Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:25–29
41:25Page 479
۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥
And We appointed for them companions1 who made attractive to them what was before them and what was behind them [of sin], and the word [i.e., decree] has come into effect upon them among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“، وذَلِكَ أنَّهُ حُكِيَ قَوْلُهُمُ المُقْتَضِي إعْراضَهم عَنِ التَّدَبُّرِ في دَعْوَةِ الإيمانِ ثُمَّ ذُكِرَ كُفْرُهم بِخالِقِ الأكْوانِ بِقَوْلِهِ ”﴿قُلْ أيِنَّكم لَتَكْفُرُونِ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]“ .
ثُمَّ ذُكِرَ مَصِيرُهم في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ سَبَبِ ضَلالِهِمُ الَّذِي نَشَأتْ عَنْهُ أحْوالُهم بِقَوْلِهِ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ، وتَخَلَّلَ بَيْنَ ما هُنالِكَ وما هُنا أفانِينُ مِنَ المَواعِظِ والدَّلائِلِ والمِنَنِ والتَّعالِيمِ والقَوارِعِ والإيقاظِ.
وقَيَّضَ: أتاحَ وهَيَّأ شَيْئًا لِلْعَمَلِ في شَيْءٍ. والقُرَناءُ جَمْعُ: قَرِينٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، والقُرَناءُ هُنا: هُمُ المُلازِمُونَ لَهم في الضَّلالَةِ: إمّا في الظّاهِرِ مِثْلَ دُعاةِ الكُفْرِ وأيمَّتِهِ، وإمّا في باطِنِ النُّفُوسِ مِثْلَ شَياطِينِ الوَسْواسِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ ويَأْتِي في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
ومَعْنى تَقْيِيضِهِمْ لَهم: تَقْدِيرُهم لَهم، أيْ خَلْقُ المُناسَباتِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَلَيْها
صفحة ٢٧٥
تَقارُنُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ لِتَناسُبِ أفْكارِ الدُّعاةِ والقابِلِينَ كَما يَقُولُ الحُكَماءُ اسْتِفادَةُ القابِلِ مِنَ المَبْدَأِ تَتَوَقَّفُ عَلى المُناسَبَةِ بَيْنَهُما. فالتَّقْيِيضُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ عِبارَةٌ جامِعَةٌ لِمُخْتَلِفِ المُؤَثِّراتِ والتَّجَمُّعاتِ الَّتِي تُوجِبُ التَّآلُفَ والتَّحابَّ بَيْنَ الجَماعاتِ، ولِمُخْتَلِفِ الطَّبائِعِ المُكَوَّنَةِ في نُفُوسِ بَعْضِ النّاسِ فَيَقْتَضِي بَعْضُها جاذِبِيَّةَ الشَّياطِينِ إلَيْها وحُدُوثَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ فِيها. ولِلْإحاطَةِ بِهَذا المَقْصُودِ أُوثِرَ التَّعْبِيرُ هُنا بِـ قَيَّضْنا دُونَ غَيْرِهِ مِن نَحْوِهِ: بَعَثْنا، وأرْسَلْنا.
والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، وهو يُشْعِرُ بِأنَّ المُزَيَّنَ غَيْرُ حَسَنٍ في ذاتِهِ. وما بَيْنَ أيْدِيهِمْ يُسْتَعارُ لِلْأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما خَلْفَهم يُسْتَعارُ لِلْأُمُورِ المُغَيَّبَةِ.
والمُرادُ بِـ (﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾) أُمُورُ الدُّنْيا، أيْ زَيَّنُوا لَهم ما يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الفَسادِ مِثْلَ عِبادَةِ الأصْنامِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِلا حَقٍّ، وأكْلِ الأمْوالِ، والعُدُولِ عَلى النّاسِ بِاليَدِ واللِّسانِ، والمَيْسِرِ، وارْتِكابِ الفَواحِشِ، والوَأْدِ. فَعَوَّدُوهم بِاسْتِحْسانِ ذَلِكَ كُلِّهِ لِما فِيهِ مِن مُوافَقَةِ الشَّهَواتِ والرَّغَباتِ العارِضَةِ القَصِيرَةِ المَدى، وصَرَفُوهم عَنِ النَّظَرِ فِيما يُحِيطُ بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ مِنَ المَفاسِدِ الذّاتِيَّةِ الدّائِمَةِ.
والمُرادُ بِـ (ما خَلْفَهم) الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ عَنِ الحِسِّ مِن صِفاتِ اللَّهِ، وأُمُورِ الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ مِثْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ونِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، وظَنِّهِمْ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ مَسْتُورُ أعْمالِهِمْ، وإحالَتِهِمْ بِعْثَةَ الرُّسُلِ، وإحالَتِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
ومَعْنى تَزْيِينِهِمْ هَذا لَهم تَلْقِينُهم تِلْكَ العَقائِدَ بِالأدِلَّةِ السُّفُسْطائِيَّةِ مِثْلَ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، ونَفْيِ الحَقائِقِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ المُدْرَكاتِ الحِسِّيَّةِ كَقَوْلِهِمْ ”(﴿أاْذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨])“ .
وحَقَّ عَلَيْهِمْ أيْ تَحَقَّقَ فِيهِمُ القَوْلُ وهو وعِيدُ اللَّهِ إيّاهم بِالنّارِ عَلى الكُفْرِ، فالتَّعْرِيفُ في القَوْلِ لِلْعَهْدِ. وفي هَذا العَهْدِ إجْمالٌ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يُعْهَدُ مِنهُ هَذا القَوْلُ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ لا تَكُونَ الآياتُ المَذْكُورَةُ قَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الآيَةَ.
صفحة ٢٧٦
وقَوْلُهُ في أُمَمٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ حالَةَ كَوْنِهِمْ في أُمَمٍ أمْثالِهِمْ قَدْ سَبَقُوهم.
والظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازِيَّةٌ، وهي بِمَعْنى التَّبْعِيضِ، أيْ هم مِن أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ. ومِثْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ أُذَيْنَةَ:
إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا
أيْ فَأنْتَ مِن جُمْلَةِ آخَرِينَ قَدْ صُرِفُوا عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ.
ومِن في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾) بَيانِيَّةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِـ أُمَمٍ، أيْ مِن أُمَمٍ مِنَ البَشَرِ ومِنَ الشَّياطِينِ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِـ (قُرَناءَ) أيْ مُلازِمِينَ لَهم مُلازَمَةً خَفِيَّةً وهي مُلازَمَةُ الشَّياطِينِ لَهم بِالوَسْوَسَةِ ومُلازَمَةُ أيِمَّةِ الكُفْرِ لَهم بِالتَّشْرِيعِ لَهم ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِلْقَوْلِ مِثْلَ نَظِيرَتِها ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] في سُورَةِ الصّافّاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ﴾ والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ.
41:26Page 479
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦
And those who disbelieve say, "Do not listen to this Qur’ān and speak noisily1 during [the recitation of] it that perhaps you will overcome."
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ. ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، ومُناسَبَةُ التَّخَلُّصِ إلَيْهِ أنَّ هَذا القَوْلَ مِمّا يَنْشَأُ عَنْ تَزْيِينِ قُرَنائِهِمْ مِنَ الإنْسِ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]) .
وهَذا حِكايَةٌ لِحالٍ أُخْرى مِن أحْوالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بَعْدَ أنْ وصَفَ إعْراضَهم في أنْفُسِهِمُ انْتَقَلَ إلى وصْفِ تَلْقِينِهِمُ النّاسَ أسالِيبَ
صفحة ٢٧٧
الإعْراضِ، فالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا هم أيِمَّةُ الكُفْرِ يَقُولُونَ لِعامَّتِهِمْ: لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ، فَإنَّهم عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ هو أكْمَلُ الكَلامِ شَرِيفَ مُعانٍ وبَلاغَةَ تَراكِيبَ وفَصاحَةَ ألْفاظٍ، وأيْقَنُوا أنَّ كُلَّ مَن يَسْمَعُهُ وتُداخِلُ نَفْسَهُ جَزالَةُ ألْفاظِهِ وسُمُوُّ أغْراضِهِ قَضى لَهُ فَهْمُهُ أنَّهُ حَقٌّ اتِّباعُهُ، وقَدْ أدْرَكُوا ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ ولَكِنَّهم غالَبَتْهم مَحَبَّةُ الدَّوامِ عَلى سِيادَةِ قَوْمِهِمْ فَتَمالَئُوا ودَبَّرُوا تَدْبِيرًا لِمَنعِ النّاسِ مِنِ اسْتِماعِهِ، وذَلِكَ خَشْيَةً مِن أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ فَصَرَفُوهم عَنْ سَماعِهِ.
وهَذا مِن شَأْنِ دُعاةِ الضَّلالِ والباطِلِ أنْ يَكُمُّوا أفْواهَ النّاطِقِينَ بِالحَقِّ والحُجَّةِ، بِما يَسْتَطِيعُونَ مِن تَخْوِيفٍ وتَسْوِيلٍ، وتَرْهِيبٍ وتَرْغِيبٍ ولا يَدَعُوا النّاسَ يَتَجادَلُونَ بِالحُجَّةِ ويَتَراجَعُونَ بِالأدِلَّةِ؛ لِأنَّهم يُوقِنُونَ أنَّ حُجَّةَ خُصُومِهِمْ أنْهَضُ، فَهم يَسْتُرُونَها ويُدافِعُونَها لا بِمِثْلِها ولَكِنْ بِأسالِيبَ مِنَ البُهْتانِ والتَّضْلِيلِ، فَإذا أعْيَتْهُمُ الحِيَلُ ورَأوْا بِوارِقَ الحَقِّ تَخْفُقُ خَشَوْا أنْ يَعُمَّ نُورُها النّاسَ الَّذِينَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِن خَيْرٍ ورُشْدٍ عَدَلُوا إلى لَغْوِ الكَلامِ ونَفَخُوا في أبْواقِ اللَّغْوِ والجَعْجَعَةِ لَعَلَّهم يَغْلِبُونَ بِذَلِكَ عَلى حُجَجِ الحَقِّ ويَغْمُرُونَ الكَلامَ القَوْلَ الصّالِحَ بِاللَّغْوِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ هَؤُلاءِ.
فَقَوْلُهم ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ تَحْذِيرًا واسْتِهْزاءً بِالقُرْآنِ، فاسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ كَما فِيما حُكِيَ عَنْهم أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم.
وتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالقُرْآنِ حِكايَةٌ لِما يَجْرِي عَلى ألْسِنَةِ المُسْلِمِينَ مِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ تَسْمَعُوا بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَطْمَئِنُوا أوْ تَرْكَنُوا.
واللَّغْوُ: القَوْلُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، ويُسَمّى الكَلامُ الَّذِي لا جَدْوى لَهُ لَغْوًا، وهو واوِيُّ اللّامِ، فَأصْلُ والغَوْا: والغَوُوا اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَحُذِفَتْ والتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ أوَّلُهُما وسَكَنَتِ الواوُ الثّانِيَةُ سُكُونًا حَيًّا، والواوُ عَلامَةُ الجَمْعِ. وهَذا الجارِي عَلى ظاهِرِ كَلامِ الصِّحاحِ والقامُوسِ وفي الكَشّافِ أنَّهُ يُقالُ: لَغِيَ يَلْغى، كَما يُقالُ: لَغا يَلْغُو فَهو إذَنْ واوِيٌّ ويائِيٌّ.
فَمَعْنى والغَوْا فِيهِ قُولُوا أقْوالًا لا مَعْنى لَها أوْ تَكَلَّمُوا كَلامًا غَيْرَ مُرادٍ مِنهُ إفادَةٌ
صفحة ٢٧٨
أوِ المَقْصُودُ إحْداثُ أصْواتٍ تَغْمُرُ صَوْتَ النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِتَخَلُّلِ أصْواتِهِمْ صَوْتَ القارِئِ حَتّى لا يَفْقَهَهُ السّامِعُونَ عُدِّيَ اللَّغْوُ بِحَرْفِ في الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ إيقاعِ لَغْوِهِمْ في خِلالِ صَوْتِ القارِئِ وُقُوعَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ عَلى وجْهِ المَجازِ.
وأُدْخِلَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ عَلى اسْمِ القُرْآنِ دُونَ اسْمِ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ مِثْلَ صَوْتٍ أوْ كَلامٍ لِيَشْمَلَ كُلَّ ما يُخْفِي ألْفاظَ القُرْآنِ أوْ يُشَكِّكُ في مَعانِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وهَذا نَظْمٌ لَهُ مَكانَةٌ مِنَ البَلاغَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ وهو بِمَكَّةَ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَكانَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ يَطْرُدُونَ النّاسَ عَنْهُ ويَقُولُونَ لَهم: لا تَسْمَعُوا لَهُ والغَوْا فِيهِ، فَكانُوا يَأْتُونَ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والصِّياحِ وإنْشادِ الشِّعْرِ والأراجِيزِ وما يَحْضُرُهم مِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَصْخَبُونَ بِها» . وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّهم قالُوا لَمّا اسْتَمَعُوا إلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ وكانَ رَقِيقَ القِراءَةِ: إنّا نَخافُ أنْ يَفْتِنَ أبْناءَنا ونِساءَنا.
ومَعْنى ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَغْلِبُوا مُحَمَّدًا بِصَرْفِ مَن يُتَوَقَّعُ أنْ يَتْبَعَهُ إذا سَمِعَ قِراءَتَهُ. وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم كانُوا يَجِدُونَ القُرْآنَ غالِبَهم إذْ كانَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَهُ يُداخِلُ قُلُوبَهم فَيُؤْمِنُونَ، أيْ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَهو غالِبُكم.
41:27–28Page 479
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧
But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.
ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨
That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ .
دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُفَرَّعٌ عَمّا قَبْلَها: فَإمّا أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] الآيَةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ (﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ [فصلت: ١٣]) الآيَةَ وقَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا﴾ [فصلت: ٢٦] إلَخْ.
صفحة ٢٧٩
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَنْهم.
فالَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ ما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ إذاقَةِ العَذابِ، أيْ لِكُفْرِهِمُ المَحْكِيِّ بَعْضُهُ فِيما تَقَدَّمَ.
وإذاقَةُ العَذابِ: تَعْذِيبُهم، اسْتُعِيرَ لَهُ الإذاقَةُ عَلى طَرِيقِ المَكْنِيَّةِ والتَّخْيِيلَةِ. والعَذابِ الشَّدِيدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَهو عَذابُ الدُّنْيا.
وعَطْفُ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخِرَةِ.
وأسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. والتَّقْدِيرُ: عَلى أسْوَأِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ تَقْدِيرُهُ: جَزاءً مُماثِلًا أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.
وأسْوَأُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ السَّيِّئُ، فَصِيغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في سُوئِهِ. وإضافَتُهُ إلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إضافَةِ البَعْضِ إلى الكُلِّ ولَيْسَ مِن إضافَةِ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ.
والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ وهو الجَزاءُ والعَذابُ الشَّدِيدُ عَلى أسْوَأِ أعْمالِهِمْ. وأعْداءُ اللَّهِ: هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“ .
والنّارُ عَطْفُ بَيانٍ مِن جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ.
ودارُ الخُلْدِ: النّارُ. فَقَوْلُهُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جاءَ بِالظَّرْفِيَّةِ بِتَنْزِيلِ النّارِ مَنزِلَةَ ظَرْفٍ لِدارِ الخُلْدِ وما دارُ الخُلْدِ إلّا عَيْنُ النّارِ. وهَذا مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ لِيُفِيدَ مُبالَغَةَ مَعْنى الخُلْدِ في النّارِ. وهو مَعْدُودٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقَوْلُ أبِي حامِدٍ العَتّابِيِّ:
صفحة ٢٨٠
٢٠٦
وفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِي
أيْ والرَّحْمَنُ كافٍ لِلضُّعَفاءِ.
والخُلْدُ: طُولُ البَقاءِ، وأُطْلِقَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ.
وانْتَصَبَ جَزاءُ عَلى الحالِ مِن دارِ الخُلْدِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ جَزاءٌ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ يَجْحَدُونَ بِآياتِنا.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَجْحَدُونَ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ الجُحُودِ حِينًا فَحِينًا وتَكَرُّرِهِ. وعُدِّيَ فِعْلُ يَجْحَدُونَ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يَكْذِبُونَ. وتَقْدِيمُ بِآياتِنا لِلِاهْتِمامِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
41:29Page 479
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩
And those who disbelieved will [then] say, "Our Lord, show us those who misled us of the jinn and men [so] we may put them under our feet1 that they will be among the lowest."
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ .
عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨]، أيْ ويَقُولُونَ في جَهَنَّمَ، فَعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إلى صِيغَةِ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ هَذا القَوْلِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، فالقائِلُونَ رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا: هم عامَّةُ المُشْرِكِينَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ اللَّذَيْنِ أضَلّانا.
ومَعْنى أرِنا عَيِّنْ لَنا، وهو كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ انْتِقامِهِمْ مِنهم ولِذَلِكَ جَزَمَ (نَجْعَلْهُما) في جَوابِ الطَّلَبِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُرِناهُما نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا.
والجَعْلُ تَحْتَ الأقْدامِ: الوَطْءُ بِالأقْدامِ والرَّفْسُ، أيْ نَجْعَلُ آحادَهم تَحْتَ أقْدامِ آحادِ جَماعَتِنا، فَإنَّ الدَّهْماءَ أكْثَرُ مِنَ القادَةِ فَلا يَعُوزُهُمُ الِانْتِقامُ مِنهم. وكانَ الوَطْءُ بِالأرْجُلِ مِن كَيْفِيّاتِ الِانْتِقامِ والِامْتِهانِ، قالَ ابْنُ وعْلَةَ الجَرْمِيُّ:
ووَطْئِنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْأ المُقَيَّدِ نابِتَ الهَرْمِ
صفحة ٢٨١
وإنَّما طَلَبُوا أنْ يَرَوْهُما لِأنَّ المُضِلِّينَ كانُوا في دَرَكاتٍ مِنَ النّارِ أسْفَلَ مِن دَرَكاتِ أتْباعِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفُوا أيْنَ هم.
والتَّعْلِيلُ لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ تَوْطِئَةٌ لِاسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم أنْ يَرِيَهُمُوهُما لِأنَّهم عَلِمُوا مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أشَدُّ غَضَبًا عَلى الفَرِيقَيْنِ المُضِلَّيْنِ فَتَوَسَّلُوا بِعَزْمِهِمْ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم إلى تَيْسِيرِ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم.
والأسْفَلُونَ: الَّذِينَ هم أشَدُّ حَقارَةً مِن حَقارَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ لِيَكُونُوا أحْقَرَ مِنّا جَزاءً لَهم، فالسَّفالَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْإهانَةِ والحَقارَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أرِنا بِكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِسُكُونِ الرّاءِ لِلتَّخْفِيفِ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ، كَما قالُوا: فَخْذٌ في فَخِذٍ. وعَنِ الخَلِيلِ إذا قُلْتَ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فالمَعْنى: رَصِّرْنِيهِ، وإذا قُلْتَهُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَهو اسْتِعْطاءٌ، مَعْناهُ: أعْطِنِيهِ. وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُما: مَكِّنّا مِنَ اللَّذَيْنِ أضَلّانا كَيْ نَجْعَلَهُما تَحْتَ أقْدامِنا، أيِ ائْذَنْ لَنا بِإهانَتِهِما وخِزْيِهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”اللَّذَيْنِ“ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ اسْمِ المَوْصُولِ وهي لُغَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences