Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:38–43
41:38Page 480
فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩ ٣٨
But if they are arrogant - then those who are near your Lord [i.e., the angels] exalt Him by night and by day, and they do not become weary.
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ .
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى نَهْيِهِمْ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وأمْرِهِمْ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ وحْدَهُ، أيْ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا أنْ يَتْبَعُوكَ وصَمَّمُوا عَلى السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، أوْ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ
صفحة ٣٠١
بِالإلَهِيَّةِ فَيَعُمُّ ضَمِيرُ اسْتَكْبَرُوا جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ إيّاهُ.
والِاسْتِكْبارُ: قُوَّةُ التَّكَبُّرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ وأصِلُ السِّينِ والتّاءِ المُسْتَعْمَلَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ هُما السِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، أيْ عَدُّوا أنْفُسَهم ذَوِي كِبْرٍ شَدِيدٍ مِن فَرْطِ تَكَبُّرِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: فَإنْ تَكَبَّرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَهو غَنِيٌّ عَنْ سُجُودِهِمْ، لِأنَّ لَهُ عَبِيدًا أفْضَلَ مِنهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ التَّسْبِيحِ لَهُ بِإقْبالٍ دُونَ سَآمَةٍ.
والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ بِإثْباتِ أضْدادِ ما لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نَفْيِ ما لا يَلِيقُ، وذَلِكَ بِالأقْوالِ قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، أوْ بِالأعْمالِ قالَ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] وذَلِكَ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ مِن كَوْنِ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ قَوْلًا وعَمَلًا ولَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِقادٍ.
والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ عِنْدَ رَبِّكَ عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ وكَرامَةٍ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ هُمُ العامِرُونَ لِلْعَوالِمِ العُلْيا الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُشَرَّفَةً بِأنَّها لا يَقَعُ فِيها إلّا الفَضِيلَةُ فَكانَتْ بِذَلِكَ أشَدَّ اخْتِصاصًا بِهِ تَعالى مِن أماكِنَ غَيْرِها قَصْدًا لِتَشْرِيفِها.
والسَّآمَةُ: الضَّجَرُ والمَلَلُ مِنَ الإعْياءِ. وذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ هُنا لِقَصْدِ اسْتِيعابِ الزَّمانِ، أيْ يُسَبِّحُونَ لَهُ الزَّمانَ كُلَّهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وهو أوْقَعُ مِن مَحْمِلِ العَطْفِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الإخْبارِ عَنْهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ الحالِ أشَدَّ في إظْهارِ عَجِيبِ حالِهِمْ إذْ شَأْنُ العَمَلِ الدّائِمِ أنْ يَسْلَمَ مِنهُ عامِلُهُ.
41:39Page 481
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
And of His signs is that you see the earth stilled, but when We send down upon it rain, it quivers and grows. Indeed, He who has given it life is the Giver of Life to the dead. Indeed, He is over all things competent.
صفحة ٣٠٢
﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِهَذا الصُّنْعِ العَظِيمِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِفِعْلِهِ فَهو دَلِيلُ إلَهِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ ما لا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ هو الإلَهُ الحَقُّ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَعَدَّدَ لِكَوْنِ مَن لا يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ ناقِصَ القُدْرَةِ، والنَّقْصُ يُنافِي الإلَهِيَّةَ كَما قالَ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] .
والخِطابُ في قَوْلِهِ أنَّكَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَصْلُحَ لِكُلِّ سامِعٍ.
والخُشُوعُ: التَّذَلُّلُ، وهو مُسْتَعارٌ لِحالِ الأرْضِ إذا كانَتْ مُقْحِطَةً لا نَباتَ عَلَيْها لِأنَّ حالَها في تِلْكَ الخَصاصَةِ كَحالِ المُتَذَلِّلِ، وهَذا مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمَعْقُولِ بِاعْتِبارِ ما يَتَخَيَّلُهُ النّاسُ مِن مُشابَهَةِ اخْتِلافِ حالَيِ القُحُولَةِ والخِصْبِ بِحالَيِ التَّذَلُّلِ والِازْدِهاءِ.
والِاهْتِزازُ حَقِيقَتُهُ: مُطاوَعَةُ هَزِّهِ، إذا حَرَّكَهُ بَعْدَ سُكُونِهِ فَتَحَرَّكَ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِرُبُوِّ وجْهِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، شُبِّهَ حالُ إنْباتِها وارْتِفاعِها بِالماءِ والنَّباتِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُنْخَفِضَةً خامِدَةً بِالِاهْتِزازِ.
ويُؤْخَذُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَ حالُ قُحُولَةِ الأرْضِ ثُمَّ إنْزالِ الماءِ عَلَيْها وانْقِلابِها مِنَ الجُدُوبَةِ إلى الخِصْبِ والإنْباتِ البَهِيجِ بِحالِ شَخْصٍ كانَ كاسِفَ البالِ رَثَّ اللِّباسِ فَأصابَهُ شَيْءٌ مِنَ الغِنى فَلَبِسَ الزِّينَةَ واخْتالَ في مِشْيَتِهِ زَهْوًا، ولِذا يُقالُ: هَزَّ عِطْفَيْهِ، إذا اخْتالَ في مِشْيَتِهِ.
وفِي قَوْلِهِ (خاشِعَةً واهْتَزَّتْ) مَكْنِيَّةٌ بِأنْ شُبِّهَتْ بِشَخْصٍ كانَ ذَلِيلًا ثُمَّ صارَ مُهْتَزًّا لِعِطْفَيْهِ، ورَمَزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِما بِذِكْرِ رَدِيفَيْهِما. فَهَذا مِن أحْسَنِ التَّمْثِيلِ وهو الَّذِي يَقْبَلُ تَفْرِيقَ أجْزائِهِ في أجْزاءِ التَّشْبِيهِ.
وعُطِفَ ورَبَتْ عَلى اهْتَزَّتْ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاهْتِزازِ هو ظُهُورُ النَّباتِ عَلَيْها وتَحَرُّكُهُ. والمَقْصُودُ بِالرُّبُوِّ: انْتِفاخُها بِالماءِ واعْتِلاؤُها.
صفحة ٣٠٣
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”ورَبَأتْ“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ مِن ”رَبَأ“ بِالهَمْزِ، إذا ارْتَفَعَ.
* * *
﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ، ووُقُوعِهِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ وانْتِهازِ فُرَصِ الهُدى إلى الحَقِّ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ والمُناسَبَةُ مُشابَهَةُ الإحْياءَيْنِ، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِمُراعاةِ إنْكارِ المُخاطَبِينَ إحْياءَ المَوْتى.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في المَوْصُولِ مِن تَعْلِيلِ الخَبَرِ، وشُبِّهَ إمْدادُ الأرْضِ بِماءِ المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ انْبِثاقِ البُزُورِ الَّتِي في باطِنِها الَّتِي تَصِيرُ نَباتًا بِإحْياءِ المَيِّتِ، فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ أحْياها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ثُمَّ ارْتُقِيَ مِن ذَلِكَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ الَّذِي سُمِّيَ إحْياءً؛ لِأنَّهُ شَبِيهُ الإحْياءِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ إحْياءِ المَوْتى بِطَرِيقَةِ قِياسِ الشَّبَهِ، وهو المُسَمّى في المَنطِقِ قِياسَ التَّمْثِيلِ، وهو يُفِيدُ تَقْرِيبَ المَقِيسِ بِالمَقِيسِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ الِاسْتِدْلالُ بِالشَّبَهِ والتَّمْثِيلِ بِحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، بَلْ هو إقْناعِيٌّ ولَكِنَّهُ هُنا يَصِيرُ حُجَّةً لِأنَّ المَقِيسَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ أضْعَفَ مِنَ المَقِيسِ إذِ المُشَبَّهُ لا يَبْلُغُ قُوَّةَ المُشَبَّهِ بِهِ، فالمُشَبَّهُ بِهِ حَيْثُ كانَ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ إلّا الخالِقُ الَّذِي اتَّصَفَ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ لِذاتِهِ فَقَدْ تَساوى فِيهِ قَوِيُّهُ وضَعِيفُهُ، وهم كانُوا يُحِيلُونَ إحْياءَ الأمْواتِ اسْتِنادًا لِلِاسْتِبْعادِ العادِيِّ، فَلَمّا نُظِّرَ إحْياءُ الأمْواتِ بِإحْياءِ الأرْضِ المُشَبَّهِ تَمَّ الدَّلِيلُ الإقْناعِيُّ المُناسِبُ لِشُبْهَتِهِمُ الإقْناعِيَّةِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا تَذْيِيلُهُ بِقَوْلِهِ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
41:40Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠
Indeed, those who inject deviation into Our verses1 are not concealed from Us. So, is he who is cast into the Fire better or he who comes secure on the Day of Resurrection? Do whatever you will; indeed, He is Seeing of what you do.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ قُصِدَ بِهِ تَهْدِيدُ الَّذِينَ أهْمَلُوا الِاسْتِدْلالَ بِآياتِ اللَّهِ عَلى تَوْحِيدِهِ.
صفحة ٣٠٤
وقَوْلُهُ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ مُرادٌ بِهِ الكِنايَةُ عَنِ الوَعِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِكُلِّ كائِنٍ، وهو مُتَّصِلُ المَعْنى بِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ.
والإلْحادُ حَقِيقَتُهُ: المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، والآياتُ تَشْمَلُ الدَّلائِلَ الكَوْنِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وقَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧] إلَخْ. وتَشْمَلُ الآياتِ القَوْلِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
فالإلْحادُ في الآياتِ مُسْتَعارٌ لِلْعُدُولِ والِانْصِرافِ عَنْ دَلالَةِ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ. والإلْحادُ في الآياتِ القَوْلِيَّةِ مُسْتَعارٌ لِلْعُدُولِ عَنْ سَماعِها ولِلطَّعْنِ في صِحَّتِها وصَرْفِ النّاسِ عَنْ سَماعِها.
وحَرْفُ في مِن قَوْلِهِ تَعالى في آيَتِنا لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِ إلْحادِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في آياتِ اللَّهِ حَيْثُما كانَتْ أوْ كُلَّما سَمِعُوها.
ومَعْنى نَفْيِ خَفائِهِمْ: نَفِيُ خَفاءِ إلْحادِهِمْ لا خَفاءِ ذَواتِهِمْ إذْ لا غَرَضَ في العِلْمِ بِذَواتِهِمْ.
* * *
﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ لِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ بِنارِ جَهَنَّمَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ، وبِالمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم آمِنُونَ مِن ذَلِكَ.
والِاسْتِفْهامُ تَفْرِيعٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ المَرْتَبَتَيْنِ.
وكُنِّيَ بِقَوْلِهِ ﴿يَأْتِي آمِنًا﴾ أنَّ ذَلِكَ الفَرِيقَ مَصِيرُهُ الجَنَّةُ إذْ لا غايَةَ لِلْآمِنِ إلّا أنَّهُ في نَعِيمٍ. وهَذِهِ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ بِالَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِ اللَّهِ.
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الِاحْتِباكِ، إذْ حُذِفَ مُقابِلُ مَن يُلْقى في النّارِ وهو: مَن
صفحة ٣٠٥
يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وحُذِفَ مُقابِلُ ﴿مَن يَأْتِي آمِنًا﴾ وهو: مَن يَأْتِي خائِفًا، وهم أهْلُ النّارِ.
* * *
﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ إلَخْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] الآيَةَ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْنا إلْحادُهم، ولا غَيْرُهُ مِن سَيِّئِ أعْمالِهِمْ. وإنَّما خَصَّ الإلْحادَ بِالذِّكْرِ ابْتِداءً لِأنَّهُ أشْنَعُ أعْمالِهِمْ ومَصْدَرُ أسْوائِها.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ، أوْ في الإغْراءِ المُكَنّى بِهِ عَنِ التَّهْدِيدِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ بِالعِقابِ عَلى أعْمالِهِمْ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ.
وتَوْكِيدُهُ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ مَعْنَيَيْهِ الكِنائِيِّ والصَّرِيحِ، وهو تَحْقِيقُ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا شاكِّينَ في ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ.
والبَصِيرُ: العَلِيمُ بِالمُبْصَراتِ.
41:41–42Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١
Indeed, those who disbelieve in the message [i.e., the Qur’ān]1 after it has come to them...2 And indeed, it is a mighty3 Book.
لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢
Falsehood cannot approach it from before it or from behind it; [it is] a revelation from a [Lord who is] Wise and Praiseworthy.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
أعْقَبَ تَهْدِيدَهم عَلى الإلْحادِ في آياتِ اللَّهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ بِالتَّعَرُّضِ إلى إلْحادِهِمْ في آياتِ القُرْآنِ وهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلتَّنْوِيهِ بِخِصالِ القُرْآنِ وأنَّهُ لَيْسَ بِعُرْضَةٍ لِأنْ يُكْفَرَ بِهِ بَلْ هو جَدِيرٌ بِأنْ يُتَقَبَّلَ بِالِاقْتِداءِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ، فَلِهَذِهِ الجُمْلَةِ اتِّصالٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا واتِّصالٌ في المَوْقِعِ بِجُمْلَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
صفحة ٣٠٦
وتَحْدِيدُ هَذَيْنِ الِاتِّصالَيْنِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ آراءُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِما جَرى اخْتِلافُهم في مَوْقِعِها مِنَ الإعْرابِ وفي مَوْقِعِ أجْزائِها مِن تَصْرِيحٍ وتَقْدِيرٍ.
فَجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وهو يُرِيدُ أنَّهُ إبْدالُ المُفْرَدِ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلًا مُطابِقًا أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وأنَّهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ وهو حَرْفُ (إنَّ) وإنْ كانَتْ إعادَةُ العامِلِ مَعَ البَدَلِ غَيْرَ مَشْهُورٍ إلّا في حَرْفِ الجَرِّ كَما قالَ الرَّضِيُّ، فَكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ يَقْتَضِي الإطْلاقَ، وإنْ كانَ أتى بِمِثالَيْنِ عامِلُهُما حَرْفُ جَرٍّ.
وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُقَدَّرُ خَبَرٌ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرٌ عَنِ البَدَلِ وهو قَوْلُهُ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.
وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، والكِسائِيِّ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَجْعَلُونَ جُمْلَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّهم جَعَلُوا لِـ (إنَّ) خَبَرًا. فَأمّا أبُو عَمْرٍو فَقالَ: خَبَرُ إنَّ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
حُكِيَ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سُئِلَ في مَجْلِسِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ عَنْ خَبَرِ إنَّ فَقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: إنَّهُ مِنكَ لَقَرِيبٌ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، وهو يَقْتَضِي جَعْلَ الجُمَلِ الَّتِي بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها جُمَلًا مُعْتَرِضَةً وهي نَحْوُ سَبْعٍ. وأمّا الكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَدَّرُوا خَبَرًا لِاسْمِ إنَّ فَقالَ الكِسائِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فَنُقَدِّرُ الخَبَرَ: يُلْقُونَ في النّارِ، مَثَلًا. وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنِ الخَبَرِ، فَقالَ: عَمْرٌو: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. فَقالَ عِيسى: أجَدْتَ يا أبا عُثْمانَ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] بَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ أُرِيدَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ في آياتِنا مُطْلَقُ الآياتِ، أوْ بَدَلًا مُطابِقًا إنْ أُرِيدَ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ.
وقِيلَ الخَبَرُ قَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن﴾ [فصلت: ٤٣]، أيْ ما يُقالُ لَكَ فِيهِمْ إلّا ما قَدْ قُلْنا لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ في مُكَذِّبِيهِمْ، أوْ ما يَقُولُونَ إلّا كَما قالَهُ الأُمَمُ
صفحة ٣٠٧
لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
والكُفْرُ بِالقُرْآنِ يَشْمَلُ إنْكارَ كُلِّ ما يُوصَفُ بِهِ القُرْآنُ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِمّا خالَفَ مُعْتَقَدَهم ودِينَ شِرْكِهِمْ وذَلِكَ بِالِاخْتِلافاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُونَها كَقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وقَوْلُ كاهِنٍ، وقَوْلُ مَجْنُونٍ ولَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقُلُوبُنا في أكِنَّةٍ، ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] .
والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ إلَخْ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلتَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، والمَعْنى: لِأنَّهم جَدِيرُونَ بِالعُقُوبَةِ إذْ كَفَرُوا بِالآياتِ، وهي آيَةُ القُرْآنِ بِالحَقِّ، وبِشَهادَةِ ما أُوصِيَ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ.
ومَوْقِعُ إنَّ مَوْقِعُ فاءِ التَّعْلِيلِ. وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ.
والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الحالِ مِن جَلالَةِ الذِّكْرِ ونَفاسَتِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، أوْ سَفَّهُوا أنْفُسَهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَذْهَبُ إلَيْهِ نَفْسُ السّامِعِ البَلِيغِ، فَفي هَذا الحَذْفِ تَوْفِيرٌ لِلْمَعانِي وإيجازٌ في اللَّفْظِ يَقُومُ مَقامَ عِدَّةِ جُمَلٍ، وحَذْفُ خَبَرِ ”إنَّ“ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وارِدٌ في الكَلامِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ الخَمْسَةِ، وتَبِعَهُ الجُمْهُورُ، وخالَفَهُ الفَرّاءُ فَشَرَطَهُ بِتَكَرُّرِ ”إنَّ“، ومِنَ الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] الآيَةُ في سُورَةِ الحَجِّ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا
إذْ رُوِيَ بِنَصْبِ رَواجِعا عَلى الحالِ فَلَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ لَيْتَ.
وذَكَرَ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ ”إنَّ مالًا وإنَّ ولَدًا“ أيْ إنَّ لَهم، وقَوْلَ الأعْشى:
إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا
صفحة ٣٠٨
أيْ أنَّ لَنا في الدُّنْيا حُلُولًا ولَنا عَنْها مُرْتَحَلًا، إذْ لَيْسَ بَقِيَّةُ البَيْتِ وهو قَوْلُهُ:
وإنَّ في السَّفَرِ إذْ مَضَوْا مَهَلا
ما يَصِحُّ وُقُوعُهُ خَبَرًا عَنْ ”إنَّ“ الأُولى. وقالَ جَمِيلٌ:
وقالُوا نَراها يا جَمِيلُ تَنَكَّرَتْ ∗∗∗ وغَيَّرَها الواشِي، فَقُلْتُ لَعَلَّها
وقالَ الجاحِظُ في البَيانِ في بابِ مِنَ الكَلامِ المَحْذُوفِ: عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُهاجِرِينَ قالُوا «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الأنْصارَ آوَوْنا ونَصَرُونا، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: تَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهم، قالُوا: نَعَمْ، قالَ فَإنَّ ذَلِكَ» لَيْسَ في الحَدِيثِ غَيْرُ هَذا يُرِيدُ فَإنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ ومُكافَأةٌ اهـ. وفي المَقامَةِ الثّالِثَةِ والأرْبَعِينَ: حَسْبُكَ يا شَيْخُ فَقَدْ عَرَفْتُ فَنَّكَ، واسْتَبَنْتُ أنَّكَ، أيْ أنَّكَ أبُو زَيْدٍ. وقَدْ مَثَّلَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِحَذْفِ خَبَرِ إنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الذِّكْرِ، أيْ كَفَرُوا بِهِ في حالِهِ هَذا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرِ إنَّ المَحْذُوفِ.
وقَدْ أُجْرِيَ عَلى القُرْآنِ سِتَّةُ أوْصافٍ ما مِنها واحِدٌ إلّا وهو كَمالٌ عَظِيمٌ: الوَصْفُ الأوَّلُ: أنَّهُ ذِكْرٌ، أيْ يُذَكِّرُ النّاسَ كُلَّهم بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِمّا في الغَفْلَةِ عَنْهُ فَواتُ فَوْزِهِمْ.
الوَصْفُ الثّانِي مِن مَعْنى الذِّكْرِ: أنَّهُ ذِكْرٌ لِلْعَرَبِ وسُمْعَةٌ حَسَنَةٌ لَهم بَيْنَ الأُمَمِ يُخَلِّدُ لَهم مَفْخَرَةً عَظِيمَةً وهو كَوْنُهُ بِلُغَتِهِمْ ونَزَلَ بَيْنَهم كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وفي قَوْلِهِ لَمّا جاءَهم إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى الثّانِي.
الوَصْفُ الثّالِثُ: أنَّهُ كِتابٌ عَزِيزٌ، والعَزِيزُ النَّفِيسُ، وأصْلُهُ مِنَ العِزَّةِ وهي المَنَعَةُ لِأنَّ الشَّيْءَ النَّفِيسَ يُدافَعُ عَنْهُ ويُحْمى عَنِ النَّبْذِ فَإنَّهُ بَيْنَ الإتْقانِ وعُلُوِّ المَعانِي ووُضُوحِ الحُجَّةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يَكُونُ عَزِيزًا، والعَزِيزُ أيْضًا: الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ، وكَذَلِكَ حُجَجُ القُرْآنِ.
صفحة ٣٠٩
الوَصْفُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَتَطَرَّقُهُ الباطِلُ ولا يُخالِطُهُ صَرِيحُهُ ولا ضِمْنِيُّهُ، أيْ لا يَشْتَمِلُ عَلى الباطِلِ بِحالٍ. فَمُثِّلَ ذَلِكَ بِـ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، والمَقْصُودُ اسْتِيعابُ الجِهاتِ تَمْثِيلًا لِحالِ انْتِفاءِ الباطِلِ عَنْهُ في ظاهِرِهِ وفي تَأْوِيلِهِ بِحالِ طَرْدِ المُهاجِمِ لِيَضُرَّ بِشَخْصٍ يَأْتِيهِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنْ صَدَّهُ خاتَلَهُ فَأتاهُ مِن خَلْفِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .
فَمَعْنى ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِ ولا يُداخِلُهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُدْعى عَلَيْهِ الباطِلُ.
الوَصْفُ الخامِسُ: أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحِكْمَةِ وهي المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ، ولا يَصْدُرُ عَنِ الحَكِيمِ إلّا الحِكْمَةُ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَإنَّ كَلامَ الحَكِيمِ يَأْتِي مُحْكَمًا مُتْقَنًا رَصِينًا لا يَشُوبُهُ الباطِلُ.
الوَصْفُ السّادِسُ: أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَمِيدٍ، والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ حَمْدًا كَثِيرًا، أيْ مُسْتَحِقٌّ الحَمْدَ الكَثِيرَ، فالكَلامُ المُنَزَّلُ مِنهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، وإنَّما يُحْمَدُ الكَلامُ إذْ يَكُونُ دَلِيلًا لِلْخَيْراتِ وسائِقًا إلَيْها لا مَطْعَنَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، فَيَحْمَدُهُ سامِعُهُ كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ يَجِدُهُ مَجْلَبَةً لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ، ويُحْمَدُ قائِلُهُ لا مَحالَةَ خِلافًا لِلْمُشْرِكِينَ.
وفِي إجْراءِ هَذِهِ الأوْصافِ إيماءٌ إلى حَماقَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهَذا القُرْآنِ وسَفاهَةِ آرائِهِمْ إذْ فَرَّطُوا فِيهِ فَفَرَّطُوا في أسْبابِ فَوْزِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِجُمْلَةِ الحالِ مِنَ الكِتابِ عَقِبَ ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ الآياتِ.
41:43Page 481
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ ٤٣
Nothing is said to you, [O Muḥammad], except what was already said to the messengers before you. Indeed, your Lord is a possessor of forgiveness and a possessor of painful penalty.
﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِسُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ فَيَقُولُ سائِلٌ: فَما بالُ هَؤُلاءِ طَعَنُوا فِيهِ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ
صفحة ٣١٠
مَعَ أُمَمِهِمْ لا يُعْدَمُونَ مُعانِدِينَ جاحِدِينَ يَكْفُرُونَ بِما جاءُوا بِهِ. وإذا بُنِيَتْ عَلى ما جَوَّزْتُهُ سابِقًا أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ (ما يُقالُ) خَبَرَ ”إنَّ“ كانَتْ خَبَرًا ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا.
وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمْرٌ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ كَما صَبَرَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.
ولِهَذا الكَلامِ تَفْسِيرانِ:
أحَدَهُما: أنْ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ في القُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ هو دَأْبُ أمْثالِهِمُ المُعانِدِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَماصَدَقَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو مَقالاتُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، أيْ تَشابَهَتْ قُلُوبُ المُكَذِّبِينَ فَكانَتْ مَقالاتُهم مُتَماثِلَةً قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
التَّفْسِيرُ الثّانِي: ما قُلْنا لَكَ إلّا ما قُلْناهُ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، فَأنْتَ لَمْ تَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ فَيَكُونُ لِقَوْمِكَ بَعْضُ العُذْرِ في التَّكْذِيبِ ولَكِنَّهم كَذَّبُوا كَما كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَماصَدَقَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو الدِّينُ والوَحْيُ فَيَكُونُ مِن طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨]، وكِلا المَعْنَيَيْنِ وارِدٌ في القُرْآنِ فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كِلَيْهِما.
وفِي التَّعْبِيرِ بِـما المَوْصُولَةِ وفي حَذْفِ فاعِلِ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ ما يُقالُ وقَوْلِهِ ما قَدْ قِيلَ نَظْمٌ مَتِينٌ حَمَّلَ الكَلامَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ العَظِيمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والمَعْنى: إلّا مِثْلَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ.
واجْتِلابُ المُضارِعِ في ما يُقالُ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ هَذا القَوْلِ مِنهم وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْهُ مَعَ ظُهُورِ ما شَأْنُهُ أنْ يَصُدَّهم عَنْ ذَلِكَ.
واقْتِرانُ الفِعْلِ بِقَدْ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِثْلُ ما قالَتِ المُشْرِكُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَهو تَأْكِيدٌ لِلازِمِ الخَبَرِ وهو لُزُومُ الصَّبْرِ عَلى قَوْلِهِمْ. وهو مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ إذْ حَسِبُوا أنَّهم جابَهُوا الرَّسُولَ بِما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
* * *
صفحة ٣١١
﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ .
تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ووَعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ. ووُقُوعُ هَذا الخَبَرِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ يُومِئُ إلى أنَّ هَذا الوَعْدَ جَزاءٌ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ الأذى في ذاتِ اللَّهِ وأنَّ الوَعِيدَ لِلَّذِينَ آذَوْهُ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ.
ومَعْنى المَغْفِرَةِ لَهُ: التَّجاوُزُ عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسْمَعُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى كَثِيرٍ. وحَرْفُ إنَّ فِيهِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ لا لِلتَّأكُّدِ.
وكَلِمَةُ ذُو مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المَغْفِرَةَ والعِقابَ كِلَيْهِما مِن شَأْنِهِ تَعالى وهو يَضَعُهُما بِحِكْمَتِهِ في المَواضِعِ المُسْتَحِقَّةِ لِكُلٍّ مِنهُما.
ووَصْفُ العِقابِ بِألِيمٍ دُونَ وصْفٍ آخَرَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِما عُوقِبُوا لِأجْلِهِ فَإنَّهم آلَمُوا نَفْسَ النَّبِيءِ ﷺ بِما عَصَوْا وآذَوْا.
وفِي جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ مُحَسِّنُ الجَمْعِ ثُمَّ التَّقْسِيمِ، فَقَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ يَجْمَعُ قائِلًا ومَقُولًا لَهُ فَكانَ الإيماءُ بِوَصْفِ ذُو مَغْفِرَةٍ إلى المَقُولِ لَهُ، ووَصْفِ ذُو عِقابٍ ألِيمٍ إلى القائِلِينَ، وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ وقَرِينَةُ المَقامِ تَرُدُّ كُلًّا إلى مُناسِبِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences