Ibn 'AshurGhafir · 40:63–67

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:63–67

40:63Page 474

كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٦٣

Thus were those [before you] deluded who were rejecting the signs of Allāh.

صفحة ١٨٨

﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهو التَّعْجِيبُ مِنِ انْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِمْ خالِقِهِمْ وخالِقِ كُلِّ شَيْءٍ فَإنَّ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ ما يُبَيِّنُ سَبَبَ التَّعْجِيبِ فَجِيءَ في جانِبِ المَأْفُوكِينَ بِالمَوْصُولِ لِأنَّ الصِّلَةَ تُومِئُ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّتِهِ، أيْ أنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى الجَحْدِ بِآياتِ اللَّهِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ في مَعانِيها ودَلائِلِها يَطْبَعُ نُفُوسَهم عَلى الِانْصِرافِ عَنِ العِلْمِ بِوُجُوبِ الوَحْدانِيَّةِ لَهُ تَعالى.

فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الإفْكِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ تُؤْفَكُونَ أيْ مِثْلُ إفْكِكم ذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ويَكُونُ المَوْصُولُ وصِلَتُهُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، والمَعْنى: كَذَلِكَ تُؤْفَكُونَ، أيْ مِثْلُ إفْكِكم تُؤْفَكُونَ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ مُبالَغَةً في أنَّ إفْكَهم بَلَغَ في كُنْهِ الإفْكِ النِّهايَةَ بِحَيْثُ لَوْ أرادَ المُقَرِّبُ أنْ يُقَرِّبَهُ لِلسّامِعِينَ بِشَبِيهٍ لَهُ لَمْ يَجِدْ شَبِيهًا لَهُ أوْضَحَ مِنهُ وأجْلى في ماهِيَّتِهِ فَلا يَسَعُهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَأْلُوفَةِ المُبَيَّنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وبِذَلِكَ تَكُونُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ إيماءً إلى عِلَّةِ إفْكِهِمْ تَعْلِيلًا صَرِيحًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ فَيَصِيرُ التَّعْلِيلُ المُومى إلَيْهِ بِالصِّلَةِ تَعْلِيلًا تَعْرِيضِيًّا لِأنَّهُ إذا كانَ الإفْكُ شَأْنَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ كُلِّهِمْ فَقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ بِحُكْمِ المُماثَلَةِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ، وذُكِرَ فِعْلُ الكَوْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَحْدَ بِآياتِ اللَّهِ شَأْنُهم وهِجِّيراهم.

وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في الأخْلاقِ العِلْمِيَّةِ، فَإنَّ العُقُولَ الَّتِي تَتَخَلَّقُ بِالإنْكارِ

صفحة ١٨٩

والمُكابَرَةِ قَبْلَ التَّأمُّلِ في المَعْلُوماتِ تُصْرَفُ عَنِ انْكِشافِ الحَقائِقِ العِلْمِيَّةِ فَتَخْتَلِطُ عَلَيْها المَعْلُوماتُ ولا تُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ.

40:64Page 474

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٤

It is Allāh who made for you the earth a place of settlement and the sky a structure [i.e., ceiling] and formed you and perfected your forms and provided you with good things. That is Allāh, your Lord; then blessed is Allāh, Lord of the worlds.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ .

اسْتِئْنافٌ ثانٍ بِناءً عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي فَسَّرْنا بِها مَوْقِعَ قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١] كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تِعْدادِ دَلائِلِ انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ وبِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَفْتَضِحَ خَطَلُهم في الإشْراكِ بِهِ وكُفْرانِ نِعَمِهِ، فَذَكَّرَهم في الآيَةِ السّابِقَةِ بِآثارِ قُدْرَتِهِ في إيجادِ الأعْراضِ القائِمَةِ بِجَواهِرِ هَذا العالَمِ وهُما عَرَضا الظُّلْمَةِ والنُّورِ، وفي كِلَيْهِما نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلى النّاسِ، وذَكَّرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِآثارِ خَلْقِ الجَواهِرِ في هَذا العالَمِ عَلى كَيْفِيّاتٍ هي نِعْمَةٌ لَهم، وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ عَلى صُوَرٍ صالِحَةٍ بِهِمْ، فَأمّا إنْ جَعَلْتَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ إلَخْ بَدَلًا مِن رَبِّكم في ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٠]، فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمِ الجَلالَةِ فَيَكُونَ الخَبَرُ قَوْلَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وهو أوْلى لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ إلَهِيَّتِهِ وحْدَهُ بِدَلِيلِ ما هو مُشاهَدٌ مِن إتْقانِ صُنْعِهِ المَمْزُوجِ بِنِعْمَتِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ خَبَرًا فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الِامْتِنانِ والِاعْتِبارِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الِامْتِنانَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَكم قُدِّمَتِ الأرْضُ عَلى السَّماءِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها مَحْسُوسٌ وذُكِرَتِ السَّماءُ بَعْدَها كَما يُسْتَحْضَرُ الشَّيْءُ بِضِدِّهِ مَعَ قَصْدِ إيداعِ دَلائِلِ عِلْمِ الهَيْئَةِ لِمَن فِيهِمُ اسْتِعْدادٌ لِلنَّظَرِ فِيها وتَتَبُّعِ أحْوالِها عَلى تَفاوُتِ المَدارِكِ وتَعاقُبِ الأجْيالِ واتِّساعِ العُلُومِ.

والقَرارُ أصْلُهُ، مَصْدَرُ قَرَّ، إذا سَكَنَ. وهو هُنا مِن صِفاتِ الأرْضِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الخَبَرِ عَنِ الأرْضِ، فالمَعْنى يَحْتَمِلُ: أنَّهُ جَعَلَها قارَّةً غَيْرَ مائِدَةٍ ولا مُضْطَرِبَةٍ فَلَمْ تَكُنْ مِثْلَ كُرَةِ الهَواءِ مُضْطَرِبَةً مُتَحَرِّكَةً ولَوْ لَمْ تَكُنْ قارَّةً لَكانَ النّاسُ في عَناءٍ مِنَ

صفحة ١٩٠

اضْطِرابِها وتَزَلْزُلِها، وقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ بِأكْثَرِهِمْ إلى الهَلاكِ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى جَعَلَ الأرْضَ ذاتَ قَرارٍ، أيْ قَرارٍ لَكم، أيْ جَعَلَها مُسْتَقَرًّا لَكم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ خَلَقَها عَلى كَيْفِيَّةٍ تُلائِمُ الِاسْتِقْرارَ عَلَيْها بِأنْ جَعَلَها يابِسَةً غَيْرَ سائِلَةٍ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ سَطْحَ الأرْضِ سَيّالًا كالزِّئْبَقِ أوْ كالعَجَلِ فَلا يَزالُ الإنْسانُ سائِخًا فِيها يَطْفُو تارَةً ويَسِيخُ أُخْرى فَلا يَكادُ يَبْقى عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وذَلِكَ كَوَسَطِ سَبْخَةِ التاكمرت المُسَمّاةِ شَطَّ الجَرِيدِ الفاصِلَ بَيْنَ نُفَطَةَ ونَفْزاوَةَ مِنَ الجَنُوبِ التُّونُسِيِّ فَإنَّ فِيها مَسافاتٍ إذا مَشَتْ فِيها القَوافِلُ ساخَتْ في الأرْضِ فَلا يُعْثَرُ عَلَيْها ولِذَلِكَ لا تَسِيرُ فِيها القَوافِلُ إلّا بِهُداةٍ عارِفِينَ بِمَسالِكِ السَّيْرِ في عَلاماتٍ مَنصُوبَةٍ، فَكانَتْ خِلْقَةُ الأرْضِ دالَّةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَلى دَقِيقِ حِكْمَتِهِ وعَلى رَحْمَتِهِ بِالإنْسانِ والحَيَوانِ المَعْمُورِ بِهِما وجْهُ الأرْضِ.

والبِناءُ: ما يُرْفَعُ سُمْكُهُ عَلى الأرْضِ لِلِاتِّقاءِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والمَطَرِ والدَّوابِّ. ووَصْفُ السَّماءِ بِالبِناءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ .

لا جَرَمَ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِإيجادِ ما يَحُفُّ بِالإنْسانِ مِنَ العَوالِمِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُلائِمَةٍ لِحَياةِ الإنْسانِ وراحَتِهِ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِإيجادِ الإنْسانِ في ذاتِهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ مُلائِمَةٍ لَهُ مُدَّةَ بَقاءِ نَوْعِهِ عَلى الأرْضِ وتَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ التَّذْكِيرَ بِما مَهَّدَ لَهُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماءِ، بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ خَلَقَهُ مُسْتَوْفِيًا مَصْلَحَتَهُ وراحَتَهُ.

صفحة ١٩١

وعَبَّرَ عَنْ هَذا الخَلْقِ بِفِعْلِ (صَوَّرَكم) لِأنَّ التَّصْوِيرَ خَلْقٌ عَلى صُورَةٍ مُرادَةٍ تُشْعِرُ بِالعِنايَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فاقْتَضى حُسْنَ الصُّوَرِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ في جانِبِ خَلْقِ الإنْسانِ عَنْ فِعْلِ الجَعْلِ إلى فِعْلِ التَّصْوِيرِ بِقَوْلِهِ وصَوَّرَكم فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ [الإنفطار: ٨] ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ فِعْلُ التَّصْوِيرِ مِنَ الإتْقانِ والتَّحْسِينِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ .

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ ودالَّةٌ عَلى التَّعْقِيبِ أيْ أوْجَدَ صُورَةَ الإنْسانِ فَجاءَتْ حَسَنَةً.

وعَطَفَ عَلى هَذِهِ العِبْرَةِ والمِنَّةِ مِنَّةً أُخْرى فِيها عِبْرَةٌ، أيْ خَلَقَكم في أحْسَنِ صُورَةٍ ثُمَّ أمَدَّكم بِأحْسَنِ رِزْقٍ فَجَمَعَ لَكم بَيْنَ الإيجادِ والإمْدادِ، ولَمّا كانَ الرِّزْقُ شَهْوَةً في ظاهِرِهِ وكانَ مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةِ إمْدادِ الجِسْمِ بِوَسائِلِ تَجْدِيدِ قُواهُ الحَيَوِيَّةِ وكانَ في قَوْلِهِ رَزَقَكم إيماءٌ إلى نِعْمَةِ طُولِ الوُجُودِ فَلَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى الأرْضِ ثُمَّ تَضْمَحِلُّ في زَمَنٍ قَرِيبٍ وجَمَعَ لَهُ بَيْنَ حُسْنِ الإيجادِ وبَيْنَ حُسْنِ الإمْدادِ فَجَعَلَ ما بِهِ مَدَدُ الحَياةِ وهو الرِّزْقُ مِن أحْسَنِ الطَّيِّباتِ عَلى خِلافِ رِزْقِ بَقِيَّةِ أنْواعِ الحَيَوانِ.

* * *

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ .

مَوْقِعُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ كَمَوْقِعِ نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وإعادَةُ هَذا تَكْرِيرٌ لِلتَّوْقِيفِ عَلى خَطَلِ رَأْيِهِمْ في عِبادَةِ غَيْرِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢]، وقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .

وفُرِّعَ عَلى ما ذَكَرَ مِن بَدائِعِ صُنْعِهِ وجَزِيلِ مَنِّهِ، أنْ أُنْشِئَ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِما يُفِيدُ اتِّصافَهُ بِعَظِيمِ صِفاتِ الكَمالِ، فَقالَ (فَتَبارَكَ اللَّهُ)، وفِعْلُ تَبارَكَ صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في قُوَّةِ ما اشْتُقَّ مِنهُ الفِعْلُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو البَرَكَةُ، والبَرَكَةُ: اسْمٌ يَدُلُّ عَلى تَزايُدِ الخَيْرِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ مَعَ فِعْلِ

صفحة ١٩٢

تَبارَكَ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرٍ مَعَ تَقَدُّمِ اسْمِهِ، فالإظْهارُ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ كَلِمَةَ ثَناءٍ مُسْتَقِلَّةً.

ورَبُّ العالَمِينَ خالِقُ أجْناسِ العُقَلاءِ مِنَ النّاسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ. وهَذا الوَصْفُ مِن تَمامِ الإنْشاءِ لِأنَّ في ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ وهم أشْرَفُ أجْناسِ المَوْجُوداتِ اسْتِحْضارٌ لِما أفاضَهُ عَلَيْهِمْ مِن خَيْراتِ الإيجادِ والإمْدادِ.

40:65Page 474

هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥

He is the Ever-Living;1 there is no deity except Him, so call upon Him, [being] sincere to Him in religion. [All] praise is [due] to Allāh, Lord of the worlds.

﴿هو الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ لِلِارْتِقاءِ في إثْباتِ إلَهِيَّتِهِ الحَقِّ بِإثْباتِ ما يُناسِبُها وهو الحَياةُ الكامِلَةُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَدِّمَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَإثْباتُ الحَياةِ الواجِبَةِ لِذاتِهِ فَإنَّ الَّذِي رَبَّ العالَمِينَ وأوْجَدَهم عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ وأمَدَّهم بِما بِهِ قَوامُهم عَلى مَمَرِّ الأزْمانِ لا جَرَمَ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالحَياةِ الحَقِّ لِأنَّ مُدَبِّرَ المَخْلُوقاتِ عَلى طُولِ العُصُورِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ، إذِ الحَياةُ - مَعَ ما عَرَضَ مِن عُسْرٍ في تَعْرِيفِها عِنْدَ الحُكَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ - هي صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ والإرادَةَ والفِعْلَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فَإنْ كانَ اتِّصافُ مَوْصُوفِها بِها مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ فَهي حَياةٌ مُمْكِنَةٌ عارِضَةٌ مِثْلُ حَياةِ المَلائِكَةِ وحَياةِ الأرْواحِ وحَياةِ الإنْسانِ وحَياةِ الحَيَوانِ وحَياةِ الأسارِيعِ، فَتَكُونُ مُتَفاوِتَةً في مَوْصُوفاتِها بِتَفاوُتِ قُوَّتِها فِيها ومُتَفاوِتَةً في مَوْصُوفِها الواحِدِ بِتَفاوُتِ أزْمانِها مِثْلَ تَفاوُتِ حَياةِ الشَّخْصِ الواحِدِ في وقْتِ شَبابِهِ، وحَياتِهِ في وقْتِ هِرَمِهِ، ومِثْلَ حَياةِ الشَّخْصِ وقْتَ نَشاطِهِ وحَياتِهِ وقْتَ نَوْمِهِ، وبِذَلِكَ التَّفاوُتِ تَصِيرُ إلى الخُفُوتِ ثُمَّ الزَّوالِ، ويَظْهَرُ أثَرُ تَفاوُتِها في تَفاوُتِ آثارِها مِنَ الإدْراكِ والإرادَةِ والفِعْلِ.

وإنْ كانَ اتِّصافُ مَوْصُوفِها بِها أزَلِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ فَهي حَياةُ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وهي حَياةٌ واجِبَةٌ ذاتِيَّةٌ. وهي الحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ لِأنَّها غَيْرُ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّقْصِ ولا لِلزَّوالِ، فَلِذَلِكَ كانَ الحَيُّ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى كَما أنْبَأتْ عَنْهُ صِيغَةُ الحَصْرِ في

صفحة ١٩٣

قَوْلِهِ ﴿هُوَ الحَيُّ﴾ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَياةِ ما سِواهُ مِنَ الأحْياءِ لِأنَّها عارِضَةٌ ومُعَرَّضَةٌ لِلْفَناءِ والزَّوالِ.

فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ لِأنَّ كُلَّ مَن سِواهُ لا حَياةَ لَهُ واجِبَةٌ، فَهو مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا مُدَبِّرًا لِلْعالَمِ. وجَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ هو بَيْنَ ما لَمْ يَتَّصِفْ بِالحَياةِ تَمامًا كالأصْنامِ مِنَ الحِجارَةِ أوِ الخَشَبِ أوِ المَعادِنِ. ومِثْلَ الكَواكِبِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والشَّجَرِ، وبَيْنَ ما اتَّصَفَ بِحَياةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ زائِلَةٍ كالمَلائِكَةِ، وبَيْنَ ما اتَّصَفَ بِحَياةٍ عارِضَةٍ زائِلَةٍ مِن مَعْبُوداتِ البَشَرِ مِثْلَ بُوذَةَ وبَرْهَما بَلْهَ المَعْبُوداتِ مِنَ البَقَرِ والثَّعابِينَ. قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدُهُمُ التَّصَرُّفَ بِالإيجادِ والإحْياءِ وهو مَخْلُوقٌ، أيْ مُعَرَّضٌ لِلْحَياةِ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] فَجَعَلَ نَفْيَ الحَياةِ عَنْهم في الحالِ أوْ في المَآلِ دَلالَةً عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ وجَعَلَ نَفْيَ إدْراكِ بَعْضِ المُدْرِكاتِ عَنْهم دَلالَةً عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ.

وبَعْدَ اتِّضاحِ الدَّلالَةِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ غَيْرَ مُشْرِكِينَ غَيْرَهُ في العِبادَةِ لِنُهُوضِ انْفِرادِهِ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يُعْبَدَ.

والدُّعاءُ: العِبادَةُ لِأنَّها يُلازِمُها السُّؤالُ والنِّداءُ في أوَّلِها وفي أثْنائِها غالِبًا، لِأنَّ الدُّعاءَ عُنْوانُ انْكِسارِ النَّفْسِ وخُضُوعِها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] الآيَةَ وكَما في قَوْلِهِ الآتِي ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] .

والإخْلاصُ: الإفْرادُ وتَصْفِيَةُ الشَّيْءِ مِمّا يُنافِيهِ أوْ يُفْسِدُهُ.

والدِّينُ: المُعامَلَةُ. وأُطْلِقَ عَلى الطّاعَةِ وهو المُرادُ هُنا؛ لِأنَّها أشَدُّ أنْواعِ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُطِيعِ والمُطاعِ. والمَعْنى: فَإذْ كانَ هو الحَيَّ دُونَ الأصْنامِ وكانَ لا إلَهَ غَيْرُهُ فاعْبُدُوهُ غَيْرَ مُشْرِكِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ.

ويَدْخُلُ في ماهِيَّةِ الإخْلاصِ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَرْكُ الرِّياءِ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ الرِّياءَ وهو أنْ

صفحة ١٩٤

يَقْصِدَ المُتَعَبِّدُ مِن عِبادَتِهِ أنْ يَراهُ النّاسُ سَواءٌ كانَ قَصْدًا مُجَرَّدًا أوْ مَخْلُوطًا مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ. كُلُّ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن حُصُولِ حَظٍّ في تِلْكَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحَظُّ في جَوْهَرِها. وهَذا مَعْنى ما جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ الرِّياءَ الشِّرْكُ الأصْغَرُ» .

وتَقْدِيمُ (لَهُ) المُتَعَلِّقِ بِمُخْلِصِينَ عَلى مَفْعُولِ مُخْلِصِينَ لِأنَّهُ الأهَمُّ في هَذا المَقامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِمُتَعَلِّقِهِ مِن تَعَلُّقِ المَفْعُولِ بِعامِلِهِ.

* * *

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْشاءً لِلثَّناءِ عَلى اللَّهِ كَما هو شَأْنُ أمْثالِها في غالِبِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِفِعْلِ فادْعُوهُ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أوْ قُولُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَرِينَةُ المَحْذُوفِ هو أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا يَجْرِي عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ كَثِيرًا فَصارَتْ كالمَثَلِ في إنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ. والمَعْنى: فاعْبُدُوهُ بِالعَمَلِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ وشُكْرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا أُرِيدَ بِهِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ مِن نَفْسِهِ تَعْلِيمًا لِلنّاسِ كَيْفَ يَحْمَدُونَهُ، كَما تَقَدَّمَ في وُجُوهِ نَظِيرِها في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

أوْ جارِيًا عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.

وعِنْدِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَمْدُ مَصْدَرًا جِيءَ بِهِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ عَلى مَعْنى الأمْرِ، أيِ احْمَدُوا اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ. وعُدِلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.

صفحة ١٩٥

وفَصْلُ الجُمْلَةِ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها أسْعَدُ بِالِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلِ والرّابِعِ.

40:66Page 474

۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٦

Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been forbidden to worship those you call upon besides Allāh once the clear proofs have come to me from my Lord, and I have been commanded to submit to the Lord of the worlds."

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةِ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ لِيَجْرُوا عَلى مُقْتَضاها في أنْفُسِهِمْ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ، فانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ بِخَبَرِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ بِإبْطالِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ لِيَعْمَلَ بِذَلِكَ في نَفْسِهِ ويُبَلِّغَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ، وأنَّهم لا عُذْرَ لَهم في الغَفْلَةِ عَنْها أوْ عَدَمِ إتْقانِ النَّظَرِ فِيها أوْ قُصُورِ الِاسْتِنْتاجِ مِنها بَعْدَ أنْ جاءَهم رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يُبَيِّنُ لَهم أنْواعًا بِمُخْتَلِفِ البَيانِ مِن أدِلَّةٍ بُرْهانِيَّةٍ وتَقْرِيبِيَّةٍ إقْناعِيَّةٍ.

وأنَّ هَذا الرَّسُولَ ﷺ إنَّما يَدْعُوهم إلى ما يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ فَهو مُمْحِضٌ لَهُمُ النَّصِيحَةَ، وهادِيهِمْ إلى الحُجَّةِ لِتَتَظاهَرَ الأدِلَّةُ النَّظَرِيَّةُ بِأدِلَّةِ الأمْرِ الإلَهِيِّ بِحَيْثُ يَقْوى إبْطالُ مَذْهَبِهِمْ في الشِّرْكِ، فَإنَّ ما نَزَلَ مِنَ الوَحْيِ تَضَمَّنَ أدِلَّةً عَقْلِيَّةً وإقْناعِيَّةً وأوامِرَ إلَهِيَّةً وزَواجِرَ وتَرْغِيباتٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَحُومُ حَوْلَ إثْباتِ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ تَفَرُّدًا مُطْلَقًا لا تَشُوبُهُ شائِبَةُ مُشارَكَةٍ ولَوْ في ظاهِرِ الحالِ كَما تَشُوبُ المُشارَكَةُ في كَثِيرٍ مِنَ الصِّفاتِ الأُخْرى في مِثْلِ المُلْكِ والمِلْكِ والحَمْدِ، والنَّفْعِ والضُّرِّ، والكَرَمِ والإعانَةِ وذَلِكَ كَثِيرٌ.

فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ إبْطالًا لِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِالقَوْلِ الدّالِّ عَلى التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ بَعْدَ أنْ أُبْطِلَ ذَلِكَ بِدَلالَةِ الحُجَّةِ عَلى المَقْصُودِ. وهَذِهِ دَلالَةٌ كِنائِيَّةٌ لِأنَّ النَّهْيَ يَسْتَلْزِمُ التَّحْذِيرَ.

وذَكَرَ مَجِيءَ البَيِّناتِ في أثْناءِ هَذا الخَبَرِ إشارَةً إلى طُرُقٍ أُخْرى مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ تَكَرَّرَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وكانَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ضَمِيرُ (إنِّي) عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ نَحْوَ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، وكانَ تَخْصِيصُ

صفحة ١٩٦

ذاتِهِ بِهَذا النَّهْيِ دُونَ تَشْرِيكِهِمْ في ذَلِكَ الغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مَنهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ وإلّا فَلا فائِدَةَ لَهم في إبْلاغِ هَذا القَوْلِ فَكانَ الرَّسُولُ ﷺ مِن حِينِ نَشْأتِهِ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ وكانَ ذَلِكَ مَصْرَفَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنْ ذَلِكَ إلْهامًا إلَهِيًّا إرْهاصًا لِنُبُوءَتِهِ.

و(لَمّا) حَرْفٌ أوْ ظَرْفٌ عَلى خِلافٍ بَيْنَهم، وأيًّا ما كانَ فَهي كَلِمَةٌ تُفِيدُ اقْتِرانَ مَضْمُونِ جُمْلَتَيْنِ تَلِيانِها تُشْبِهانِ جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ولِذَلِكَ يَدْعُونَها لَمّا التَّوْقِيتِيَّةَ، وحُصُولُ ذَلِكَ في الزَّمَنِ الماضِي، فَقَوْلُهُ ﴿لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ تَوْقِيتٌ لِنَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِوَقْتِ مَجِيءِ البَيِّناتِ، أيْ بَيِّناتُ الوَحْيِ فِيما مَضى وهو يَقْتَضِي أنَّ النَّهْيَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ وقْتِ مَجِيءِ البَيِّناتِ.

والمَقْصُودُ مِن إسْنادِ المَنهِيَّةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ التَّعْرِيضُ بِنَهْيِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الأمْرَ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ لا قَصْدَ مِنهُ إلّا التَّبْلِيغَ لَهم وإلّا فَلا فائِدَةَ لَهم في الإخْبارِ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَنهِيٌّ عَنْ أنْ يَعْبُدَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: فَإذا كُنْتُ أنا مَنهِيًّا عَنْ ذَلِكَ فَتَأمَّلُوا في شَأْنِكم واسْتَعْمِلُوا أنْظارَكم فِيهِ، لِيَسُوقَهم إلى النَّظَرِ في الأدِلَّةِ سَوْقًا لَيِّنًا خَفِيًّا لِاتِّباعِهِ فِيما نَهى عَنْهُ، كَما جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا لا تَعْرِيضًا في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وبُنِيَ الفِعْلُ لِلنّائِبِ لِظُهُورِ أنَّ النّاهِيَ هو اللَّهُ تَعالى بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ.

ومَعْنى الدُّعاءِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِ الدُّعاءِ، وهو القَوْلُ الَّذِي تَسْألُ بِهِ حاجَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَعْبُدُونَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فَيَكُونُ العُدُولُ عَنْ أنْ يَقُولَ: أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ، تَفَنُّنا.

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن رَبِّي) ابْتِدائِيَّةٌ، وجُعِلَ المَجْرُورُ بِـ (مِن) وصْفَ رَبٍّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَجْرُورُها ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِ

صفحة ١٩٧

المُعَرَّضِ بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ هَذا النَّهْيَ ومَجِيءَ البَيِّناتِ هو مِن جانِبِ سَيِّدِهِ وسَيِّدِهِمْ فَما يَسَعُهم إلّا أنْ يُطِيعُوهُ ولِذَلِكَ عَزَّزَهُ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى الجَمِيعِ في قَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ رَبُّكم ورَبُّ غَيْرِكم فَلا مُنْصَرَفَ لَكم عَنْ طاعَتِهِ.

والإسْلامُ: الِانْقِيادُ بِالقَوْلِ والعَمَلِ، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَأصْلُهُ: أسْلَمَ نَفْسَهُ أوْ ذاتَهُ أوْ وجْهَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ كاللّازِمِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ هو هُنا.

40:67Page 475

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦٧

It is He who created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot; then He brings you out as a child; then [He develops you] that you reach your [time of] maturity, then [further] that you become elders. And among you is he who is taken in death before [that], so that you reach a specified term;1 and perhaps you will use reason.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ رابِعٌ بَعْدَ اسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿هُوَ الحَيُّ﴾ [غافر: ٦٥] وما تَفَرَّعَ عَلَيْها، وكُلُّها ناشِئٌ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وهَذا الِامْتِنانُ بِنِعْمَةِ الإيجادِ وهو نِعْمَةٌ لِأنَّ المَوْجُودَ شَرَفٌ والمَعْدُومَ لا عِنايَةَ بِهِ.

وأُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى الإبْداعِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أطْوارِ خَلْقِ الإنْسانِ في سُورَةِ الحَجِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بَعْضِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ.

والطِّفْلُ: اسْمٌ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ قالَ تَعالى ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] وقَدْ يُطابِقُ فَيُقالُ: طِفْلٌ وطِفْلانِ وأطْفالٌ.

واللّاماتُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِـ ثُمَّ مُتَعَلِّقاتٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ يُبْقِيكم، أوْ ثُمَّ يُنْشِئُكم لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم، وهي لاماتُ

صفحة ١٩٨

التَّعْلِيلِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى إلى لِأنَّ الغايَةَ المُقَدَّرَةَ مِنَ اللَّهِ تُشْبِهُ العِلَّةَ فِيما يُفْضِي إلَيْها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ.

وقَوْلُهُ ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أيْ لِلشَّيْخُوخَةِ غايَةٌ وهي الأجَلُ المُسَمّى أيِ المَوْتُ فَلا طَوْرَ بَعْدَ الشَّيْخُوخَةِ. وأمّا الأجَلُ المُقَدَّرُ لِلَّذِينَ يَهْلِكُونَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغُوا الشَّيْخُوخَةَ فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أنَّ مِن قَبْلِ بَعْضِ هَذِهِ الأطْوارِ، أيْ يُتَوَفّى قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلًا وهو السَّقْطُ أوْ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الأشُدَّ، أوْ يُتَوَفّى قَبْلَ أنْ يَكُونَ شَيْخًا.

ولِتَعَلُّقِهِ بِما يَلِيهِ خاصَّةً عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ ولَمْ يُعْطَفْ بِـ ثُمَّ كَما عُطِفَتِ المَجْرُوراتُ الأُخْرى، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ انْقِراضَ الأجْيالِ وخَلَقَها بِأجْيالٍ أُخْرى، فالحَيُّ غايَتُهُ الفَناءُ وإنْ طالَتْ حَياتُهُ، ولَمّا خَلَقَهُ عَلى حالَةٍ تَئُولُ إلى الفَناءِ لا مَحالَةَ كانَ عالِمًا بِأنَّ مِن جُمْلَةِ الغاياتِ في ذَلِكَ الخَلْقِ أنْ يَبْلُغُوا أجَلًا.

وبُنِيَ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ عَلى نِيَّةِ مَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مِن قَبْلِ ما ذُكِرَ. والأشُدُّ: القُوَّةُ في البَدَنِ، وهو ما بَيْنَ ثَمانِ عَشْرَةَ إلى الثَلاثِينَ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ.

وشُيُوخٌ: جَمْعُ شَيْخٍ، وهو مَن بَلَغَ سِنَّ الخَمْسِينَ إلى الثَّمانِينَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في سُورَةِ هُودٍ.

ويَجُوزُ في شُيُوخٍ ضَمُّ الشِّينِ. وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ. ويَجُوزُ كَسْرُ الشِّينِ وبِهِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ،، والكِسائِيُّ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ أيْ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى الحالَةِ المُبَيَّنَةِ، أنْ تَكُونَ في تِلْكَ الخِلْقَةِ دَلالَةٌ لِآحادِهِ عَلى وُجُودِ هَذا الخالِقِ الخَلْقَ البَدِيعَ، وعَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وعَلى أنَّ ما عَداهُ لا يَسْتَحِقُّ وصْفَ الإلَهِيَّةِ، فَمَن عَقَلَ ذَلِكَ مِنَ النّاسِ فَقَدِ اهْتَدى إلى ما أُرِيدَ مِنهُ ومَن لَمْ يَعْقِلْ ذَلِكَ فَهو بِمَنزِلَةِ عَدِيمِ العَقْلِ. ولِأجْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُؤْتَ

صفحة ١٩٩

لِفِعْلِ تَعْقِلُونَ بِمَفْعُولٍ ولا بِمَجْرُورٍ لِأنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ رَجاءَ أنْ يَكُونَ لَكم عُقُولٌ فَهو مُرادٌ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ الخَلْقِ فَمِن حِكْمَتِهِ أنْ جَعَلَ الخَلْقَ العَجِيبَ عِلَّةً لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском