Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:34–37
41:34Page 480
وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤
And not equal are the good deed and the bad. Repel [evil] by that [deed] which is better; and thereupon, the one whom between you and him is enmity [will become] as though he was a devoted friend.
﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لَهُ مَوْقِعٌ عَجِيبٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] إلَخْ تَكْمِلَةً لَها فَإنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْها تَضَمَّنَتِ
صفحة ٢٩٠
الثَّناءَ عَلى المُؤْمِنِينَ إثْرَ وعِيدِ المُشْرِكِينَ وذَمِّهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها بَيانُ التَّفاوُتِ بَيْنَ مَرْتَبَةِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الحَسَنَةَ اسْمٌ مَنقُولٌ مِنَ الصِّفَةِ فَتَلَمُّحُ الصِّفَةِ مُقارِنٌ لَهُ، فالحَسَنَةُ حالَةُ المُؤْمِنِينَ والسَّيِّئَةُ حالَةُ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى كَمَعْنى آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ [غافر: ٥٨]، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ الَّتِي يَجْمَعُها غَرَضٌ واحِدٌ ولَيْسَ مِن عَطْفِ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] الواقِعَةِ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَإنَّ ذَلِكَ مُثِيرٌ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ الضَّجَرَ مِن إصْرارِ الكافِرِينَ عَلى كَفْرِهِمْ وعَدَمِ التَّأثُّرِ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى الحَقِّ فَهو بِحالٍ مِن تَضَيُّقِ طاقَةِ صَبْرِهِ عَلى سَفاهَةِ أُولَئِكَ الكافِرِينَ، فَأرْدَفَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ بِما يَدْفَعُ هَذا الضِّيقَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ الآيَةَ.
فالحَسَنَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ أفْرادِ جِنْسِها وأُولاها تَبادُرًا إلى الأذْهانِ حَسَنَةُ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ لِما فِيها مِن جَمِّ المَنافِعِ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، وتَشْمَلُ صِفَةُ الصَّفْحِ عَنِ الجَفاءِ الَّذِي يَلْقى بِهِ المُشْرِكُونَ دَعْوَةَ الإسْلامِ لِأنَّ الصَّفْحَ مِنَ الإحْسانِ، وفِيهِ تَرْكُ ما يُثِيرُ حَمِيَّتَهم لِدِينِهِمْ ويُقَرِّبُ لِينَ نُفُوسِ ذَوِي النُّفُوسِ اللَّيِّنَةِ.
فالعَطْفُ عَلى هَذا مِن عَطْفِ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ، وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وهي تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ عَقِبَها ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ.
وقَدْ عَلِمْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ نَفْيَ الِاسْتِواءِ ونَحْوَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُرادُ بِهِ غالِبًا تَفْضِيلُ أحَدِهِما عَلى مُقابِلِهِ بِحَسَبَ دَلالَةِ السِّياقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، وقَوْلِ الأعْشى:
ما يُجْعَلُ الجُدُّ الضَّنُونُ الَّذِي جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الماطِرِ
مِثْلَ الفُراتِيِّ إذا ما طَما ∗∗∗ يَقْذِفُ بِالبُوصِيِّ والماهِرِ
صفحة ٢٩١
فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾، دُونَ إعادَةِ لا النّافِيَةِ بَعْدَ الواوِ الثّانِيَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]، فَإعادَةُ لا النّافِيَةِ تَأْكِيدٌ لِأُخْتِها السّابِقَةِ. وأحْسَنُ مِنِ اعْتِبارِ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مُؤْذِنٌ بِاحْتِباكٍ في الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: وما تَسْتَوِي الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ ولا السَّيِّئَةُ والحَسَنَةُ. فالمُرادُ بِالأوَّلِ نَفْيُ أنْ تَلْتَحِقَ فَضائِلُ الحَسَنَةِ مَساوِيَ السَّيِّئَةِ، والمُرادُ الثّانِي نَفْيُ أنْ تَلْتَحِقَ السَّيِّئَةُ بِشَرَفِ الحَسَنَةِ. وذَلِكَ هو الِاسْتِواءُ في الخَصائِصِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْيِ المُساواةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ نَفْيٌ تامٌّ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ: جِنْسِ الحَسَنَةِ وجِنْسِ السَّيِّئَةِ لا مُبالَغَةَ فِيهِ ولا مَجازَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ.
وفِي التَّعْبِيرِ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ دُونَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِن هَذَيْنِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في جِنْسِ وصْفِهِ مِن إحْسانٍ وإساءَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ولِيَتَأتّى الِانْتِقالُ إلى مَوْعِظَةِ تَهْذِيبِ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إيثارُ نَفْيِ المُساواةِ بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ تَوْطِئَةً لِلِانْتِقالِ إلى قَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَجْرِي مَوْقِعُهُ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ .
فالجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ تَخَلُّصٌ مِن غَرَضِ تَفْضِيلِ الحَسَنَةِ عَلى السَّيِّئَةِ إلى الأمْرِ بِخُلُقِ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ لِمُناسَبَةِ أنَّ ذَلِكَ الدَّفْعَ مِن آثارِ تَفْضِيلِ الحَسَنَةِ عَلى السَّيِّئَةِ إرْشادًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وأُمَّتِهِ بِالتَّخَلُّقِ بِخُلُقِ الدَّفْعِ بِالحُسْنى.
وهِيَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيْ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ والمَقْصِدِ مِنَ المُقَدِّمَةِ، فَمَضْمُونُها ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى مُقْتَضٍ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مَفْصُولَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ.
صفحة ٢٩٢
وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ لِأنَّ مُنْتَهى الكَمالِ البَشَرِيِّ خُلُقُهُ كَما قالَ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» وقالَتْ عائِشَةُ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ ”«كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» “ لِأنَّهُ أفْضَلُ الحُكَماءِ.
والإحْسانُ كَمالٌ ذاتِيٌّ ولَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَرْكُهُ مَحْمُودًا في الحُدُودِ ونَحْوِها فَذَلِكَ مَعْنًى خاصٌّ. والكَمالُ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ ما اسْتَطاعَ ما لَمْ يُخْشَ فَواتُ كَمالٍ أعْظَمَ، ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ «ما انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرُماتُ اللَّهِ فَيَغْضَبَ لِلَّهِ»، وتَخَلُّقُ الأُمَّةِ بِهَذا الخُلُقِ مَرْغُوبٌ فِيهِ قالَ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
ورَوى عِياضٌ في الشِّفاءِ وهو مِمّا رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] سَألَ النَّبِيءُ ﷺ جِبْرِيلَ عَنْ تَأْوِيلِها فَقالَ لَهُ: حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» .
ومَفْعُولُ ادْفَعْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ انْحِصارُ المَعْنى بَيْنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ، فَلَمّا أُمِرَ بِأنْ تَكُونَ الحَسَنَةُ مَدْفُوعًا بِها تَعَيَّنَ أنَّ المَدْفُوعَ هو السَّيِّئَةُ، فالتَّقْدِيرُ: ادْفَعِ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ كَقَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] في سُورَةِ الرَّعْدِ وقَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
و﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] هي الحَسَنَةُ، وإنَّما صِيغَتْ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ تَرْغِيبًا في دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِها لِأنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ فَإنَّ الغَضَبَ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن طِباعِ النَّفْسِ وهو يَبْعَثُ عَلى حُبِّ الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ فَلَمّا أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يُجازِيَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ أُشِيرَ إلى فَضْلِ ذَلِكَ. وقَدْ ورَدَ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وصْفُهُ في التَّوْراةِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الأمْرِ قَوْلُهُ ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ لِبَيانِ ما في ذَلِكَ الأمْرِ مِنَ الصَّلاحِ تَرْوِيضًا عَلى التَّخَلُّقِ بِذَلِكَ الخُلُقِ الكَرِيمِ، وهو أنْ تَكُونَ النَّفْسُ مَصْدَرًا لِلْإحْسانِ. ولَمّا كانَتِ الآثارُ الصّالِحَةُ تَدُلُّ عَلى صَلاحِ مَثارِها. وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ بَعْضِ مَحاسِنِهِ
صفحة ٢٩٣
وهُوَ أنْ يَصِيرَ العَدُوُّ كالصَّدِيقِ، وحُسْنُ ذَلِكَ ظاهِرٌ مَقْبُولٌ فَلا جَرَمَ أنْ يَدُلَّ حُسْنُهُ عَلى حُسْنِ سَبَبِهِ.
ولِذِكْرِ المَثَلِ والنَّتائِجِ عَقِبَ الإرْشادِ شَأْنٌ ظاهِرٌ في تَقْرِيرِ الحَقائِقِ وخاصَّةً الَّتِي قَدْ لا تَقْبَلُها النُّفُوسُ لِأنَّها شاقَّةٌ عَلَيْها، والعَداوَةُ مَكْرُوهَةٌ والصَّداقَةُ والوِلايَةُ مَرْغُوبَةٌ، فَلَمّا كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ يُدْنِيهِ مِنَ الصَّداقَةِ أوْ يُكْسِبُهُ إيّاها كانَ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ مَصْلَحَةِ الأمْرِ بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
وإذا لِلْمُفاجَأةِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ ظُهُورِ أثَرِ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ في انْقِلابِ العَدُوِّ صَدِيقًا.
وعَدَلَ عَنْ ذِكْرَ العَدُوِّ مُعَرَّفًا بِلامِ الجِنْسِ إلى ذِكْرِهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِيَتَأتّى تَنْكِيرُ عَداوَةٍ لِلنَّوْعِيَّةِ وهو أصْلُ التَّنْكِيرِ فَيَصْدُقُ بِالعَداوَةِ القَوِيَّةِ ودُونِها، كَما أنَّ ظَرْفَ ﴿بَيْنَكَ وبَيْنَهُ﴾ يَصْدُقُ بِالبَيْنِ القَرِيبِ والبَيْنِ البَعِيدِ، أعْنِي مُلازِمَةَ العَداوَةِ أوْ طَرُوَّها.
وهَذا تَرْكِيبٌ مِن أعْلى طَرَفِ البَلاغَةِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ أحْوالَ العَداواتِ فَيُعْلَمُ أنَّ الإحْسانَ ناجِعٌ في اقْتِلاعِ عَداوَةِ المُحْسَنِ إلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِ العَداوَةِ قُوَّةً وضَعْفًا، وتَمَكُّنًا وبُعْدًا، ويُعْلَمُ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإحْسانُ لِلْعَدُوِّ قَوِيًّا بِقَدْرِ تَمَكُّنِ عَداوَتِهِ لِيَكُونَ أنْجَعَ في اقْتِلاعِها. ومِنَ الأقْوالِ المَشْهُورَةِ: النُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾، تَشْبِيهٌ في زَوالِ العَداوَةِ ومُخالَطَةِ شَوائِبِ المَحَبَّةِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو المُصافاةُ والمُقارَبَةُ وهو مَعْنًى مُتَفاوِتُ الأحْوالِ، أيْ مَقُولٌ عَلى جِنْسِهِ بِالتَّشْكِيكِ عَلى اخْتِلافِ تَأثُّرِ النَّفْسِ بِالإحْسانِ وتَفاوُتِ قُوَّةِ العَداوَةِ قَبْلَ الإحْسانِ، ولا يَبْلُغُ مَبْلَغَ المُشَبَّهِ بِهِ إذْ مِنَ النّادِرِ أنْ يَصِيرَ العَدُوُّ ولِيًّا حَمِيمًا، فَإنْ صارَهُ فَهو لِعَوارِضَ غَيْرِ داخِلَةٍ تَحْتَ مَعْنى الإسْراعِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ إذا الفُجائِيَّةُ.
والعَداوَةُ الَّتِي بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ عَداوَةٌ في الدِّينِ، فالمَعْنى: فَإذا
صفحة ٢٩٤
الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ لِكُفْرِهِ، فَلِذَلِكَ لا تَشْمَلُ الآيَةُ مَن آمَنُوا بَعْدَ الكُفْرِ فَزالَتْ عُدَواتُهم لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأجْلِ إيمانِهِمْ كَما زالَتْ عَداوَةُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ إسْلامِهِ حَتّى قالَ يَوْمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ: «لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ»، وكَما زالَتْ عَداوَةُ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ «ما كانَ أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ يَذِلُّوا مِن أهْلِ خِبائِكَ واليَوْمَ ما أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ يَعِزُّوا مَن أهْلِ خِبائِكَ فَقالَ لَها النَّبِيءُ ﷺ وأيْضًا»، أيْ وسَتَزِيدِينَ حُبًّا.
وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ كانَ عَدُوًّا لِلنَّبِيءِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ فَصارَ بَعْدَ إسْلامِهِ ولِيًّا مُصافِيًا. وهو وإنْ كانَ كَما قالُوا فَلا أحْسَبُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ في اكْتِسابِ المَوَدَّةِ بِالإحْسانِ.
والوَلِيُّ: اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلايَةِ بِفَتْحِ الواوِ، والوَلاءِ، وهو: الحَلِيفُ والنّاصِرُ، وهو ضِدُّ العَدُوِّ، وتَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ والصَّدِيقُ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ﴿ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أنَّهُ جَمْعُ خَصْلَتَيْنِ، كِلْتاهُما لا تَجْتَمِعُ مَعَ العَداوَةِ وهُما خَصْلَتا الوَلايَةِ والقَرابَةِ.
41:35Page 480
وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥
But none is granted it except those who are patient, and none is granted it except one having a great portion [of good].
﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، أوْ حالٌ مِنَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وضَمِيرُ يُلَقّاها عائِدٌ إلى ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِفِعْلِ ادْفَعْ، أيْ بِالمُعامَلَةِ والمُدافَعَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، فَأمّا مُطْلَقُ الحَسَنَةِ فَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِ الَّذِينَ صَبَرُوا.
وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى الِارْتِياضِ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ بِإظْهارِ احْتِياجِها إلى قُوَّةِ عَزْمٍ وشِدَّةِ مِراسٍ لِلصَّبْرِ عَلى تَرْكِ هَوى النَّفْسِ في حُبِّ الِانْتِقامِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِفَضْلِها بِأنَّها تُلازِمُها خَصْلَةُ الصَّبْرِ وهي في ذاتِها خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ وثَوابُها جَزِيلٌ كَما عُلِمَ مِن عِدَّةِ آياتٍ في القُرْآنِ، وحَسْبُكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] .
صفحة ٢٩٥
فالصّابِرُ مُرْتاضٌ بِتَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ فَيَهُونُ عَلَيْهِ تُرْكُ الِانْتِقامِ.
ويُلَقّاها يُجْعَلُ لاقِيًا لَها، أيْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، وهو مُسْتَعارٌ لِلسَّعْيِ لِتَحْصِيلِها لِأنَّ التَّحْصِيلَ عَلى الشَّيْءِ بَعْدَ المُعالَجَةِ والتَّخَلُّقِ يُشْبِهُ السَّعْيَ لِمُلاقاةِ أحَدٍ فَيَلْقاهُ.
وجِيءَ في يُلَقّاها بِالمُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَأْمُورَ بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ هَذا الخُلُقِ في المُسْتَقْبَلِ، وجِيءَ في الصِّلَةِ وهي الَّذِينَ صَبَرُوا بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الصَّبْرَ خُلُقٌ سابِقٌ فِيهِمْ هو العَوْنُ عَلى مُعامَلَةِ المُسِيءِ بِالحُسْنى، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إلّا الصّابِرُونَ، لِنُكْتَةِ كَوْنِ الصَّبْرِ سَجِيَّةً فِيهِمْ مُتَأصِّلَةً.
ثُمَّ زِيدَ في التَّنْوِيهِ بِها بِأنَّها ما تَحْصُلُ إلّا لِذِي حَظٍّ عَظِيمٍ.
والحَظُّ: النَّصِيبُ مِنَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: خاصٌّ بِالنَّصِيبِ مِن خَيْرٍ، والمُرادُ هُنا: نَصِيبُ الخَيْرِ، بِالقَرِينَةِ أوْ بِدَلالَةِ الوَضْعِ، أيْ ما يَحْصُلُ دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ إلّا لِصاحِبِ نَصِيبٍ عَظِيمٍ مِنَ الفَضائِلِ، أيْ مِنَ الخُلُقِ الحَسَنِ والِاهْتِداءِ والتَّقْوى.
فَتَحَصَّلَ مِن هَذَيْنِ أنَّ التَّخَلُّقَ بِالصَّبْرِ شَرْطٌ في الِاضْطِلاعِ بِفَضِيلَةِ دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وأنَّهُ لَيْسَ وحْدَهُ شَرْطًا فِيها بَلْ وراءَهُ شُرُوطٌ أُخَرُ يَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أيْ مِنَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والصَّبْرُ مِن جُمْلَةِ الحَظِّ العَظِيمِ لِأنَّ الحَظَّ العَظِيمَ أعَمُّ مِنَ الصَّبْرِ، وإنَّما خُصَّ الصَّبْرُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أصْلُها ورَأْسُ أمْرِها وعَمُودُها.
وفِي إعادَةِ فِعْلِ ﴿وما يُلَقّاها﴾ دُونَ اكْتِفاءٍ بِحَرْفِ العَطْفِ إظْهارٌ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ بِحَيْثُ لا يَسْتَتِرُ مِن صَرِيحِهِ شَيْءٌ تَحْتَ العاطِفِ.
وأفادَ ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: الحَظُّ العَظِيمُ مِنَ الخَيْرِ سَجِيَّتُهُ ومَلَكَتُهُ كَما اقْتَضَتْهُ إضافَةُ ذُو.
صفحة ٢٩٦
وحاصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الجُمْلَتانِ أنَّ مِثْلَكَ مَن يَتَلَقّى هَذِهِ الوَصِيَّةَ وما هي بِالأمْرِ الهَيِّنِ لِكُلِّ أحَدٍ.
41:36Page 480
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦
And if there comes to you from Satan an evil suggestion, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]، فَبَعْدَ أنْ أرْشَدَ إلى ما هو عَوْنٌ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الخُلُقِ المَأْمُورِ بِهِ وهو دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وبَعْدَ أنْ شُرِحَتْ فائِدَةُ العَمَلِ بِها بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] صَرَفَ العِنانَ هُنا إلى التَّحْذِيرِ مِن عَوائِقِها الَّتِي تَجْتَمِعُ كَثْرَتُها في حَقِيقَةِ نَزْغِ الشَّيْطانِ، فَأُمِرَ بِأنَّهُ إنْ وجَدَ في نَفْسِهِ خَواطِرَ تَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ وتَدْعُوهُ إلى دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها فَإنَّ ذَلِكَ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطانِ دَواؤُهُ أنْ تَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ أنْ يُعِيذَهُ إذا اسْتَعاذَهُ لِأنَّهُ أمَرَهُ بِذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وفائِدَةُ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ تَجْدِيدُ داعِيَةِ العِصْمَةِ المَرْكُوزَةِ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ اسْتِمْدادٌ لِلْعِصْمَةِ وصَقْلٌ لِزُكاءِ النَّفْسِ مِمّا قَدْ يَقْتَرِبُ مِنها مِنَ الكُدُراتِ. وهَذا سِرٌّ مِنَ الِاتِّصالِ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ ورَبِّهِ وقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، فَبِذَلِكَ تَسْلَمُ نَفْسُهُ مِن أنْ يَغْشاها شَيْءٌ مِنَ الكُدُراتِ ويَلْحَقُ بِهِ في ذَلِكَ صالِحُو المُؤْمِنِينَ.
وفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» .
ثُمَّ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ المُؤْمِنِينَ عَلى تَفاوُتِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ
صفحة ٢٩٧
التِّرْمِذِيِّ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخْرى فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ» .
والنَّزْغُ: النَّخْسُ، وحَقِيقَتُهُ: مَسٌّ شَدِيدٌ لِلْجِلْدِ بِطَرَفِ عُودٍ أوْ إصْبَعٍ، فَهو مَصْدَرٌ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِاتِّصالِ القُوَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ بِخَواطِرِ الإنْسانِ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وتَصْرِفُهُ عَنِ الخَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ وإسْنادُ يَنْزَغَنَّكَ إلى (نَزْغٌ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن بابِ: جِدُّ جِدِّهِ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّزْغِ هُنا: النّازِغُ، وهو الشَّيْطانُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن بَيانِيَّةٌ، أيْ يَنْزَغَنَّكَ النّازِغُ الَّذِي هو الشَّيْطانُ. والمُبالَغَةُ حاصِلَةٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَعَ اخْتِلافِ جِهَتِها.
وجِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِـ إنَّ الَّتِي الأصْلُ فِيها عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ تَرْفِيعًا لِقَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ لَهُ إنَّما يُفْرَضُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] فَجاءَ في ذَلِكَ الشَّرْطِ بِحِرَفِ إذا الَّتِي الأصْلُ فِيها الجَزْمُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ بِغَلَبَةِ وُقُوعِهِ.
وما زائِدَةٌ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ لِتَوْكِيدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ ولَيْسَتْ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ الشَّرْطِ فَإنَّها تَزْدادُ كَثِيرًا بَعْدَ إنْ دُونَ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى الجَزْمِ بِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وهو هَنا حُكْمٌ كِنائِيٌّ لِأنَّ المَقْصُودَ لازِمُ وصْفِ السَّمِيعِ العَلِيمِ وهو مُؤاخَذَةُ مَن تَصْدُرُ مِنهم أقْوالٌ وأعْمالٌ في أذى النَّبِيءِ ﷺ والكَيْدِ لَهُ مِمَّنْ أُمِرَ بِأنْ يَدْفَعَ سَيِّئاتِهِمْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
والمَعْنى: فَإنْ سَوَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ أنْ لا تُعامِلَ أعْداءَكَ بِالحَسَنَةِ وزَيَّنَ لَكَ الِانْتِقامَ وقالَ لَكَ: كَيْفَ تُحْسِنُ إلى أعْداءِ الدِّينِ، وفي الِانْتِقامِ مِنهم قَطْعُ
صفحة ٢٩٨
كَيْدِهِمْ لِلدِّينِ، فَلا تَأْخُذْ بِنَزْغِهِ وخُذْ بِما أمَرْناكَ واسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن أنْ يَزِلَّكَ الشَّيْطانُ فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ أعْدائِكَ وهو يَتَوَلّى جَزاءَهم.
41:37Page 480
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧
And of His signs are the night and day and the sun and moon. Do not prostrate to the sun or to the moon, but prostrate to Allāh, who created them, if it should be Him that you worship.1
﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿قُلَ أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]“ الآيَةَ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ خَلْقِ العَوالِمِ أنَّها دَلائِلُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ هُنا عَنِ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِأنَّها مِن آياتِ اللَّهِ انْتِقالًا في أفانِينِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِذَواتٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالٍ مِن أحْوالِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، فابْتُدِئَ بِبَعْضِ الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ وهي حالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وحالُ طُلُوعِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ القَمَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَعْضَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] .
ويَدُلُّ لِهَذا الِانْتِقالِ أنَّهُ مِن أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] إلى أُسْلُوبِ خِطابِهِمْ رُجُوعًا إلى خِطابِهِمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ [فصلت: ٩]“ .
والآياتُ: الدَّلائِلُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ اللَّهِ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وعَلى وُجُودِهِ.
واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَةٌ مِن آياتِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يَفْعَلُها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ كانَتْ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِهِ بِالصُّنْعِ فَهو مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
والمُرادُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ ابْتِداءً هُنا حَرَكَتُهُما المُنْتَظِمَةُ المُسْتَمِرَّةُ، وأمّا خَلْقُهُما فَقَدْ عُلِمَ مَن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ
صفحة ٢٩٩
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، فَإنَّ الشَّمْسَ إحْدى السَّماواتِ السَّبْعِ والقَمَرَ تابِعٌ لِلشَّمْسِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَدُلُّ عَلى بَعْضِ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِثْلَ طُلُوعٍ أوْ غُرُوبٍ أوْ فَلَكٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِيَكُونَ صالِحًا لِلِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِهِما وهو المَقْصُودُ الأوَّلُ، ولِخَلْقِهِما تَأْكِيدٌ لِما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] تَوْفِيرًا لِلْمَعانِي.
ولَمّا جَرى الِاعْتِبارُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ وكانَ في النّاسِ أقْوامٌ عَبَدُوا الشَّمْسَ والقَمَرَ وهُمُ الصّابِئَةُ ومَنبَعُهم مِنَ العِراقِ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] الآياتِ، ثُمَّ ظَهَرَ هَذا الدِّينُ في سَبَأٍ، عَبَدُوا الشَّمْسَ كَما قَصَّهُ اللَّهُ في سُورَةِ النَّمْلِ.
ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّ العَرَبَ في زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ هُنا لَعَلَّ ناسًا مِنهم كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ اهـ. ولَكِنَّ وُجُودَ عِبادَةِ الشَّمْسِ في اليَمَنِ أيّامَ سَبَأٍ قَبْلَ أنْ يَتَهَوَّدُوا يَقْتَضِي بَقاءَ آثارِهِ مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ في بَعْضِ بِلادِ العَرَبِ. وقَدْ ذُكِرَ مِن أصْنامِ العَرَبِ صَنَمٌ اسْمُهُ شَمْسُ وبِهِ سُمُّوا عَبْدَ شَمْسَ، وكَذَلِكَ جَعَلَهم مِن أسْماءِ الشَّمْسِ الآلِهَةَ، قالَتْ مَيَّةُ بِنْتُ أُمِّ عُتْبَةَ:
تَرَوَّحْنا مِنَ اللَّعْباءِ عَصْرًا فاعْجَلْنا الآلِهَةَ أنْ تُئَوِّبا
وكانَ الصَّنَمُ الَّذِي اسْمُهُ شَمْسُ يَعْبُدُهُ بَنُو تَمِيمٍ وضَبَّةُ وتَمِيمٌ وعُكْلٌ وأُدٌّ. وكُنْتُ وقَفْتُ عَلى أنَّ بَعْضَ كِنانَةَ عَبَدُوا القَمَرَ.
وفِي تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ لِلْكَواشِيِّ وكانَ النّاسُ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ السُّجُودَ لِلَّهِكالصّابِئِينَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يَخُصُّوهُ تَعالى بِالعِبادَةِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ النّاسَ مِنَ العَرَبِ، عَلى أنَّ هَدْيَ القُرْآنِ لا يَخْتَصُّ بِالعَرَبِ بَلْ شُيُوعُ دِينِ الصّابِئَةِ في البِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم كافٍ في التَّحْذِيرِ مِنَ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.
صفحة ٣٠٠
وقَدْ كانَ العَرَبُ يَحْسَبُونَ دِينَ الإسْلامِ دِينَ الصّابِئَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ لِمَن أسْلَمَ: صَبَأ، وكانُوا يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِالصّابِئِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ في قَوْلِهِ ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ نَهْيَ إقْلاعٍ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، فَهو نَهْيُ تَحْذِيرٍ لِمَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُما أنْ لا يَتْبَعُوا مَن يَعْبُدُونَهُما.
ووُقُوعُ قَوْلِهِ ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يُفِيدُ مُفادَ الحَصْرِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ، ووُقُوعُ الإثْباتِ بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ النَّفْيِ بِالإيجابِ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ في إفادَةِ الحَصْرِ كَما تَراهُ في قَوْلِ السَّمَوْألِ أوْ عَبْدِ المَلِكِ الحارِثِيِّ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ، أيْ دُونَ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
فَجُمْلَةُ ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعْبُدُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٨] .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ، فَقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ عَدا ابْنَ وهْبٍ: السُّجُودُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ في المَشْهُورِ عَنْهُ وابْنُ وهْبٍ: هي عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وهو عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences