Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:8–12
41:8Page 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنِ الوَعِيدِ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ المُشْرِكُونَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِالِاسْتِقامَةِ إلى اللَّهِ واسْتِغْفارِهِ عَمّا فَرَطَ مِنهم، كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَإنِ اتَّعَظُوا وارْتَدَعُوا فَماذا يَكُونُ جَزاؤُهم، فَأُفِيدَ ذَلِكَ وهو أنَّهم حِينَئِذٍ يَكُونُونَ مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ.
وتَقْدِيمُ لَهم لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ.
صفحة ٢٤١
والأجْرُ: الجَزاءُ النّافِعُ، عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ، أوْ هو ما يُعْطَوْنَهُ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ.
والمَمْنُونُ: مَفْعُولٌ مِنَ المَنِّ، وهو ذِكْرُ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِها، والتَّقْدِيرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ أُعْطُوهُ شُكْرًا لَهم عَلى ما أسْلَفُوهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ، يَعْنِي: أنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ في الجَنَّةِ تُرافِقُهُ الكَرامَةُ والثَّناءُ فَلا يُحِسُّونَ بِخَجَلِ العَطاءِ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَأجْرُهم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَمْلُوكِ لَهُمُ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ إيّاهم أحَدٌ وذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
غُضْفٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها أيْ تَأْخُذُ طَعامَها بِأنْفُسِها فَلا مِنَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْها.
41:9Page 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ .
بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ بَشَرٌ يُوحى إلَيْهِ فَما يَمْلِكُ إلْجاءَهم إلى الإيمانِ أمَرَهُ عَقِبَ ذَلِكَ بِمُعاوَدَةِ إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، مُدْمِجًا في ذَلِكَ تَذْكِيرَهم بِالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى إشْراكِهِمْ بِهِ في حِينِ وُضُوحِ الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ واتِّصافِهِ بِتَمامِ القُدْرَةِ والعِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ثانٍ هو جَوابٌ ثانٍ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] .
وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ المُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّوْبِيخِ، فَقَوْلُهُ ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] .
وفِي الِافْتِتاحِ بِالِاسْتِفْهامِ وحَرْفَيِ التَّوْكِيدِ تَشْوِيقٌ لِتَلَقِّي ما بَعْدَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ ذَلِكَ
صفحة ٢٤٢
عَلى أنَّ أمْرًا مُهِمًّا سَيُلْقى إلَيْهِمْ، وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ، أوِ التَّعْجِيبِيِّ اسْتِعْمالٌ وارِدٌ كَثِيرًا في الكَلامِ الفَصِيحِ، لِيَكُونَ الإنْكارُ لِأمْرٍ مُحَقَّقٍ، وهو هُنا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ وعَلى تَجاهُلِهِمُ المُلازَمَةَ بَيْنَ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ وبَيْنَ اسْتِحْقاقِ الإفْرادِ بِالعِبادَةِ فَأُعْلِمُوا بِتَوْكِيدِ أنَّهم يَكْفُرُونَ، وبِتَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ، فالتَّوْبِيخُ المُفادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ مُسَلَّطٌ عَلى تَحْقِيقِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ بِالمَكانَةِ العُلْيا، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ التَّوْكِيدُ مُسَلَّطًا عَلى التَّوْبِيخِ والإنْكارِ قَلْبٌ لِنِظامِ الكَلامِ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (تَكْفُرُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ أنَّ تَجَدُّدَ كُفْرِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا مَعَ سُطُوعِ الأدِلَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الإقْلاعَ عَنْهُ أمْرٌ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ.
ومَعْنى الكُفْرِ بِهِ الكُفْرُ بِانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَلَمّا أشْرَكُوا مَعَهُ آلِهَةً كانُوا واقِعِينَ في إبْطالِ إلَهِيَّتِهِ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يُنافِي حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَهُ؛ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا صِفاتِ ذاتِهِ فَقَدْ تَصَوَّرُوهُ عَلى غَيْرِ كُنْهِهِ.
وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيانُ خَلْقِ هَذِهِ العَوالِمِ، فَمَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو صِلَةُ المَوْصُولِ، وأمّا ما تَعَلَّقَ بِها فَهو إدْماجٌ.
والأرْضُ: هي الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما فِيها مِن يابِسٍ وبِحارٍ، أيْ خَلْقُ جِرْمِها.
واليَوْمانِ: تَثْنِيَةُ يَوْمٍ، وهو الحِصَّةُ الَّتِي بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ وطُلُوعِها ثانِيَةً. والمُرادُ: في مُدَّةِ تَساوِي يَوْمَيْنِ مِمّا عَرَفَهُ النّاسُ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ؛ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ اللَّذَيْنِ يُقَدَّرُ اليَوْمُ بِظُهُورِهِما عَلى الأرْضِ لَمْ يَظْهَرا إلّا بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وإنَّما ابْتُدِئَ بِذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ؛ لِأنَّ آثارَهُ أظْهَرُ لِلْعِيانِ وهي في مُتَناوَلِ الإنْسانِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِ الأرْضِ أسْبَقَ نُهُوضًا. ولِأنَّ النِّعْمَةَ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأرْضُ أقْوى وأعَمُّ فَيَظْهَرُ قُبْحُ الكُفْرانِ بِخالِقِها أوْضَحَ وأشْنَعَ.
وعَطْفُ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَلى لَتَكْفُرُونَ تَفْسِيرٌ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وكانَ
صفحة ٢٤٣
مُقْتَضى الظّاهِرِ أنَّ في التَّفْسِيرِ لا يُعْطَفُ، فَعَدَلَ إلى عَطْفِهِ لِيَكُونَ مَضْمُونُهُ مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ.
والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ بِكَسْرِ النُّونِ وهو المِثْلُ. والمُرادُ: أنْدادٌ في الإلَهِيَّةِ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِالمَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ التَّوْبِيخِ، لِأنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ.
والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى ﴿الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وفي الإشارَةِ نِداءٌ عَلى بَلادَةِ رَأْيِهِمْ إذْ لَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ هو رَبُّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ خالِقُ الأرْضِ وما فِيها، ولا إلى أنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَقْتَضِي انْتِفاءَ النِّدِّ والشَّرِيكِ، وإذا كانَ هو رَبَّ العالَمِينَ فَهو رَبُّ ما دُونُ العالَمِينَ مِنَ الأجْناسِ الَّتِي هي أحَطُّ مِنَ العُقَلاءِ كالحِجارَةِ والأخْشابِ الَّتِي مِنها صُنِعَ أصْنامُهم.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفاتِ عَلى الصِّلَةِ.
41:10Page 477
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الصِّلَةِ لا عَلى مَعْمُولِ الفِعْلِ، فَجُمْلَةُ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ إلَخْ صِلَةٌ ثانِيَةٌ في المَعْنى، ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ فِعْلِ خَلَقَ لِأنَّ هَذا الجَعْلَ تَكْوِينٌ آخَرُ حَصَلَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وهو خَلْقُ أجْزاءٍ تَتَّصِلُ بِها إمّا مِن جِنْسِها كالجِبالِ وإمّا مِن غَيْرِ جِنْسِها كالأقْواتِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] .
والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، وهو صِفَةٌ لِلْجِبالِ لِأنَّ الجِبالَ حِجارَةٌ لا تَنْتَقِلُ بِخِلافِ الرِّمالِ والكُثْبانِ، وهي كَثِيرَةٌ في بِلادِ العَرَبِ. وحُذِفَ المَوْصُوفُ لِدَلالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢] أيِ السُّفُنُ الجَوارِي. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
صفحة ٢٤٤
ووَصْفُ الرَّواسِي بِـ ﴿مِن فَوْقِها﴾ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الرّائِعَةِ لِمَناظِرِ الجِبالِ، فَمِنها الجَمِيلُ المَنظَرِ المُجَلَّلُ بِالخُضْرَةِ أوِ المَكْسُوُّ بِالثُّلُوجِ، ومِنها الرَّهِيبُ المَرْأى مِثْلَ جِبالِ النّارِ البَراكِينِ، والجِبالِ المَعْدِنِيَّةِ السُّودِ.
وبارَكَ فِيها جَعَلَ فِيها البَرَكَةَ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ النّافِعُ، وفي الأرْضِ خَيْراتٌ كَثِيرَةٌ فِيها رِزْقُ الإنْسانِ وماشِيَتِهِ، وفِيها التُّرابُ والحِجارَةُ والمَعادِنُ، وكُلُّها بَرَكاتٌ.
وقَدَّرَ جَعَلَ قَدْرًا، أيْ مِقْدارًا، قالَ تَعالى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، والمِقْدارُ: النِّصابُ المَحْدُودُ بِالنَّوْعِ أوِ الكَمِّيَّةِ، فَمَعْنى ﴿قَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أنَّهُ خَلَقَ في الأرْضِ القُوى الَّتِي تَنْشَأُ مِنها الأقْواتُ وخَلَقَ أُصُولَ أجْناسِ الأقْواتِ وأنْواعَها مِنَ الحَبِّ لِلْحُبُوبِ، والكَلَأِ والكَمْأةِ، والنَّوى لِلثِّمارِ، والحَرارَةِ الَّتِي يَتَأثَّرُ بِها تَوَلُّدُ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ، وما يَتَوَلَّدُ مِنهُ الحِيتانُ ودَوابُّ البِحارِ والأنْهارِ.
ومِنَ التَّقْدِيرِ: تَقْدِيرُ كُلِّ نَوْعٍ بِما يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الأوْقاتِ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ أوِ اعْتِدالٍ. وأشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَأْتِي القَوْلُ فِيهِ، وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ.
وجَمْعُ الأقْواتِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الأرْضِ يُفِيدُ العُمُومَ، أيْ جَمِيعُ أقْواتِها وعُمُومُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُقْتاتِينَ، فَلِلدَّوابِّ أقْواتٌ، ولِلطَّيْرِ أقْواتٌ، ولِلْوُحُوشِ أقْواتٌ، ولِلزَّواحِفِ أقْواتٌ، ولِلْحَشَراتِ أقْواتٌ، وجُعِلَ لِلْإنْسانِ جَمِيعُ تِلْكَ الأقْواتِ مِمّا اسْتَطابَ مِنها كَما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ومَضى الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ فَذْلَكَةٌ لِمَجْمُوعِ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ جِرْمِها، وما عَلَيْها مِن رَواسِيَ، وما فِيها مِنَ القُوى، فَدَخَلَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأيّامِ اليَوْمانِ اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] فَكَأنَّهُ قِيلَ: في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقَوْلُهُ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ فَذْلَكَةٌ، وعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما في نَسْجِ الآيَةِ لِقَصْدِ الإيجازِ
صفحة ٢٤٥
واعْتِمادًا عَلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، فَلَوْ كانَ اليَوْمانِ اللَّذانِ قَضى فِيهِما خَلْقَ السَّماواتِ زائِدَيْنِ عَلى سِتَّةِ أيّامٍ انْقَضَتْ في خَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها لَصارَ مَجْمُوعُ الأيّامِ ثَمانِيَةً، وذَلِكَ يُنافِي الإشارَةَ إلى عِدَّةِ أيّامِ الأُسْبُوعِ، فَإنَّ اليَوْمَ السّابِعَ يَوْمُ فَراغٍ مِنَ التَّكْوِينِ. وحِكْمَةُ التَّمْدِيدِ لِلْخَلْقِ أنْ يَقَعَ عَلى صِفَةٍ كامِلَةٍ مُتَناسِبَةٍ.
(﴿وسَواءٌ﴾ [يس: ١٠]) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن أيّامٍ أيْ كامِلَةً لا نَقْصَ فِيها ولا زِيادَةَ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: هي سَواءٌ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَلى الوَصْفِ لِأيّامٍ.
ولِلسّائِلِينَ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن أفْعالِ ”جَعَلَ، وبارَكَ، وقَدَّرَ“ فَيَكُونُ لِلسّائِلِينَ جَمْعُ سائِلٍ بِمَعْنى الطّالِبِ لِلْمَعْرِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، أيْ بَيَّنّا ذَلِكَ لِلسّائِلِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لِلسّائِلِينَ) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ﴿قَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالسّائِلِينَ الطّالِبِينَ لِلْقُوتِ.
41:11Page 477
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مَرْتَبَةً مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ أعْظَمُ مِن خَلْقِ الأرْضِ، وعَوالِمُها أكْثَرُ وأعْظَمُ، فَجِيءَ بِحَرْفِ التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بَعْدَ أنْ قُضِيَ حَقُّ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ حَتّى يُوَفّى المُقْتَضِيانِ حَقَّهُما. ولَيْسَ هَذا بِمُقْتَضٍ أنَّ الإرادَةَ تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِ السَّماءِ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِ الأرْضِ ولا مُقْتَضِيًا أنَّ خَلْقَ السَّماءِ وقَعَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ كَما سَيَأْتِي.
والِاسْتِواءُ: القَصْدُ إلى الشَّيْءِ تَوًّا لا يَعْتَرِضُهُ شَيْءٌ آخَرُ. وهو تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِإيجادِ السَّماواتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ورُبَّما كانَ في قَوْلِهِ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى تَوَجَّهَتْ إرادَتُهُ لِخَلْقِ
صفحة ٢٤٦
السَّماواتِ والأرْضِ تَوَجُّهًا واحِدًا ثُمَّ اخْتَلَفَ زَمَنُ الإرادَةِ التَّنْجِيزِيُّ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ تَنْجِيزًا بِخَلْقِ السَّماءِ ثُمَّ بِخَلْقِ الأرْضِ، فَعَبَّرَ عَنْ تَعَلُّقِ الإرادَةِ تَنْجِيزًا لِخَلْقِ السَّماءِ بِتَوَجُّهِ الإرادَةِ إلى السَّماءِ، وذَلِكَ التَّوَجُّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِواءِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَفِعْلُ ائْتِيا أمْرٌ لِلتَّكْوِينِ.
والدُّخانُ: ما يَتَصاعَدُ مِنَ الوَقُودِ عِنْدَ التِهابِ النّارِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ وهي مِثْلُ الدُّخانِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّها كانَتْ عَماءَ» .
وقِيلَ: أرادَ بِالدُّخانِ هُنا شَيْئًا مُظْلِمًا، وهو المُوافِقُ لِما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن قَوْلِها ”وعَلى وجْهِ الغَمْرِ ظُلْمَةٌ“ وهو بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الوُجُودِ مِنَ الحَوادِثِ إلّا العَماءُ، والعَماءُ: سَحابٌ رَقِيقٌ، أيْ رُطُوبَةٌ دَقِيقَةٌ وهو تَقْرِيبٌ لِلْعُنْصُرِ الأصْلِيِّ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ مِنهُ المَوْجُوداتِ، وهو الَّذِي يُناسِبُ كَوْنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً قَبْلَ الأرْضِ.
ومَعْنى ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ أنَّ أصْلَ السَّماءِ هو ذَلِكَ الكائِنُ المُشَبَّهُ بِالدُّخانِ، أيْ أنَّ السَّماءَ كُوِّنَتْ مِن ذَلِكَ الدُّخانِ كَما تَقُولُ: عَمَدْتُ إلى هاتِهِ النَّخْلَةِ وهي نَواةٌ فاخْتَرْتُ لَها أخْصَبَ تُرْبَةٍ، فَتَكُونُ مادَّةُ السَّماءِ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى فِعْلِ ﴿اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ فَيَكُونُ القَوْلُ مُوَجَّهًا إلى السَّماءِ والأرْضِ حِينَئِذٍ، أيْ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ لا مَحالَةَ وقَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ، لِأنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ لَها مُقارِنًا القَوْلَ لِلسَّماءِ، وهو قَوْلُ تَكْوِينٍ. أيْ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِالسَّماءِ والأرْضِ، أيْ بِمادَّةِ تَكْوِينِهِما وهي الدُّخانُ لِأنَّ السَّماءَ تَكَوَّنَتْ مِنَ العَماءِ بِجُمُودِ شَيْءٍ مِنهُ سُمِّيَ جِلْدًا فَكانَتْ مِنهُ السَّماءُ وتَكَوَّنَ مَعَ السَّماءِ الماءُ وتَكَوَّنَتِ الأرْضُ بِيُبْسٍ ظَهَرَ في ذَلِكَ الماءِ كَما جاءَ الإصْحاحُ الأوَّلُ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ.
والإتْيانُ في قَوْلِهِ ائْتِيا أصْلُهُ: المَجِيءُ والإقْبالُ ولَمّا كانَ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ غَيْرَ
صفحة ٢٤٧
مُرادٍ لِأنَّ السَّماءَ والأرْضَ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَأْتِيا، ولا يُتَصَوَّرَ مِنهُما طَواعِيَةٌ أوْ كَراهِيَةٌ إذْ لَيْسَتا مِن أهْلِ العُقُولِ والإدْراكاتِ، ولا يُتَصَوَّرُ أنَّ اللَّهَ يُكْرِهُهُما عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي خُرُوجَهُما عَنْ قُدْرَتِهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ تَعَيَّنَ الصَّرْفُ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ لَهُما مِنَ البَلاغَةِ المَكانَةُ العُلْيا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإتْيانُ مُسْتَعارًا لِقَبُولِ التَّكْوِينِ كَما اسْتُعِيرَ لِلْعِصْيانِ الإدْبارُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] «، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِمُسَيْلِمَةَ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ في وفْدِ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ لَئِنْ أدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ»، وكَما يُسْتَعارُ النُّفُورُ والفِرارُ لِلْعِصْيانِ.
فَمَعْنى ائْتِيا امْتَثِلا أمْرَ التَّكْوِينِ. وهَذا الِامْتِثالُ مُسْتَعارٌ لِلْقَبُولِ وهو مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ ولَهُ مَكانَةٌ في البَلاغَةِ، والقَوْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَعارٌ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وقَوْلُهُ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ البُدِّ مِن قَبُولِ الأمْرِ وهو تَمْثِيلٌ لِتَمَكُّنِ القُدْرَةِ مِن إيجادِهِما عَلى وفْقِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى فَكَلِمَةُ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ جارِيَةٌ مَجْرى الأمْثالِ.
و﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ وقَعا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ ائْتِيا أيْ طائِعَيْنِ أوْ كارِهَيْنِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مُسْتَعْمَلَةً تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِتَكْوِينِ السَّماءِ والأرْضِ لِعَظَمَةِ خالِقِهِما بِهَيْئَةِ صُدُورِ الأمْرِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ لِلْعَبْدِ المَأْذُونِ بِالحُضُورِ لِعَمَلٍ شاقٍّ أنْ يَقُولَ لَهُ: ائْتِ لِهَذا العَمَلِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، لِتَوَقُّعِ إبائِهِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، وهَذا مِن دُونِ مُراعاةِ مُشابَهَةِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ المُشَبَّهَةِ لِأجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَلا قَوْلَ ولا مَقُولَ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ، ويَكُونُ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ عَلى هَذا مِن تَمامِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ.
والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ ونُفُوذِها في المَقْدُوراتِ دَقَّتْ أوْ جَلَّتْ.
صفحة ٢٤٨
وأمّا قَوْلُهُ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ السَّماءِ والأرْضِ مُسْتَعارًا لِدَلالَةِ سُرْعَةِ تَكَوُّنِهِما لِشِبْهِهِما بِسُرْعَةِ امْتِثالِ المَأْمُورِ المُطِيعِ عَنْ طَواعِيَةٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ ولا يَتَلَكَّأُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ والتَّخْيِيلِ مِن بابِ قَوْلِ الرّاجِزِ الَّذِي لا يُعْرَفُ تَعْيِينُهُ:
امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ: قَطْنِي وهو كَثِيرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ تَكَوُّنِ السَّماءِ والأرْضِ عِنْدَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِتَكْوِينِهِما بِهَيْئَةِ المَأْمُورِ بِعَمَلٍ تَقَبُّلُهُ عَنْ طَواعِيَةٍ. وهُما اعْتِبارانِ مُتَقارِبانِ، إلّا أنَّ القَوْلَ، والإتْيانَ، والطَّوْعَ، عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ تَكُونُ مَجازاتٍ، وعَلى الِاعْتِبارِ الثّانِي تَكُونُ حَقائِقَ وإنَّما المَجازُ في التَّرْكِيبِ عَلى ما هو مَعْلُومٌ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المَجازِ المُفْرَدِ والمَجازِ المُرَكَّبِ في فَنِّ البَيانِ.
وإنَّما جاءَ قَوْلُهُ طائِعِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ لَفْظَ السَّماءِ يَشْتَمِلُ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ كَما قالَ تَعالى إثْرَ هَذا ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فالِامْتِثالُ صادِرٌ عَنْ جَمْعٍ، وأمّا كَوْنُهُ بِصِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ فَلِأنَّ السَّماءَ والأرْضَ لَيْسَ لَهُما تَأْنِيثٌ حَقِيقِيٌّ.
وأمّا كَوْنُهُ بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ فَذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْمَكْنِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] .
41:12Page 478
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا﴾ [فصلت: ١١] .
والقَضاءُ: الإيجادُ الإبْداعِيُّ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الإتْمامِ والحُكْمِ، فَهو يَقْتَضِي الِابْتِكارَ والإسْراعَ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
وضَمِيرُ فَقَضّاهُنَّ عائِدٌ إلى السَّماواتِ عَلى اعْتِبارِ تَأْنِيثِ لَفْظِها، وهَذا تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٤٩
وانْتَصَبَ سَبْعُ سَماواتٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قَضّاهُنَّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ قَضاهُنَّ لِتَضْمِينِ قَضاهُنَّ مَعْنى صَيَّرَهُنَّ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] .
وكانَ خَلْقُ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ قَبْلَ أرْبَعَةِ الأيّامِ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها الأرْضُ وما فِيها. وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ كانَ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ وهو المُناسِبُ لِقَواعِدِ عِلْمِ الهَيْئَةِ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وإنَّما كانَتْ مُدَّةُ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ أقْصَرَ مِن مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ مَعَ أنَّ عَوالِمَ السَّماواتِ أعْظَمُ وأكْثَرُ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ بِكَيْفِيَّةٍ أسْرَعَ فَلَعَلَّ خَلْقَ السَّماواتِ كانَ بِانْفِصالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ وتَفَرْقَعَ أحْجامُها بَعْضُها عَنْ خُرُوجِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهو الَّذِي قَرَّبَهُ حُكَماءُ اليُونانِ الأقْدَمُونَ بِما سَمَّوْهُ صُدُورَ العُقُولِ العَشَرَةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وكانَتْ سُرْعَةُ انْبِثاقِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ مَعْلُولَةً لِأحْوالٍ مُناسِبَةٍ لِما تَرَكَّبَتْ بِهِ مِنَ الجَواهِرِ.
وأمّا خَلْقُ الأرْضِ فالأشْبَهُ أنَّهُ بِطَرِيقَةِ التَّوَلُّدِ المُبْطِئِ لِأنَّها تَكَوَّنَتْ مِنَ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ فَكانَ تُوَلُّدُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ أيْضًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
وهَذِهِ الأيّامُ كانَتْ هي مَبْدَأ الِاصْطِلاحِ عَلى تَرْتِيبِ أيّامِ الأُسْبُوعِ وقَدْ خاضَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ مَبْدَأِ هَذِهِ الأيّامِ، فَأمّا كُتُبُ اليَهُودِ فَفِيها أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الأيّامِ هو الأحَدُ وأنَّ سادِسَها هو يَوْمُ الجُمُعَةِ وأنَّ يَوْمَ السَّبْتِ جَعَلَهُ اللَّهُ خِلْوًا مِنَ الخَلْقِ لِيُوافِقَ طُقُوسَ دِينِهِمُ الجاعِلَةَ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ راحَةٍ لِلنّاسِ ودَوابِّهِمُ اقْتِداءً بِإنْهاءِ خَلْقِ العالَمِينَ.
وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ جَرى العَرَبُ في تَسْمِيَةِ الأيّامِ ابْتِداءً مِنَ الأحَدِ الَّذِي هو بِمَعْنى أوَّلٌ أوْ واحِدٌ، واسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ أوَّلٌ وذَلِكَ سَرى إلَيْهِمْ مِن تَعالِيمِ اليَهُودِ أوْ مِن تَعالِيمَ أسْبَقَ كانَتْ هي الأصْلَ الأصِيلَ لِاصْطِلاحِ الأُمَّتَيْنِ.
والَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وأنَّهُ خَيْرُ أيّامِ الأُسْبُوعِ وأفْضَلِها، وأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اخْتَلَفُوا في
صفحة ٢٥٠
تَعْيِينِ اليَوْمِ الأفْضَلِ مِنَ الأُسْبُوعِ، وأنَّ اللَّهَ هَدى إلَيْهِ المُسْلِمِينَ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فَهَذا اليَوْمُ ”أيِ الجُمُعَةُ“ هو اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . ولا خِلافَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ يَوْمُ خَلْقِهِ هو اليَوْمَ السّابِعَ. وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ اللَّهَ ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ السَّبْتِ» . وقَدْ ضَعَّفَهُ البُخارِيُّ وابْنُ المَدِينِيِّ بِأنَّهُ مِن كَلامِ كَعْبِ الأحْبارِ حَدَّثَ بِهِ أبا هُرَيْرَةَ، وإنَّما اشْتَبَهَ عَلى بَعْضِ رُواةِ سَنَدِهِ فَظَنَّهُ مَرْفُوعًا.
ولِهَذِهِ تَفْصِيلاتٌ لَيْسَ وراءَها طائِلٌ وإنَّما ألْمَمْنا بِهِ هُنا لِئَلّا يَعْرُوَ التَّفْسِيرُ عَنْها، فَيَقَعَ مَن يَراها في غَيْرِهِ في حَيْرَةٍ، وإنَّما مَقْصِدُ القُرْآنِ العِبْرَةُ.
* * *
﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ .
وأوْحى عَطْفٌ عَلى فَقَضّاهُنَّ.
والوَحْيُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، ويُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى حُصُولِ المَعْرِفَةِ في نَفْسِ مَن يُرادُ حُصُولُها عِنْدَهُ دُونَ قَوْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّاءَ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] أيْ أوْمَأ إلَيْهِمْ بِما دَلَّ عَلى مَعْنى: سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا. وقَوْلُ أبِي داوُدَ:
يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطُّوالِ وتارَةً وحْيَ المَلاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَباءِ
ثُمَّ يُتَوَسَّعُ فِيهِ فَيُطْلَقُ عَلى إلْهامِ اللَّهِ تَعالى المَخْلُوقاتِ لِما تَتَطَلَّبُهُ مِمّا فِيهِ صَلاحُها كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] أيْ جَبَلِها عَلى إدْراكِ ذَلِكَ وتَطَلُّبِهِ، ويُطْلَقُ عَلى تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ لِقَبُولِ أثَرِ قُدْرَتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] .
والوَحْيُ في السَّماءِ يَقَعُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازاتِهِ، فَهو أوْحى في السَّماواتِ بِتَقادِيرِ نُظُمِ جاذِبِيَّتِها، وتَقادِيرِ سَيْرِ
صفحة ٢٥١
كَواكِبِها، وأوْحى فِيها بِخَلْقِ المَلائِكَةِ فِيها، وأوْحى إلى المَلائِكَةِ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الأمْرِ بِما يَعْمَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وقالَ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] .
وأمْرَها بِمَعْنى شَأْنِها، وهو يَصْدُقُ بِكُلِّ ما هو مِن مُلابَساتِها مِن سُكّانِها وكَواكِبِها وتَماسُكِ جِرْمِها والجاذِبِيَّةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُجاوِرُها. وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في خَلْقِ الأرْضِ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١٠] .
وانْتَصَبَ (أمْرَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأمْرِها أوْ عَلى تَضْمِينِ أوْحى مَعْنى قَدَّرَ أوْ أوْدَعَ.
ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِينَ لِطُولِ اسْتِعْمالِ طَرِيقِ الغَيْبَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ بِـ ﴿الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] مَعَ إظْهارِ العِنايَةِ بِتَخْصِيصِ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي يَنْفَعُ النّاسَ دِينًا ودُنْيا وهو خَلْقُ النُّجُومِ الدَّقِيقَةِ والشُّهُبِ بِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عُمُومِ ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾، فَما السَّماءُ الدُّنْيا إلّا مِن جُمْلَةِ السَّماواتِ، وما النُّجُومُ والشُّهُبُ إلّا مِن جُمْلَةِ أمْرِها.
والمَصابِيحُ: جَمْعُ مِصْباحٍ، وهو ما يُوقَدُ بِالنّارِ في الزَّيْتِ لِلْإضاءَةِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّباحِ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يَجْعَلُوهُ خَلَفًا عَنِ الصَّباحِ. والمُرادُ بِالمَصابِيحِ النُّجُومُ، اسْتُعِيرَ لَها المَصابِيحُ لِما يَبْدُو مِن نُورِها.
وانْتَصَبَ (حِفْظًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ زَيَّنّا، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْناها حِفْظًا. والمُرادُ: حِفْظًا لِلسَّماءِ مِنَ الشَّياطِينِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
* * *
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ .
صفحة ٢٥٢
والتَّقْدِيرُ: وضْعُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ يس. وتَقَدَّمَ وجْهُ إيثارِ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ بِالذِّكْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences