Ibn 'AshurGhafir · 40:30–35

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:30–35

40:30–31Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

﴿وقالَ الَّذِي آمَنُ يا قَوْمِ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ .

لَمّا كانَ هَذا تَكْمِلَةٌ لِكَلامِ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْرِيجٌ عَلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ [غافر: ٢٩] إلَخْ وكانَ الَّذِي آمَنَ قَدْ جَعَلَ كَلامَ فِرْعَوْنَ في البَيْنِ

صفحة ١٣٤

واسْتَرْسَلَ يُكْمِلُ مَقالَتَهُ عَطَفَ فِعْلَ قَوْلِهِ بِالواوِ لِيَتَّصِلَ كَلامُهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ قَصَدَ بِهِ مُراجَعَةَ فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ قَصَدَ إكْمالَ خِطابِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالَّذِي آمَنَ لِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ. وإعادَتُهُ نِداءَ قَوْمِهِ تَأْكِيدٌ لِما قَصَدَهُ مِنَ النِّداءِ الأوَّلِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.

وجُعِلَ الخَوْفُ وما في مَعْناهُ يَتَعَدّى إلى المَخُوفِ مِنهُ بِنَفْسِهِ وإلى المَخُوفِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ (عَلى) قالَ لَبِيدٌ يَرْثِي أخاهُ أرْبَدَ:

أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أخْشى عَلَيْهِ الرِّياحَ والمَطَرا

و(يَوْمِ الأحْزابِ) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لا يَوْمٌ مُعَيَّنٌ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى جَمْعٍ أزْمانُهم مُتَباعِدَةٌ. فالتَّقْدِيرُ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ، فَإفْرادُ (يَوْمِ) لِلْإيجازِ، مِثْلَ بَطْنٍ في قَوْلِ الشّاعِرِ وهو مِن شَواهِدِ سِيبَوَيْهِ في بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِالفاعِلِ:

كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصٌ

والمُرادُ بِأيّامِ الأحْزابِ أيّامَ إهْلاكِهِمْ والعَرَبُ يُطْلِقُونَ اليَوْمَ عَلى يَوْمِ الغالِبِ ويَوْمِ المَغْلُوبِ.

والأحْزابُ الأُمَمُ لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ حِزْبٌ تَجْمَعُهم أحْوالٌ واحِدَةٌ وتَناصُرٌ بَيْنَهم فَلِذَلِكَ تُسَمّى الأُمَّةُ حِزْبًا، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ.

والدَّأْبُ: العادَةُ والعَمَلُ الَّذِي يَدْأبُ عَلَيْهِ عامِلُهُ، أيْ يُلازِمُهُ ويُكَرِّرُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ.

انْتَصَبَ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ عَلى عَطْفِ البَيانِ مِن (مَثَلَ يَوْمِ الأحْزابِ) ولَمّا كانَ بَيانًا لَهُ كانَ ما يُضافانِ إلَيْهِ مُتَّحِدًا لا مَحالَةَ فَصارَ الأحْزابُ والدَّأْبَ في مَعْنًى واحِدٍ وإنَّما يَتِمُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مُتَحَدٍّ فِيهِما، فالتَّقْدِيرُ: مِثْلَ يَوْمِ جَزاءِ الأحْزابِ. مِثْلَ يَوْمِ جَزاءِ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، أيْ جَزاءِ عَمَلِهِمْ. ودَأْبُهُمُ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ هو الإشْراكُ بِاللَّهِ.

صفحة ١٣٥

وهَذا يَقْتَضِي أنَّ القِبْطَ كانُوا عَلى عِلْمٍ بِما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، فَأمّا قَوْمُ نُوحٍ فَكّانِ طُوفانُهم مَشْهُورًا، وأُمًّا عادٌ وثَمُودُ فَلِقُرْبِ بِلادِهِمْ مَن البِلادُ المِصْرِيَّةِ وكانَ عَظِيمًا لا يَخْفى عَلى مُجاوِرِيهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهي اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْهِ المُتَعاطِفَيْنِ، أيْ أخافُ عَلَيْكم جَزاءً عادِلًا مِنَ اللَّهِ وهو جَزاءُ الإشْراكِ.

والظُّلْمُ يُطْلَقُ عَلى الشِّرْكِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ويُطْلَقُ عَلى المُعامَلَةِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ نَفِيَ الظُّلْمِ بِمَعْنَيَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ.

وكَذَلِكَ فِعْلُ (يُرِيدُ) يُطْلَقُ بِمَعْنى المَشِيئَةِ كَقَوْلِهِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، ويُطْلَقُ بِمَعْنى المَحَبَّةِ كَقَوْلِهِ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧]، فَلَمّا وقَعَ فِعْلُ الإرادَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ اقْتَضى عُمُومَ نَفِيِ الإرادَةِ بِمَعْنَيَيْها عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ صُدُورَ ظُلْمٍ مِن عِبادِهِ ولا يَشاءُ أنْ يَظْلِمَ عِبادَهُ. وأوَّلُ المَعْنَيَيْنَ في الإرادَةِ وفي الظُّلْمِ أعْلَقُ بِمَقامُ الإنْذارَ، والمَعْنى الثّانِيَ تابِعٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ عِقابَ أهْلِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ عَدْلٌ، لِأنَّ التَّوَعُّدَ بِالعِقابِ عَلى الشِّرْكِ والظُّلْمِ أقْوى الأسْبابِ في إقْلاعِ النّاسِ عَنْهُ، وصِدْقُ الوَعِيدِ مِن مُتَمِّماتِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ لِإقامَةِ العَدْلِ.

وتَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ قَصْرِ مَدْلُولِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، وإذْ كانَ المُسْنَدُ واقِعًا في سِياقِ النَّفْيِ كانَ المَعْنى: قَصْرُ نَفْيِ إرادَةِ الظُّلْمِ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصْرَ قَلْبٍ، أيِ اللَّهُ لا يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ بَلْ غَيْرُهُ يُرِيدُونَهُ لَهم وهم قادَةُ الشِّرْكِ وأيِمَّتُهُ إذْ يَدْعُونَهم إلَيْهِ ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ، قالَ تَعالى﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] .

هَذا عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِلظُّلْمِ، وأمّا عَلى المَعْنى الثّانِي فالمَعْنى: ما اللَّهُ يُرِيدُ أنْ

صفحة ١٣٦

يَظْلِمَ عِبادَهُ ولَكِنَّهم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم بِاتِّباعِ أيِمَّتِهِمْ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] وبِظُلْمِهِمْ دُعاتَهم وأيِمَّتَهم كَما قالَ تَعالى ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]، فَلَمْ يَخْرُجْ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ النَّفْيِ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مَهْيَعِ اسْتِعْمالِهِ في إفادَةِ قَصْرِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَتَأمَّلَهُ.

40:32–33Page 470

وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -

يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.

﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .

أعْقَبَ تَخْوِيفَهم بِعِقابِ الدُّنْيا الَّذِي حَلَّ مَثَلُهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ بِأنْ خَوَّفَهم وأنْذَرَهم عَذابَ الآخِرَةِ عاطِفًا جُمْلَتَهُ عَلى جُمْلَةِ عَذابِ الدُّنْيا.

وأقْحَمَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نِداءَ قَوْمِهِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا.

و(﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾) يَوْمُ الحِسابِ والحَشْرِ، سُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِ لِأنَّ الخَلْقَ يَتَنادُونَ يَوْمَئِذٍ: فَمِن مُسْتَشْفِعٍ، ومِن مُتَضَرِّعٍ، ومِن مُسْلِمٍ ومُهَنِّئٍ، ومِن مُوَبِّخٍ، ومِن مُعْتَذِرٍ، ومِن آمِرٍ، ومِن مُعْلِنٍ بِالطّاعَةِ، قالَ تَعالى يَوْمَ يُنادِيهِمْ، ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] ونَحْوَ ذَلِكَ.

ومِن بَدِيعِ البَلاغَةِ ذِكْرُ هَذا الوَصْفِ لِلْيَوْمِ في هَذا المَقامِ لِيُذَكِّرَهم أنَّهُ في مَوْقِفِهِ بَيْنَهم يُنادِيهِمْ بِ (يا قَوْمِ) ناصِحًا ومُرِيدًا خَلاصَهم مِن كُلِّ نِداءٍ مُفْزِعٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَأْهِيلَهم لِكُلِّ نِداءٍ سارٍّ فِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَوْمَ التَّنادِ) بِدُونِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ وهو غَيْرُ مُنَوَّنٍ ولَكِنْ عُومِلَ مُعامَلَةَ المَنُونِ لِقَصْدِ الرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ، كَقَوْلِ التّاسِعَةِ مِن نِساءِ

صفحة ١٣٧

«حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ زَوْجِي رَفِيعُ العِمادِ، طَوِيلُ النِّجادِ، كَثِيرُ الرَّمادِ، قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النّادِ» فَحَذَفَتِ الياءَ مِن كَلِمَةِ النّادِ وهي مَعْرِفَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يَوْمَ التَّنادِي“ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا بِأنَّ الفاصِلَةَ هي قَوْلُهُ (فَما لَهُ مِن هادٍ) .

و﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾، والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ، والإدْبارُ: أنْ يُرْجِعَ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي وراءَهُ، أيْ مِن حَيْثُ أتى هَرَبًا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ورَدَ إلَيْها لِأنَّهُ وجَدَ فِيها ما يَكْرَهُ، أيْ يَوْمَ تَفِرُّونَ مِن هَوْلِ ما تَجِدُونَهُ. و(مُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها وهو (تُوَلُّونَ) .

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. والمَعْنى: حالَةَ لا يَنْفَعُكُمُ التَّوَلِّي.

والعاصِمُ: المانِعُ والحافِظُ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (عاصِمٍ)، و(مِنَ) المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلِابْتِداءِ، تَقُولُ: عَصَمَهُ مِنَ الظّالِمِ، أيْ جَعَلَهُ في مَنَعَةٍ مُبْتَدَأةٍ مِنَ الظّالِمِ. وضُمِّنَ فِعْلُ (عَصَمَ) مَعْنى: أنْقَذَ وانْتَزَعَ، ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) مِن عَذابِهِ وعِقابِهِ لِأنَّ المَنعَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِهِ المَعانِي لا الذَّواتُ.

و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (عاصِمٍ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

وأغْنى الكَلامُ عَلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ ﴿أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ لِتَضَمُّنِها مَعْنى: إنِّي أُرْشِدُكم إلى الحَذَرِ مِن يَوْمِ التَّنادِي.

وفِي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ جُمَلٍ تَدُلُّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ.

والتَّقْدِيرُ: هَذا إرْشادٌ لَكم فَإنَّ هَداكُمُ اللَّهُ عَمِلْتُمْ بِهِ وإنْ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ فَذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّكم ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّذْيِيلُ.

ومَعْنى إسْنادُ الإضْلالِ والإغْواءِ ونَحْوِهِما إلى اللَّهِ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَ نَفْسَ

صفحة ١٣٨

الشَّخْصِ وعَقْلَهُ خَلْقًا غَيْرَ قابِلٍ لِمَعانِي الحَقِّ والصَّوابِ، ولا يَنْفَعِلُ لِدَلائِلِ الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ.

وأرادَ مِن هَذِهِ الصِّلَةِ العُمُومَ الشّامِلَ لِكُلِّ مَن حَرَمَهُ اللَّهُ التَّوْفِيقَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَوَقُّعِهِ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِن جُمْلَةِ هَذا العُمُومِ، وآثَرَ لَهم هَذا دُونَ أنْ يَقُولَ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] لِأنَّهُ أحَسَّ مِنهُمُ الإعْراضَ ولَمْ يَتَوَسَّمْ فِيهِمْ مَخائِلَ الِانْتِفاعِ بِنُصْحِهِ ومَوْعِظَتِهِ.

40:34–35Page 471

وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤

And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥

Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.

﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ .

تَوَسُّمَ فِيهِمْ قِلَّةَ جَدْوى النُّصْحِ لَهم وأنَّهم مُصَمِّمُونَ عَلى تَكْذِيبِ مُوسى فارْتَقى في مَوْعِظَتِهِمْ إلى اللَّوْمِ عَلى ما مَضى، ولِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ كَذَّبُوا يُوسُفَ لَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ، فَتَكْذِيبُ المُرْشِدِينَ إلى الحَقِّ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ في أسْلافِهِمْ فَتَكُونُ سَجِيَّةً فِيهِمْ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (قَدْ) ولامِ القِسْمِ لِتَحْقِيقِهِ لِأنَّهم مَظِنَّةٌ أنْ يُنْكِرُوهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ.

فالمَجِيءُ في قَوْلِهِ جاءَكم مُسْتَعارٌ لِلْحُصُولِ والظُّهُورِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ ولَقَدْ ظَهَرَ لَكم يُوسُفُ بِبَيِّناتٍ. ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إظْهارُ البَيِّناتِ مُقارِنًا دَعْوَةً إلى شَرْعٍ لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ البَيِّناتِ وتَحَقَّقُوا مَكانَتَهُ كانَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنْ يَتَبَيَّنُوا آياتِهِ ويَسْتَهْدُوا طَرِيقَ الهُدى والنَّجاةِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ يُوسُفَ بِأنْ يَدْعُوَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، لِحِكْمَةٍ لَعَلَّها هي انْتِظارُ الوَقْتِ والحالِ المُناسِبِ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والبَيِّناتُ: الدَّلائِلُ البَيِّنَةُ المُظْهِرَةُ أنَّهُ مُصْطَفى مِنَ اللَّهِ لِلْإرْشادِ إلى الخَيْرِ، فَكانَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَتَّبِعَ خُطاهُ ويَتَرَسَّمَ آثارَهُ ويَسْألَهُ عَمّا وراءَ هَذا العالَمِ

صفحة ١٣٩

المادِّيِّ، بِناءً عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الوَحْدانِيَّةِ واجِبَةٌ في أزْمانِ الفَتَراتِ: إمّا بِالعَقْلِ، أوْ بِما تَواتَرَ بَيْنَ البَشَرِ مِن تَعالِيمِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ عَلى الخِلافِ بَيْنَ المُتَكَلِّمِينَ.

والبَيِّناتُ: إخْبارُهُ بِما هو مَغِيبٌ عَنْهم مِن أحْوالِهِمْ بِطَرِيقِ الوَحْيِ في تَعْبِيرِ الرُّؤى، وكَذَلِكَ آيَةُ العِصْمَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِها مِن بَيْنِهِمْ وشَهِدَتْ لَهُ بِها امْرَأةُ العَزِيزِ وشاهِدُ أهْلِها حَتّى قالَ المَلِكُ ﴿ائْتُونِي بِهِ اسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤]، فَكانَتْ دَلائِلُ نُبُوءَةِ يُوسُفَ واضِحَةً ولَكِنَّهم لَمْ يَسْتَخْلِصُوا مِنها اسْتِدْلالًا يَقْتَفُونَ بِهِ أثَرَهُ في صَلاحِ آخِرَتِهِمْ، وحَرَصُوا عَلى الِانْتِفاعِ بِهِ في تَدْبِيرِ أُمُورِ دُنْياهم فَأوْدَعُوهُ خَزائِنَ أمْوالِهِمْ وتَدْبِيرَ مَمْلَكَتِهِمْ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .

ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنْ يَسْتَرْشِدُوا بِهِ في سُلُوكِهِمُ الدِّينِيِّ.

فَإنْ قُلْتَ: إذا لَمْ يَهْتَدُوا إلى الِاسْتِرْشادِ بِيُوسُفَ في أُمُورِ دِينِهِمْ وألْهاهُمُ الِاعْتِناءُ بِتَدْبِيرِ الدُّنْيا عَنْ تَدْبِيرِ الدِّينِ فَلِماذا لَمْ يَدْعُهم يُوسُفُ إلى الِاعْتِقادِ بِالحَقِّ واقْتَصَرَ عَلى أنْ سَألَ مِنَ المَلِكِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] .

قُلْتُ: لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالدَّعْوَةِ لِلْإرْشادِ إلّا إذا سُئِلَ مِنهُ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَأقامَهُ اللَّهُ مَقامَ المُفْتِي والمُرْشِدِ لِمَنِ اسْتَرْشَدَ لا مَقامَ المُحْتَسِبِ المُغَيِّرِ لِلْمُنْكَرِ، و”﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]“، فَلَمّا أقامَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ وعَلِمَ يُوسُفُ مِن قَوْلِ المَلِكِ ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] أنَّ المَلِكَ لا يُرِيدُ إلّا تَدْبِيرَ مَمْلَكَتِهِ وأمْوالِهِ، لَمْ يَسْألْهُ أكْثَرَ مِمّا يَفِي لَهُ بِذَلِكَ. وأمّا وُجُوبُ طَلَبِهِمُ المَعْرِفَةَ والِاسْتِرْشادَ مِنهُ فَذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِمْ، فَمَعْنى ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ الإنْحاءُ عَلى أسْلافِهِمْ في قِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالبَحْثِ عَنِ الكَمالِ الأعْلى وهو الكَمالُ النَّفْسانِيُّ بِاتِّباعِ الدِّينِ القَوِيمِ، أيْ فَما زالَ أسْلافُكم يَشْعُرُونَ بِأنْ يُوسُفَ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الهُدى غَيْرِ مَأْلُوفٍ لَهم ويُهْرَعُونَ إلَيْهِ في مُهِمّاتِهِمْ ثُمَّ لا تَعْزِمُ نُفُوسُهم عَلى أنْ يَطْلُبُوا مِنهُ الإرْشادَ في أُمُورِ الدِّينِ. فَهم مِن أمْرِهِ في حالَةِ شَكٍّ، أيْ كانَ حاصِلُ ما بَلَغُوا إلَيْهِ في شَأْنِهِ أنَّهم في شَكٍّ مِمّا يَكْشِفُ لَهم عَنْ واجِبِهِمْ نَحْوَهُ فانْقَضَتْ مُدَّةُ حَياةِ يُوسُفَ بَيْنَهم وهم في شَكٍّ مِنَ الأمْرِ.

صفحة ١٤٠

فالمَلامُ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ لِتَقْصِيرِهِمْ في طَلَبِ ما يُنْجِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ قالَ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها﴾ [الإسراء: ١٨] الآيَتَيْنِ.

و(حَتّى) لِلْغايَةِ وغايَتُها هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها وهي جُمْلَةُ (إذا هَلَكَ)، وإذا هُنا اسْمٌ لِزَمانِ المُضِيِّ مَجْرُورَةٌ بِ (حَتّى) ولَيْسَتْ بِظَرْفٍ، أيْ حَتّى زَمَنِ هَلاكِ يُوسُفَ قُلْتُمْ: لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا، أيْ قالَ أسْلافُكم في وقْتِ وفاةِ يُوسُفَ: لا يَبْعَثُ اللَّهُ في المُسْتَقْبَلِ أبَدًا رَسُولًا بَعْدَ يُوسُفَ، يَعَنُونَ: أنّا كُنّا مُتَرَدِّدِينَ في الإيمانِ بِيُوسُفَ فَقَدِ اسْتَرَحْنا مِنَ التَّرَدُّدِ فَإنَّهُ لا يَجِيءُ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ مِن بَعْدِهِ، وهَذا قَوْلٌ جَرى مِنهم عَلى عادَةِ المُعانِدِينَ والمُقاوِمِينَ لِأهْلِ الإصْلاحِ والفَضْلِ أنْ يَعْتَرِفُوا بِفَضْلِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ تَنَدُّمًا عَلى ما فاتَهم مِن خَيْرٍ كانُوا يَدْعُونَهم إلَيْهِ.

وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المُبالَغَةِ في الكَمالِ في عَصْرِهِ كَما يُقالُ: خاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ، وبَقِيَّةُ الصّالِحِينَ، ومَن لا يَأْتِي الزَّمانُ بِمِثْلِهِ، وحاصِلُهُ أنَّهم كانُوا في شَكٍّ مِن بَعْثَةِ رَسُولٍ واحِدٍ، وأنَّهم أيْقَنُوا أنَّ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ بَعْدَهُ كاذِبٌ فَلِذَلِكَ كَذَّبُوا مُوسى.

ومَقالَتُهم هَذِهِ لا تَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ رَسُولٌ ضَرُورَةَ أنَّهم كانُوا في شَكٍّ مِن ذَلِكَ وإنَّما أرادُوا بِها قَطْعَ هَذا الِاحْتِمالِ في المُسْتَقْبَلِ وكَشْفِ الشَّكِّ عَنْ نُفُوسِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُوسُفَ كانَ رَسُولًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أنَّ رَسُولًا حالٌ مِن ضَمِيرِ (مِن بَعْدِهِ)، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (رَسُولًا) مَفْعُولَ (يَبْعَثُ) وأنَّهُ لا يَقْتَضِي وصْفَ يُوسُفَ بِهِ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ في الأخْبارِ عَدُّهُ في الرُّسُلِ ولا أنَّهُ دَعا إلى دِينٍ في مِصْرَ وكَيْفَ واللَّهِ يَقُولُ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] ولا شَكَّ في أنَّهُ نَبِيءٌ إذا وجَدَ مَساغًا لِلْإرْشادِ أظْهَرُهُ كَقَوْلِهِ ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] وقَوْلُهُ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] .

صفحة ١٤١

وعُدِّيَ فِعْلُ (جاءَكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ. وأُسْنِدَ (فَما زِلْتُمْ) و(قُلْتُمْ) إلى ضَمِيرِهِمْ أيْضًا، وهو ما كانُوا مَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ قَصْدًا لِحَمْلِ تَبِعَةِ أسْلافِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ التَّكْذِيبَ لِلنّاصِحِينَ واضْطِرابَ عُقُولِهِمْ في الِانْتِفاعِ بِدَلائِلِ الصِّدْقِ قَدْ ورِثُوهُ عَنْ أسْلافِهِمْ في جِبِلَّتِهِمْ وتَقَرَّرَ في نُفُوسِهِمْ فانْتِقالُهُ إلَيْهِمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ كَما تَقَدَّمَ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] ونَحْوِهُ.

* * *

﴿كَذَلِكَ يَضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ .

جَرى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ حِكايَةً لِبَقِيَّةِ كَلامِ المُؤْمِنِ وبَعْضُهم جَعَلَ بَعْضَها مِن حِكايَةِ كَلامِ المُؤْمِنِ وبَعْضَها كَلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مِن تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ إلَخْ بَدَلًا أوْ مُبْتَدَأً، وسَكَتَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلى بَيانِ المَعْنى دُونَ تَصَدٍّ لِبَيانِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها.

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ إلى قَوْلِهِ (جَبّارٍ) كُلُّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلامِ المُؤْمِنِ وكَلامٍ فِرْعَوْنَ فَإنَّ هَذا مِنَ المَعانِي الإسْلامِيَّةِ قُصِدَ مِنهُ العِبْرَةُ بِحالِ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى تَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أيْ كَضَلالِ قَوْمِ فِرْعَوْنِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ أمْثالَكم، فَكَذَلِكَ يَكُونُ جَزاؤُكم، ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُؤْمِنٌ بِمُوسى وهارُونَ غَيْرُهُ، وهَذا مِن بابِ تَذَّكُّرِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ. ومِمَّ يَزِيدُ يَقِينًا بِهَذا أنَّ وصْفَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ تَكَرَّرَ أرْبَعَ مَرّاتٍ مَن أوَّلِ السُّورَةِ، ثُمَّ كانَ هُنا وسَطًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، ثُمَّ كانَ خاتِمَةً في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] .

صفحة ١٤٢

والإشارَةُ في قَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى الضَّلالِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ (يُضِلُّ اللَّهُ) أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الضَّلالِ يَضِلُّ اللَّهُ المُسْرِفِينَ المُرْتابِينَ، أيْ أنَّ ضَلالَ المُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ مِثْلَ ضَلالِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ في تَكْذِيبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والخِطابُ بِالكافِ المُقْتَرِنَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

والمُسْرِفُ: المُفْرِطُ في فِعْلٍ لا خَيْرَ فِيهِ. والمُرْتابُ: شَدِيدُ الرَّيْبِ، أيِ الشَّكِّ.

وإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ كَإسْنادِ نَفْيِ الهِدايَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، وتَقَدَّمَ آنِفًا.

وقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مَن) في قَوْلِهِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَ (مَن) جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَرُوعِيَ في ﴿مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ لَفَظُ (مَن) فَأُخْبِرَ عَنْهُ بِالإفْرادِ ورُوعِيَ في البَدَلِ مَعْنى (مَن) فَأُبْدِلَ مِنهُ مَوْصُولُ الجَمْعِ. وصِلَةُ (الَّذِينَ) عُرِفَ بِها المُشْرِكِينَ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .

واخْتِيارُ المُضارِعِ في (يُجادِلُونَ) لِإفادَةِ تَجَدُّدِ مُجادَلَتِهِمْ وتَكَرُّرِها وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها. وهَذا صَرِيحٌ في ذَمِّهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ ذَمِّ جِدالِهِمْ الَّذِي أوْجَبَ ضَلالَهم.

وفِي المَوْصُولِيَّةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ إضْلالِهِمْ، أيْ سَبَبُ خَلْقِ الضَّلالِ في قُلُوبِهِمِ الإسْرافُ بِالباطِلِ وتَكَرُّرُ مُجادَلَتِهم قَصْدًا لِلْباطِلِ.

والمُجادَلَةُ تَكْرِيرُ الِاحْتِجاجِ لِإثْباتِ مَطْلُوبِ المُجادِلِ وإبْطالِ مَطْلُوبِ مَن يُخالِفُهُ قالَ تَعالى ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فَمِنَ المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ المُحاجَّةُ لِإبْطالِ دَلالَتِها، ومِنها المُكابَرَةُ فِيها كَما قالُوا

صفحة ١٤٣

﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، ومِنها قَطْعُ الِاسْتِماعِ لَها، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ في وقْتِ صَراحَةِ كُفْرِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ «وقَدْ جاءَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْلِسًا فِيهِ ابْنُ سَلُولٍ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ سَلُولٍ لا أُحْسِنُ مِمّا تَقُولُ أيُّها المَرْءُ ولا تَغُشُّنا بِهِ في مَجْلِسِنا واجْلِسْ في رَحَّلَكَ فَمَن جاءَكَ فاقْرَأْ عَلَيْهِ» .

و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يُجادِلُونَ)، والباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، والسُّلْطانِ: الحُجَّةُ. والمَعْنى: أنَّهم يُجادِلُونَ بِما لَيْسَ بِحُجَّةٍ ولَكِنْ بِاللَّجاجِ والِاسْتِهْزاءِ.

و(أتاهم) صِفَةٌ لِ (سُلْطانٍ)، والإتْيانُ مُسْتَعارٌ لِلظُّهُورِ والحُصُولِ.

وحُصُولُ الحُجَّةِ هو اعْتِقادُها ولَوْحُها في العَقْلِ، أيْ يُجادِلُونَ جَدَلًا لَيْسَ مِمّا تُثِيرُهُ العُقُولُ والنَّظَرُ الفِكْرِيُّ ولَكِنَّهُ تَمْوِيهٌ وإسْكاتٌ.

وجُمْلَةُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ خَبَرُ (إنَّ) مِن بابِ الإخْبارِ بِالإنْشاءِ، وهي إنْشاءُ ذَمِّ جِدالِهِمُ المَقْصُودِ مِنهُ كَمُّ فَمِ الحَقِّ، أيْ كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، فَفاعِلُ (كَبُرَ) ضَمِيرُ الجِدالِ المَأْخُوذِ مِن يُجادِلُونَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .

و(مَقْتًا) تَمْيِيزٌ لِلْكِبَرِ وهو تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، والتَّقْدِيرُ: كَبُرَ مَقْتُ جِدالِهِمْ.

وفِعْلُ (كَبُرَ) هُنا مُلْحَقٌ بِأفْعالِ الذَّمِّ مِثْلِ: ساءَ، لِأنَّ وزْنَ فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ يَجِيءُ بِمَعْنى: نِعْمَ وبِئْسَ، ولَوْ كانَتْ ضَمَّةُ عَيْنِهِ أصْلِيَّةً وبِهَذا تَفْظِيعٌ بِالصَّراحَةِ بَعْدَ أنِ اسْتُفِيدَ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ أنَّ جِدالَهم هو سَبَبُ إضْلالِهِمْ ذَلِكَ الإضْلالَ المَكِينَ، فَحَصَلَ بِهَذا الِاسْتِئْنافِ تَقْرِيرُ فَظاعَةِ جِدالِهِمْ بِطَرِيقَيِ الكِنايَةِ والتَّصْرِيحِ.

والكِبْرُ: مُسْتَعارٌ لِلشِّدَّةِ، أيْ مَقَتَ جِدالَهَمْ مَقْتًا شَدِيدًا.

والمَقْتُ: شِدَّةُ البُغْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العِقابِ عَلى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ. وكَوْنُهُ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ تَشْنِيعٌ لَهُ وتَفْظِيعٌ.

صفحة ١٤٤

أمّا عَطْفُ ﴿وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَلَمْ أرَ في التَّفاسِيرِ الكَثِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدِيَّ مَن عَرَّجَ عَلى فائِدَةِ عَطْفِ ﴿وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ماعَدا المَهائِمِيَّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ إذْ قالَ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو مُوجِبٌ لِلْإضْلالِ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَبُرَ مَقْتًا أنَّهُ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وهم المَظاهِرُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها ظُهُورُ الحَقِّ اهـ. وكَلِمَةُ المَهائِمِيِّ كَلِمَةٌ حَسَنَةٌ يَعْنِي أنَّ كَوْنَهُ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ في عِلْمِ النّاسِ إلّا بِالخَبَرِ فَزِيدَ الخَبَرُ تَأْيِيدًا بِالمُشاهَدَةِ فَإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى قِلَّتِهِمْ يَوْمَئِذٍ يَظْهَرُ بَيْنَهم بُغْضُ مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ وعِنْدِي: أنَّ أظْهَرَ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ أرادَ التَّنْوِيهَ بِالمُؤْمِنِينَ ولَمْ يَرِدْ إقْناعَ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم لا يَعْبَأُونَ بِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ ولا يُصَدِّقُونَ بِبُغْضِ اللَّهِ إيّاهم، فالمَقْصُودُ الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يَكْرَهُونَ الباطِلَ، كَما قالَ ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] مَعَ الإشارَةِ إلى تَبْجِيلِ مَكانَتِهِمْ بِأنْ ضُمَّتْ عِنْدِيَّتُهم إلى عِنْدِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأوْلَوُا العِلْمَ﴾ [آل عمران: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَن اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] ونَحْوِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِما ذَكَرَ حَدِيثَ كَلامِ الذِّئْبِ فَتَعَجَّبَ بَعْضُ مَن حَضَرَ فَقالَ آمَنَتْ بِذَلِكَ وأبُو بَكْرٍ ولَمْ يَكُنْ أبُو بَكْرٍ في المَجْلِسِ.

وفِي إسْنادِ كَراهِيَةِ الجِدالِ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْ مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقَوْلِهِ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .

والقَوْلُ في ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ كالقَوْلِ في ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ .

والطَّبْعُ: الخَتْمُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والخَتْمُ والطَّبْعُ والأكِنَّةُ: خَلْقُ الضَّلالَةِ في القَلْبِ، أيِ النَّفْسِ.

والمُتَكَبِّرُ: ذُو الكِبْرِ المُبالَغِ فِيهِ ولِذَلِكَ اسْتُعِيرَتْ صِيغَةُ التَّكَلُّفِ.

صفحة ١٤٥

والجَبّارُ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ الجَبْرِ، وهو الإكْراهُ، فالجَبّارُ: الَّذِي يُكْرِهُ النّاسَ عَلى ما لا يُحِبُّونَ عَمَلَهُ لِظُلْمِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِإضافَةِ (قَلَبِ) إلى (مُتَكَبِّرٍ)، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ وابْنُ ذَكْوانَ عَنْ عامِرٍ بِتَنْوِينِ (قَلْبِ) عَلى أنْ يَكُونَ (مُتَكَبِّرٍ) و(جَبّارٍ) صِفَتَيْنِ لِ (قَلْبِ)، ووَصْفُ القَلْبِ بِالتَّكَبُّرِ والجَبْرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمَقْصُودُ وصْفُ صاحِبِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] لِأنَّهُ سَبَبُ الإثْمِ كَما يُقالُ: رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском