Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:19–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:19–22

42:19Page 485

ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩

Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.

﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهْوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] لِأنَّ ما سَيُذْكَرُ في الجُمْلَةِ الآتِيَةِ هو أثَرٌ مِن آثارِ لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ ورِفْقِهِ بِهِمْ وما يَسَّرَ مِنَ الرِّزْقِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم والكُفّارِ في الدُّنْيا، ثُمَّ ما خَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن رِزْقِ الآخِرَةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُقَدَّمَةٌ لِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ المُوَطَّأِ لَها، وهي جُمْلَةُ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] الآيَةَ.

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] إلَخْ فَسَنُبَيِّنُهُ.

واللَّطِيفُ: البَرُّ القَوِيُّ البِرُّ. ويَدْخُلُ في هَذا كَثِيرٌ مِنَ النِّعَمِ. فَسَّرَ عَدَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (اللَّطِيفَ) بِواهِبِ بَعْضِها وإنَّما هو تَفْسِيرُ تَمْثِيلٍ لا يَخُصُّ دَلالَةَ الوَصْفِ بِهِ. وفِعْلُ لَطَفَ مِن بابِ نَصَرَ يَتَعَدّى بِالباءِ كَما هُنا وبِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى اسْمِهِ تَعالى اللَّطِيفِ.

صفحة ٧٢

و(عِبادِهِ) عامٌّ لِجَمِيعِ العِبادِ، وهم نَوْعُ الإنْسانِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ.

وجُمْلَةُ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنْهُ.

والرِّزْقُ: إعْطاءُ ما يَنْفَعُ. وهو عِنْدَنا لا يَخْتَصُّ بِالحَلالِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ يَخْتَصُّ بِهِ والخِلافُ اصْطِلاحٌ.

والظّاهِرُ: أنَّ المُرادَ هَنا رِزْقُ الدُّنْيا لِأنَّ الكَلامَ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] .

والمَشِيئَةُ: مَشِيئَةُ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العِبادِ لِيَكُونَ عُمُومُ اللُّطْفِ لِلْعِبادِ باقِيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (مَن يَشاءُ) في مَعْنى التَّكْرِيرِ، إذْ يَصِيرُ هَكَذا: يَرْزُقُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ المَلْطُوفِ بِجَمِيعِهِمْ، وما الرِّزْقُ إلّا مِنَ اللُّطْفِ، فَيَصِيرُ بَعْضَ المَعْنى المُفادِ، فَلا جَرَمَ تَعَيَّنَ أنَّ المَشِيئَةَ هُنا مَصْرُوفَةٌ لِمَشِيئَةِ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ بِمَقادِيرِهِ.

والمَعْنى: أنَّهُ لِلُطْفِهِ بِجَمِيعِ عِبادِهِ لا يَتْرُكُ أحَدًا مِنهم بِلا رِزْقٍ وأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ جَرْيًا عَلى مَشِيئَتِهِ.

وهَذا المَعْنى يُثِيرُ مَسْألَةَ الخِلافِ بَيْنَ أئِمَّةِ أُصُولِ الدِّينِ في نِعْمَةِ الكافِرِ، ومِن فُرُوعِها رِزْقُ الكافِرِ. وعَنِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً لِأنَّ مَلاذَ الكافِرِ اسْتِدْراجٌ لَمّا كانَتْ مُفْضِيَةً إلى العَذابِ في الآخِرَةِ فَكانَتْ غَيْرَ نِعْمَةٍ، ومُرادُهم بِالدُّنْيَوِيَّةِ مُقابِلُ الدِّينِيَّةِ. وكَأنَّ مُرادَ الشَّيْخِ بِهَذا تَحْقِيقُ مَعْنى غَضَبِ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ كَما جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، فَمُرادُهُ: أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رِضًا وكَرامَةً ولَكِنَّها نِعْمَةُ رَحْمَةٍ لِما لَهُ مِنِ انْتِسابِ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ: الكافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً ودِينِيَّةً: فالدُّنْيَوِيَّةُ ظاهِرَةٌ، والدِّينِيَّةُ كالقُدْرَةِ عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ.

وهَذِهِ مَسْألَةٌ أرْجَعَ المُحَقِّقُونَ الخِلافَ فِيها إلى اللَّفْظِ والبِناءِ عَلى المُصْطَلَحاتِ

صفحة ٧٣

والِاعْتِباراتِ المُوافِقَةِ لِدَقائِقِ المَذاهِبِ، إذْ لا يُنازِعُ أحَدٌ في نِعْمَةِ المُنَعَّمِينَ مِنهم وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] .

وعَطْفُ ﴿وهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ عَلى صِفَةِ لَطِيفٍ أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وهو تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ويُفِيدُ الِاحْتِراسَ مِن تَوَهُّمِ أنَّ لُطْفَهُ عَنْ عَجْزٍ أوْ مُصانَعَةٍ، فَإنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لا يَعْجِزُ ولا يُصانِعُ، أوْ عَنْ تَوَهُّمِ أنَّ رِزْقَهُ لِمَن يَشاءُ عَنْ شُحٍّ أوْ قِلَّةٍ فَإنَّهُ القَوِيُّ، والقَوِيُّ تَنْتَفِي عَنْهُ أسْبابُ الشُّحِّ، والعَزِيزُ يَنْتَفِي عَنْهُ سَبَبُ الفَقْرِ فَرِزْقُهُ لِمَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مَنُوطٌ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها في أحْوالِ خَلْقِهِ عامَّةً وخاصَّةً، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] الآيَةَ.

والإخْبارُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِالمُسْنَدِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ يُفِيدُ مَعْنى قَصْرِ القُوَّةِ والعِزَّةِ عَلَيْهِ تَعالى، وهو قَصْرُ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ لِكَمالِهِ فِيهِ تَعالى حَتّى كَأنَّ قُوَّةَ غَيْرِهِ وعِزَّةَ غَيْرِهِ عَدَمٌ.

42:20Page 485

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠

Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾

هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨] الآيَةَ، لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن وُجُودِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أكْبَرُ هَمِّهِمْ حَياةُ الآخِرَةِ، وفَرِيقِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، هِمَّتُهم قاصِرَةٌ عَلى حَياةِ الدُّنْيا، فَجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلُ مُعامَلَةِ اللَّهِ الفَرِيقَيْنِ مُعامَلَةً مُتَفاوِتَةً مَعَ اسْتِوائِهِمْ في كَوْنِهِمْ عَبِيدَهُ وكَوْنِهِمْ بِمَحَلِّ لُطْفٍ مِنهُ، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] تَمْهِيدًا لِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وكانَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ تَفْصِيلًا لِحُظُوظِ الفَرِيقَيْنِ في شَأْنِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ وعَدَمِ الإيمانِ بِها.

ولِأجْلِ هَذا الِاتِّصالِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] تُرِكَ عَطْفُها عَلَيْها، وتُرِكَ عَطْفُ تَوْطِئَتِها كَذَلِكَ، ولِأجْلِ الِاتِّصالِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]

صفحة ٧٤

اتِّصالَ المَقْصُودِ بِالتَّوْطِئَةِ تُرِكَ عَطْفُها عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] .

والحَرْثُ: أصُلُهُ مَصْدَرُ حَرَثَ: إذا شَقَّ الأرْضَ لِيَزْرَعَ فِيها حَبًّا أوْ لِيَغْرِسَ فِيها شَجَرًا، وأُطْلِقَ عَلى الأرْضِ الَّتِي فِيها زَرْعٌ أوْ شَجَرٌ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢]، أيْ جَنَّتِكم. لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] وقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى قَوْلِهِ: (والأنْعامِ والحَرْثِ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والحَرْثُ في هَذِهِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ لِلْإقْبالِ عَلى كَسْبِ ما يَعُدُّهُ الكاسِبُ نَفْعًا لَهُ يَرْجُو مِنهُ فائِدَةً وافِرَةً بِإقْبالِ الفَلّاحِ عَلى شَقِّ الأرْضِ وزَرْعِها لِيَحْصُلَ لَهُ سَنابِلُ كَثِيرَةٌ وثِمارٌ مِن شَجَرِ الحَرْثِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

كِلانا إذا مَـا نَـالَ شَـيْئًا أفَـاتَـهُ ومَن يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يَهْزِلِ

وإضافَةُ حَرْثٍ إلى الآخِرَةِ وإلى الدُّنْيا عَلى مَعْنى اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩]، وهي لامُ الِاخْتِصاصِ وهو في مِثْلِ هَذا اخْتِصاصُ المُعَلَّلِ بِعِلَّتِهِ، وما لامُ التَّعْلِيلِ إلّا مِن تَصارِيفِ لامِ الِاخْتِصاصِ.

ومَعْنى ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ يَبْتَغِي عَمَلًا لِأجْلِ الآخِرَةِ. وذَلِكَ المُرِيدُ: هو المُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ لِأنَّ المُؤْمِنَ بِالآخِرَةِ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يُرِيدَ الآخِرَةَ بِبَعْضِ أعْمالِهِ كَثِيرًا كانَ أوْ قَلِيلًا، والَّذِي يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا مُرادٌ بِهِ: مَن لا يَسْعى إلّا لِعَمَلِ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِمَن يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ مُرِيدَ حَرْثِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ: هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ. ونَظِيرُها في هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ [هود: ١٦] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الإسْراءِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .

صفحة ٧٥

وفِعْلُ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ يَتَحَمَّلُ مَعْنَيَيْنِ:

أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ في ثَوابِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وسَيَأْتِي قَرِيبًا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] . وعَلى هَذا فَتَعْلِيقُ الزِّيادَةِ بِالحَرْثِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ عُلِّقَتِ بِهِ الزِّيادَةُ بِالحَرْثِ وحَقُّها أنْ تُعَلَّقَ بِسَبَبِهِ وهو الثَّوابُ، فالمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وأنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ في العَمَلِ، أيْ نُقَدِّرُ لَهُ العَوْنَ عَلى الِازْدِيادِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ونُيَسِّرُ لَهُ ذَلِكَ فَيَزْدادُ مِنَ الصّالِحاتِ. وعَلى هَذا فَتَعْلِيقُ الزِّيادَةِ بِالحَرْثِ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ مِنِ اسْتِعْمالِ المُرَكَّبِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ العَقْلِيَّيْنِ.

ومَعْنى (نُؤْتِهِ مِنها): نُقَدِّرُ لَهُ مِن مَتاعِ الدُّنْيا مِن مُدَّةِ حَياةٍ وعافِيَةٍ ورِزْقٍ لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِمَخْلُوقاتِهِ أرْزاقَهم وأمْدادَهم في الدُّنْيا، وجَعَلَ حَظَّ الآخِرَةِ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] . وقَدْ شَمِلَتْ آيَةُ سُورَةِ الإسْراءِ فَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ مَذْكُورٍ هُنا، وهو الَّذِي يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ويَبْتَغِي النَّجاةَ فِيها ولَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِالإسْلامِ مِثْلَ أهْلِ الكِتابِ، وهَذا الفَرِيقُ مَذْكُورٌ أيْضًا في سُورَةِ البَلَدِ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] .

فَلا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ونَحْوَها تَحْجُرُ تَناوُلَ المُسْلِمِ حُظُوظَ الدُّنْيا إذا أدّى حَقَّ الإيمانِ والتَّكْلِيفِ، ولا أنَّها تَصُدُّ عَنْ خَلْطِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعَ حُظُوظِ الآخِرَةِ إذا وقَعَ الإيفاءُ بِكِلَيْهِما، ولا أنَّ الخَلْطَ بَيْنَ الحَظَّيْنِ يُنافِي الإخْلاصَ كَطَلَبِ التَّبَرُّدِ مَعَ الوُضُوءِ وطَلَبِ الصِّحَّةِ مَعَ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ إذا كانَ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ الإيفاءَ بِالحَقِّ الدِّينِيِّ.

وقَدْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ المَسْألَةِ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ في فَصْلٍ أوَّلٍ مِنَ المَسْألَةِ السّادِسَةِ مِنَ النَّوْعِ الرّابِعِ مِن كِتابِ المَقاصِدِ مِن كِتابِ المُوافَقاتِ. وذَكَرَ فِيها نَظَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِلْغَزالِيِّ وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ ورَجَّحَ فِيها رَأْيَ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ فانْظُرْهُ.

صفحة ٧٦

والنَّصِيبُ: ما يُعَيَّنُ لِأحَدٍ مِنَ الشَّيْءِ المَقْسُومِ، وهو فَعِيلٌ مِن نَصَبَ لِأنَّ الحَظَّ يُنْصَبُ، أيْ يُجْعَلُ كالصُّبْرَةِ لِصاحِبِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

42:21Page 485

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١

Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾

(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ وهو انْتِقالٌ مِنَ الكَلامِ عَلى تَفَرُّقِ أهْلِ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ في شَرائِعِهِمْ مَنِ انْقَرَضَ مِنهم ومَن بَقِيَ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ إلى الكَلامِ عَلى ما يُشابِهُ ذَلِكَ مِن الِاخْتِلافِ عَلى أصْلِ الدِّيانَةِ، وتِلْكَ مُخالَفَةُ المُشْرِكِينَ لِلشَّرائِعِ كُلِّها وتَلَقِّيهِمْ دِينَ الإشْراكِ مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ وقادَةِ الضَّلالِ.

ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) الَّتِي لِلْإضْرابِ هو هُنا لِلتَّقْرِيعِ والتَّهَكُّمِ، فالتَّقْرِيعُ راجِعٌ إلى أنَّهم شَرَعُوا مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، والتَّهَكُّمُ راجِعٌ إلى مَن شَرَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ، فَسُئِلُوا عَمَّنْ شَرَعَ لَهم دِينَ الشِّرْكِ: أهم شُرَكاءُ آخَرُونَ اعْتَقَدُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ وفي شَرْعِ الأدْيانِ كَما شَرَعَ اللَّهُ لِلنّاسِ الأدْيانَ ؟ وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الشُّرَكاءِ لَمْ يَدَّعِهِ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي يُساعِدُ تَنْكِيرَ (شُرَكاءَ) ووَصْفَهُ بِجُمْلَةِ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَسْئُولُ عَنِ الَّذِي شَرَعَ لَهم هو الأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُونَها، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، فَيَكُونَ (لَهم) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شُرَكاءَ) .

والمَقْصُودُ: فَضْحُ فَظاعَةِ شِرْكِهِمْ بِعُرُوِّهِ عَنْ الِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا مِنَ الإلَهِ الحَقِّ فَهو مَشْرُوعٌ مِنَ الآلِهَةِ الباطِلَةِ وهي الشُّرَكاءُ. وظاهِرٌ أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ لا تَصْلُحُ لِتَشْرِيعِ دِينٍ لِأنَّها لا تَعْقِلُ ولا تَتَكَلَّمُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ دِينَ الشِّرْكِ دِينٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] .

صفحة ٧٧

وقِيلَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ: أئِمَّةُ دِينِ الشِّرْكِ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الشُّرَكاءِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ.

وضَمِيرا (لَهم) عائِدانِ إلى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] أوْ إلى ﴿الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] .

والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) لِلْجِنْسِ، أيْ شَرَعُوا لَهم مِن جِنْسِ الدِّينِ ما - أيْ دِينًا - لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، أيْ لَمْ يَأْذَنْ بِشَرْعِهِ، أيْ لَمْ يُرْسِلْ بِهِ رَسُولًا مِنهُ ولا أوْحى بِهِ بِواسِطَةِ مَلائِكَتِهِ.

* * *

﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾

هُوَ كَقَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] .

وكَلِمَةُ الفَصْلِ هي: ما قَدَّرَهُ اللَّهُ وأرادَهُ مِن إمْهالِهِمْ. والفَصْلُ: الفاصِلُ، أيِ الَّذِي لا تَرَدُّدَ فِيهِ.

* * *

﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ والمَقْصُودُ تَحْقِيقُ أنَّ إمْهالَهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى لا يُفْلِتُهم مِنَ المُؤاخَذَةِ بِما ظَلَمُوا. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

والعَذابُ الألِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ لِجَمِيعِهِمْ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ والذُّلِّ لِلَّذِينِ أُخِّرُوا إلى إبّانِ حُلُولِهِ مِثْلَ قَتْلِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهِ.

42:22Page 485

تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢

You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.

صفحة ٧٨

﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهْوَ واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾

جُمْلَةُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١]، بَيَّنَ حالَ هَذا العَذابِ بِبَيانِ حالِ أصْحابِهِ حِينَ تَوَقُّعِ حُلُولِهِ، وكَفى بِذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ هَوْلِهِ.

والخِطابُ بِـ (تَرى) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن تُمْكِنُ مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] . والمَقْصُودُ اسْتِحْضارُ صُورَةِ حالِ الظّالِمِينَ يَوْمَ القِيامَةِ في ذِهْنِ المُخاطَبِ.

والإشْفاقُ: تَوَقُّعِ الشَّيْءِ المُضِرِّ وهو ضِدُّ التَّمَنِّي.

و(ما كَسَبُوا) هو أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ. والمُرادُ: جَزاؤُها بِقَرِينَةِ المَقامِ.

وجُمْلَةُ: وهو واقِعٌ بِهِمْ. في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُشْفِقِينَ إشْفاقًا يُقارِبُ اليَأْسَ وهو أشَدُّ الإشْفاقِ حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ المُشْفَقَ مِنهُ لا يُنْجِي مِنهُ حَذَرٌ، لِأنَّ الإشْفاقَ إذا حَصَلَ قَبْلَ اقْتِرابِ المُشْفَقِ مِنهُ قَدْ يُحاوِلُ المُشْفِقُ وسائِلَ التَّخَلُّصِ مِنهُ، فَأمّا إذا وقَعَ العَذابُ فَقَدْ حالَ دُونَ التَّخَلُّصِ حائِلُهُ. والمَعْنى: مُشْفِقِينَ مِن عِقابِ أعْمالِهِمْ في حالِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ. ولَيْسَ المَعْنى: أنَّهم مُشْفِقُونَ في الدُّنْيا مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ لِأنَّهم لا يَدِينُونَ بِذَلِكَ، فَما بُنِيَ عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَيْسَ بَيِّنًا.

والباءُ في قَوْلِهِ (واقِعٌ بِهِمْ) لِلِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ غاوِي السُّلَمِيِّ:

أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانِ بِرَأْسِهِ

وهَذا الِاسْتِعْمالُ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الإلْصاقِ المَجازِيِّ.

وضَمِيرُ (هو واقِعٌ) عائِدٌ عَلى (ما كَسَبُوا) بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ

صفحة ٧٩

جَزاءُ ما كَسَبُوا، أيْ في حالِ أنَّ الجَزاءَ واقِعٌ عَلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ حالٌ مِنَ (الظّالِمِينَ)، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ تَرى الظّالِمِينَ في إشْفاقٍ في حالِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يَطْمَئِنُّونَ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ، وفي هَذِهِ الحالِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَدِ اسْتَقَرُّوا في الرَّوْضاتِ مِن قَبْلِ عَرْضِ الظّالِمِينَ عَلى الحِسابِ وإشْفاقِهِمْ مِن تَبِعاتِهِ. وهَذا مِن تَضادِّ شَأْنَيِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ عَلى عَكْسِهِ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا المُقَدَّمِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقِينَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]، أيْ فاليَوْمَ انْقَلَبَ إشْفاقُ المُؤْمِنِينَ اطْمِئْنانًا واطْمِئْنانُ المُشْرِكِينَ إشْفاقًا، وشَتّانَ بَيْنَ الِاطْمِئْنانَيْنِ والإشْفاقَيْنِ، وبِهَذِهِ المُضادَّةِ في الحالَتَيْنِ وأسْبابِهِما صَحَّ اعْتِبارُ كَيْنُونَةِ الَّذِينَ آمَنُوا في الجَنَّةِ، حالًا مِنَ الظّالِمِينَ.

والرَّوْضاتُ: جَمْعُ رَوْضَةٍ، وهي اسْمٌ لِمَجْمُوعِ ماءٍ وشَجَرٍ حافٍّ بِهِ وخُضْرَةٍ حَوْلَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، و(عِنْدَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ في: لَهم ما يَشاءُونَ.

والعِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٌ لِمَعْنى الِاخْتِصاصِ الَّذِي أفادَتْهُ اللّامُ في قَوْلِهِ (لَهم) وعِنايَةٌ بِما يُعْطَوْنَهُ مِن رَغْبَةٍ. والمَعْنى: ما يَشاءُونَهُ حَقٌّ لَهم مَحْفُوظٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. ولا يَنْبَغِي جَعْلُ (عِنْدَ) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (يَشاءُونَ) لِأنَّ (عِنْدَ) حِينَئِذٍ تَكُونُ ظَرْفًا لِمَشِيئَتِهِمْ، أيْ مَشِيئَةٍ مِنهم مُتَوَجِّهَةٍ إلى رَبِّهِمْ، فَتُؤَوَّلُ المَشِيئَةُ إلى مَعْنى الطَّلَبِ أنْ يُعْطِيَهم ما يَطْلُبُونَ فَيَفُوتُ قَصْدُ التَّشْرِيفِ والعِنايَةِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) خَبَرًا ثالِثًا عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ هم عِنْدَ رَبِّهِمْ، أيْ في ضِيافَتِهِ وقِراهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، ويَكُونَ تَرْتِيبُ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ جارِيًا عَلى نَمَطِ الِارْتِقاءِ مِنَ الحَسَنِ إلى الأحْسَنِ بِأنْ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم نَزَلُوا في أحْسَنِ مَنزِلٍ، ثُمَّ أحْضَرَ لَهم ما يَشْتَهُونَ، ثُمَّ ارْتَقى إلى ما هو أعْظَمُ وهو كَوْنُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . ومِن لَطائِفِ هَذا الوَجْهِ أنَّهُ جاءَ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ

صفحة ٨٠

فِي الحُصُولِ في الخارِجِ فَإنَّ الضَّيْفَ أوِ الوافِدَ يَنْزِلُ أوَّلَ قُدُومِهِ في مَنزِلِ إكْرامٍ ثُمَّ يُحْضَرُ إلَيْهِ القِرى ثُمَّ يُخالِطُهُ رَبُّ المَنزِلِ ويَقْتَرِبُ مِنهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِتَأْوِيلِ: ذَلِكَ المَذْكُورُ.

وجِيءَ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ اسْتِعارَةً لِكَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ بَعِيدَ المَكانَةِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ مَجازِيٍّ وهو الشَّرَفُ.

والفَضْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الشَّرَفِ والتَّفَوُّقِ عَلى الغَيْرِ فَيَكُونَ في مَعْنى فَضْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن عَطاءٍ فَيَكُونَ في مَعْنى: ذَلِكَ فَضْلُنا عَلَيْهِمْ. وفي هَذا الأخِيرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ثَوابَ الأعْمالِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ طاعَةَ العِبادِ واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ فَإذا أدَّوْها فَقَدْ فَعَلُوا ما لا يَسَعُهم إلّا فِعْلُهُ فَلَوْ لَمْ يُثابُوا عَلى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إثابَتِهِمْ ظُلْمًا.

وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرًا ادِّعائِيًّا لِلْمُبالَغَةِ في أعَظْمِيَّةِ الفَضْلِ، و(الفَضْلُ) يَصْلُحُ لِأنَّ يُعْتَبَرُ كالمُضافِ إلى المَفْعُولِ، أيْ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأنْ يُعْتَبَرَ كالمُضافِ إلى الفاعِلِ فَضْلُهم، أيْ شَرَفُهم وبَرَكَتُهم فَيُؤَوَّلُ مَعْنى القَصْرِ إلى أنَّ الفَضْلَ الَّذِي حَصَلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أكْبَرُ فَضْلٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском