Ibn 'AshurFussilat · 41:18–24

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:18–24

41:18Page 478

وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨

And We saved those who believed and used to fear Allāh.

﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

الأظْهَرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى التَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت: ١٥] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] لِأنَّ مَوْقِعَ هاتِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ إنْجاءَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَذابُ عادٍ وعَذابُ ثَمُودَ يُشِيرُ إلى أنَّ المَعْنى إنْجاءُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ ثَمُودَ، فَمَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيهِ مَعْنى اسْتِثْناءٍ مِن عُمُومِ أُمَّتَيْ عادٍ وثَمُودَ فَيَكُونُ لَها حُكْمُ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاقِبَةٍ أنَّهُ يَعُودُ إلى جَمِيعِها

صفحة ٢٦٤

فَإنَّ جُمْلَتَيِ التَّفْصِيلِ هُما المَقْصُودُ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٥٨]، وقالَ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٦٦]، وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ هُودٍ كَيْفَ أنْجى اللَّهُ هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وصالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.

وقَوْلُهُ (﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾)، أيْ كانَ سُنَّتُهُمُ اتِّقاءَ اللَّهِ والنَّظَرَ فِيما يُنْجِي مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، وهو أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يُقالَ: والمُتَّقِينَ.

41:19–20Page 478

وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩

And [mention, O Muḥammad], the Day when the enemies of Allāh will be gathered to the Fire while they are [driven], assembled in rows,

حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠

Until, when they reach it, their hearing and their eyes and their skins will testify against them of what they used to do.

”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]“ .

لَمّا فَرَغَ مِن مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ بِحالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ مِن قَبْلِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ لِيَكُونَ لَهم ذَلِكَ عِبْرَةً فَإنَّ لِاسْتِحْضارِ المُثُلِ والنَّظائِرِ أثَرًا في النَّفْسِ تَعْتَبِرُ بِهِ ما لا تَعْتَبِرُ بِتَوَصُّفِ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، انْتَقَلَ إلى إنْذارِهِمْ بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ فَجُمْلَةُ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾“ الآياتِ، مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً الآياتِ. والتَّقْدِيرُ: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ. ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً إلَخْ، أيْ وأنْذِرْهم يَوْمَ عِقابِ الآخِرَةِ.

وأعْداءُ اللَّهِ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِأنَّهم أعْداءُ رَسُولِهِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] يَعْنِي المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، ولِأنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ كِتابِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهم بِتَهَيُّؤِ النَّبِيءِ ﷺ لِغَزْوِ مَكَّةَ ولِقَوْلِهِ في آخِرِ هَذِهِ الآياتِ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .

صفحة ٢٦٥

ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ أعْداءِ اللَّهِ جَمِيعُ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ دُخُولَ البَعْضِ في العُمُومِ لِأنَّ ذَلِكَ المَحْمِلَ لا يَكُونُ لَهُ مَوْقِعٌ رَشِيقٌ في المَقامِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مَن ذِكْرِ ما أصابَ عادًا وثَمُودَ هو تَهْدِيدُ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِحُلُولِ عَذابٍ مِثْلِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوهُ ورَأوْا آثارَهُ فَلِلتَّهْدِيدِ بِمِثْلِهِ مَوْقِعٌ لا يَسَعُهُمُ التَّغافُلُ عَنْهُ، وأمّا عَذابُ عادٍ وثَمُودَ في الآخِرَةِ فَهو مَوْعُودٌ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يُناسِبُ أنْ يُجْعَلَ مَوْعِظَةً لِقُرَيْشٍ بَلِ الأجْدَرُ أنْ يَقَعَ إنْذارُ قُرَيْشٍ رَأْسًا بِعَذابٍ يُعَذَّبُونَهُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ أُطِيلَ وصْفُهُ لِتَهْوِيلِهِ ما لَمْ يُطَلْ بِمِثْلِهِ حِينَ التَّعَرُّضِ لِعَذابِ عادٍ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ [فصلت: ١٦]) المُكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ عَذابِ ثَمُودَ. ولِهَذا فَلَيْسَ في قَوْلِهِ (أعْداءَ اللَّهِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ مِن ضَمِيرِ عادٍ وثَمُودَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾“ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ”واذْكُرْ“ مَحْذُوفًا مِثْلَ نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ.

والحَشْرُ: جَمْعُ النّاسِ في مَكانٍ لِمَقْصِدٍ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ إلى النّارِ بِـ ”نَحْشُرُ“ لِتَضْمِينِ ”نَحْشُرُ“ مَعْنى: نُرْسِلُ، أيْ نُرْسِلُهم إلى النّارِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ فَهم يُوزَعُونَ عَطْفٌ وتَفْرِيعٌ عَلى ”نَحْشُرُ“ لِأنَّ الحَشْرَ يَقْتَضِي الوَزْعَ إذْ هو مِن لَوازِمِهِ عُرْفًا، إذِ الحَشْرُ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ عَدَدِ المَحْشُورِينَ، وكَثْرَةُ العَدَدِ تَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلاطَ وتَداخُلَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ فَلا غِنى لَهم عَنِ الوَزْعِ لِتَصْفِيفِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.

والوَزْعُ: كَفُّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ومَنعُهم مِنَ الفَوْضى، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ المَحْشُورِينَ.

وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ ”نَحْشُرُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”أعْداءَ“، وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ.

وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ وهي مُفِيدَةٌ لِمَعْنى الغايَةِ فَهي حِرَفُ انْتِهاءٍ في المَعْنى وحَرْفُ

صفحة ٢٦٦

ابْتِداءٍ في اللَّفْظِ، أيْ أنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.

وإذا ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِهِ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَعْدَ إذا تُفِيدُ تَوْكِيدَ مَعْنى إذا مِنَ الِارْتِباطِ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ إذا سَواءٌ كانَتْ شَرْطِيَّةً كَما في هَذِهِ الآيَةِ أمْ كانَتْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ، ويَظْهَرُ أنَّ وُرُودَ ما بَعْدَ إذا يُقَوِّي مَعْنى الشَّرْطِ في إذا، ولَعَلَّهُ يَكُونُ مَعْنى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ نَصًّا احْتِمالًا.

وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ الغائِبِ في جاءُوها عائِدٌ إلى النّارِ، أيْ إذا وصَلُوا إلى جَهَنَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهُمُ﴾ إلَخْ يَقْتَضِي كَلامُ المُفَسِّرِينَ أنَّها جَوابُ إذا، فاقْتَضى الِارْتِباطُ بَيْنَ شَرْطِها وجَوابِها وتَعْلِيقِها بِفِعْلِ الجَوابِ. واسْتَشْعَرُوا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِمْ تَكُونُ قَبْلَ أنْ يُوَجَّهُوا إلى النّارِ، فَقَدَّرُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وسُئِلُوا عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَ فَأنْكَرُوا فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، يَعْنِي: سَألَهم خَزَنَةُ النّارِ.

وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ أنْ نَقُولَ: إنَّ جَوابَ إذا مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم إلى آخِرِها مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ مَفادِ حَتّى مِنَ الغايَةِ لِأنَّ السّائِلَ يَتَطَلَّبُ ماذا حَصَلَ بَيْنَ حَشْرِهِمْ إلى النّارِ وبَيْنَ حُضُورِهِمْ عِنْدَ النّارِ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم إلى قَوْلِهِ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّهم حُوسِبُوا عَلى أعْمالِهِمْ وأنْكَرُوها فَشَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم وأجْسادُهم.

أوْ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] إلَخْ.

وجُمْلَةُ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهُمْ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ.

وشَهادَةُ جَوارِحِهِمْ وجُلُودِهِمْ عَلَيْهِمْ: شَهادَةُ تَكْذِيبٍ وافْتِضاحٍ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ شَهادَةً يَقْتَضِي أنَّهم لَمّا رَأوُا النّارَ اعْتَذَرُوا بِإنْكارِ بَعْضِ ذُنُوبِهِمْ طَمَعًا في تَخْفِيفِ

صفحة ٢٦٧

العَذابِ وإلّا فَقَدَ عَلِمَ اللَّهُ ما كانُوا يَصْنَعُونَ وشَهِدَتْ بِهِ الحَفَظَةُ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ كِتابُهم، وما أُحْضِرُوا لِلنّارِ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَتْ إدانَتُهم، فَما كانَتْ شَهادَةُ جَوارِحِهِمْ إلّا زِيادَةَ خِزْيٍ لَهم وتَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ في سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ.

وتَخْصِيصُ السَّمْعِ والأبْصارِ والجُلُودِ بِالشَّهادَةِ عَلى هَؤُلاءِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَوارِحِ لِأنَّ لِلسَّمْعِ اخْتِصاصًا بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وتَلَقِّي آياتِ القُرْآنِ، فَسَمْعُهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ولِأنَّ لِلْأبْصارِ اخْتِصاصًا بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ فَذَلِكَ دَلِيلُ وحْدانِيَّتِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وشَهادَةِ الجُلُودِ لِأنَّ الجِلْدَ يَحْوِي جَمِيعَ الجَسَدِ لِتَكُونَ شَهادَةُ الجُلُودِ عَلَيْهِمْ شَهادَةً عَلى أنْفُسِها فَيَظْهَرُ اسْتِحْقاقُها لِلْحَرْقِ بِالنّارِ لِبَقِيَّةِ الأجْسادِ دُونَ اقْتِصارٍ عَلى حَرْقِ مَوْضِعِ السَّمْعِ والبَصَرِ.

ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا في تَوْجِيهِ المَلامَةِ عَلى جُلُودِهِمْ لِأنَّها حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ الحَواسِّ والجَوارِحِ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى شَهادَةِ السَّمْعِ والأبْصارِ والجُلُودِ هُنا بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ النُّورِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، لِأنَّ آيَةَ النُّورِ تَصِفُ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وهُمُ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا تُهْمَةَ الإفْكِ ومَشَوْا في المَجامِعِ يُشِيعُونَها بَيْنَ النّاسِ ويُشِيرُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى مَنِ اتَّهَمُوهُ إفْكًا.

وإنَّما قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا دُونَ أنْ يَقُولُوهُ لِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لِأنَّ الجُلُودَ مُواجِهَةٌ لَهم يَتَوَجَّهُونَ إلَيْها بِالمَلامَةِ.

وإجْراءُ ضَمائِرِ السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ بِصِيغَتَيْ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِأنَّ التَّحاوُرَ مَعَها صَيَّرَها بِحالَةِ العُقَلاءِ يَوْمَئِذٍ. ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ قَوْلُ مَن زَعَمُوا أنَّ الجُلُودَ أُرِيدَ بِها الفُرُوجُ، ونُسِبَ هَذا لِلسُّدِّيِّ والفَرّاءِ، وهو تَعَنُّتٌ في مَحْمِلِ الآيَةِ لا داعِيَ إلَيْهِ بِحالٍ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ بَنى أحْمَدُ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ كِناياتِ الأُدَباءِ فَعَدَّ الجُلُودَ مِنَ الكِناياتِ عَنِ الفُرُوجِ وعَزاهُ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ فَجازَفَ في التَّعْبِيرِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] مُسْتَعْمَلٌ في المَلامَةِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ

صفحة ٢٦٨

جُلُودَهم لِكَوْنِها جُزْءًا مِنهم لا يَحِقُّ لَهم شَهادَتُها عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَجُرُّ العَذابَ إلَيْها.

واسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ في مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ.

وقَوْلُ الجُلُودِ ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٢١] اعْتِذارٌ بِأنَّ الشَّهادَةَ جَرَتْ مِنها بِغَيْرِ اخْتِيارٍ.

وهَذا النُّطْقُ مِن خَوارِقِ العاداتِ كَما هو شَأْنُ العالَمِ الأُخْرَوِيِّ. وقَوْلُهُمُ ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى، ولا عِلاقَةَ لَهُ بِالِاعْتِذارِ، والمَعْنى: الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ نُطْقٌ مِنَ الحَيَوانِ، واخْتِلافُ دَلالَةِ أصْواتِها عَلى وِجْدانِها، فَعُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٌ بِالعُرْفِ.

41:21Page 479

وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١

And they will say to their skins, "Why have you testified against us?" They will say, "We were made to speak by Allāh, who has made everything speak; and He created you the first time, and to Him you are returned.

﴿وهْوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ، والَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها مِن تَمامِ ما أنْطَقَ اللَّهُ بِهِ جُلُودَهم قُتُفِّيَ عَلى مَقالَتِها تَشْهِيرًا بِخَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والمَصِيرَ إلى اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّنْدِيمِ والتَّحْسِيرِ، وهَذا ظاهِرُ كَوْنِ الواوِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ واوَ العَطْفِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِاسْتِحْضارِ حالَتِهِمْ فَإنَّهم ساعَتَئِذٍ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ مُباشَرَةً. وأمّا رُجُوعُهم بِمَعْنى البَعْثِ فَإنَّهُ قَدْ مَضى بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ إحْضارِهِمْ عِنْدَ جَهَنَّمَ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعَ إلى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ وجُمْلَةِ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] مُوَجَّهًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المُشْرِكِينَ الأحْياءِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالبَعْثِ عَقِبَ ذِكْرِ حالِهِمْ في القِيامَةِ انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المَوْعِظَةِ السّابِقَةِ عِنْدَ تَأثُّرِهِمْ بِسَماعِها.

ويَكُونُ فِعْلُ تُرْجَعُونَ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِقْبالِ عَلى أصْلِهِ، والكَلامُ اسْتِدْلالٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ.

صفحة ٢٦٩

قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .

وتَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ تُرْجَعُونَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.

41:22–23Page 479

وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢

And you were not covering [i.e., protecting] yourselves,1 lest your hearing testify against you or your sight or your skins, but you assumed that Allāh does not know much of what you do.

وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

And that was your assumption which you assumed about your Lord. It has brought you to ruin, and you have become among the losers."

﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .

قَلَّ مَن تَصَدّى مِنَ المُفَسِّرِينَ لِبَيانِ اتِّصالِ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَها، ومَن تَصَدّى مِنهم لِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِما فِيهِ مَقْنَعٌ، وأوْلى كَلامٍ في ذَلِكَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ ولَكِنَّهُ وجِيزٌ وغَيْرُ مُحَرَّرٍ وهو وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا سَبَبًا لِنُزُولِها فَزادُوا بِذَلِكَ إشْكالًا وما أبانُوا انْفِصالًا. ولْنَبْدَأْ بِما يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، ثُمَّ نَأْتِي عَلى ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها بِما لا يُفْضِي إلى الِانْفِصامِ.

فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ بِتَمامِها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ، إلَخْ فَتَكُونَ مَشْمُولَةً لِلِاعْتِراضِ مُتَّصِلَةً بِالَّتِي قَبْلَها عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ في الَّتِي قَبْلَها.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً عَنْها: إمّا مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ الآياتِ، وإمّا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ تِلْكَ الجُمْلَةِ وجُمْلَةِ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤]، وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، ومُناسَبَةُ الِاعْتِراضِ ما جَرى مِن ذِكْرِ شَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وجُلُودِهِمْ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ الأحْياءِ في الدُّنْيا، أوْ لِلْمُشْرِكِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ.

وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ في الدُّنْيا تُخْفُونَ شِرْكَكم وتُسْتَرُونَ مِنهُ بَلْ كُنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِهِ وتَفْخَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَماذا لَوْمُكم عَلى جَوارِحِكم وأجْسادِكم أنْ شَهِدَتْ عَلَيْكم بِذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا فالِاسْتِتارُ مُسْتَعْمَلٌ في الإخْبارِ مَجازًا

صفحة ٢٧٠

لِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِتارِ إخْفاءُ الذَّواتِ والَّذِي شَهِدَتْ بِهِ جَوارِحُهم هو اعْتِقادُ الشِّرْكِ والأقْوالِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. وحَرْفُ ما نَفْيٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ إلَخْ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ (تَسْتَتِرُونَ) إلى (أنْ يَشْهَدَ) وهو مَحْذُوفٌ عَلى الطَّرِيقَةِ المَشْهُورَةِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ أنَّ، وتَقْدِيرُهُ: بِحَسَبِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو هُنا يُقَدَّرُ حَرْفُ مِن، أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ مِن شَهادَةِ سَمْعِكم وأبْصارِكم وجُلُودِكم، أيْ ما كُنْتُمْ تُسْتَرُونَ مِن تِلْكَ الشُّهُودِ، وما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ شَهادَتَها، إذْ لا تَحْسَبُونَ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ضائِرٌ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِ يَوْمِ الحِسابِ.

فَأمّا ما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ فَهو حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِأسانِيدَ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٍّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أفْهَمْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ، فَقالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَهو يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ بِهِ نَفَرٌ مُعَيَّنٌ في قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ مَعَ الصَّلاحِيَةِ لِشُمُولِ مَن عَسى أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنهم مِثْلُ هَذا العَمَلِ لِلتَّساوِي في التَّفْكِيرِ.

ويُجْعَلُ مَوْقِعُها بَيْنَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها غَرِيبًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها صادَفَ الوَقْتَ المُوالِيَ لِنُزُولِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في وقْتٍ آخَرَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِوَضْعِها في مَوْضِعِها هَذا لِمُناسَبَةِ ما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها مِن شَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ.

صفحة ٢٧١

ومَعَ هَذا فَهي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ إذْ لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فالآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها عِنْدَ إخْبارِ عَبْدِ اللَّهِ إيّاهُ اهـ. وفي كَلامِهِ الأوَّلِ مُخالَفَةٌ لِما جَزَمَ بِهِ هو وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ كَلامُهُ ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّ النَّفَرَ الثَّلاثَةَ هم: عَبْدُ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ، وصَفْوانُ، ورَبِيعَةُ ابْنا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأمّا عَبْدُ يالِيلَ فَأسْلَمَ ولَهُ صُحْبَةٌ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ وجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وأمّا رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ فَلا يُعْرَفُ لَهُ إسْلامٌ فَلا يُلاقِي ذَلِكَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأحْسَنُ ما في كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ طَرَفُهُ الثّانِي وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها فَإنَّ ذَلِكَ يُئَوِّلُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، ويُبَيِّنُ وجْهَ قِراءَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاها عِنْدَما أخْبَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِأنَّهُ قَرَأها تَحْقِيقًا لِمِثالٍ مِن صُوَرِ مَعْنى الآيَةِ، وهو أنَّ مِثْلَ هَذا النَّفَرِ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وذَلِكَ قاضٍ بِأنَّ هَؤُلاءِ النَّفَرَ كانُوا مُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، والآيَةُ تَحِقُّ عَلى مَن ماتَ مِنهم كافِرًا مِثْلَ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.

وعَلى بَعْضِ احْتِمالاتِ هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ فِعْلُ تَسْتَتِرُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، أيْ تَسْتَتِرُونَ بِأعْمالِكم عَنْ سَمْعِكم وأبْصارِكم وجُلُودِكم، وذَلِكَ تَوْبِيخٌ كِنايَةً عَنْ أنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَ ما هم عَلَيْهِ قَبِيحًا حَتّى يَسْتَتِرُوا مِنهُ.

وعَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ فِيما ذُكِرَ يَكُونُ فِعْلُ تَسْتَتِرُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، ولا يَعُوزُكَ تَوْزِيعُ أصْنافِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ في كُلِّ تَقْدِيرٍ تَفْرِضُهُ.

وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ: أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم ونِيّاتِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها إنْ جَهَرْتُمْ أوْ سَتَرْتُمْ ولَيْسَ اللَّهُ بِحاجَةٍ إلى شَهادَةِ جِوارِحِكم عَلَيْكم وما أوْقَعَكم في هَذا الضُّرِّ إلّا سُوءُ ظَنِّكم بِجَلالِ اللَّهِ.

وذَلِكم ظَنُّكُمُ الإشارَةُ إلى الظَّنِّ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ﴿ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِنَ الإشارَةِ إلَيْهِ تَمْيِيزُهُ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ وتَشْهِيرُ شَناعَتِهِ لِلنِّداءِ عَلى ضَلالِهِمْ.

صفحة ٢٧٢

وأتْبَعَ اسْمَ الإشارَةِ بِالبَدَلِ بِقَوْلِهِ ظَنُّكم لِزِيادَةِ بَيانِهِ لِيَتَمَكَّنَ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو فِعْلُ (أرْداكم) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ.

والَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم صِفَةٌ لِـ (ظَنُّكم)، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أرْداكم وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، أيْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم ظَنًّا باطِلًا.

والعُدُولُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ إلى بِرَبِّكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَلالِ ظَنِّهِمْ، إذْ ظَنُّوا خَفاءَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ عَنْ عِلْمِهِ مَعَ أنَّهُ رَبُّهم وخَلَقَهم فَكَيْفَ يَخْلُقُهم وتَخْفى عَنْهُ أعْمالُهم، وهو يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فَفي وصْفِ بِرَبِّكم إيماءٌ إلى هَذا المَعْنى.

والإرْادَءُ: الإهْلاكُ، يُقالُ: رَدِيَ كَرَضِيَ، إذا هَلَكَ، أيْ ماتَ، والإرْداءُ مُسْتَعارٌ لِلْإيقاعِ في سُوءِ الحالَةِ بِحَيْثُ أصارَهم مِثْلَ الأمْواتِ فَإنَّ ذَلِكَ أقْصى ما هو مُتَعارَفٌ بَيْنَ النّاسِ في سُوءِ الحالَةِ، وفي الإتْيانِ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا إفادَةُ قَصْرٍ، أيْ ما أرْداكم إلّا ظَنُّكم ذَلِكَ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَمْ تُرْدِكم شَهادَةُ جَوارِحِكم حَتّى تَلُومُوها بَلْ أرْداكم ظَنُّكم أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ أعْمالَكم فَلَمْ تَحْذَرُوا عِقابَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إذْ يَحْسَبُونَ أنَّهم وصَلُوا إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِقُّ أنْ يَعْرِفُوهُ مِن شُئُونِ اللَّهِ ووَثِقُوا مِن تَحْصِيلِ سَعادَتِهِمْ، وهم ما عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَعامَلُوا اللَّهَ بِما لا يَرْضاهُ فاسْتَحَقُّوا العَذابَ مِن حَيْثُ ظَنُّوا النَّجاةَ، فَشَبَّهَ حالَهَمْ بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي اسْتَعَدَّ لِلرِّبْحِ فَوَقَعَ في الخَسارَةِ.

والمَعْنى: أنَّهُ نُعِيَ عَلَيْهِمْ سُوءُ اسْتِدْلالِهِمْ وفَسادُ قِياسِهِمْ في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، وقِياسِهِمُ الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، تِلْكَ الأُصُولُ الَّتِي اسْتَدْرَجَتْهم في الضَّلالَةِ فَأحالُوا رِسالَةَ البَشَرِ عَنِ اللَّهِ ونَفَوُا البَعْثَ، ثُمَّ أثْبَتُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وتَفَرَّعَ لَهم مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعُ نَظَرِهِمْ عَمّا وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا وأمْنُهم مِنَ التَّبِعاتِ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَذَلِكَ جِماعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .

صفحة ٢٧٣

واعْلَمْ أنَّ أسْبابَ الضَّلالِ في العَقائِدِ كُلِّها إنَّما تَأْتِي عَلى النّاسِ مِن فَسادِ التَّأمُّلِ وسُرْعَةِ الإيقانِ وعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الصّائِبَةِ والدَّلائِلِ المُشابِهَةِ وكُلُّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الوَهْمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالظَّنِّ السَّيِّئِ، أوِ الباطِلِ.

وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مِثْلَهُ في المُنافِقِينَ وأنَّ ظَنَّهم هو ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فَلْيَحْذَرِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ هَذِهِ الأوْهامِ فَيَبُوءُوا بِبَعْضِ ما نُعِيَ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ.

وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» يُرِيدُ الظَّنَّ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

وأصْبَحْتُمْ بِمَعْنى: صِرْتُمْ، لِأنَّ أصْبَحَ يَكْثُرُ أنْ تَأْتِيَ بِمَعْنى: صارَ.

41:24Page 479

فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤

So [even] if they are patient, the Fire is a residence for them; and if they ask to appease [Allāh], they will not be of those who are allowed to appease.

﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى جَوابِ إذا عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، أوْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١]، أوْ هو جَوابُ إذا، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ عَلى حَسَبِ ما يُناسِبُ الوُجُوهَ المُتَقَدِّمَةَ.

والمَعْنى عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ: أنَّ حاصِلَ أمْرِهِمْ أنَّهم قَدْ زُجَّ بِهِمْ في النّارِ فَإنْ صَبَرُوا واسْتَسْلَمُوا فَهم باقُونَ في النّارِ، وإنِ اعْتَذَرُوا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العُذْرُ ولَمْ يُقْبَلْ مِنهم تَنَصُّلٌ.

وقَوْلُهُ ﴿فالنّارُ مَثْوًى﴾ لَهم دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّ كَوْنَ النّارِ مَثْوًى لَهم لَيْسَ مُسَبَّبًا عَلى حُصُولِ صَبْرِهِمْ وإنَّما هو مِن بابِ قَوْلِهِمْ: إنْ قَبِلَ ذَلِكَ فَذاكَ، أيْ فَهو عَلى ذَلِكَ الحالِ، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ يَصْبِرُوا فَلا يَسَعُهم إلّا الصَّبْرُ لِأنَّ النّارَ مَثْوًى لَهم.

ومَعْنى ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ إنْ يَسْألُوا العُتْبى بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا اسْمُ مَصْدَرِ الإعْتابِ وهي رُجُوعُ المَعْتُوبِ عَلَيْهِ إلى ما يُرْضِي العاتِبَ.

صفحة ٢٧٤

وفِي المَثَلِ (( ما مُسِيءٌ مَن أعْتَبَ) ) أيْ مَن رَجَعَ عَمّا أساءَ بِهِ فَكَأنَّهُ لَمْ يُسِئْ. وقَلَّما اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ الأصْلِيَّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِاسْمِ المَصْدَرِ وهو العُتْبى. والعاتِبُ هو اللّائِمُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلطَّلَبِ لِأنَّ المَرْءَ لا يَسْألُ أحَدًا أنْ يُعاتِبَهُ وإنَّما يَسْألُهُ تَرْكَ المُعاتَبَةِ، أيْ يَسْألُهُ الصَّفْحَ عَنْهُ، فَإذا قَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ قِيلَ: أعْتَبَهُ أيْضًا، وهَذا مِن غَرِيبِ تَصارِيفِ هَذِهِ المادَّةِ في اللُّغَةِ، ولِهَذا كادُوا أنْ يُمِيتُوا مَصْدَرَ: أعْتَبَ بِمَعْنى رَجَعَ وأبْقَوْهُ في مَعْنى قَبِلَ العُتْبى، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لا يُعْتِبُهم، أيْ لا يَقْبَلُ مِنهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском