا ولا شَفِيعًا. والحَمِيمُ: المُحِبُّ المُشْفِقُ.

والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ لِيَعُمَّ كُلَّ ظالِمٍ، أيْ مُشْرِكٍ فَيَشْمَلُ الظّالِمِينَ المُنْذَرِينَ، ومَن مَضى مِن أمْثالِهِمْ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ ولِذَلِكَ فَلَيْسَ ذِكْرُ الظّالِمِينَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ.

صفحة ١١٥

ووَصْفُ (شَفِيعٍ) بِجُمْلَةِ (يُطاعُ) وصْفٌ كاشِفٌ إذْ لَيْسَ أنَّ المُرادَ لَهم شُفَعاءُ لا تُطاعُ شَفاعَتُهم لِظُهُورِ قِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ ولَكِنْ لَمّا كانَ شَأْنُ مَن يَتَعَرَّضُ لِلشَّفاعَةِ أنْ يَثِقَ بِطاعَةِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ لَهُ.

وأتْبَعَ (شَفِيعٍ) بِوَصْفِ (يُطاعُ) لِتَلازُمِهِما عُرْفًا فَهو مِن إيرادِ نَفْيِ الصِّفَةِ اللّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ. والمَقْصُودُ: نَفِيُ المَوْصُوفِ بِضَرْبٍ مِنِ الكِنايَةِ التَّلْمِيحِيَّةِ كَقَوْلِ ابْنِ أحْمَرَ:

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ

أيْ لا ضَبَّ فِيها فَيَنْجَحِرُ، وذَلِكَ يُفِيدُ مُفادَ التَّأْكِيدِ.

والمَعْنى: أنَّ الشَّفِيعَ إذا لَمْ يُطِعْ فَلَيْسَ بِشَفِيعٍ. واللَّهُ لا يَجْتَرِئُ أحَدٌ عَلى الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ إلّا إذا أذِنَ لَهُ فَلا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا مَن يُطاعُ.

40:19Page 469

يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩

He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.

﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾) خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ (﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ [غافر: ١٥])، ومَجْمُوعُ الظّاهِرِ والمُقَدَّرِ اسْتِئْنافٌ لِلْمُبالَغَةِ في الإنْذارِ لِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الخَفايا كانَ إنْذارًا بالِغًا يَقْتَضِي الحَذَرَ مِن كُلِّ اعْتِقادٍ أوْ عَمَلٍ نَهاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ عَنْهُ، فَبَعْدَ أنْ أيْأسَهم مِن أنْ يَتَوَهَّمُوا أنَّهم يَسْتَطِيعُونَ إخْفاءَ شَيْءٍ مِن نَواياهم أوْ أدْنى حَرَكاتِ أعْمالِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ إنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧]، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما مَرَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.

صفحة ١١٦

و(﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ فالخائِنَةُ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلُ العافِيَةِ لِلْمُعافاةِ، والعاقِبَةِ، والكاذِبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] ويَجُوزُ إبْقاءُ (خائِنَةَ) عَلى ظاهِرِ اسْمِ الفاعِلِ فَيَكُونُ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (الأعْيُنِ)، أيْ يَعْلَمُ نَظْرَةَ الأعْيُنِ الخائِنَةِ.

وحَقِيقَةُ الخِيانَةِ: عَمَلُ مَنِ اؤْتُمِنَ عَلى شَيْءٍ بِضِدِّ ما اؤْتُمِنَ لِأجْلِهِ بِدُونِ عِلْمِ صاحِبِ الأمانَةِ، ومِن ذَلِكَ نَقْضُ العَهْدِ بِدُونِ إعْلانٍ بِنَبْذِهِ. ومَعْنى (خائِنَةَ الأعْيُنِ) خِيانَةَ النَّظَرِ، أيْ مُسارَقَةَ النَّظَرِ لِشَيْءٍ بِحَضْرَةِ مَن لا يُحِبُّ النَّظَرَ إلَيْهِ. فَإضافَةُ (خائِنَةَ) إلى (الأعْيُنِ) مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى آلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَ السَّيْفَ.

والمُرادُ بِ (﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾) النَّظْرَةُ المَقْصُودَةُ مِنها إشْعارُ المَنظُورِ إلَيْهِ بِما يَسُوءُ غَيْرَةَ الحاضِرِ اسْتِهْزاءً بِهِ أوْ إغْراءً بِهِ.

وإطْلاقُ الخائِنَةِ بِمَعْنى الخِيانَةِ عَلى هَذِهِ النَّظْرَةِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شَبَّهَ الجَلِيسَ بِالحَلِيفِ في أنَّهُ لَمّا جَلَسَ إلَيْكَ أوْ جَلَسْتَ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ عاهَدَكَ عَلى السَّلامَةِ، ألا تَرى أنَّ المُجالَسَةَ يَتَقَدَّمُها السَّلامُ وهو في الأصْلِ إنْباءٌ بِالمُسالَمَةِ فَإذا نَظَرْتَ إلى آخَرَ غَيْرِكُما نَظَرًا خَفِيًّا لِإشارَةٍ إلى ما لا يُرْضِي الجَلِيسَ مِنِ اسْتِهْزاءٍ أوْ إغْراءٍ فَكَأنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ المَدْخُولَ عَلَيْهِ بَيْنَكُما، فَإطْلاقُ الخِيانَةِ عَلى ذَلِكَ تَفْظِيعٌ لَهُ، ويَتَفاوَتُ قُرْبُ التَّشْبِيهِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِ ما وقَعَتِ النَّظْرَةُ لِأجْلِهِ في الإساءَةِ وآثارِ المَضَرَّةِ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «ما يَكُونُ لِنَبِيءٍ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ»، أيْ لا تَصْدُرُ مِنهُ.

و(﴿ما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾) النَّوايا والعَزائِمُ الَّتِي يُضْمِرُها صاحِبُها في نَفْسِهِ، فَأُطْلِقَ الصَّدْرُ عَلى ما يُكِنُّ الأعْضاءُ الرَّئِيسِيَّةُ عَلى حَسَبِ اصْطِلاحِ أصْحابِ اللُّغَةِ.

40:20Page 469

وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠

And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.

صفحة ١١٧

”﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾“ .

كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِجُمْلَةِ (﴿يَقْضِي بِالحَقِّ﴾) مَعْطُوفَةً بِالواوِ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]) فَيُقالُ: ويَقْضِي بِالحَقِّ ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِما في الِاسْمِ العَلَمِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الإشْعارِ بِما يَقْتَضِيهِ المُسَمّى بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها العَدْلُ في القَضاءِ، ونَظِيرُهُ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، ولِيَحْصُلَ مِن تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ تَقَوِّي المَعْنى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] أُعِيدَ المَوْصُولُ ولَمْ يُؤْتَ بِضَمِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ تَقَوِّي الحُكْمِ.

والجُمْلَةُ مِن تَمامِ الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ إلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] كَما تَقَدَّمَ، وكِلْتاهُما ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] أيْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القَضاءِ بِالحَقِّ.

وأمّا جُمْلَةُ ”﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾“ فَناظِرَةٌ إلى جُمْلَةِ ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] فَبَعْدَ أنْ نُفِيَ عَنْ أصْنامِهِمُ الشَّفاعَةُ، نُفِيَ عَنْها القَضاءُ بِشَيْءٍ ما بِالحَقِّ أوْ بِالباطِلِ وذَلِكَ إظْهارٌ لِعَجْزِها.

ولا تَحْسَبَّنَ جُمْلَةَ ”﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾“ مَسُوقَةً ضَمِيمَةً إلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ لِيُفِيدَ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ قَصْرَ القَضاءِ بِالحَقِّ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ دُونَ الأصْنامِ، كَما أُفِيدَ القَصْرُ مِن ضَمِّ الجُمْلَتَيْنِ في قَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوْ عَبْدِ المَلِكِ الحارِثِيِّ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

لِأنَّ المَنفِيَّ عَنْ آلِهَتِهِمْ أعَمُّ مِنَ المُثْبَتِ لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمّا يُضادُّ صِيغَةَ القَصْرِ يَكْفِي في إفادَتِهِ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ بِحَمْلِهِ عَلى إرادَةِ

صفحة ١١٨

الِاخْتِصاصِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ . فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ”﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾“ التَّذْكِيرُ بِعَجْزِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم وأنَّهم غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في إثْباتِ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ ثُمَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِإظْهارِ نَقِيضِهِ فِيما يُعَدُّ مُساوِيًا لَهُ كَما في قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:

تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ شَيْبًا بِماءٍ فَصارا بَعْدُ أبْوالًا

وإلّا لَما كانَ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ، مُناسَبَةً.

والدُّعاءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النِّداءِ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِبادَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِجُمَلِ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] إلى قَوْلِهِ (لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) .

فَتَوَسُّطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ آلِهَتَهم لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إلَيْها الإلَهِيَّةَ، وإثَباتُ المُبالَغَةِ في السَّمْعِ والبَصَرِ لِلَّهِ تَعالى يُقَرِّرُ مَعْنى (﴿يَقْضِي بِالحَقِّ﴾) لِأنَّ العالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ حِكْمَتُهُ بِإرادَةِ الباطِلِ ولا تُخْطِئُ أحْكامُهُ بِالعِثارِ في الباطِلِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقٌ لِلْقَصْرِ. وقَدْ ذَكَرَ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ في مَبْحَثِ ضَمِيرِ الفَصْلِ أنَّ القَصْرَ يُؤَكِّدُ.

وقَرَأ نافِعٌ وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ”تَدْعُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِقَرْعِ أسْماعِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الظّاهِرِ.

40:21–22Page 469

۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

صفحة ١١٩

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مَن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

انْتِقالٌ مِن إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ إلى مَوْعِظَتِهِمْ وتَحْذِيرِهِمْ مِن أنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ كَما حَلَّ بِأُمَمٍ أمْثالِهِمْ.

فالواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ (﴿ألَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]) إلَخْ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى نَفْيٍ في الماضِي بِحَرْفِ (لَمْ)، والتَّقْرِيرُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ سارُوا مِن قُرَيْشٍ ونَظَرُوا آثارَ الأُمَمِ الَّذِينَ أبادَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، فَهم شاهَدُوا ذَلِكَ في رِحْلَتَيْهِمْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ وإنَّهم حَدَّثُوا بِما شاهَدُوهُ مَن تَضُمُّهم نَوادِيهِمْ ومَجالِسُهم فَقَدْ صارَ مَعْلُومًا لِلْجَمِيعِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ أُسْنِدَ الفِعْلُ المُقَرَّرُ بِهِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى الجُمْلَةِ.

والمُضارِعُ الواقِعُ بَعْدَ (لَمْ) والمُضارِعُ الواقِعُ في جَوابِهِ مُنْقَلِبانِ إلى المُضِيِّ بِواسِطَةِ (لَمْ) .

وتَقَدَّمَ شَبِيهُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ فاطِرٍ وفي سُورَةِ الرُّومِ.

والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ في قَوْلِهِ (كانُوا هم) ضَمِيرُ فَصْلٍ عائِدٌ إلى الظّالِمِينَ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ أُرِيدُوا بِقَوْلِهِ (وأنْذِرْهم)، وضَمِيرُ الفَصْلِ لِمُجَرَّدِ تَوْكِيدِ الحُكْمِ وتَقْوِيَتِهِ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ قَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرُ الأشَدِّيَّةِ عَلى ضَمِيرِ (كانُوا) إذْ لَيْسَ لِلْقَصْرِ مَعْنًى هُنا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه وهَذا ضابِطُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ضَمِيرِ الفَصْلِ الَّذِي يُفِيدُ القَصْرَ وبَيْنَ الَّذِي يُفِيدُ

صفحة ١٢٠

مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ. واقْتِصارُ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ عَلى إفادَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ الِاخْتِصاصَ تَقْصِيرٌ تَبِعَ فِيهِ كَلامَ المِفْتاحِ وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ سَعْدُ الدِّينِ في شَرْحِهِ عَلى التَّلْخِيصِ.

والمُرادُ بِالقُوَّةِ القُوَّةُ المَعْنَوِيَّةُ وهي كَثْرَةُ الأُمَّةِ ووَفْرَةُ وسائِلِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

وجُمْلَةُ (﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهُمْ﴾) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَفْصِيلِ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالتَّفْرِيعِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ (﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنهم) بِضَمِيرِ الغائِبِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”مِنكم“ بِضَمِيرِ خِطابِ الجَماعَةِ وكَذَلِكَ رُسِمَتْ في مُصْحَفِ الشّامِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

والآثارُ: جَمَعُ أثَرٍ، وهو الشَّيْءُ أوْ شَكْلٌ يَرْسِمُهُ فِعْلُ شَيْءٍ آخَرَ، مِثْلُ أثَرِ الماشِي في الرَّمْلِ قالَ تَعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] ومِثْلُ العُشْبِ إثْرَ المَطَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠]“، ويُسْتَعارُ الأثَرُ لِما يَقَعُ بَعْدَ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] .

والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ أُمَّتِهِمْ.

والفاءُ في (فَأخْذَهُمُ اللَّهُ) لِتَفْرِيعِ الأخْذِ عَلى كَوْنِهِمْ أشَدَّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ لِأنَّ القُوَّةَ أُرِيدَ بِها هُنا الكِنايَةُ عَنِ الإباءِ مِنَ الحَقِّ والنُّفُورِ مِنَ الدَّعْوَةِ، فالتَّقْدِيرُ: فَأعْرَضُوا، أوْ كَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ.

والأخْذُ: الِاسْتِئْصالُ والإهْلاكُ، كُنِّيَ عَنِ العِقابِ بِالأخْذِ، أوِ اسْتُعْمِلَ الأخْذُ مَجازًا في العِقابِ.

والذُّنُوبُ: جَمَعُ ذَنْبٍ وهو المَعْصِيَةُ، والمُرادُ بِها الإشْراكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ،

صفحة ١٢١

وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ ذُنُوبًا جَمَّةً، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُها بِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾) .

ومَعْنى (﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾) ما كانَ لَهم مِن عِقابِهِ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، فالواقِي: هو المُدافِعُ النّاصِرُ.

و(مِنَ) الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِ (واقٍ)، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، و(مِن) الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِحَرْفِ (ما) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ وهو أخْذُ اللَّهِ إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ ذَلِكَ الأخْذُ بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا بِهِمْ، وفي هَذا تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، والجُمْلَةُ بَعْدَ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. فالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فَكُفْرِهِمْ بِهِمْ.

وأفادَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ (تَأْتِيهِمْ) تَجَدُّدَ الإتْيانِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمَمِ، أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهم رَسُولٌ، فَجَمْعُ الضَّمِيرِ في (تَأْتِيهِمْ) و(رُسُلُهم) وجَمْعُ الرُّسُلِ في قَوْلِهِ (رُسُلُهم) مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فالمَعْنى: أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنهم أتاها رَسُولٌ. ولَمْ يُؤْتَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (فَكَفَرُوا) لِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ الأُمَمِ واحِدٌ وهو الإشْراكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ.

وكُرِّرَ قَوْلُهُ (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ) بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ (﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمُ﴾) إلَخْ إطْنابًا لِتَقْرِيرِ أخْذِ اللَّهِ إيّاهم بِكُفْرِهِمْ بِرُسُلِهِمْ، وتَهْوِيلًا عَلى المُنْذِرِينَ بِهِمْ أنْ يُساوُوهم في عاقِبَتِهِمْ كَما ساوُوهم في أسْبابِها.

وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾) تَعْلِيلٌ وتَبْيِينٌ لِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم وكَيْفِيَّتِهِ وسُرْعَةِ أخْذِهِ المُسْتَفادَةِ مِن فاءِ التَّعْقِيبِ، فالقَوِيُّ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلا يُعَطِّلُ مُرادَهُ ولا يَتَرَيَّثُ، و(شَدِيدُ العِقابِ) بَيانٌ لِذَلِكَ الأخْذِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] .

40:23–24Page 469

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤

To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."

صفحة ١٢٢

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ .

هَذا ذِكْرُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الأُمَمِ لَمْ يَشْهَدِ العَرَبُ آثارَهم وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ أقْباطُ مِصْرَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ سُورَةِ هُودٍ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ وهو لَقَبُ وزِيرِ فِرْعَوْنَ في سُورَةِ القَصَصِ.

وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أنَّها تَزِيدُ عَلى ما أُجْمِلَ مِن قِصَصِ أُمَمٍ أُخْرى أنَّ فِيها عِبْرَتَيْنِ: عِبْرَةٌ بِكَيْدِ المُكَذِّبِينَ وعِنادِهِمْ ثُمَّ هَلاكِهِمْ، وعِبْرَةٌ بِصَبْرِ المُؤْمِنِينَ وثَباتِهِمْ ثُمَّ نَصْرِهِمْ، وفي كِلْتا العِبْرَتَيْنِ وعِيدٌ ووَعْدٌ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى وبَيْنَ جُمْلَةِ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ.

وقارُونُ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَذَّبَ مُوسى، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في القِصَصِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ مُنْقَطِعًا إلى فِرْعَوْنَ وخادِمًا لَهُ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ كانَ في زُمْرَةِ مَن خَرَجَ مَعَ مُوسى، أيْ فاشْتَرَكَ أُولَئِكَ في رَمْيِ رَسُولِهِمْ بِالكَذِبِ والسِّحْرِ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском