Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:44–51
40:44Page 472
فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤
And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."
﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِيَ إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
هَذا الكَلامُ مُتارَكَةٌ لِقَوْمِهِ وتَنْهِيَةٌ لِخِطابِهِ إيّاهم ولَعَلَّهُ اسْتَشْعَرَ مِن مَلامِحِهِمْ أوْ مِن مُقاطَعَتِهِمْ كَلامَهُ بِعِباراتِ الإنْكارِ، ما أيْأسَهُ مِن تَأثُّرِهِمْ بِكَلامِهِ، فَتَحَدّاهم بِأنَّهم إنْ أعْرَضُوا عَنِ الِانْتِصاحِ لِنُصْحِهِ سَيَنْدَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ إمّا في الدُّنْيا كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢]، فالفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] .
وفَعَلُ (سَتَذْكُرُونَ) مُشْتَقٌّ مِنَ الذِّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو ضِدُّ النِّسْيانِ، أيْ سَتَذْكُرُونَ في عُقُولِكم، أيْ ما أقُولُ لَكُمُ الأنَ يَحْضُرُ نَصْبَ بَصائِرِكم يَوْمَ تَحَقُّقِهُ، فَشَبَّهَ الإعْراضَ بِالنِّسْيانِ ورَمْزَ إلى النِّسْيانِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ في العَقْلِ مُلازِمَةَ الضِّدِّ لِضِدِّهِ وهو التَّذَكُّرُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ وفي قَرِينَتِها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
والمَعْنى سَيَحِلُّ بِكم مِنَ العَذابِ ما يُذَكِّرُكم ما أقُولُهُ: إنَّهُ سَيَحِلُّ بِكم.
وجُمْلَةُ ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١]، ومَساقُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَساقُ الِانْتِصافِ مِنهم لِما أظْهَرُوهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ، يَعْنِي: أنِّي أكِلُ شَأْنِي وشَأْنَكم مَعِي إلى اللَّهِ فَهو يَجْزِي كُلَّ فاعِلٍ بِما فَعَلَ، وهَذا كَلامُ مُنْصِفٍ فالمُرادُ بِ (أمْرِي) شَأْنِي ومُهِمِّي.
صفحة ١٥٧
ويَدُلُّ لِمَعْنى الِانْتِصافِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ مُعَلِّلًا تَفْوِيضَ أمْرِهِ مَعَهم إلى اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأحْوالِ جَمِيعِ العِبادِ فَعُمُومُ العِبادِ شَمِلَهُ وشَمِلَ خُصُومَهُ.
وقالَ في الكَشّافِ: قَوْلُهُ ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ لِأنَّهم تَواعَدُوهُ اهـ. يَعْنِي أنَّ فِيهِ إشْعارًا بِذَلِكَ بِمَعُونَةِ ما بَعْدَهُ.
والعِبادِ النّاسُ يُطْلَقُ عَلى جَماعَتِهِمُ اسْمُ العِبادِ، ولَمْ أرَ إطْلاقَ العَبْدِ عَلى الإنْسانِ الواحِدِ ولا إطْلاقَ العَبِيدِ عَلى النّاسِ.
والبَصِيرُ: المُطَّلِعُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ الأمْرُ. والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، فَإذا أرادُوا تَعْدِيَةَ فِعْلِ البَصَرِ بِنَفْسِهِ قالُوا: أُبْصِرُهُ.
40:45–46Page 472
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥
So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ .
تَفْرِيعُ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم أضْمَرُوا مَكْرًا بِهِ. وتَسْمِيَتُهُ مَكْرًا مُؤْذِنٌ بِأنَّهم لَمْ يُشْعِرُوهُ بِهِ وأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِوِقايَتِهِ لِأنَّهُ فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ.
والمَعْنى: فَأنْجاهُ اللَّهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَجا مَعَ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ فَخَرَجَ مَعَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَرَّ مَعَ فِرْعَوْنَ ولَمْ يَعْثُرُوا عَلَيْهِ.
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: سَيِّئاتُ مَكْرِهِمْ. وإضافَةُ سَيِّئاتِ إلى مَكْرِ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، وهي هُنا في قُوَّةِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ لِأنَّ المَكْرَ سَيْءٌ. وإنَّما جَمَعَ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أنْواعِ مَكْرِهِمُ الَّتِي بَيَّتُوها.
وحاقَ: أحاطَ. والعَذابُ: الغَرَقُ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ لِأنَّهُ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ.
وتَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ في السُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ١٥٨
ومُناسَبَةُ فِعْلِ (حاقَ) لِذَلِكَ العَذابِ أنَّهُ مِمّا يَحِيقُ عَلى الحَقِيقَةِ، وإنَّما كانَ الغَرَقُ سُوءَ عَذابٍ لِأنَّ الغَرِيقَ يُعَذَّبُ بِاحْتِباسِ النَّفْسِ مُدَّةً وهو يَطْفُو عَلى الماءِ ويَغُوصُ فِيهِ ويُرْعِبُهُ هَوْلُ الأمْواجِ وهو مُوقِنٌ بِالهَلاكِ ثُمَّ يَكُونُ عُرْضَةً لِأكْلِ الحِيتانِ حَيًّا ومَيِّتًا وذَلِكَ ألَمٌ في الحَياةِ وخِزْيٌ بَعْدَ المَماتِ يُذْكَرُونَ بِهِ بَيْنَ النّاسِ.
وقَوْلُهُ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً وقَعَتْ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، فَيَجْعَلُ النّارَ مُبْتَدَأً ويَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ خَبَّرًا عَنْهُ ويَكُونُ مَجْمُوعُ الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لِأنَّ سُوءَ العَذابِ إذا أُرِيدَ بِهِ الغَرَقُ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى مَوْتِهِمْ ومَوْتُهم يَشْتَمِلُ عَلى عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فالمَذْكُورُ عَذابانِ: عَذابُ الدُّنْيا عَذابُ الغَرَقِ وما يَلْحَقُ بِهِ مِن عَذابٍ قَبْلَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النّارُ بَدَلًا مُفْرَدًا مِن سُوءُ العَذابِ بَدَلًا مُطابِقًا وجُمْلَةُ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ حالًا مِنَ النّارُ فَيَكُونُ المَذْكُورُ في الآيَةِ عَذابًا واحِدًا ولَمْ يُذْكَرْ عَذابُ الغَرَقِ.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالمَذْكُورُ في الآيَةِ عَذابٌ قَبْلَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ فَذَلِكَ هو المَذْكُورُ بَعْدَهُ بُقُولِهِ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ .
والعَرْضُ حَقِيقَتُهُ: إظْهارُ شَيْءٍ لِمَن يَراهُ لِتَرْغِيبٍ أوْ تَحْذِيرٍ وهو يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المُظْهَرِ بِنَفْسِهِ وإلى مَن يُظْهَرُ لِأجْلِهِ بِحَرْفِ ”عَلى“، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ لا يَكُونُ إلّا مَن يَعْقِلُ أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، وقَدْ يُقْلَبُ هَذا الِاسْتِعْمالُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِ العَرَبِ عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، وحَقُّهُ: عَرَضْتُ الحَوْضَ عَلى النّاقَةِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وقَدْ عَدَّ عُلَماءُ المَعانِي القَلْبَ مِن أنْواعِ تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ. واخْتَلَفُوا في عَدِّهِ مِن أفانِينِ الكَلامِ البَلِيغِ فَعَدَّهُ مِنها أبُو عُبَيْدَةَ والفارِسِيُّ والسَّكّاكِيُّ ولَمْ يَقْبَلْهُ الجُمْهُورُ، وقالَ القَزْوِينِيُّ: إنَّ تَضَمَّنَ اعْتِبارًا لَطِيفًا قُبِلَ وإلّا رُدَّ.
صفحة ١٥٩
وعِنْدِي أنَّ الِاسْتِعْمالَيْنِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وأنَّ العَرْضَ قَدْ كَثُرَ في مَعْنى الإمْرارِ دُونَ قَصْدِ التَّرْغِيبِ كَما يُقالُ: عُرِضَ الجَيْشُ عَلى أمِيرِهِ واسْتَعْرَضَهُ الأمِيرُ. ولَعَلَّ أصْلَهُ مَجازٌ ساوى الحَقِيقَةَ فَلَيْسَ في الآيَتَيْنِ قَلْبٌ ولا في قَوْلِ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، قَلْبٌ، ويُقالُ: عُرِضَ بَنُو فُلانٍ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلُوا بِهِ. وخَرَجَ في الكَشْفِ آيَةُ الأحْقافِ عَلى قَوْلِهِمْ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ.
ومَعْنى عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ أنَّ أرْواحَهم تُشاهِدُ المَواضِعَ الَّتِي أُعِدَّتْ لَها في جَهَنَّمَ، وهو ما يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في الصَّحِيحِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وقَوْلُهُ ﴿غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ كِنايَةٌ عَنِ الدَّوامِ لِأنَّ الزَّمانَ لا يَخْلُو مِن هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ هَذا ذِكْرُ عَذابِ الآخِرَةِ الخالِدِ، أيْ يُقالُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، وعُلِمَ مِن عَذابِ آلِ فِرْعَوْنَ أنَّ فِرْعَوْنَ داخِلٌ في ذَلِكَ العَذابِ بِدَلالَةِ الفَحْوى.
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ أدْخِلُوا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ الخاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى أنَّ القَوْلَ مُوَجَّهٌ إلى آلِ فِرْعَوْنَ وأنَّ آلَ فِرْعَوْنَ مُنادى بِحَذْفِ الحَرْفِ.
40:47–48Page 472
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧
And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨
Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مَعْمُولًا لِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]، والضَّمِيرُ عائِدًا إلى
صفحة ١٦٠
﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ [غافر: ٥٦] وما بَيْنَ هَذا وذاكَ اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ لِأنَّها قُصِدُ مِنها عِظَةُ المُشْرِكِينَ بِمَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ فَلَمّا اسْتُوفِيَ ذَلِكَ عادَ الكَلامُ إلَيْهِمْ. ويُفِيدُ ذَلِكَ صَرِيحَ الوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ ضُرِبَتْ لَهُمُ الأمْثالُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مَوْعِظَةُ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] الآيَةُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] لِأنَّ (إذْ) ويَوْمَ كِلَيْهِما ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وحِينَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقالُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، وحِينَ يَتَحاجُّ أهْلُ النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ إلَخْ.
وقَرَنَ ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ بِالفاءِ لِإفادَةِ كَوْنَ هَذا القَوْلِ ناشِئًا عَنْ تَحاجِّهِمْ في النّارِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهُ في مَعْنًى مُتَعَلِّقِ (إذْ)، وهَذا اسْتِعْمالٌ مِنِ اسْتِعْمالاتِ الفاءِ الَّتِي يُسَمِّيها النُّحاةُ زائِدَةً، وأثْبَتَ زِيادَتَها جَماعَةٌ مِنهُمُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والأعْلَمُ وابْنُ بُرْهانٍ، وحَكاهُ عَنْ أصْحابِهِ البَصْرِيِّينَ. وضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى آلِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ ذَلِكَ يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [غافر: ٤٩] وقَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٥٠] ولَمْ يَأْتِ آلَ فِرْعَوْنَ إلّا رَسُولٌ واحِدٌ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَعُودُ ضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهم أهْلُ النّارِ.
والتَحاجُّ: الِاحْتِجاجُ مِن جانِبَيْنِ فَأكْثَرَ، أيْ إقامَةُ كُلِّ فَرِيقٍ حُجَّتَهُ وهو يَقْتَضِي وُقُوعَ خِلافٍ بَيْنِ المُتَحاجِّينَ إذِ الحُجَّةُ تَأْيِيدُ الدَّعْوى لِدَفْعِ الشَّكِّ في صِحَّتِها.
والضُّعَفاءُ: عامَّةُ النّاسِ الَّذِينَ لا تَصَرُّفَ لَهم في أُمُورِ الأُمَّةِ. والَّذِينَ
صفحة ١٦١
اسْتَكْبَرُوا: سادَةُ القَوْمِ، أيِ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا كِبَرًا شَدِيدًا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَوْلُ الضُّعَفاءِ لِلْكُبَراءِ هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَهو ناشِئٌ عَمّا اعْتادُوهُ مِنَ اللَّجَأِ إلَيْهِمْ في مُهِمِّهِمْ حِينَ كانُوا في الدُّنْيا فَخالُوا أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ تَدْبِيرَ أُمُورِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ ولِهَذا أجابَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِما يُفِيدُ أنَّهُمُ اليَوْمَ سَواءٌ في العَجْزِ وعَدَمِ الحِيلَةِ فَقالُوا ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ لَوْ أغْنَيْنا عَنْكم لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا.
وتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ عَلى طَلَبِ التَّخْفِيفِ عَنْهم مِنَ النّارِ، مُقَدِّمَةٌ لِلطَّلَبِ لِقَصْدِ تَوْجِيهِهِ وتَعْلِيلِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِالوَلاءِ الَّذِي بَيْنَهم في الدُّنْيا، يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ هَذا القَوْلَ لِافْتِضاحِ عَجْزِ المُسْتَكْبِرِينَ أنْ يَنْفَعُوا أتْباعَهم تَحْقِيرًا لَهم جَزاءً عَلى تَعاظُمِهِمُ الَّذِي كانُوا يَتَعاظَمُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
ويُحْتَمَلُ أنْ قَوْلَ الضُّعَفاءِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَةِ الحَثِّ عَلى التَّخْفِيفِ عَنْهم ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ، أيْ كُنْتُمْ تَدْعُونَنا إلى دِينِ الشِّرْكِ فَكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ صِرْنا في هَذا العَذابِ فَهَلْ تَسْتَطِيعُونَ الدَّفْعَ عَنّا.
وتَأْكِيدُ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ بِ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولَيْسَ لِرَدِّ إنْكارٍ.
والتَّبَعُ: اسْمٌ لِمَن يَتْبَعُ غَيْرَهُ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وهو مِثْلُ خَدَمٍ وحَشَمٍ لِأنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقِيلَ: التَّبَعُ: جَمْعٌ لا يَجْرِي عَلى الواحِدِ، فَهو إذَنْ مِنَ الجُمُوعِ النّادِرَةِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ واللَّوْمِ عَلى خِذْلانِهِمْ وتُرْكِ الِاهْتِمامِ بِما هم فِيهِ مِن عَذابٍ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ هَلْ مِن شَأْنِكم أنَّكم مُغْنُونَ عَنّا.
ومُغْنُونَ اسْمُ فاعِلٍ مِن أغْنى غَناءً بِفَتْحِ الغَيْنِ والمَدِّ، أيْ فائِدَةٌ وإجْزاءٌ.
والنَّصِيبُ: الحَظُّ والحِصَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، قالَ تَعالى
صفحة ١٦٢
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] .
وقَدْ ضُمِّنَ مُغْنُونَ مَعْنى دافِعُونَ ورادُّونَ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ وهو نَصِيبًا، أيْ جُزْءًا مِن حَرِّ النّارِ غَيْرَ مُحَدَّدِ المِقْدارِ مِن قُوَّتِها، ومِنَ النّارِ بَيانٌ لِ نَصِيبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] فَهم قانِعُونَ بِكُلِّ ما يُخَفِّفُ عَنْهم مِن شِدَّةِ حَرِّ النّارِ وغَيْرُ طامِعِينَ في الخُرُوجِ مِنها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُغْنُونَ عَلى مَعْناهُ دُونَ تَضْمِينٍ ويَكُونَ نَصِيبًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ (مُغْنُونَ) والتَّقْدِيرُ غَنّاءً نَصِيبًا، أيْ غِناءً ما ولَوْ قَلِيلًا. ومِنَ النّارِ مُتَعَلِّقًا بِ مُغْنُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصِيبُ الجُزْءَ مِن أزْمِنَةِ العَذابِ فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن مُدَّةِ النّارِ.
ولَمّا كانَ جَوابُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا جارِيًا في مَجْرى المُحاوَرَةِ جُرِّدَ فَعَلُ (قالَ) مِن حَرْفِ العَطْفِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ مُسْتَوُونَ في الكَوْنِ في النّارِ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ نَدْفَعَ عَنْكم شَيْئًا مِنَ العَذابِ.
وعَلى وجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الضُّعَفاءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ إلى آخِرِهِ تَوْبِيخًا ولَوْمًا لِزُعَمائِهِمْ يَكُونُ قَوْلُ الزُّعَماءِ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ اعْتِرافًا بِالغَلَطِ، أيْ دَعُوا لَوْمَنا وتَوْبِيخَنا فَقَدْ كَفانا أنا مَعَكم في النّارِ. وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِهِ أوْ لِتَنْزِيلِ مَن طالَبُوهم بِالغَناءِ عَنْهم مِن عَذابِ النّارِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ أنَّهم في العَذابِ مِثْلُهم، مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُهم غَيْرَ واقِعِينَ في النّارِ، وفي هَذا التَّنْزِيلِ ضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ يَقُولُونَ: ألَسْتُمْ تَرَوْنَنا في النّارِ مَثَلَكم فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم.
و(كُلٌّ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ (فِيها) والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ خَبَرُ (إنَّ) وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: إنّا كُلُّنا في النّارِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ
صفحة ١٦٣
﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ فَكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ جَوابٌ لَهم مُؤْيِسٌ مِن حُصُولِ التَّخْفِيفِ عَنْهم.
والمَعْنى: نَحْنُ مُسْتَوُونَ في العَذابِ وهو حُكْمُ اللَّهِ فَلا مَطْمَعَ في التَّفَصِّي مِن حُكْمِهِ فَقَدْ جُوزِيَ كُلُّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّ.
وما في هَذِهِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن عُمُومِ تَعَلُّقِ فِعْلِ الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ ما يُجْعَلُ هَذا البَدَلَ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، أيْ أنَّ اللَّهَ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ كُلِّهِمْ بِجَزاءِ أعْمالِهِمْ فَكانَ قِسْطُنا مِنَ الحُكْمِ هَذا العَذابَ.
فَكَلِمَةُ (بَيْنَ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو المَكانُ المُتَوَسِّطُ، أيْ وقَعَ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ في مَجْمَعِهِمُ الَّذِي حَضَرَهُ مَن حُكِمَ عَلَيْهِ ومَن حُكِمَ لَهُ ومَن لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحُكُومَةِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ الكَرامَةِ بِالجَنَّةِ، فَلَيْسَتْ كَلِمَةُ (بَيْنَ) هُنا بِمَنزِلَةِ (بَيْنَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] فَإنَّها في ذَلِكَ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ لِزُعَماءِ الأُمَمِ وقادَتِهِمْ أنْ يَحْذَرُوا الِارْتِماءَ بِأنْفُسِهِمْ في مَهاوِي الخُسْرانِ فَيُوقِعُوا المُقْتَدِينَ بِهِمْ في تِلْكَ المَهاوِي فَإنْ كانَ إقْدامُهم ومُغامَرَتُهم بِأنْفُسِهِمْ وأُمَمِهِمْ عَلى عِلْمٍ بِعَواقِبَ ذَلِكَ كانُوا أحْرِياءَ بِالمَذَمَّةِ والخِزْيِ في الدُّنْيا ومُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، إذْ ما كانَ لَهم أنْ يُغْرَوْا بِأقْوامٍ وكَّلُوا أُمُورَهم بِقادَتِهِمْ عَنْ حُسْنِ ظَنٍّ فِيهِمْ، أنْ يَخُونُوا أمانَتَهم فِيهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَّعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وإنْ كانَ قَحْمُهم أنْفُسَهم في مَضائِقِ الزَّعامَةِ عَنْ جَهْلٍ بِعَواقِبِ قُصُورِهِمْ وتَقْصِيرِهِمْ فَإنَّهم مَلُومُونَ عَلى عَدَمِ التَّوْثِيقِ مِن كَفاءَتِهِمْ لِتَدْبِيرِ الأُمَّةِ فَيَخْبِطُوا بِها خَبْطَ عَشْواءٍ حَتّى يَزِلُّوا بِها فَيَهْوُوا بِها مِن شَواهِقَ بَعِيدَةٍ فَيَصِيرُوا رَمِيمًا، ويَلْقُوا في الآخِرَةِ جَحِيمًا.
40:49–51Page 472
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩
And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠
They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١
Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -
﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ .
لَمّا لَمْ يَجِدُوا مَساغًا لِلتَّخْفِيفِ مِنَ العَذابِ في جانِبِ كُبَرائِهِمْ، وتَنَصَّلَ كُبَراؤُهم
صفحة ١٦٤
مِن ذَلِكَ أوِ اعْتَرَفُوا بِغَلَطِهِمْ وتَوْرِيطِهِمْ قَوْمَهم وأنْفُسَهم تَمالَأ الجَمِيعُ عَلى مُحاوَلَةِ طَلَبِ تَخْفِيفِ العَذابِ بِدَعْوَةٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى الَّذِينَ في النّارِ، أيْ جَمِيعِهِمْ مِن الضُّعَفاءِ والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا.
وخَزَنَةٌ: جَمْعُ خازِنٍ، وهو الحافِظُ لِما في المَكانِ مِن مالٍ أوْ عُرُوضٍ. وخَزَنَةُ جَهَنَّمَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِما تَحْوِيهِ مِنَ النّارِ ووَقُودِها والمُعَذَّبِينَ فِيها ومُوَكَّلُونَ بِتَسْيِيرِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ دارُ العَذابِ وأهْلِها ولِذَلِكَ يُقالُ لَهم: خَزَنَةُ النّارِ، لِأنَّ الخَزْنَ لا يَتَعَلَّقُ بِالنّارِ بَلْ بِما يَحْوِيها فَلَيْسَ قَوْلُهُ هُنا جَهَنَّمُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ إذْ لا يَحْسُنُ إضافَةُ خَزَنَةٍ إلى النّارِ ولَوْ تَقَدَّمَ لَفْظُ جَهَنَّمُ لَقالَ: لِخَزَنَتِها، كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُلْكِ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ [الملك: ٨] فَإنَّ الضَّمِيرَ لِ جَهَنَّمَ لا لِ النّارِ.
وفِي الكَشّافِ إنَّهُ مِنِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارُ لِلتَّهْوِيلِ بِلَفْظِ جَهَنَّمَ، والمَسْلَكُ الَّذِي سَلَكْناهُ أوْضَحُ.
وفِي إضافَةِ (رَبِّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ضَرْبٌ مِنَ الإغْراءِ بِالدُّعاءِ، أيْ لِأنَّكم أقْرَبُ إلى اسْتِجابَتِهِ لَكم.
ولِما ظَنُّوهم أرْجى لِلِاسْتِجابَةِ سَألُوا التَّخْفِيفَ يَوْمًا مِن أزْمِنَةِ العَذابِ وهو أنْفَعُ لَهم مِن تَخْفِيفِ قُوَّةِ النّارِ الَّذِي سَألُوهُ مِن مُسْتَكْبِرِيهِمْ.
وجُزِمَ يُخَفِّفْ بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّعاءِ، ولَعَلَّهُ بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ومِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن يَجْعَلُهُ جَزَما في جَوابِ الطَّلَبِ لِتَحْقِيقِ التَّسَبُّبِ. فَيَكُونُ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الَّذِينَ في النّارِ واثِقُونَ بِأنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ إذا دَعَوُا اللَّهَ اسْتَجابَ لَهم. وهَذا الجَزْمُ شائِعٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ وما في مَعْناهُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وحَقُّهُ الرَّفْعُ أوْ إظْهارُ لامِ الأمْرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
وضُمِّنَ يُخَفَّفْ مَعْنى يُنْقِصُ فَنَصَبَ يَوْمًا، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَذابَ يَوْمٍ، أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ، وانْتَصَبَ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِ يُخَفَّفْ.
صفحة ١٦٥
واليَوْمُ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، أيْ يُخَفِّفُ عَنّا ولَوْ زَمَنًا قَلِيلًا.
و﴿مِنَ العَذابِ﴾ بَيانٌ لِ يَوْمًا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المِقْدارُ فاحْتاجَ إلى البَيانِ عَلى نَحْوِ التَّمْيِيزِ. ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِ يُخَفِّفْ.
وجَوابُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُرادِ بِهِ: إظْهارُ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ حَتّى وقَعُوا في هَذا العَذابِ، وتَنْدِيمُهم عَلى ما أضاعُوهُ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا مِن وسائِلِ النَّجاةِ مِنَ العِقابِ. وهو كَلامٌ جامِعٌ يَتَضَمَّنُ التَّوْبِيخَ، والتَّنْدِيمَ، والتَّحْسِيرَ، وبَيانِ سَبَبِ تَجَنُّبِ الدُّعاءِ لَهم، وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُحَذِّرُهم مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ.
والواوُ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ﴾ لَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى مَوْقِعِها. وهي واوُ العَطْفِ عَطَفَ بِها خَزَنَةُ جَهَنَّمَ كَلامَهم عَلى كَلامِ الَّذِينَ في النّارِ مِن قَبِيلِ طَرِيقَةِ عَطْفِ المُتَكَلِّمِ كَلامًا عَلى كَلامٍ صَدَرَ مِنَ المُخاطَبِ إيماءً إلى أنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ وأنْ لا يُغْفِلَهُ، وهو ما يُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] فَإنَّ أهْلَ النّارِ إذا تَذَكَّرُوا ذَلِكَ عَلِمُوا وجاهَةَ تَنَصُّلِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّفاعَةِ لَهم، وتَفْرِيعُ فادْعُوا عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.
وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِنَ التَّأْخِيرِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لِوُجُوبِ صَدارَتِها.
وجُمْلَةُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تَذْيِيلًا لِكَلامِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهم فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ، أيْ دُعاؤُكم لَمْ يَنْفَعْكم لِأنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ في ضَلالٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَذْيِيلًا واعْتِراضًا.
والبَيِّناتُ: الحُجَجُ الواضِحَةُ والدَّعَواتُ الصَّرِيحَةُ إلى اتِّباعِ الهُدى. فَلَمْ يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ فَقالُوا: بَلى، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ بِالتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَدْعُوا اللَّهَ بِذَلِكَ، إلى إيكالِ أمْرِهِمْ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فادْعُوا تَفْرِيعًا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ.
صفحة ١٦٦
ومَعْنى تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ هو أنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ الَّذِي هو التَّنَصُّلُ مِن أنْ يَدْعُوا لَهم، أيْ كَما تَوَلَّيْتُمُ الإعْراضَ عَنِ الرُّسُلِ اسْتِبْدادًا بِآرائِكم فَتَوَلُّوا اليَوْمَ أمْرَ أنْفُسِكم فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنَّ مَن تَوَلّى قُرَّها يَتَوَلّى حَرَّها، فالأمْرُ في قَوْلِهِ فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ أوْ في التَّسْوِيَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى خَطَأِ السّائِلِينَ في سُؤالِهِمْ.
وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ مُحَقَّقٌ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِنَ الوُجُودِ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ فِعْلَ الإتْيانِ كانَ في الزَّمَنِ الماضِي فَهو مُسْتَفادٌ مَن لَمِ النّافِيَةِ في الماضِي.
والضَّلالُ: الضَّياعُ، وأصْلُهُ: خَطَّأُ الطَّرِيقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ .
والمَعْنى: أنَّ دُعاءَهم لا يَنْفَعُهم ولا يُقْبَلُ مِنهم، وسَواءٌ كانَ قَوْلُهُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُقْتَضٍ عُمُومَ دُعائِهِمْ لِأنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مَن صِيَغِ العُمُومِ فَيَقْتَضِي أنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ في الآخِرَةِ وفي الدُّنْيا لِأنَّ عُمُومَ الذَّواتِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ.
وأمّا ما يُوهِمُ اسْتِجابَةَ دُعاءِ الكافِرِينَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ [الأنعام: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، فَظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِجابَةِ كَرامَةٍ ولَكِنَّها لِتَسْجِيلِ كَفْرِهِمْ ونُكْرانِهِمْ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ في بَعْضِ الأحْوالِ أنْ يَدْعُوَ الكافِرُ فَيَقَعُ ما طَلَبَهُ وإنَّما ذَلِكَ لِمُصادَفَةِ دُعائِهِ وقْتَ إجابَةِ دُعاءِ غَيْرِهِ مِنَ الصّالِحِينَ، وكَيْفَ يُسْتَجابُ دُعاءُ الكافِرِ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِبْعادُ اسْتِجابَةِ دُعاءِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَأْكُلُ الحَرامَ ويَلْبَسُ الحَرامَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثُ أغْبَرُ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ
صفحة ١٦٧
بِالحَرامِ فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» ؟، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ اللَّهُ: فَلَمّا اسْتَجابَ دُعاءَهم، وإنَّما قالَ: فَلَمّا نَجّاهم، أيْ لِأنَّهُ قَدَّرَ نَجاتَهم مِن قَبْلِ أنْ يَدْعُوا أوْ لِأنَّ دُعاءَهم صادَفَ دُعاءَ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences