Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:13–14

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:13–14

42:13Page 484

۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣

He has ordained for you of religion what He enjoined upon Noah and that which We have revealed to you, [O Muḥammad], and what We enjoined upon Abraham and Moses and Jesus - to establish the religion and not be divided therein. Difficult for those who associate others with Allāh is that to which you invite them. Allāh chooses for Himself whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him].

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾

انْتِقالٌ مِن الِامْتِنانِ بِالنِّعَمِ الجُثْمانِيَّةِ إلى الِامْتِنانِ بِالنِّعْمَةِ الرُّوحِيَّةِ بِطَرِيقِ الإقْبالِ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِلتَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ ولِلتَّعْرِيضِ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ. فالجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ.

ومَعْنى (شَرَعَ) أوْضَحَ وبَيَّنَ لَكم مَسالِكَ ما كَلَّفَكم بِهِ. وأصْلُ (شَرَعَ): جَعَلَ طَرِيقًا واسِعَةً. وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى سَنِّ القَوانِينِ والأدْيانِ فَسُمِّيَ الدِّينُ شَرِيعَةً. فَـ (شَرَعَ) هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّبْيِينِ كَما في قَوْلِهِ: أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ

صفحة ٥٠

وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] في سُورَةِ العُقُودِ.

والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو يَعُمُّ الأدْيانَ الإلَهِيَّةَ السّابِقَةَ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ.

والتَّوْصِيَةُ: الأمْرُ بِشَيْءٍ مَعَ تَحْرِيضٍ عَلى إيقاعِهِ والعَمَلِ بِهِ.

ومَعْنى كَوْنِهِ شَرَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا أنَّ الإسْلامَ دِينٌ مِثْلُ ما أمَرَ بِهِ نُوحًا وحَضَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضافٌ، أيْ مِثْلَ ما وصّى بِهِ نُوحًا، أوْ هو بِتَقْدِيرِ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ المُماثَلَةِ حَتّى صارَ المِثْلُ كَأنَّهُ عَيْنُ مِثْلِهِ. وهَذا تَقْدِيرٌ شائِعٌ كَقَوْلِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: (هَذا هو النّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى عِيسى) .

والمُرادُ: المُماثَلَةُ في أُصُولِ الدِّينِ مِمّا يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ، وفي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِن كُلِّيّاتِ التَّشْرِيعِ، وأعْظَمُها تَوْحِيدُ اللَّهِ، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكُلِّيّاتِ الخَمْسِ الضَّرُورِيّاتِ، ثُمَّ الحاجِيّاتِ الَّتِي لا يَسْتَقِيمُ نِظامُ البَشَرِ بِدُونِها، فَإنَّ كُلَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأدْيانُ المَذْكُورَةُ مِن هَذا النَّوْعِ قَدْ أُودِعَ مِثْلُهُ في دِينِ الإسْلامِ.

فالأدْيانُ السّابِقَةُ كانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ والحَياةِ الآخِرَةِ، وتَقْوى اللَّهِ بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ مَنهِيِّهِ عَلى العُمُومِ، وبِمَكارِمِ الأخْلاقِ بِحَسَبِ المَعْرُوفِ، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] . وتَخْتَلِفُ في تَفاصِيلِ ذَلِكَ وتَفارِيعِهِ.

ودِينُ الإسْلامِ لَمْ يَخْلُ عَنْ تِلْكَ الأُصُولِ وإنْ خالَفَها في التَّفارِيعِ تَضْيِيقًا وتَوْسِيعًا، وامْتازَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ بِتَعْلِيلِ الأحْكامِ، وسَدِّ الذَّرائِعِ، والأمْرِ بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ، وبِرَفْعِ الحَرَجِ، وبِالسَّماحَةِ، وبِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بِالفِطْرَةِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ.

أوِ المُرادُ المُماثَلَةُ فِيما وقَعَ عَقِبُهُ بَقَوْلِهِ: أنْ أقِيمُوا الدِّينَ إلَخْ بِناءً عَلى أنْ

صفحة ٥١

تَكُونَ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً، أيْ شَرَعَ لَكم وُجُوبَ إقامَةِ الدِّينِ المُوحى بِهِ وعَدَمَ التَّفَرُّقِ فِيهِ كَما سَيَأْتِي. وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ أنَّ الإسْلامَ لا يُخالِفُ هَذِهِ الشَّرائِعَ المُسَمّاةَ وأنَّ اتِّباعَهُ يَأْتِي بِما أتَتْ بِهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ دِينِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى لِأنَّ نُوحًا أوَّلُ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ، فَدِينُهُ هو أساسُ الدِّياناتِ، قالَ تَعالى: إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ولِأنَّ دِينَإبْراهِيمَ هو أصْلُ الحَنِيفِيَّةِ وانْتَشَرَ بَيْنَ العَرَبِ بِدَعْوَةِ إسْماعِيلَ إلَيْهِ فَهو أشْهَرُ الأدْيانِ بَيْنَ العَرَبِ، وكانُوا عَلى أثارَةٍ مِنهُ في الحَجِّ والخِتانِ والقِرى والفُتُوَّةِ. ودِينُ مُوسى هو أوْسَعُ الأدْيانِ السّابِقَةِ في تَشْرِيعِ الأحْكامِ، وأمّا دِينُ عِيسى فَلِأنَّهُ الدِّينُ الَّذِي سَبَقَ دِينَ الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما دِينٌ آخَرُ، ولِيَتَضَمَّنَ التَّهْيِئَةَ إلى دَعْوَةِ اليَهُودِ والنَّصارى إلى دِينِ الإسْلامِ.

وتَعْقِيبُ ذِكْرِ دِينِ نُوحٍ بِما أُوحِيَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دِينَ الإسْلامِ هو الخاتَمُ لِلْأدْيانِ، فَعُطِفَ عَلى أوَّلِ الأدْيانِ جَمْعًا بَيْنَ طَرَفَيِ الأدْيانِ، ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُما الأدْيانُ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الدِّينَيْنِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَها. وهَذا نَسْجٌ بَدِيعٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ، ولَوْلا هَذا الِاعْتِبارُ لَكانَ ذِكْرُ الإسْلامِ مُبْتَدَأً بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ١٦٣] مِن بَعْدِهِ وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآيَةَ في سُورَةِ الأحْزابِ.

وذَكَرَ في الكَشّافِ في آيَةِ الأحْزابِ أنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ النَّبِيءِ ﷺ في التَّفْصِيلِ لِبَيانِ أفْضَلِيَّتِهِ لِأنَّ المَقامَ هُنالِكَ لِسَرْدِ مَن أُخِذَ عَلَيْهِمِ المِيثاقُ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ الشُّورى فَإنَّما أُورِدَتْ في مَقامِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ والِاسْتِقامَةِ فَكَأنَّ اللَّهَ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا في العَهْدِ القَدِيمِ وبَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبَعَثَ بِهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما.

فَقَوْلُهُ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هو ما سَبَقَ نُزُولُهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ بِما فِيهِ مِن أحْكامٍ، فَعَطَفَهُ عَلى ما وصّى بِهِ نُوحًا لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ ما وصّى بِهِ نُوحًا مِنَ المُغايَرَةِ بِزِيادَةِ التَّفْصِيلِ والتَّفْرِيعِ. وذَكَرَهُ عَقِبَ ما وصّى بِهِ نُوحًا لِلنُّكْتَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.

صفحة ٥٢

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، جِيءَ بِالمَوْصُولِ (ما)، وفي قَوْلِهِ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ جِيءَ بِالمَوْصُولِ (الَّذِي)، وقَدْ يَظْهَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ بِتَجَنُّبِ تَكْرِيرِ الكَلِمَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَوالِياتٍ، وذَلِكَ كافٍ في هَذا التَّخالُفِ. ولَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِلافُ لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ، وأنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ في اسْتِعْمالِ الكَلامِ البَلِيغِ وهو أنَّ (الَّذِي) وأِخَواتِهِ هي الأصْلُ في المَوْصُولاتِ فَهي مَوْضُوعَةٌ مِن أصْلِ الوَضْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَن يُعَيَّنُ بِحالَةٍ مَعْرُوفَةٍ هي مَضْمُونُ الصِّلَةِ، فَـ (الَّذِي) يَدُلُّ عَلى مَعْرُوفٍ عِنْدَ المُخاطَبِ بِصِلَتِهِ.

وأمّا (ما) المَوْصُولَةُ فَأصْلُها اسْمٌ عامٌّ نَكِرَةٌ مُبْهَمَةٌ مُحْتاجَةٌ إلى صِفَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَماعَةٍ. إذْ قَدَّرُوهُ: نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ. فَـ (ما) نَكِرَةُ تَمْيِيزٍ بِـ (نِعْمَ) وجُمْلَةُ يَعِظُكم بِهِ صِفَةٌ لِتِلْكَ النَّكِرَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ المُرادُ: هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ، وأنْشَدُوا:

لِما نافِعٍ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ ساعِيًا

أيْ لِشَيْءٍ نافِعٍ، فَقَدْ جاءَتْ صِفَتُها اسْمًا مُفْرَدًا بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بَقَوْلِهِ: لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ، ثُمَّ يَعْرِضُ لِـ (ما) التَّعْرِيفُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِجُمْلَةٍ فَتَعَرَّفَتْ بِصِفَتِها وأشْبَهَتِ اسْمَ المَوْصُولِ في مُلازَمَةِ الجُمْلَةِ بَعْدَها، ولِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ (ما) مَوْصُولَةً في غَيْرِ العُقَلاءِ، فَيَكُونُ إيثارُ ما وصّى بِهِ نُوحًا وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى بِحَرْفِ (ما) لِمُناسَبَةِ أنَّها شَرائِعُ بَعُدَ العَهْدُ بِها فَلَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ إلّا إجْمالًا فَكانَتْ نَكِراتٍ لا تَتَمَيَّزُ إلّا بِصِفاتِها، وأمّا إيثارُ المُوحى بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِاسْمِ (الَّذِي) فَلِأنَّهُ شَرْعٌ مُتَداوَلٌ فِيهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم. فالتَّقْدِيرُ: شَرَعَ لَكم شَيْئًا وصّى بِهِ نُوحًا وشَيْئًا وصّى بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، والشَّيْءَ المُوحى بِهِ إلَيْكَ. ولَعَلَّ هَذا مِن نُكَتِ الإعْجازِ المَغْفُولِ عَنْها.

وفِي العُدُولِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: شَرَعَ لَكم التِفاتٌ.

وذَكَرَ في جانِبِ الشَّرائِعِ الأرْبَعِ السّابِقَةِ فِعْلَ (وصّى) وفي جانِبِ شَرِيعَةِ

صفحة ٥٣

مُحَمَّدٍ ﷺ فِعْلَ الإيحاءِ لِأنَّ الشَّرائِعَ الَّتِي سَبَقَتْ شَرِيعَةَ الإسْلامِ كانَتْ شَرائِعَ مُوَقَّتَةً مُقَدَّرًا وُرُودُ شَرِيعَةٍ بَعْدَها فَكانَ العَمَلُ بِها كالعَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ صاحِبُهُ، ولِيَقَعَ الِاتِّصالُ بَيْنَ فِعْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ في صَدْرِ السُّورَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] .

و(أنْ) في قَوْلِهِ: أنْ أقِيمُوا الدِّينَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّها قَدْ تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي فِعْلُها مُتَصَرِّفٌ، والمَصْدَرُ الحاصِلُ مِنها في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن (ما) المَوْصُولَةِ الأُولى أوِ الأخِيرَةِ. وإذا كانَ بَدَلًا مِن إحْداهُما كانَ في مَعْنى البَدَلِ مِن جَمِيعِ أخَواتِهِما لِأنَّها سَواءٌ في المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (شَرَعَ) بِواسِطَةِ العَطْفِ فَيَكُونُ الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ والنَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ وِصايَةُ الأدْيانِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِمَعْنى وصّى لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. فالمَعْنى: أنَّ إقامَةَ الدِّينِ واجْتِماعَ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ أوْصى اللَّهُ بِها كُلَّ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَمّاهم. وهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي أنَّ ما حُكِيَ شَرْعُهُ في الأدْيانِ السّابِقَةِ هو هَذا المَعْنى وهو إقامَةُ الدِّينِ المَشْرُوعِ كَما هو، والإقامَةُ مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُها ما في كُلِّ دِينٍ مِنَ الفُرُوعِ.

وإقامَةُ الشَّيْءِ: جَعْلُهُ قائِمًا، وهي اسْتِعارَةٌ لِلْحِرْصِ عَلى العَمَلِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وضَمِيرُ (أقِيمُوا) مُرادٌ بِهِ: أُمَمُ أُولَئِكَ الرُّسُلِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهم ذِكْرٌ في اللَّفْظِ لَكِنْ دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِمْ ما في فِعْلِ (وصّى) مِن مَعْنى التَّبْلِيغِ.

وأعْقَبَ الأمْرَ بِإقامَةِ الدِّينِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ.

والتَّفَرُّقُ: ضِدُّ التَّجَمُّعِ، وأصْلُهُ: تَباعُدُ الذَّواتِ، أيِ اتِّساعُ المَسافَةِ بَيْنَها ويُسْتَعارُ كَثِيرًا لِقُوَّةِ الِاخْتِلافِ في الأحْوالِ والآراءِ كَما هُنا، وهو يَشْمَلُ التَّفَرُّقَ بَيْنَ الأُمَّةِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ، والكُفْرِ بِهِ، أيْ لا تَخْتَلِفُوا عَلى أنْبِيائِكم. ويَشْمَلُ التَّفَرُّقَ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنْ يَكُونُوا نِحَلًا وأحْزابًا، وذَلِكَ اخْتِلافُ الأُمَّةِ في أُمُورِ دِينِها، أيْ في

صفحة ٥٤

أُصُولِهِ وقَواعِدِهِ ومَقاصِدِهِ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ في الأُصُولِ يُفْضِي إلى تَعْطِيلِ بَعْضِها فَيَنْخَرِمُ بَعْضُ أساسِ الدِّينِ.

والمُرادُ: ولا تَتَفَرَّقُوا في إقامَتِهِ بِأنْ يَنْشَطَ بَعْضُهم لِإقامَتِهِ ويَتَخاذَلَ البَعْضُ، إذْ بِدُونِ الِاتِّفاقِ عَلى إقامَةِ الدِّينِ يَضْطَرِبُ أمْرُهُ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ تَأْثِيرَ النُّفُوسِ إذا اتَّفَقَتْ يَتَوارَدُ عَلى قَصْدٍ واحِدٍ فَيَقْوى ذَلِكَ التَّأْثِيرُ ويُسْرِعُ في حُصُولِ الأثَرِ إذْ يَصِيرُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ الأُمَّةِ مُعِينًا لِلْآخَرِ فَيَسْهُلُ مَقْصِدُهم مِن إقامَةِ دِينِهِمْ. أمّا إذا حَصَلَ التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ فَذَلِكَ مُفْضٍ إلى ضَياعِ أُمُورِ الدِّينِ في خِلالِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ هو لا يَلْبَثُ أنْ يُلْقِيَ بِالأُمَّةِ إلى العَداوَةِ بَيْنَها وقَدْ يَجُرُّهم إلى أنْ يَتَرَبَّصَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ الدَّوائِرَ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم.

أمّا الِاخْتِلافُ في فُرُوعِهِ بِحَسَبِ اسْتِنْباطِ أهْلِ العِلْمِ بِالدِّينِ فَذَلِكَ مِنَ التَّفَقُّهِ الوارِدِ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ في الدِّينِ.

* * *

﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ وجُمْلَةِ وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن يَتَعَجَّبُ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإسْلامِ مَعَ أنَّهُ دِينٌ مُؤَيَّدٌ بِما سَبَقَ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، فَأُجِيبَ إجْمالًا بِأنَّهُ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ وتَجَهَّمُوهُ و(كَبُرَ) بِمَعْنى صَعُبَ، وقَرِيبٌ مِنهُ إطْلاقُ ثَقُلَ، أيْ عَجَزُوا عَنْ قَبُولِ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، فالكِبَرُ مَجازٌ اسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ لِقَبُولِهِ، والكِبَرُ في الأصْلِ الدّالُّ عَلى ضَخامَةِ الذّاتِ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الضَّخْمِ أنْ يَعْسُرَ حَمْلُهُ. ولِما فِيهِ مِن تَضْمِينِ مَعْنى ثَقُلَ عُدِّيَ بِـ (عَلى) .

وعَبَّرَ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ اعْتِبارًا بِنُكْرانِ المُشْرِكِينَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ واسْتِغْرابِهِمْ إيّاها، وعَدِّهِمْ إيّاها مِنَ المُحالِ الغَرِيبِ، وقَدْ كَبُرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:

صفحة ٥٥

جِهَةِ الدّاعِي لِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.

وِجِهَةِ ما بِهِ الدَّعْوَةُ فَإنَّهم حَسِبُوا أنَّ اللَّهَ لا يُخاطِبُ الرُّسُولَ إلّا بِكِتابٍ يُنَزِّلُهُ إلَيْهِ دَفْعَةً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ والقائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ.

ومِن جِهَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَةُ مِمّا لَمْ تُساعِدْ أهْواؤُهم عَلَيْهِ قالُوا أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ.

وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في (تَدْعُوهم) لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الدَّعْوَةِ واسْتِمْرارِها.

* * *

﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالِ مَن يَسْألُ: كَيْفَ كَبُرَتْ عَلى المُشْرِكِينَ دَعْوَةُ الإسْلامِ، بِأنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ. فالمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِبُوا مِن هُدى اللَّهِ غَيْرُ مُجْتَبَيْنَ إلى اللَّهِ إذْ لَمْ يَشَأِ اجْتِباءَهم، أيْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهم الِاهْتِداءَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَدًّا عَلى إحْدى شُبْهِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِمْ رِسالَتَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ. ولا يَلْزَمُهُ مُراعاةُ عَوائِدِكم في الزَّعامَةِ والِاصْطِفاءِ.

والِاجْتِباءُ: التَّقْرِيبُ والِاخْتِيارُ قالَ تَعالى: قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها. ومَن يَشاءُ اللَّهُ اجْتِباءَهُ مَن هَداهُ إلى دِينِهِ مِمَّنْ يُنِيبُ وهو أعْلَمُ بِسَرائِرِ خَلْقِهِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ القَصْرِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أحالُوا رِسالَةَ بَشَرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وحِينَ أكْبَرُوا أنْ يَكُونَ الضَّعَفَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا مِنهم.

42:14Page 484

وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١٤

And they did not become divided until after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And if not for a word1 that preceded from your Lord [postponing the penalty] until a specified time, it would have been concluded between them. And indeed, those who were granted inheritance of the Scripture after them are, concerning it, in disquieting doubt.

صفحة ٥٦

﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وما تَفَرَّقُوا تَقْدِيرُهُ: فَتَفَرَّقُوا. وضَمِيرُ (تَفَرَّقُوا) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرٌ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣] وهم أُمَمُ الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ، أيْ أوْصَيْناهم بِواسِطَةِ رُسُلِهِمْ بِأنْ يُقِيمُوا الدِّينَ. دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِ ما في فِعْلِ (وصّى) مِن مَعْنى التَّبْلِيغِ كَما تَقَدَّمَ.

والعِلْمُ: إدْراكُ العَقْلِ جَزْمًا أوْ ظَنًّا.

ومَجِيءُ العِلْمِ إلَيْهِمْ يُؤْذِنُ بِأنَّ رُسُلَهم بَيَّنُوا لَهم مَضارَّ التَّفَرُّقِ مِن عَهْدِ نُوحٍ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ [نوح: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠] في سُورَةِ نُوحٍ. وإنَّما تَلَّقى ذَلِكَ العِلْمَ عُلَماؤُهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِلْمِ سَبَبُ العِلْمِ، أيْ إلّا مِن بَعْدِ مَجِيءِ النَّبِيءِ ﷺ بِصِفاتِهِ المُوافِقَةِ لِما في كِتابِهِمْ فَتَفَرَّقُوا في اخْتِلاقِ المَطاعِنِ والمَعاذِيرِ الباطِلَةِ لِيَنْفُوا مُطابَقَةِ الصِّفاتِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ.

والمَعْنى: وما تَفَرَّقَتْ أُمَمُهم في أدْيانِهِمْ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ عَلى لِسانِ رُسُلِهِمْ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ مَعَ بَيانِهِمْ لَهم مَفاسِدِ التَّفَرُّقِ وأضْرارِهِ، أيْ أنَّهم تَفَرَّقُوا عالِمَيْنِ بِمَفاسِدِ التَّفَرُّقِ غَيْرَ مَعْذُورِينَ بِالجَهْلِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] عَلى التَّفْسِيرِ الآخَرِ.

وذَكَرَ سَبَبَ تَفَرُّقِهِمْ بَقَوْلِهِ: بَغْيًا بَيْنَهم أيْ تَفَرَّقُوا لِأجْلِ العَداوَةِ بَيْنَهم، أيْ بَيْنِ المُتَفَرِّقِينَ، أيْ لَمْ يُحافِظُوا عَلى وصايا الرُّسُلِ.

وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ لِعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

صفحة ٥٧

وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إلَخْ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ. وتَنْكِيرُ (كَلِمَةٌ) لِلتَّنْوِيعِ لِأنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُتَفَرِّقِينَ في الدِّينِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ في تَأْجِيلِهِمْ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] . وتَنْكِيرُ (أجَلٍ) أيْضًا لِلتَّنْوِيعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ المُتَفَرِّقِينَ أجَلًا مُسَمًّى، فَهي آجالٌ مُتَفاوِتَةٌ في الطُّولِ والقِصَرِ ومُخْتَلِفَةٌ بِالأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ.

والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن إمْهالِهِمْ وتَأْخِيرِ مُؤاخَذَتِهِمْ إلى أجَلٍ لَهُمُ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ في نِظامِ هَذا العالَمِ، فَرُبَّما أخَّرَهم ثُمَّ عَذَّبَهم في الدُّنْيا، ورُبَّما أخَّرَهم إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ في الأجَلِ المُسَمّى، ولِكُلِّ ذَلِكَ كَلِمَتُهُ. فالكَلِمَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْإرادَةِ والتَّقْدِيرِ. وسَبْقُها تَقَدُّمُها مِن قَبْلِ وقْتِ تَفَرُّقِهِمْ وذَلِكَ سَبْقُ عِلْمِ اللَّهِ بِها وإرادَتِهِ إيّاها عَلى وقْتٍ عَلِمَهُ وقَدَّرَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في سُورَةِ هُودٍ وفي سُورَةِ طه.

* * *

﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ . وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] لِأنَّ المَقْصُودَ أهْلُ الكِتابِ المَوْجُودُونَ في زَمَنِ نُزُولِ الآيَةِ.

وإذْ قَدْ كانَتْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلى رُسُلِهِمْ أُمَّتانِ مَوْجُودَتانِ في حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهُما اليَهُودُ والنَّصارى، وكانَتا قَدْ تَفَرَّقَتا فِيما جاءَهم بِهِ العِلْمُ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أخَّرَ القَضاءَ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِنهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وكانُوا لَمّا بَلَغَتْهم رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ شَكُّوا في انْطِباقِ الأوْصافِ الَّتِي ورَدَتْ في الكِتابِ بِوَصْفِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ - فالمَعْنى: أنَّهُ كَما تَفَرَّقَ أسْلافُهم في الدِّينِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ تَفَرَّقَ خَلَفُهم مِثْلَهم وزادُوا تَفَرُّقًا في تَطْبِيقِ صِفاتِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ تَفَرُّقًا ناشِئًا عَنِ التَّرَدُّدِ

صفحة ٥٨

والشَّكِّ، أيْ دُونَ بَذْلِ الجُهْدِ في تَحْصِيلِ اليَقِينِ، فَلَمْ يَزَلِ الشَّكُّ دَأْبَهم.

فالمُخْبَرُ عَنْهم بِأنَّهم في شَكٍّ: هُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ سَلَفِهِمْ.

وقَدْ جاءَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى أُسْلُوبِ إيجازٍ يَحْتَمَلُ هَذِهِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ وما يَتَفَرَّعُ عَنْها، فَجِيءَ بِضَمِيرِ (مِنهُ) بَعْدَ تَقَدُّمِ ألْفاظٍ صالِحَةٍ لِأنْ تَكُونَ مَعادَ ذَلِكَ الضَّمِيرِ، وهي لَفْظُ (الدِّينِ) في قَوْلِهِ (مِنَ الدِّينِ)، ولَفْظُ (الَّذِي) في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، و(ما) المَوْصُولَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مَدْلُولُها الإسْلامُ. وهُنالِكَ لَفْظُ ما وصَّيْنا المُتَعَدِّي إلى مُوسى وعِيسى، ولَفْظُ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ . وهَذانَ مَدْلُولُهُما كِتابا أهْلِ الكِتابِ.

وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هُمُ المَوْجُودُونَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ. والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم في شَكٍّ ناشِئٍ مِن تِلْكَ المُعاداتِ لِلضَّمِيرِ - مَعْناهُ أنَّ مَبْلَغَ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ لا يَتَجاوَزُ حالَةَ الشَّكِّ في صِدْقِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، أيْ لَيْسُوا مَعَ ذَلِكَ بِمُوقِنِينَ بِأنَّ الإسْلامَ باطِلٌ، ولَكِنَّهم تَرَدَّدُوا ثُمَّ أقْدَمُوا عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَسَدًا وعِنادًا. فَمِنهم مَن بَقِيَ حالُهم في الشَّكِّ. ومِنهم مَن أيْقَنَ بِأنَّ الإسْلامَ حَقٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] . ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى لَفي شَكٍّ بِصِدْقِ القُرْآنِ أوْ في شَكٍّ مِمّا في كِتابِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَفَرَّقُوا فِيها، أوْ ما في كِتابِهِمْ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَجِيءِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ وصِفاتِهِ.

فَهَذِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ تَتَحَمَّلُها الآيَةُ وكُلُّها مُنْطَبِقَةٌ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّهُ لا داعِيَ إلى صَرْفِ كَلِمَةِ (شَكٍّ) عَنْ حَقِيقَتِها.

ومَعْنى أُورِثُوا الكِتابَ: صارَ إلَيْهِمْ عِلْمُ الكِتابِ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ سَلَفُهم فاسْتُعِيرَ الإرْثُ لِلْخَلَفِيَّةِ في عِلْمِ الكِتابِ.

والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ كِتابَ اليَهُودِ وكِتابَ النَّصارى.

صفحة ٥٩

فَضَمِيرُ (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (تَفَرَّقُوا) وهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .

وظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ (في شَكٍّ) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ وهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ تَمَكُّنَ الشَّكِّ مِن نُفُوسِهِمْ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ: لَفي شَكٍّ مِنهُ ابْتِدائِيَّةٌ وهو ابْتِداءٌ مَجازِيٌّ مَعْناهُ المُصاحَبَةُ والمُلابَسَةُ، أيْ شَكٌّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ في شَكٍّ بِسَبَبِهِ. فَفي حَرْفِ (مِن) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقَعَ حَرْفُ (مِن) مَوْقِعَ باءِ المُصاحَبَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ ومُجَرَّدِ تَحْقِيقِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وهَذا الِاهْتِمامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّحْرِيضِ لِلْحَذَرِ مِن مَكْرِهِمْ وعَدَمِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ لِئَلّا يَرْكَنُوا إلَيْهِمْ، ولَعَلَّ اليَهُودَ قَدْ أخَذُوا يَوْمَئِذٍ في تَشْكِيكِ المُسْلِمِينَ واخْتَلَطُوا بِهِمْ في مَكَّةَ لِيَتَطَلَّعُوا حالَ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ ومَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] الآيَةَ.

والمُرِيبُ: المُوجِبُ الرَّيْبَ وهو الِاتِّهامُ. فالمَعْنى: لَفي شَكٍّ يُفْضِي إلى الظِّنَّةِ والتُّهْمَةِ، أيْ شَكٍّ مَشُوبٍ بِتَكْذِيبٍ، فَـ (مُرِيبٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن (أرابَ) الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جاعِلُ الرَّيْبِ، ولَيْسَتْ هَمْزَةُ (أرابَ) الَّتِي هي لِلْجَعْلِ في قَوْلِهِمْ: أرابَنِي، بِمَعْنى أوْهَمَنِي مِنهُ رِيبَةٌ، وهو لَيْسَ بِذِي رَيْبٍ، كَما في قَوْلِ بَشّارٍ:

أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما أرَبْتَ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهُ

عَلى رِوايَةِ فَتْحِ التّاءِ مِن (أرَبْتَ)، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] في هُودٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском