Ibn 'AshurGhafir · 40:78–81

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:78–81

40:78Page 476

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨

And We have already sent messengers before you. Among them are those [whose stories] We have related to you, and among them are those [whose stories] We have not related to you. And it was not for any messenger to bring a sign [or verse] except by permission of Allāh. So when the command of Allāh comes, it will be concluded [i.e., judged] in truth, and the falsifiers will thereupon lose [all].

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ .

ذَكَرْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] في أوَّلِ هَذِهِ

صفحة ٢١٠

السُّورَةِ أنَّ مِن صُوَرِ مُجادَلَتِهِمْ في الآياتِ إظْهارَهم عَدَمَ الِاقْتِناعِ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ فَكانُوا يَقْتَرِحُونَ آياتٍ كَما يُرِيدُونَ لِقَصْدِهِمْ إفْحامَ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا انْقَضى تَفْصِيلُ الإبْطالِ لِضَلالِهِمْ بِالأدِلَّةِ البَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ والإنْذارِ بِالتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ وضَرْبِ الأمْثالِ بِأحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ثُمَّ بِوَعْدِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وتَحْقِيقِ الوَعْدِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ ما كانَ شَأْنُهُ إلّا شَأْنَ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ أنْ لا يَأْتُوا بِالآياتِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ ولا اسْتِجابَةً لِرَغائِبِ مُعانِدِيهِمْ ولَكِنَّها الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ يُظْهِرُ ما شاءَ مِنها بِمُقْتَضى إرادَتِهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى خَطَأِ ظَنِّهِمْ أنَّ الرُّسُلَ تَنْتَصِبُ لِمُناقَشَةِ المُعانِدِينَ.

فالمَقْصُودُ الأهَمُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ إلَخْ فَهو كَمُقَدَّمَةٍ لِلْمَقْصُودِ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وهو مَعَ ذَلِكَ يُفِيدُ بِتَقْدِيمِهِ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا مِن رَدِّ مُجادَلَتِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ويَقُولُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] فَدُمِغَتْ مَزاعِمُهم بِما هو مَعْلُومٌ بِالتَّواتُرِ مِن تَكَرُّرِ بِعْثَةِ الرُّسُلَ في العُصُورِ والأُمَمِ الكَثِيرَةِ.

وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ رُسُلًا وأنْبِياءَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى لِأنَّ مِنهم مَن أعْلَمَ اللَّهُ بِهِمْ نَبِيئَهُ ﷺ ومِنهم مَن لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِمْ إذْ لا كَمالَ في الإعْلامِ بِمَن لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِمْ، والَّذِينَ أعْلَمَهُ بِهِمْ مِنهم مَن قَصَّهُ في القُرْآنِ، ومِنهم مَن أعْلَمَهُ بِهِمْ بِوَحْيٍ غَيْرِ القُرْآنِ فَوَرَدَ ذِكْرُ بَعْضِهِمْ في الآثارِ الصَّحِيحَةِ بِتَعْيِينٍ أوْ بِدُونِ تَعْيِينٍ، فَفي الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيئًا اسْمُهُ عَبُّودٌ عَبْدًا أسْوَدَ» وفي الحَدِيثِ «ذِكْرُ: حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ نَبِيِّ أهْلِ الرَّسِّ»، وذِكْرُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ نَبِيِّ بَنِي عَبْسٍ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ نَبِيئًا لَسَعَتْهُ نَمْلَةٌ فَأحْرَقَ قَرْيَتَها فَعُوتِبَ في ذَلِكَ»، ولا يَكادُ النّاسُ يُحْصُونَ عَدَدَهم لِتَباعُدِ أزْمانِهِمْ وتَكاثُرِ أُمَمِهِمْ وتَقاصِي أقْطارِهِمْ مِمّا لا تُحِيطُ بِهِ عُلُومُ النّاسِ ولا تَسْتَطِيعُ إحْصاءَهُ أقْلامُ المُؤَرِّخِينَ وأخْبارُ القَصّاصِينَ وقَدْ حَصَلَ مِنَ العِلْمِ بِبَعْضِهِمْ وبَعْضِ أُمَمِهِمْ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِتَحْصِيلِ العِبْرَةِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

صفحة ٢١١

وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ تَسْمِيَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَسُولًا وهم: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ويُوسُفُ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ومُوسى، وهارُونُ، وعِيسى، ويُونُسُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ واثْنا عَشَرَ نَبِيئًا وهم: داوُدُ وسُلَيْمانُ وأيُّوبُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وإلْياسُ واليَسَعُ وإدْرِيسُ وآدَمُ وذُو الكِفْلِ، وذُو القَرْنَيْنِ، ولُقْمانُ، ونَبِيئَةٌ وهي مَرْيَمُ. ووَرَدَ بِالإجْمالِ دُونَ تَسْمِيَةٍ صاحِبُ مُوسى المُسَمّى في السُّنَّةِ خَضْراءَ ونَبِيءُ بَنِي إسْرائِيلَ وهو صَمْوِيلُ، وتُبَّعٌ.

ولَيْسَ المُسْلِمُونَ مُطالَبِينَ بِأنْ يَعْلَمُوا غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَكِنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ ذُكِرُوا في القُرْآنِ بِصَرِيحِ وصْفِ النُّبُوءَةِ يَجِبُ الإيمانُ بِنُبُوءَتِهِمْ لِمَن قَرَأ الآياتِ الَّتِي ذُكِرُوا فِيها وعِدَّتُهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ بَيْنَ رَسُولٍ ونَبِيءٍ، وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] إلى قَوْلِهِ ولُوطًا عَلى أسْماءِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِنهم وذُكِرَ أسْماءُ سَبْعَةٍ آخَرِينَ في آياتٍ أُخْرى وقَدْ جَمَعَها مَن قالَ:

حَتْمٌ عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ بِأنْبِياءَ عَلى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا

فِي تِلْكَ حُجَّتُنا مِنهم ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ مِن بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقى سَبْعَةٌ وهُمْ

إدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صالِحٌ وكَذا ∗∗∗ ذُو الكِفْلِ آدَمُ بِالمُخْتارِ قَدْ خُتِمُوا

واعْلَمْ أنَّ في كَوْنِ يُوسُفَ رَسُولًا تَرَدُّدًا بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّ في نُبُوَّةِ الخِضْرِ ولُقْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ ومَرْيَمَ تَرَدُّدًا. واخْتَرْتُ إثْباتَ نُبُوَّتِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ في بَعْضِهِمْ أنَّهُ خاطَبَهم، وذَكَرَ في بَعْضِهِمْ أنَّهُ أُوتِيَ الحِكْمَةَ وقَدِ اشْتُهِرَتْ في النُّبُوءَةِ، وفي بَعْضِهِمْ أنَّهُ كَلَّمَتْهُ المَلائِكَةُ. ولا يَجِبُ الإيمانُ إلّا بِوُقُوعِ الرِّسالَةِ والنُّبُوءَةِ عَلى الإجْمالِ.

ولا يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ الإيمانُ بِنُبُوءَةِ رِسالَةِ مُعَيَّنٍ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ، أوْ مَن بَلَغَ العِلْمُ بِنُبُوءَتِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَبْلَغَ اليَقِينِ لِتَواتُرِهِ مِثْلَ مُوسى وعِيسى وإبْراهِيمَ ونُوحٍ.

ولَكِنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى ذِكْرِ نُبُوءَةِ نَبِيءٍ بِوَصْفِهِ ذَلِكَ في القُرْآنِ صَرِيحًا وجِيءَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِما عَلِمَهُ.

صفحة ٢١٢

وما ثَبَتَ بِأخْبارِ الآحادِ لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّ الِاعْتِقاداتِ لا تَجِبُ بِالظَّنِّ ولَكِنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لا وُجُوبَ اعْتِقادٍ.

وتَنْكِيرُ رُسُلًا مُفِيدٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ، أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا عَدَدُهم كَثِيرٌ وشَأْنُهم عَظِيمٌ.

وعَطْفُ وما كانَ لِرَسُولٍ إلَخْ بِالواوِ دُونَ الفاءِ يُفِيدُ اسْتِقْلالَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِنَفْسِها لِما فِيها مِن مَعْنًى عَظِيمٍ حَقِيقٍ بِأنْ لا يَكُونَ تابِعًا لِغَيْرِهِ، ويُكْتَفى في الدَّلالَةِ عَلى ارْتِباطِ الجُمْلَتَيْنِ بِمَوْقِعِ إحْداهُما مِنَ الأُخْرى.

والآيَةُ: المُعْجِزَةُ، وإذْنُ اللَّهِ: هو أمْرُ التَّكْوِينِ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ بِهِ خارِقَ العادَةِ لِيَجْعَلَهُ عَلامَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ.

ومَعْنى إتْيانِ الرَّسُولِ بِآيَةٍ: هو تَحَدِّيهِ إلى قَوْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سَيُؤَيِّدُهُ بِآيَةٍ يُعَيِّنُها مِثْلَ قَوْلٍ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] وقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] الآيَةَ.

وقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيها فَيَكُونُ طائِرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]“ وقَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .

فالباءُ في (بِآيَةٍ) باءُ التَّعْدِيَةِ لِفِعْلِ أنْ يَأْتِيَ وأمّا الباءُ في (﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾) فَهي باءُ السَّبَبِيَّةِ دَخَلَتْ عَلى مُسْتَثْنًى مِن أسْبابٍ مَحْذُوفَةٍ في الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

وهَذا إبْطالٌ لِما يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِنَ المُقْتَرَحاتِ والتَّعِلّاتِ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ أيْ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ بِإظْهارِ الرَّسُولِ آيَةً ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ وكانَ ذَلِكَ قَضاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ بِالحَقِّ عَلى مُكَذِّبِيهِ، فَإذْنُ اللَّهِ هو أمْرُهُ التَّكْوِينِيُّ بِخَلْقِ آيَةٍ وظُهُورِها.

وقَوْلُهُ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الأمْرُ: القَضاءُ والتَّقْدِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلُهُ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] وهو الحَدَثُ القاهِرُ لِلنّاسِ كَما في

صفحة ٢١٣

قَوْلِ عُمَرَ لَمّا قالَ لَهُ أبُو قَتادَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ما شَأْنُ النّاسِ حِينَ انْهَزَمُوا وفَرُّوا قالَ عُمَرُ أمْرُ اللَّهِ.

وفِي العُدُولِ عَنْ: إذْنِ اللَّهِ، إلى أمْرِ اللَّهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما سَيُظْهِرُهُ اللَّهُ مِنَ الإذْنِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ هي آياتُ عِقابٍ لِمُعانِدِيهِ، فَمِنها: آيَةُ الجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى أكَلُوا المَيْتَةَ، وآيَةُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ إذِ اسْتَأْصَلَ صَنادِيدَ المُكَذِّبِينَ مِن أهْلِ الطّائِفِ، وآيَةُ الأحْزابِ الَّتِي قالَ عَنْها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] ثُمَّ قالَ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .

﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] .

وفِي إيثارِ قُضِيَ بِالحَقِّ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِن نَحْوِ: ظَهَرَ الحَقُّ، أوْ تَبَيَّنَ الصِّدْقُ، تَرْشِيحٌ لِما في قَوْلِهِ أمْرُ اللَّهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ أمْرُ انْتِصافٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ.

ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ خَسِرَ الَّذِينَ جادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ.

والخُسْرانُ: مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الضُّرِّ لِمَن أرادَ النَّفْعَ، كَخَسارَةِ التّاجِرِ الَّذِي أرادَ الرِّبْحَ فَذَهَبَ رَأْسُ مالِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وهُنالِكَ أصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإشارَةِ إلى الزَّمانِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِـ إذا في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ .

وفِي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ نُكْتَةٌ بَدِيعِيَّةٌ وهي الإيماءُ إلى أنَّ المُبْطِلِينَ مِن قُرَيْشٍ سَتَأْتِيهِمُ الآيَةُ في مَكانٍ مِنَ الأرْضِ وهو مَكانُ بَدْرٍ وغَيْرُهُ مِن مَواقِعِ إعْمالِ السَّيْفِ فِيهِمْ

صفحة ٢١٤

فَكانَتْ آياتُ مُحَمَّدٍ ﷺ حُجَّةً عَلى مُعانَدِيهِ أقْوى مِنَ الآياتِ السَّماوِيَّةِ نَحْوَ الصَّواعِقِ أوِ الرِّيحِ، وعَنِ الآياتِ الأرْضِيَّةِ نَحْوَ الغَرَقِ والخَسْفِ لِأنَّها كانَتْ مَعَ مُشارَكَتِهِمْ ومُداخَلَتِهِمْ حَتّى يَكُونَ انْغَلابُهم أقْطَعَ لِحُجَّتِهِمْ وأخْزى لَهم نَظِيرَ آيَةِ عَصا مُوسى مَعَ عِصِيِّ السَّحَرَةِ.

40:79–80Page 476

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩

It is Allāh who made for you the grazing animals upon which you ride, and some of them you eat.

وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٨٠

And for you therein are [other] benefits and that you may realize upon them a need which is in your breasts;1 and upon them and upon ships you are carried.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ .

انْتِقالٌ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِما سَخَّرَ لِأجْلِهِمْ مِن نِظامِ العَوالِمِ العُلْيا والسُّفْلى، وبِما مَنَحَهم مِنَ الإيجادِ وتَطَوُّرِهِ وما في ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ بِهِمْ وما أدْمَجَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ فَكَيْفَ يَنْصَرِفُ عَنْ عِبادَتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ آلِهَةً أُخْرى، إلى الِامْتِنانِ بِما سَخَّرَ لَهم مِنَ الإبِلِ لِمَنافِعِهِمُ الجَمَّةِ خاصَّةٍ وعامَّةٍ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سادِسٌ.

والقَوْلُ في افْتِتاحِها كالقَوْلِ في افْتِتاحِ نَظائِرِها السّابِقَةِ بِاسْمِ الجَلالَةِ أوْ بِضَمِيرِهِ.

والأنْعامُ: الإبِلُ، والغَنَمُ، والمَعْزُ، والبَقَرُ. والمُرادُ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً لِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً﴾ وقَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وكانَتِ الإبِلُ غالِبَ مَكاسِبِهِمْ.

والجَعْلُ: الوَضْعُ والتَّمْكِينُ والتَّهْيِئَةُ، فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَقامٍ عَلى ما يُناسِبُهُ وفائِدَةُ الِامْتِنانِ تَقْرِيبُ نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ المُرُوءَةِ الِاسْتِحْياءُ مِنَ المُنْعِمِ.

وأُدْمِجَ في الِامْتِنانِ اسْتِدْلالٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ وبَلِيغِ الحِكْمَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ في ذَلِكَ كُلِّهِ.

صفحة ٢١٥

واللّامُ في لَكم لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِكم وهو امْتِنانٌ مُجْمَلٌ يَشْمَلُ بِالتَّأمُّلِ كُلَّ ما في الإبِلِ لَهم مِن مَنافِعَ وهم يَعْلَمُونَها إذا تَذَكَّرُوها وعَدُّوها.

ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ الإجْمالَ بَعْضَ التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ المُهِمِّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي في الإبِلِ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ إلى تُحْمَلُونَ.

فاللّامُ في ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ جَعَلَ أيْ لِرُكُوبِكم.

ومِن في المَوْضِعَيْنِ هُنا لِلتَّبْعِيضِ وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن أيْ بَعْضًا مِنها، وهو ما أُعِدَّ لِلْأسْفارِ مِنَ الرَّواحِلِ. ويَتَعَلَّقُ حَرْفُ مِن بِ تَرْكَبُوا، وتَعَلُّقُ مِنِ التَّبْعِيَّضِيَّةِ بِالفِعْلِ تَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ وهو الَّذِي دَعا التَّفْتَزانِيَّ إلى القَوْلِ بِأنَّ مِن في مِثْلِهِ اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأُرِيدَ بِالرُّكُوبِ هُنا الرُّكُوبُ لِلرّاحَةِ مِن تَعَبِ الرِّجْلَيْنِ في الحاجَةِ القَرِيبَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ .

وجُمْلَةُ ومِنها تَأْكُلُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأنْعامِ، أوْ عَطْفٌ عَلى المَعْنى مِن جُمْلَةِ لِتَرْكَبُوا مِنها لِأنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: تَرْكَبُونَ مِنها، عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ فَهي في حَيِّزِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ كَيْ فَمَعْناها: ولِتَأْكُلُوا مِنها.

وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، والمَعْنى أيْضًا عَلى اعْتِبارِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِتَجْتَنُوا مَنافِعَها المَجْعُولَةَ لَكم وإنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّعْلِيلِ تَفَنُّنًا في الكَلامِ وتَنْشِيطًا لِلسّامِعِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ تِكْراراتٍ كَثِيرَةً.

والمَنافِعُ: جَمْعُ مَنفَعَةٍ، وهي مَفْعَلَةٌ مِنَ النَّفْعِ، وهي: الشَّيْءُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، أيْ يُسْتَصْلَحُ بِهِ.

فالمَنافِعُ في هَذِهِ الآيَةِ أُرِيدَ بِها ما قابَلَ مَنافِعَ أكْلِ لُحُومِها في

صفحة ٢١٦

قَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِثْلَ الِانْتِفاعِ بِأوْبارِها وألْبانِها وأثْمانِها وأعْواضِها في الدِّياتِ والمُهُورِ، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِجُلُودِها بِاتِّخاذِها قِبابًا وغَيْرَها وبِالجُلُوسِ عَلَيْها، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِجَمالِ مَرْآها في العُيُونِ في المَسْرَحِ والمَراحِ، والمَنافِعُ شامِلَةٌ لِلرُّكُوبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾، فَذِكْرُ المَنافِعِ بَعْدَ لِتَرْكَبُوا مِنها تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨]، فَذَكَرَ هُنا الشّائِعَ المَطْرُوقَ عِنْدَهم، ثُمَّ ذَكَر مَثِيلَهُ في الشُّيُوعِ وهو الأكْلُ مِنها، ثُمَّ عادَ إلى عُمُومِ المَنافِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِنَ المَنافِعِ الأسْفارَ فَإنَّ اشْتِدادَ الحاجَةِ إلى الأنْعامِ فِيها تَجْعَلُ الِانْتِفاعَ بِرُكُوبِها لِلسَّفَرِ في مَحَلِّ الِاهْتِمامِ.

ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في أجْزاءِ الأنْعامِ جِيءَ في مُتَعَلِّقِها بِحَرْفِ في دُونَ مِن لِأنَّ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ فَتَشْمَلُ كُلَّ ما يُعَدُّ كالشَّيْءِ المُحَوِّي في الأنْعامِ، كَقَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ يَذْكُرُ ما أخَذَهُ مِنَ الإبِلِ في دِيَةِ قَرِيبٍ:

نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ

وأنْبَأ فِعْلُ لِتَبْلُغُوا أنَّ الحاجَةَ الَّتِي في الصُّدُورِ حاجَةٌ في مَكانٍ بَعِيدٍ يَطْلُبُها صاحِبُها.

والحاجَةُ: النِّيَّةُ والعَزِيمَةُ.

والصُّدُورُ أُطْلِقَ عَلى العُقُولِ اتِّباعًا لِلْمُتَعارَفِ الشّائِعِ كَما يُطْلَقُ القُلُوبُ عَلى العُقُولِ.

وأعْقَبَ الِامْتِنانَ بِالأنْعامِ بِالِامْتِنانِ بِالفُلْكِ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ فَقالَ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِامْتِنانِ بِجَعْلِ الأنْعامِ، إلى الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ الرُّكُوبِ في الفُلْكِ في البِحارِ والأنْهارِ فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وأمّا قَوْلُهُ وعَلَيْها فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ وهو اعْتِراضٌ بِالواوِ الِاعْتِراضِيَّةِ تَكْرِيرًا لِلْمِنَّةِ، عَلى أنَّهُ قَدْ يَشْمَلُ حَمْلَ الأثْقالِ عَلى الإبِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] فَيَكُونُ إسْنادُ الحَمْلِ إلى ضَمِيرِ النّاسِ تَغْلِيبًا.

صفحة ٢١٧

وُوَجْهُ الِامْتِنانِ بِالفُلْكِ أنَّهُ امْتِنانٌ بِما رَكَّبَ اللَّهُ في الإنْسانِ مِنَ التَّدْبِيرِ والذَّكاءِ الَّذِي تَوَصَّلَ بِهِ إلى المُخْتَرَعاتِ النّافِعَةِ بِحَسْبِ مُخْتَلَفِ العُصُورِ والأجْيالِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ لَآياتٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وبَيَّنّا هُنالِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأحْمَرَ في التِّجارَةِ ويَرْكَبُونَ الأنْهارَ أيْضًا قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الفُراتَ:

يَظَلُّ مِن خَوْفِهِ المَلّاحُ مُعْتَصِمًا ∗∗∗ بِالخَيْزُرانَةِ بَعْدَ الأيْنِ والنَّجَدِ

والجَمْعُ بَيْنَ السَّفَرِ بِالإبِلِ والسِّفْرِ بِالفُلْكِ جَمْعٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ الإبِلَ سَفائِنُ البَرِّ، وقَدِيمًا سَمَّوْها بِذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.

وإنَّما قالَ وعَلى الفُلْكِ ولَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ، كَما قالَ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِلْمُزاوَجَةِ والمُشاكَلَةِ مَعَ (وعَلَيْها)، وإنَّما أُعِيدَ حِرَفُ عَلى في الفُلْكِ لِأنَّها هي المَقْصُودَةُ بِالذِّكْرِ وكانَ ذِكْرُ وعَلَيْها كالتَّوْطِئَةِ لَها فَجاءَتْ عَلى مِثالِها.

وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِما هو المَقْصُودُ في السِّياقِ.

وتَقْدِيمُ لَكم عَلى الأنْعامِ مَعَ أنَّ المَفْعُولَ أشَدُّ اتِّصالًا بِفِعْلِهِ مِنَ المَجْرُورِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.

وأمّا تَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ فَلِلِاهْتِمامِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ والمُنْعِمِ بِها لِأنَّهُ الغَرَضُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ .

40:81Page 476

وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَأَيَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١

And He shows you His signs. So which of the signs of Allāh do you deny?

﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ .

عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ (لَكُمُ) الأنْعامَ أيِ اللَّهُ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ. وهَذا انْتِقالٌ مِن مُتَعَدَّدِ الِامْتِنانِ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١]، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ [غافر: ٧٩]، فَإنَّ تِلْكَ ذُكِرَتْ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ تَذْكِيرًا

صفحة ٢١٨

بِالشُّكْرِ، فَنَبَّهَ هُنا عَلى أنَّ في تِلْكَ المِنَنِ آياتٍ دالَّةً عَلى ما يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ مُفِيدًا مُفادَ التَّذْيِيلِ لِما في قَوْلِهِ (آياتِهِ) مِنَ العُمُومِ لِأنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ بِالإضافَةِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، أيْ يُرِيكم آياتِهِ في النِّعَمِ المَذْكُوراتِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ونَبْذِ المُكابَرَةِ فِيما يَأْتُونَهم بِهِ مِن آياتِ صِدْقِهِمْ.

وقَدْ جِيءَ في جانِبِ إراءَةِ الآياتِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ لِأنَّ الإنْسانَ كُلَّما انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ عَلِمَ ما في ذَلِكَ مِن دَلالَةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ خالِقِها وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ.

والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، عُبِّرَ بِها عَنِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ إذْ كانَ طَرِيقُ ذَلِكَ العِلْمِ هو مُشاهَدَةُ تِلْكَ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ فَمِن تِلْكَ المُشاهَدَةِ يَنْتَقِلُ العَقْلُ إلى الِاسْتِدْلالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَلالَةَ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ بُرْهانِيَّةٌ تَنْتَهِي إلى اليَقِينِ والضَّرُورَةِ.

وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِها، والإرْشادِ إلى إجادَةِ النَّظَرِ العَقْلِيِّ في دَلائِلِها، وأمّا كَوْنُها جائِيَةً مِن لَدُنِ اللَّهِ وكَوْنُ إضافَتِها مِنَ الإضافَةِ إلى ما هو في مَعْنى الفاعِلِ، فَذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَفادٌ مِن إسْنادِ فِعْلِ يُرِيكم إلى ضَمِيرِهِ تَعالى.

وفُرِّعَ عَلى إراءَةِ الآياتِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ إنْكارِهِمْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ.

وأيُّ: اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُطْلَبُ بِهِ تَمْيِيزُ شَيْءٍ عَنْ مُشارِكِهِ فِيما يُضافُ إلَيْهِ أيٌّ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن آياتِ اللَّهِ يُمْكِنُ أنْ يُنْكَرَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُفِيدُ أنَّ جَمِيعَ الآياتِ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ لا مَساغَ لِادِّعاءِ خَفائِهِ وأنَّهم لا عُذْرَ لَهم في عَدَمِ الِاسْتِفادَةِ مِن إحْدى الآياتِ.

صفحة ٢١٩

والأكْثَرُ في اسْتِعْمالِ أيٍّ إذا أُضِيفَتْ إلى اسْمٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ أنْ لا تَلْحَقَها هاءُ التَّأْنِيثِ اكْتِفاءً بِتَأْنِيثِ ما تُضافُ إلَيْهِ لِأنَّ الغالِبَ في الأسْماءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصِفاتٍ أنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالهاءِ نَحْوَ حِمارٍ، فَلا يُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ حِمارَةٌ. وأيُّ: اسْمٌ ويَزِيدُ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ فَلا يُفَسِّرُهُ إلّا المُضافُ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ قالَ هُنا ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ: فَأيَّةَ آياتِ اللَّهِ، لِأنَّ إلْحاقَ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ بِأيٍّ في مِثْلِ هَذا قَلِيلٌ، ومِن غَيْرِ الغالِبِ تَأْنِيثُ أيٍّ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:

بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسُبُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском