Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:27–29

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:27–29

42:27Page 486

۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧

And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.

صفحة ٩٢

﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦] أوْ عَلى المَجْمُوعِ مِن جُمْلَةِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٦] ومِن جُمْلَةِ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦] .

ومَوْقِعُ مَعْناها مُوقِعُ الِاسْتِدْراكِ والِاحْتِراسِ فَإنَّها تُشِيرُ إلى جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ في نَفْسِ السّامِعِ إذا سَمِعَ أنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ لِلَّذِينِ آمَنُوا وأنَّهُ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ أنْ يَتَساءَلَ في نَفْسِهِ: أنَّ مِمّا يَسْألُ المُؤْمِنُونَ سَعَةَ الرِّزْقِ والبَسْطَةَ فِيهِ فَقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ أيّامَ صَدْرِ الإسْلامِ في حاجَةٍ وضِيقِ رِزْقٍ إذْ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ أرْزاقَهم وقاطَعُوا مُعامَلَتَهم، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ لَوْ بَسَطَ الرِّزْقَ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ لَكانَ بَسْطُهُ مُفْسِدًا لَهم لَأنَّ الَّذِي يَسْتَغْنِي يَتَطَرَّقَهُ نِسْيانُ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى الِاعْتِداءِ عَلى النّاسِ فَكانَ مِن خَيْرِ المُؤْمِنِينَ الآجِلِ لَهم أنْ لا يُبْسَطَ لَهم في الرِّزْقِ، وكانَ ذَلِكَ مَنُوطًا بِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ مِن تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ تَطَّرِدُ في النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] .

وقَدْ كانَ في ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنْ لا يَشْغَلَهُ غِناهُ عَنِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يَفُوزُ في الآخِرَةِ فَلا تَشْغَلُهُ أمْوالُهُ عَنْهُ، وهَذا الِاعْتِبارُ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ حِينَ قالَ لِلْأنْصارِ لَمّا تَعَرَّضُوا لَهُ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وقَدْ جاءَهُ مالٌ مِنَ البَحْرَيْنِ: «فَواللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشى عَلَيْكم ولَكِنْ أخْشى عَلَيْكم أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيا كَما بُسِطَتْ عَلى مَن قَبْلَكم فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها وتُهْلِكَكم كَما أهْلَكَتْهم» .

وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَوْرِدًا كُلِّيًّا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (لِعِبادِهِ) يَعُمُّ جَمِيعَ العِبادِ. ومِن هَذِهِ الكُلِّيَّةِ تَحْصُلُ فائِدَةُ المَسْئُولِ عَلَيْهِ الجُزْئِيِّ الخاصِّ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ إفادَةِ الحِكْمَةِ العامَّةِ مِن هَذا النِّظامِ التَّكْوِينِيِّ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِهَذا الِاعْتِبارِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ، أيْ أنَّ اللَّهَ أسَّسَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى قَوانِينَ عامَّةٍ ولَيْسَ مِن حِكْمَتِهِ أنْ يَخُصَّ أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ بِنِظامٍ تَكْوِينِيٍّ دُنْيَوِيٍّ ولَكِنَّهُ خَصَّهم بِمَعانِي القُرْبِ

صفحة ٩٣

والرِّضا والفَوْزِ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. ورُبَّما خَصَّهم بِما أرادَ تَخْصِيصَهم بِهِ مِمّا يَرْجِعُ إلى إقامَةِ الحَقِّ.

والبَغْيُ: العُدْوانُ والظُّلْمُ، أيْ لَبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ لِأنَّ الغِنى مَظِنَّةُ البَطَرِ والأشَرِ إذا صادَفَ نَفْسًا خَبِيثَةً، قالَ بَعْضُ بَنِي جَرْمٍ مِن طَيِّئٍ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:

إذا أخْصَبْتُمُو كُنْتُمْ عَدُوًّا وإنْ أجْدَبْتُمُو كُنْتُمْ عِيالًا

ولِبَعْضِ العَرَبِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ:

وقَدْ جَعَلَ الوَسْمِيُّ يُنْبِتُ بَيْنَـنَـا ∗∗∗ وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطًا

فَأمّا الفَقْرُ فَقَلَّما كانَ سَبَبًا لِلْبَغْيِ إلّا بَغْيًا مَشُوبًا بِمَخافَةٍ كَبَغْيِ الجائِعِ بِالِافْتِكاكِ بِالعُنْفِ فَذَلِكَ لِنُدْرَتِهِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حِكْمَةِ كَوْنِ الرِّزْقِ بِقَدَرٍ لا لِبَيانِ حِكْمَةٍ في الفَقْرِ.

فالتَّلازُمُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا﴾ حاصِلٌ بِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ هَذا السَّبَبِ قَدْ يَخْلُفُهُ ضِدُّهُ أيْضًا، عَلى أنَّ بَيْنَ بَسْطِ الرِّزْقِ وبَيْنَ الفَقْرِ مَراتِبَ أُخْرى مِنَ الكَفافِ وضِيقِ الرِّزْقِ والخَصاصَةِ، والفَقْرِ، وهي مُتَفاوِتَةٌ فَلا إشْكالَ في التَّعْلِيلِ.

وعَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها فَنَزَلَتْ، وهَذا مِمّا حَمَلَ قَوْمًا عَلى ظَنِّ هَذِهِ الآيَةِ مَدَنِيَّةً كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ. وهَذا إنْ صَحَّ عَنْ خَبّابٍ فَهو تَأْوِيلٌ مِنهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وخَبّابٌ أنْصارِيٌّ فَلَعَلَّهُ سَمِعَ تَمْثِيلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَكُنْ سَمِعَها مِن قَبْلُ.

ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ؛ تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ فَنَزَلَتْ، وهَذا خَبَرٌ ضَعِيفٌ.

ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ في بَسْطَةٍ مِنَ الرِّزْقِ لاخْتَلَّ نِظامُ حَياتِهِمْ بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِأنَّ بَعْضَ الأغْنِياءَ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِالبَغْيِ لِتَوَفُّرِ

صفحة ٩٤

أسْبابِ العُدْوانِ كَما عَلِمْتَ فَيَجِدُ مِنَ المَبْغِيِّ عَلَيْهِ المُقاوَمَةَ وهَكَذا، وذَلِكَ مُفْضٍ إلى اخْتِلالِ نِظامِهِمْ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ لِبَعْضِ العِبادِ كَما هو مُشاهَدٌ لا يُفْضِي إلى مِثْلِ هَذا الفَسادِ لِأنَّ الغِنى قَدْ يُصادِفُ نَفْسًا صالِحَةً ونَفْسًا لَها وازِعٌ مِنَ الدِّينِ فَلا يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَغْيِ، فَإنْ صادَفَ نَفْسًا خَبِيثَةً لا وازِعَ لَها فَتِلْكَ حالَةٌ نادِرَةٌ هي مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ السَّيِّئَةِ في العالَمِ ولَها ما يُقاوِمُها في الشَّرِيعَةِ وفَصْلِ القَضاءِ وغَيْرَةِ الجَماعَةِ فَلا يُفْضِي إلى فَسادٍ عامٍّ ولا إلى اخْتِلالِ نِظامٍ.

وإطْلاقُ فِعْلِ التَّنْزِيلِ عَلى إعْطاءِ الرِّزْقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّهُ عَطاءٌ مِن رَفِيعِ الشَّأْنِ، فَشُبِّهَ بِالنّازِلِ مِن عُلُوٍّ، وتَكَرَّرَ مِثْلُ هَذا الإطْلاقِ في القُرْآنِ.

والقَدَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: المِقْدارُ والتَّعْيِينُ.

ومَعْنى (ما يَشاءُ) أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وعَلى ما يُيَسِّرُهُ لَهُ مِن تَرْتِيبِ الأسْبابِ عَلى حَسَبِ مُخْتَلِفِ مَصالِحِ مَخْلُوقاتِهِ وتَعارُضِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وكُلُّ ذَلِكَ تَصَرُّفاتٌ وتَقْدِيراتٌ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ تَعالى. وكُلُّها تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، وهي جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلَّتِي قَبْلَها.

وافْتُتِحَتْ بِـ (إنَّ) الَّتِي لَمْ يُرَدْ مِنها تَأْكِيدُ الخَبَرِ ولَكِنَّها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ والإيذانِ بِالتَّعْلِيلِ لِأنَّ (إنَّ) في مِثْلِ هَذا المَقامِ تَقُومُ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، فالجُمْلَةُ في تَقْدِيرِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ.

والجَمْعُ بَيْنَ وصْفَيْ خَبِيرٍ و(بَصِيرٍ) لِأنَّ وصْفَ خَبِيرٍ دالٌّ عَلى العِلْمِ بِمَصالِحِ العِبادِ وأحْوالِهِمْ قَبْلَ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ أسْبابِها، أيِ العِلْمِ بِما سَيَكُونُ. ووَصْفُ (بَصِيرٍ) دالٌّ عَلى العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِأحْوالِهِمُ الَّتِي حَصَلَتْ، وفَرْقٌ بَيْنَ التَّعَلُّقَيْنِ لِلْعِلْمِ الإلَهِيِّ.

42:28Page 486

وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨

And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.

صفحة ٩٥

﴿وهْوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهْوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] فَإنَّ الغَيْثَ سَبَبُ رِزْقٍ عَظِيمٍ وهو ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بِقَدَرٍ هو أعْلَمُ بِهِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ عَلى النّاسِ الَّتِي مِنها مُعْظَمُ رِزْقِهِمُ الحَقِيقِيِّ لَهم ولِأنْعامِهِمْ.

وخَصَّها بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّها نِعْمَةٌ لا يَخْتَلِفُ النّاسُ فِيها لِأنَّها أصْلُ دَوامِ الحَياةِ بِإيجادِ الغِذاءِ الصّالِحِ لِلنّاسِ والدَّوابِّ، وبِهَذا يَظْهَرُ وقْعُ قَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩] عَقِبَ قَوْلِهِ هُنا ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ .

واخْتِيارُ المُضارِعِ في (يُنَزِّلُ) لِإفادَةِ تَكَرُّرِ التَّنْزِيلِ وتَجْدِيدِهِ.

والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ لِلْإشارَةِ إلى حُصُولِ القُنُوطِ وتَقَرُّرِهِ بِمُضِيِّ زَمانٍ عَلَيْهِ.

والغَيْثُ: المَطَرُ الآتِي بَعْدَ الجَفافِ، سُمِّيَ غَيْثًا بِالمَصْدَرِ لِأنَّ بِهِ غَيْثَ النّاسِ المُضْطَرِّينَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.

والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ: مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا مِنَ الغَيْثِ بِانْقِطاعِ أماراتِ الغَيْثِ المُعْتادَةِ وضِيقِ الوَقْتِ عَنِ الزَّرْعِ.

وصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ تُفِيدُ قَصْرَ القَلْبِ لِأنَّ في السّامِعِينَ مُشْرِكِينَ يَظُنُّونَ نُزُولَ الغَيْثِ مِن تَصَرُّفِ الكَواكِبِ وفِيهِمُ المُسْلِمُونَ الغافِلُونَ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ نُزُولَ الغَيْثِ مَنُوطًا بِالأسْبابِ المُعْتادَةِ لِنُزُولِ الغَيْثِ لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّ المَطَرَ مِن تَصَرُّفِ أنْواءِ الكَواكِبِ.

وفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قالَ «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ عَلى إثْرَ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: أتَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالَ، قالَ: أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِي: فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ

صفحة ٩٦

بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا ونَوْءِ كَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» .

فَهَذا القَصْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ قَصْرُ قَلْبٍ أصْلِيٌّ وهو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَصْرُ قَلْبٍ تَنْزِيلِيٌّ.

والنَّشْرُ: ضِدُّ الطَّيِّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.

واسْتُعِيرَ هُنا لِلتَّوْسِيعِ والِامْتِدادِ. والرَّحْمَةُ هُنا: رَحْمَتُهُ بِالماءِ، وقِيلَ: بِالشَّمْسِ بَعْدَ المَطَرِ. وضَمِيرُ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ عائِدٌ إلى (عِبادِهِ) مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] .

وقَدْ قِيلَ: «إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَفْعِ القَحْطِ عَنْ قُرَيْشٍ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ لَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دامَ عَلَيْهِمُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ أكَلُوا فِيها الجِيَفَ والعِظامَ وهو المُشارُ إلَيْهِ بَقَوْلِهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان»: ١٥] .

فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَعا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقالَ: «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللَّهَ أنْ يَكْشِفَ عَنْهم فَدَعا. ثُمَّ قالَ: تَعُودُونَ بَعْدُ» . وقَدْ كانَ هَذا في المَدِينَةِ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في «اسْتِسْقاءِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سَألَهُ الأعْرابِيُّ وهو في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ» .

وفِي رِوايَةٍ أنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ هو كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ» .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (يُنَزِّلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الزّايِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ.

وذِكْرُ صِفَتَيِ ﴿الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ دُونَ غَيْرِهِما لِمُناسَبَتِهِما لِلْإغاثَةِ لِأنَّ الوَلِيَّ يُحْسِنُ إلى مَوالِيهِ والحَمِيدَ يُعْطِي ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ. ووَصْفُ (حَمِيدٍ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَفْسِيرَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ المَطَرِ.

42:29Page 486

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩

And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.

صفحة ٩٧

﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهْوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾

لَمّا كانَ إنْزالُ الغَيْثِ جامِعًا بَيْنَ كَوْنِهِ نِعْمَةً وكَوْنِهِ آيَةً دالَّةً عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ المُقْتَضِيَةِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ - انْتَقَلَ مِن ذِكْرِهِ إلى ذِكْرِ آياتٍ دالَّةٍ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وهي آيَةُ خَلْقِ العَوالِمِ العَظِيمَةِ وما فِيها مِمّا هو مُشاهَدٌ لِلنّاسِ دُونَ قَصْدِ الِامْتِنانِ. وهَذا الِانْتِقالُ اسْتِطْرادٌ واعْتِراضٌ بَيْنَ الأغْراضِ الَّتِي سِياقُ الآياتِ فِيها.

والآياتُ: جَمْعُ آيَةٍ، وهي العَلامَةُ والدَّلِيلُ عَلى شَيْءٍ. والسِّياقُ دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ آياتُ الإلَهِيَّةِ. والسَّماواتُ: العَوالِمُ العُلْيا غَيْرُ المُشاهَدَةِ لَنا والكَواكِبُ وما تَجاوَزَ الأرْضَ مِنَ الجَوِّ. والأرْضُ: الكُرَةُ الَّتِي عَلَيْها الحَيَوانُ والنَّباتُ. والبَثُّ: وضْعُ الأشْياءِ في أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ.

والدّابَّةُ: ما يَدُبُّ عَلى الأرْضِ، أيْ يَمْشِي فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ لِأنَّ الطَّيْرَ يَمْشِي إذا نَزَلَ وهو مِمّا أُرِيدَ في قَوْلِهِ هُنا فِيهِما أيْ في الأرْضِ وفي السَّماءِ، أيْ بَعْضِ ما يُسَمّى بِالسَّماءِ وهو الجَوُّ وهو ما يَلُوحُ لِلنّاظِرِ مِثْلَ قُبَّةٍ زَرْقاءَ عَلى الأرْضِ في النَّهارِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النحل: ٧٩] فَإطْلاقُ الدّابَّةِ عَلى الطَّيْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الطَّيْرَ يَدُبُّ عَلى الأرْضِ كَثِيرًا لِالتِقاطِ الحَبِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وأمّا المَوْجُوداتُ الَّتِي في السَّماواتِ العُلا مِنَ المَلائِكَةِ والأرْواحِ فَلا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ دابَّةٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في بَعْضِ السَّماواتِ مَوْجُوداتٌ تَدُبُّ فِيها فَإنَّ الكَواكِبَ مِنَ السَّماواتِ. والعُلَماءُ يَتَرَدَّدُونَ في إثْباتِ سُكّانٍ في الكَواكِبِ، وجَوَّزَ بَعْضُ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ في كَوْكَبِ المَرِّيخِ سُكّانًا، وقالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ فِيهِما ظَرْفِيَّةَ المَجْمُوعِ لا الجَمِيعِ، أيْ ما بَثَّ في مَجْمُوعِ الأرْضِ والسَّماءِ مِن دابَّةٍ، فالدّابَّةُ إنَّما هي عَلى الأرْضِ، ولَمّا ذُكِرَتِ الأرْضُ والسَّماءُ مُقْتَرِنَتَيْنِ وجاءَ ذِكْرُ الدَّوابِّ جُعِلَتِ الدَّوابُّ مَظْرُوفَةً فِيهِما لِأنَّ الأرْضَ مَحُوطَةٌ بِالسَّماواتِ ومُتَخَيَّلَةٌ مِنها كالمَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، والمَظْرُوفُ في ظَرْفٍ مَظْرُوفٌ في ظَرْفِ مَظْرُوفِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ثُمَّ قالَ:

صفحة ٩٨

﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ يَخْرُجانِ مِن أحَدِ البَحْرَيْنِ وهو البَحْرُ المَلِحُ لا مِنَ البَحْرِ العَذْبِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾، مُعْتَرِضَةٌ في جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ لِإدْماجِ إمْكانِ البَعْثِ في عَرْضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ.

والمَعْنى: أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما عَنْ عَدَمٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِ بَعْضِ ما فِيهِما لِلْبَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَواءٌ في جَوازِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ فَكَيْفَ تَعُدُّونَهُ مُحالًا.

وضَمِيرُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: (جَمْعِهِمْ) عائِدٌ إلى ما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِي تَتَعَلَّقُ الإرادَةُ بِجَمْعِهِ في الحَشْرِ لِلْجَزاءِ هُمُ العُقَلاءُ مِنَ الدَّوابِّ أيِ الإنْسُ.

والمُرادُ بِـ (جَمْعِهِمْ) حَشْرُهم لِلْجَزاءِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] .

وقَدْ ورَدَ في أحادِيثَ في الصَّحِيحِ أنَّ بَعْضَ الدَّوابِّ تُحْشَرُ لِلِانْتِصافِ مِمَّنْ ظَلَمَها. و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنْ تَضَمُّنِ الشَّرْطِيَّةِ، فالتَّقْدِيرُ: حِينَ يَشاءُ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَمْعِهِمْ) . وهَذا الظَّرْفُ إدْماجٌ ثانٍ لِإبْطالِ اسْتِدْلالِهِمْ بِتَأخُّرِ يَوْمِ البَعْثِ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبإ: ٢٩] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском