Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:25–29
40:25Page 469
فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥
And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ .
أيْ رَمَوْهُ ابْتِداءً بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ تَوَهُّمًا أنَّهم يُلْقِمُونَهُ حَجَرَ الإحْجامِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِ وجاءَهم بِالحَقِّ، أيْ أظْهَرَ لَهُمُ الآياتِ الحَقَّ، أيِ الواضِحَةَ، فَأطْلَقَ (جاءَهم) عَلى ظُهُورِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] .
و(مِن عِنْدِنا) وصْفٌ لِلْحَقِّ لِإفادَةِ أنَّهُ حُقٌّ خارِقٌ لِلْعادَةِ لا يَكُونُ إلّا مِن تَسْخِيرِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ، وهو آياتُ نُبُوَّتِهِ التِّسْعُ.
ووَجْهُ وُقُوعِ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ [غافر: ٢٣]
صفحة ١٢٣
مَعَ اتِّحادِ مُفادِ الجُمْلَتَيْنِ فَإنَّ مُفادَ جُمْلَةِ (جاءَهم) مُساوٍ لِمُفادِ جُمْلَةِ (أرْسَلْنا)، ومُفادُ قَوْلِهِ (بِالحَقِّ) مُساوٍ لِمُفادِ قَوْلِهِ ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] أنَّ الأوَّلَ لِلتَّنْوِيهِ بِرِسالَةِ مُوسى وعَظَمَةِ مَوْقِفِهِ أمامَ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾ فَهو بَيانٌ لِدَعْوَتِهِ إيّاهم وما نَشَأ عَنْها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ، فَسُلِكَتْ في هَذا النَّظْمِ طَرِيقَةُ الإطْنابِ لِلتَّنْوِيهِ والتَّشْرِيفِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] مُعْتَرِضَةٌ. وأرادُوا بِقَوْلِهِمُ (﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾) أنْ يُرْهِبُوا أتْباعَهُ حَتّى يَنْفَضُّوا عَنْهُ فَلا يَجِدُ أنْصارًا ويَبْقى بَنُو إسْرائِيلَ في خِدْمَةِ المِصْرِيِّينَ.
وضَمِيرُ (جاءَهم) يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ جَمْعٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وهم أهْلُ مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ لا يَخْلُو عَنْهم مَجْلِسُ المَلِكِ في مِثْلِ هَذِهِ الحَوادِثِ العَظِيمَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] الآيَةَ. ولَيْسَ عائِدًا إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ لِأنَّ قارُونَ لَمْ يَكُنْ مَعَ فِرْعَوْنَ حِينَ دَعاهُ مُوسى ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُكَذِّبِينَ لِمُوسى في وقْتِ حُضُورِهِ لَدى فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ طَغى بَعْدَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ وبَلَغَ بِهِ طُغْيانُهُ إلى الكُفْرِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّتِهِ في سُورَةِ القَصَصِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِمُ (اقْتُلُوا) مُخاطَبٌ بِهِ فِرْعَوْنُ خِطابَ تَعْظِيمٍ مِثْلَ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] .
وإنَّما أُبْهِمَ القائِلُونَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِعِلْمِهِ، فَفِعْلُ (قالُوا) بِمَنزِلَةِ المَبْنِيِّ لِلنّائِبِ أوْ بِمَنزِلَةِ: قالَ قائِلٌ، لِأنَّ المَقْصُودَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾، وهو مَحَلُّ الِاعْتِبارِ لِقُرَيْشٍ بِأنَّ كَيْدَ أمْثالِهِمْ كانَ مُضاعَفًا فَكَذَلِكَ يَكُونُ كَيْدُهم.
وهَذا القَتْلُ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ الَّذِي وُلِدَ مُوسى في زَمَنِهِ.
وسُمِّيَ هَذا الرَّأْيُ كَيْدًا لِأنَّهم تَشاوَرُوا فِيهِ فِيما بَيْنَهم دُونَ أنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ مُوسى
صفحة ١٢٤
والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وأنَّهم أضْمَرُوهُ ولَمْ يُعْلِنُوهُ ثُمَّ شَغَلَهم عَنْ إنْفاذِهِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَصائِبِ الَّتِي ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] الآيَةَ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] الآيَةَ.
والضَّلالُ: الضَّياعُ والِاضْمِحْلالُ كَقَوْلِهِ ”﴿قالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ أيْ هَذا الكَيْدُ الَّذِي دَبَّرُوهُ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ فَلَمْ يَجِدُوا لِإنْفاذِهِ سَبِيلًا.
40:26Page 470
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦
And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."
”﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّيَ أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم وأنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾“ .
عَطْفٌ (وقالَ) بِالواوِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ في مَوْطِنٍ آخَرَ ولَمْ يَكُنْ جَوابًا لِقَوْلِهِمُ ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥]، وفي هَذا الأُسْلُوبِ إيماءٌ إلى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَعْمَلْ بِإشارَةِ الَّذِينَ قالُوا ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥] وأنَّهُ سَكَتَ ولَمْ يُراجِعْهم بِتَأْيِيدٍ ولا إعْراضٍ، ثُمَّ رَأى أنَّ الأجْدَرَ قَتْلُ مُوسى دُونَ أنْ يَقْتُلَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لِأنَّ قَتْلَهُ أقْطَعُ لِفِتْنَتِهِمْ.
ومَعْنى ذَرُونِي إعْلامُهم بِعَزْمِهِ بِضَرْبٍ مِن إظْهارِ مَيْلِهِ لِذَلِكَ وانْتِظارِهِ المُوافَقَةَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُمَثِّلُ حالَهُ وحالَ المُخاطَبِينَ بِحالِ مَن يُرِيدُ فِعْلَ شَيْءٍ فَيَصُدُّ عَنْهُ، فَلِرَغْبَتِهِ فِيهِ يَقُولُ لِمَن يَصُدُّهُ: دَعْنِي أفْعَلْ كَذا، لِأنَّ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ مِمّا يُخاطَبُ بِهِ المُمانِعُ والمُلائِمُ ونَحْوُهُما، قالَ طَرَفَةُ:
فَإنْ كُنْتَ لا تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي فَدَعْنِي أُبادِرْها بِما مَلَكَتْ يَدِي
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنِ الرَّغْبَةِ ولَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُعارِضٌ أوْ مُمانِعٌ، وهو، اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في هَذا وما يُرادِفُهُ مِثْلَ: دَعْنِي وخَلَّنِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، وقَوْلِ أبِي قاسِمٍ السُّهَيْلِيِّ:
صفحة ١٢٥
دَعْنِي عَلى حُكْمِ الهَوى أتَضَرَّعُ ∗∗∗ فَعَسى يَلِينُ لِيَ الحَبِيبُ ويَخْشَعُ
وذَلِكَ يُسْتَتْبَعُ كِنايَةً عَنْ خَطَرِ ذَلِكَ العَمَلِ وصُعُوبَةِ تَحْصِيلِهِ لِأنَّ مِثْلَهُ مِمّا يَمْنَعُ المُسْتَشارُ مُسْتَشِيرَهُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ لِأنَّ مُوسى خَوَّفَهم عَذابَ اللَّهِ وتَحَدّاهم بِالآياتِ التِّسْعِ.
ولامُ الأمْرِ في ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَزْمِ عَلى قَتْلِ مُوسى.
والخَوْفُ مُسْتَعْمَلٌ في الإشْفاقِ، أيْ أظُنُّ ظَنًّا قَوِيًّا أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم.
وحُذِفَتْ (مِنَ) الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ (أخافُ) لِأنَّها وقَعَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ.
والتَّبْدِيلُ: تَعْوِيضُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ. وتَوَسَّمَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ مِن إنْكارِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ زَعَمَهُ أنَّهُ إلَهٌ لِقَوْمِهِ فَإنَّ تَبْدِيلَ الأُصُولِ يَقْتَضِي تَبْدِيلَ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كُلِّها.
والإضافَةُ في قَوْلِهِ (دِينَكم) تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أوْلى بِالذَّبِّ عَنِ الدِّينِ وإنْ كانَ هو دِينُهُ أيْضًا لَكِنَّهُ تَجَرَّدَ في مُشاوَرَتِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونَ فِيهِ مُراعاةٌ لِحَظِّ نَفْسِهِ كَما قالُوا هم ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وذَلِكَ كُلُّهُ إلْهابٌ وتَحْضِيضٌ.
والأرْضُ: هي المَعْهُودَةُ عِنْدَهم وهي مَمْلَكَةُ فِرْعَوْنَ.
ومَعْنى إظْهارِ مُوسى الفَسادَ عِنْدَهم أنَّهُ يَتَسَبَّبُ في ظُهُورِهِ بِدَعْوَتِهِ إلى تَغْيِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّيانَةِ والعَوائِدِ. وأُطْلِقَ الإظْهارُ عَلى الفُشُوِّ والِانْتِشارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَمَلَهُ غُرُورُهُ وقِلَّةُ تَدَبُّرِهِ في الأُمُورِ عَلى ظَنِّ أنَّ ما خالَفَ دِينَهم يُعَدُّ فَسادًا إذْ لَيْسَتْ لَهم حُجَّةٌ لِدِينِهِمْ غَيْرُ الإلْفِ والِانْتِفاعِ العاجِلِ.
صفحة ١٢٦
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو جَعْفَرٍ ”وأنْ“ بِواوِ العَطْفِ. وقَرَأ غَيْرُهم (أوْ أنْ) بِ (أوِ) الَّتِي لِلتَّرْدِيدِ، أيْ لا يَخْلُو سَعْيُ مُوسى عَنْ حُصُولِ أحَدِ هَذَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ ياءِ (يُظْهِرَ) ونَصْبِ (الفَسادَ) أيْ يُبَدِّلُ ويَكُونُ سَبَبًا في ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصُ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الياءِ وبِرَفْعِ ”الفَسادُ“ عَلى مَعْنى أنَّ الفَسادَ يَظْهَرُ بِسَبَبِ ظُهُورِ أتْباعِ مُوسى، أوْ بِأنْ يَجْتَرِئَ غَيْرُهُ عَلى مِثْلِ دَعْواهُ بِأنْ تَزُولَ حُرْمَةُ الدَّوْلَةِ، لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ الخَوْفِ عَنْ عَمَلٍ أنْ يَنْقَلِبَ جُبْنُهم شَجاعَةً إذا رَأوْا نَجاحَ مَنِ اجْتَرَأ عَلى العَمَلِ الَّذِي يُرِيدُونَ مِثْلَهُ.
40:27Page 470
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧
But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."
﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ .
هَذا حِكايَةُ كَلامٍ صَدَرَ مِن مُوسى في غَيْرِ حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ لا مَحالَةَ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَضُمُّهُ مَلَأُ اسْتِشارَةِ فِرْعَوْنَ حِينَ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ [غافر: ٢٦] ولَكِنَّ مُوسى لَمّا بَلَغَهُ ما قالَهُ فِرْعَوْنُ في مِلَئِهِ قالَ مُوسى في قَوْمِهِ ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾، ولِذَلِكَ حُكِيَ فِعْلُ قَوْلِهِ مَعْطُوفًا بِالواوِ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لَمْ يَقَعْ في مُحاوَرَةٍ مَعَ مَقالِ فِرْعَوْنَ بِخِلافِ الأقْوالِ المَحْكِيَّةِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] .
وقَوْلُهُ ﴿عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ خِطابٌ لِقَوْمِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تَطْمِينًا لَهم وتَسْكِينًا لِإشْفاقِهِمْ عَلَيْهِ مِن بَطْشِ فِرْعَوْنَ.
والمَعْنى: إنِّي أعْدَدْتُ العُدَّةَ لِدَفْعِ بَطْشِ فِرْعَوْنَ العَوْذَ بِاللَّهِ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ وفي مُقَدِّمَةِ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ فِرْعَوْنُ.
ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّ مُوسى عَلِمَ أنَّهُ سَيَجِدُ مُناوِينَ مُتَكَبِّرِينَ يَكْرَهُونَ ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ، فَدَعا رَبَّهُ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ الحِفْظَ وكَفاهُ ضَيْرَ كُلِّ مُعانِدٍ، وذَلِكَ ما حُكِيَ في سُورَةِ طه ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما اسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]
صفحة ١٢٧
فَأخْبَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِأنَّ رَبَّهُ حافِظٌ لَهُ لِيَثِقُوا بِاللَّهِ كَما كانَ مَقامُ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ كانَ في أوَّلِ البَعْثَةِ تَحْرُسُهُ أصْحابُهُ في اللَّيْلِ فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] الآيَةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِأنْ يَتَخَلُّوا عَنْ حِراسَتِهِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) مُتَوَجِّهٌ إلى لازِمِ الخَبَرِ وهو أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ السَّلامَةَ وأكَّدَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ بَعْضِ قَوْمِهِ أوْ جُلِّهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ لِما رَأى مِن إشْفاقِهِمْ عَلَيْهِ.
والعَوْذُ: الِالتِجاءُ إلى المَحَلِّ الَّذِي يَسْتَعْصِمُ بِهِ العائِذُ فَيَدْفَعُ عَنْهُ مَن يَرُومُ ضُرَّهُ، يُقالُ: عاذَ بِالجَبَلِ، وعاذَ بِالجَيْشِ، وقالَ تَعالى ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] .
وعَبَّرَ عَنِ الجَلالَةِ بِصِفَةِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ في صِفَةِ الرَّبِّ إيماءً إلى تَوْجِيهِ العَوْذِ بِهِ لِأنَّ العَبْدَ يَعُوذُ بِمَوْلاهُ.
وزِيادَةُ وصْفِهِ بِرَبِّ المُخاطَبِينَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَجْزَعُوا مِن مُناواةِ فِرْعَوْنَ لَهم وأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَعُوذُوا بِاللَّهِ مِن كُلِّ ما يُفْظِعُهم.
وجُعِلَتْ صِفَةُ ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ مُغْنِيَةً عَنْ صِفَةِ الكُفْرِ أوِ الإشْراكِ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ الإشْراكَ وزِيادَةً، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ في المَرْءِ التَّجَبُّرُ والتَّكْذِيبُ بِالجَزاءِ قَلَّتْ مُبالاتُهُ بِعَواقِبِ أعْمالِهِ فَكَمُلَتْ فِيهِ أسْبابُ القَسْوَةِ والجُرْأةِ عَلى النّاسِ.
40:28Page 470
وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨
And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ .
عَطْفُ قَوْلِ هَذا الرَّجُلِ يَقْتَضِي أنَّهُ قالَ قَوْلَهُ هَذا في غَيْرِ مَجْلِسِ شُورى
صفحة ١٢٨
فِرْعَوْنَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ جارِيًا مَجْرى المُحاوَرَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ في مَجْلِسِ اسْتِشارَتِهِ، أوْ كانَ أجابَ بِهِ عَنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى لَكانَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِ بِدُونِ عَطْفٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَ هَذا الرَّجُلَ بِأنْ يَقُولَ مَقالَتَهُ إلْهامًا كانَ أوَّلَ مَظْهَرٍ مِن تَحْقِيقِ اللَّهِ لِاسْتِعاذَةِ مُوسى بِاللَّهِ، فَلَمّا شاعَ تَوَعُّدُ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ هَذا الرَّجُلُ إلى فِرْعَوْنَ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُهُ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ كانَ مِن آلِهِ.
وخِطابُهُ بِقَوْلِهِ (أتَقْتُلُونَ) مُوَجَّهٌ إلى فِرْعَوْنَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ هو الَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ القَتْلُ لِأنَّهُ الآمِرُ بِهِ، ولِحِكايَةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ عَقِبَ كَلامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ بِدُونِ عَطْفٍ بِالواوِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ [غافر: ٢٩] .
ووَصْفُهُ بِأنَّهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِنَ القِبْطِ ولَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خِلافًا لِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافر: ٢٩] فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ لَهم مُلْكٌ هُنالِكَ.
والأظْهَرُ أنَّهُ كانَ مِن قَرابَةِ فِرْعَوْنَ وخاصَّتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ (آلِ) مِن ذَلِكَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.
والمُرادُ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ومُؤْمِنٌ بِصِدْقِ مُوسى، وما كانَ إيمانُهُ هَذا إلّا لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا اهْتَدى إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ إمّا بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ فَصَدَّقَ مُوسى عِنْدَما سَمِعَ دَعْوَتَهُ كَما اهْتَدى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى تَصْدِيقِ النَّبِيءِ ﷺ في حِينِ سَماعِ دَعْوَتِهِ فَقالَ لَهُ ”صَدَقْتَ“ .
وكانَ كَتْمُهُ الإيمانَ مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذْ عَلِمَ أنَّ إظْهارَهُ الإيمانَ يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُ غَيْرَهُ كَما كانَ سُقْراطُ يَكْتُمُ إيمانَهُ بِاللَّهِ في بِلادِ اليُونانِ خَشْيَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ انْتِصارًا لِآلِهَتِهِمْ.
وأرادَ بِقَوْلِهِ (أتَقْتُلُونَ رَجُلًا) إلى آخِرِهِ أنْ يَسْعى لِحِفْظِ مُوسى مِنَ القَتْلِ بِفَتْحِ بابِ المُجادَلَةِ في شَأْنِهِ لِتَشْكِيكِ فِرْعَوْنَ في تَكْذِيبِهِ بِمُوسى، وهَذا الرَّجُلُ هو غَيْرُ
صفحة ١٢٩
الرَّجُلِ المَذْكُورِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] فَإنَّ تِلْكَ القِصَّةَ كانَتْ قُبَيْلَ خُرُوجِ مُوسى مِن مِصْرَ، وهَذِهِ القِصَّةُ في مَبْدَأِ دُخُولِهِ مِصْرَ.
ولَمْ يُوصَفْ هُنالِكَ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ولا بِأنَّهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما هو صَرِيحُ سِفْرِ الخُرُوجِ. والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ المَذْكُورَ هُنا كانَ رَجُلًا صالِحًا نَظّارًا في أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ولَمْ يَسْتَقِرَّ الإيمانُ في قَلْبِهِ عَلى وجْهِهِ إلّا بَعْدَ أنْ سَمِعَ دَعْوَةَ مُوسى، وإنَّ اللَّهَ يُقَيِّضُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ حُماةً عِنْدَ الشَّدائِدِ.
قِيلَ اسْمُ هَذا الرَّجُلِ حَبِيبٌ النَّجّارُ وقِيلَ سَمْعانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يس أنَّ حَبِيبًا النَّجّارَ مِن رُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِصَّةُ هَذا الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في التَّوْراةِ بِالصَّرِيحِ ولَكِنَّها مَذْكُورَةٌ إجْمالًا في الفِقْرَةِ السّابِعَةِ مِنَ الإصْحاحِ العاشِرِ فَقالَ عَبِيدُفِرْعَوْنَ إلى مَتى يَكُونُ لَنا هَذا أيْ مُوسى فَخًّا أطْلِقِ الرِّجالَ لِيَعْبُدُوا الرَّبَّ إلَهَهم.
والِاسْتِفْهامُ في (أتَقْتُلُونَ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أيْ يَقْبُحُ بِكم أنْ تَقْتُلُوا نَفْسًا لِأنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، أيْ ولَمْ يَجْبِرْكم عَلى أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ ولَكِنَّهُ قالَ لَكم قَوْلًا فاقْبَلُوهُ أوِ ارْفُضُوهُ، فَهَذا مَحْمَلُ قَوْلِهِ ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهو الَّذِي يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِ هَذا الرَّجُلِ يَكْتُمُ إيمانَهُ.
و(أنْ يَقُولَ) مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ المُقَدَّرَةِ لِأنَّها تُحْذَفُ مَعَ (أنْ) كَثِيرًا.
وذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى ولَمْ يَكُنْ مِن أسْماءِ آلِهَةِ القِبْطِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهو ارْتِقاءٌ في الحِجاجِ بَعْدَ أنِ اسْتَأْنَسَ في خِطابِ قَوْمِهِ بِالكَلامِ المُوَجَّهِ فارْتَقى إلى التَّصْرِيحِ بِتَصْدِيقِ مُوسى بِعِلَّةِ أنَّهُ قَدْ جاءَ بِالبَيِّناتِ، أيِ الحُجَجِ الواضِحَةِ بِصِدْقِهِ، وإلى التَّصْرِيحِ بِأنَّ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ هو رَبُّ المُخاطَبِينَ فَقالَ مِن رَبِّكم.
فَجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ (رَجُلًا)، والباءُ في (بِالبَيِّناتِ) لِلْمُصاحَبَةِ.
صفحة ١٣٠
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ رُجُوعٌ إلى ضَرْبٍ مِن إيهامِ الشَّكِّ في صِدْقِ مُوسى لِيَكُونَ كَلامُهُ مُشْتَمِلًا عَلى احْتِمالَيْ تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ يَتَداوَلُهُما في كَلامِهِ فَلا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمُوسى بَلْ يُخَيِّلُ إلَيْهِمْ أنَّهُ في حالَةِ نَظَرٍ وتَأمُّلٍ لِيَسُوقَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ إلى أدِلَّةِ صِدْقِ مُوسى بِوَجْهٍ لا يُثِيرُ نُفُورَهم، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ فَتَكُونُ حالًا.
وقَدَّمَ احْتِمالَ كَذِبِهِ عَلى احْتِمالِ صِدْقِهِ زِيادَةً في التَّباعُدِ عَنْ ظَنِّهِمْ بِهِ الِانْتِصارَ لِمُوسى فَأرادَ أنْ يُظْهِرَ في مَظْهَرِ المُهْتَمِّ بِأمْرِ قَوْمِهِ ابْتِداءً.
ومَعْنى ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ اسْتِنْزالُهم لِلنَّظَرِ، أيْ فَعَلَيْكم بِالنَّظَرِ في آياتِهِ ولا تَعْجَلُوا بِقَتْلِهِ ولا بِاتِّباعِهِ فَإنْ تَبَيَّنَ لَكم كَذِبُهُ فِيما تَحَدّاكم بِهِ وما أنْذَرَكم بِهِ مِن مَصائِبَ فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّكم ذَلِكَ شَيْئًا وعادَ كَذِبُهُ عَلَيْهِ بِأنْ يُوسَمَ بِالكاذِبِ، وإنْ تَبَيَّنَ لَكم صِدْقُهُ يُصِبْكم بَعْضُ ما تَوَعَّدَكم بِهِ، أيْ تُصِبْكم بَوارِقُهُ فَتَعْلَمُوا صِدْقَهُ فَتَتَّبِعُوهُ، وهَذا وجْهُ التَّعْبِيرِ بِ (بَعْضُ) دُونَ أنْ يَقُولَ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم بِهِ. والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا الوَعْدُ بِالسُّوءِ وهو المُسَمّى بِالوَعِيدِ. أيْ فَإنِ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلى العِنادِ يُصِبْكم جَمِيعُ ما تَوَعَّدَكم بِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
وقَدْ شابَهَ مَقامُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَقامَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ إذْ آمَنَ بِالنَّبِيءِ ﷺ حِينَ سَمِعَ دَعْوَتَهُ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِهِ، ويَوْمَ جاءَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ والنَّبِيءُ ﷺ بِفِناءِ الكَعْبَةِ يَخْنُقُهُ بِثَوْبِهِ فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ عَقَبِةِ ودَفَعَهُ وقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ واللَّهِ لَيَوْمُ أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، إنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وإنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُظْهِرُ إيمانَهُ وبَذَلَ مالَهُ ودَمَهُ وأقُولُ: كانَ أبُو بَكْرٍ أقْوى يَقِينًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كَتَمَ إيمانَهُ وأبُو بَكْرٍ أظْهَرَ إيمانَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ يَجُوزُ أنَّها مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، فالمَقْصُودُ مِنها تَعْلِيلُ قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أيْ لِأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّهُ عَلى كَذِبِهِ فَإنْ كانَ كاذِبًا عَلى
صفحة ١٣١
اللَّهِ فَلا يَلْبَثُ أنْ يَفْتَضِحَ أمْرُهُ أوْ يُهْلِكَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] لِأنَّ اللَّهَ لا يُمْهِلُ الكاذِبَ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ إذا جاءَكم بِخَوارِقِ العاداتِ فَقَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ لِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرُقُ العادَةَ بَعْدَ تَحَدِّي المُتَحَدِّي بِها إلّا لِيَجْعَلَها أمارَةً عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ لِأنَّ تَصْدِيقَ الكاذِبِ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى.
ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أيْ مِمّا تَوَعَّدَكم بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ وكَيْفَ إذا كانَتِ البَيِّنَةُ نَفْسُها مَصائِبَ تَحُلُّ بِهِمْ مِثْلَ الطُّوفانِ والجَرادِ وبَقِيَّةِ التِّسْعِ الآياتِ.
والمُسْرِفُ: مُتَجاوِزُ المَعْرُوفِ في شَيْءٍ، فالمُرادُ هُنا مُسْرِفٌ في الكَذِبِ لِأنَّ أعْظَمَ الكَذِبِ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ، قالَ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
وإذا كانَ المُرادُ الإسْرافُ في الكَذِبِ تَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ (كَذّابٌ) عَطْفُ بَيانٍ ولَيْسَ خَبَرًا ثانِيًا إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ إسْرافٌ هُنا غَيْرُ إسْرافِ الكَذِبِ، وفي هَذا اعْتِرافٌ مِن هَذا المُؤْمِنِ بِاللَّهِ الَّذِي أنْكَرَهُ فِرْعَوْنُ، رَماهُ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾) إلى آخِرِها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ كَلامَيْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ لَيْسَتْ مِن حِكايَةِ كَلامِهِ وإنَّما هي قَوْلٌ مِن جانِبِ اللَّهِ في قُرْآنِهِ يُقْصَدُ مِنها تَزْكِيَةُ هَذا الرَّجُلِ المُؤْمِنِ إذْ هَداهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ، وأنَّهُ تَقِيٌّ صادِقٌ، فَيَكُونُ نَفْيُ الهِدايَةِ عَنِ المُسْرِفِ الكَذّابِ كِنايَةً عَنْ تَقْوى هَذا الرَّجُلِ وصِدْقِهِ لِأنَّهُ نَطَقَ عَنْ هُدًى واللَّهُ لا يُعْطِي الهُدى مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ.
40:29Page 470
يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩
O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."
﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ .
لَمّا تَوَسَّمَ نُهُوضَ حُجَّتِهِ بَيْنَهم وأنَّها داخَلَتْ نُفُوسَهم، أمِنَ بَأْسَهم، وانْتَهَزَ فُرْصَةَ انْكِسارِ قُلُوبِهِمْ، فَصارَحَهم بِمَقْصُودِهِ مِنِ الإيمانِ بِمُوسى عَلى سُنَنِ الخُطَباءِ
صفحة ١٣٢
وأهْلِ الجَدَلِ بَعْدَ تَقْرِيرِ المُقْدِماتِ والحُجَجِ أنْ يَهْجُمُوا عَلى الغَرَضِ المَقْصُودِ، فَوَعَظَهم بِهَذِهِ المَوْعِظَةِ.
وأدْخَلَ قَوْمَهُ في الخِطابِ فَناداهم لِيَسْتَهْوِيَهم إلى تَعْضِيدِهِ أمامَ فِرْعَوْنَ فَلا يَجِدُ فِرْعَوْنُ بُدًّا مِنَ الِانْصِياعِ إلى اتِّفاقِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ، وأيْضًا فَإنَّ تَشْرِيكَ قَوْمِهِ في المَوْعِظَةِ أدْخَلُ في بابِ النَّصِيحَةِ فابْتَدَأ بِنُصْحِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ الأمْرُ والنَّهْيُ، وثَنّى بِنَصِيحَةِ الحاضِرِينَ مِن قَوْمِهِ تَحْذِيرًا لَهم مِن مَصائِبَ تُصِيبُهم مِن جَرّاءِ امْتِثالِهِمْ أمْرَ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ مُوسى فَإنَّ ذَلِكَ يُهِمُّهم كَما يُهِمُّ فِرْعَوْنَ. وهَذا التَّرْتِيبُ في إسْداءِ النَّصِيحَةِ نَظِيرُ التَّرْتِيبِ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ - «ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» .
ولا يَخْفى ما في نِدائِهِمْ بِعُنْوانِ أنَّهم قَوَّمُهُ مِنَ الِاسْتِصْغاءِ لِنُصْحِهِ وتَرْقِيقِ قُلُوبِهِمْ لِقَوْلِهِ.
وابْتِداءُ المَوْعِظَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَمْهِيدٌ لِتَخْوِيفِهِمْ مِن غَضَبِ اللَّهِ، يَعْنِي: لا تَغُرَّنَّكم عَظَمَتُكم ومُلْكُكم فَإنَّهُما مُعَرَّضانِ لِلزَّوالِ إنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكم.
والمَقْصُودُ: تَخْوِيفُ فِرْعَوْنَ مِن زَوالِ مُلْكِهِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ المُلْكَ لِقَوْمِهِ لِتَجَنُّبِ مُواجَهَةِ فِرْعَوْنَ بِفَرْضِ زَوالِ مُلْكِهِ.
والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، أيْ نافِذًا حُكْمُكم في هَذا الصُّقْعِ.
وفَرَّعَ عَلى هَذا التَّمْهِيدِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾، و(مَن) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ كُلِّ ناصِرٍ، فالمَعْنى: فَلا نَصْرَ لَنا مِن بَأْسِ اللَّهِ.
وأدْمَجَ نَفْسَهُ مَعَ قَوْمِهِ في (يَنْصُرُنا) و(جاءَنا)، لِيُرِيَهم أنَّهُ يَأْبى لِقَوْمِهِ ما يَأْباهُ لِنَفْسِهِ وأنَّ المُصِيبَةَ إنْ حَلَّتْ لا تُصِيبُ بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.
ومَعْنى (ظاهِرِينَ) غالِبِينَ، وتَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ إنْ كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى قَتْلِ مُوسى فاللَّهُ قادِرٌ عَلى هَلاكِكم.
صفحة ١٣٣
والبَأْسُ: القُوَّةُ عَلى العَدْوِ والمُعانِدِ، فَهو القُوَّةُ عَلى الضُّرِّ.
* * *
﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
تَفَطَّنُ فِرْعَوْنُ إلى أنَّهُ المُعَرَّضُ بِهِ في خِطابِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ قَوْمَهُ فَقاطَعَهُ كَلامَهُ وبَيَّنَ سَبَبَ عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ ما عَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ لا يَرى نَفْعًا إلّا في قَتْلِ مُوسى ولا يَسْتَصْوِبُ غَيْرَ ذَلِكَ ويَرى ذَلِكَ هو سَبِيلُ الرَّشادِ، وكَأنَّهُ أرادَ ألّا يَتْرُكَ لِنَصِيحَةِ مُؤْمِنِهِمْ مَدْخَلًا إلى نُفُوسٍ مَلَئِهِ خِيفَةَ أنْ يَتَأثَّرُوا بِنُصْحِهِ فَلا يُساعِدُوا فِرْعَوْنَ عَلى قَتْلِ مُوسى.
ولِكَوْنِ كَلامِ فِرْعَوْنَ صَدَرَ مَصْدَرَ المُقاطَعَةِ لِكَلامِ المُؤْمِنِ جاءَ فِعْلُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ وهي طَرِيقَةُ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ والمُحاوَرَةِ.
ومَعْنى (﴿ما أُرِيكُمْ﴾): ما أجْعَلُكم رائِينَ إلّا ما أراهُ لِنَفْسِي، أيْ ما أُشِيرُ عَلَيْكم بِأنْ تَعْتَقِدُوا إلّا ما أعْتَقِدُهُ، فالرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، أيْ لا أُشِيرُ إلّا بِما هو مُعْتَقَدِي.
والسَّبِيلُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ، وإضافَتُهُ إلى الرَّشادِ قَرِينَةٌ، أيْ ما أهْدِيكم وأُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِعَمَلٍ فِيهِ رَشادٌ. وكَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِأنَّ كَلامَ مُؤْمِنِهِمْ سَفاهَةُ رَأْيٍ. والمَعْنى الحاصِلُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ غَيْرُ المَعْنى الحاصِلِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى كَما هو بَيِّنٌ وكَما هو مُقْتَضى العَطْفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences