Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:36–41
42:36Page 487
فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦
So whatever thing you have been given - it is but [for] enjoyment of the worldly life. But what is with Allāh is better and more lasting for those who have believed and upon their Lord rely
صفحة ١٠٩
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا﴾ [الشورى: ٢٧] إلى آخِرِها، فَإنَّها اقْتَضَتْ وُجُودَ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ ومَحْرُومٍ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ ما أُوتُوهُ مِن رِزْقٍ هو عَرَضٌ زائِلٌ، وأنَّ الخَيْرَ في الثَّوابِ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ المُناسَبَةِ لِما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] مِن سَلامَةِ النّاسِ مِن كَثِيرٍ مِن أهْوالِ الأسْفارِ البَحْرِيَّةِ فَإنَّ تِلْكَ السَّلامَةَ نِعْمَةٌ مِن نَعَمِ الدُّنْيا، فَفُرِّعَتْ عَلَيْهِ الذِّكْرى بِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ نِعْمَةٌ قَصِيرَةُ الزَّمانِ صائِرَةٌ إلى الزَّوالِ فَلا يَجْعَلُها المُوَفَّقُ غايَةَ سَعْيِهِ ولْيَسْعَ لِعَمَلِ الآخِرَةِ الَّذِي يَأْتِي بِالنَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ وهو النَّعِيمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ أُوتِيتُمْ لِلْمُشْرِكِينَ جَرْيًا عَلى نَسَقِ الخِطابِ السّابِقِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١]، ويَنْسَحِبُ الحُكْمُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِلَحْنِ الخِطابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، فالفاءُ الأُولى لِلتَّفْرِيعِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ضُمِّنَتْ مَعْنى الشُّرَطِ والفاءُ الثّانِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ داخِلَةٌ عَلى خَبَرِ (ما) المَوْصُولَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وإنَّما لَمْ نَجْعَلْ (ما) شَرْطِيَّةً لِأنَّ المَعْنى عَلى الإخْبارِ لا عَلى التَّعْلِيقِ، وإنَّما تَضْمَنُ مَعْنى الشَّرْطِ وهو مُجَرَّدُ مُلازَمَةِ الخَبَرِ لِمَدْلُولِ اسْمِ المَوْصُولِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] في قِراءَةِ غَيْرِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ.
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِلَّذِينِ آمَنُوا خَيْرٌ وأبْقى عَلى وجْهِ التَّنازُعِ، وأُتْبِعَتْ صِلَةُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَدُلُّ عَلى عَمَلِهِمْ بِإيمانِهِمْ في اعْتِقادِهِ فَعَطَفَ عَلى الصِّلَةِ أنَّهم يَتَوَكَّلُونَ عَلى رَبِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِ. وهَذا التَّوَكُّلُ إفْرادٌ لِلَّهِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في كُلِّ ما تَعْجِزُ عَنْهُ قُدْرَةُ العَبْدِ، فَإنَّ التَّوَجُّهَ إلى غَيْرِهِ في ذَلِكَ يُنافِي التَّوْحِيدَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلى آلِهَتِهِمْ أكْثَرَ مِن تَوَكُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ، ولِكَوْنِ هَذا مُتَمَّمًا لِمَعْنى الَّذِينَ آمَنُوا عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ ولَمْ يُؤْتَ مَعَهُ بِاسْمٍ مَوْصُولٍ بِخِلافِ ما ورَدَ بَعْدَهُ.
42:37Page 487
وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧
And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,
صفحة ١١٠
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾
أتْبَعَ المَوْصُولَ السّابِقَ بِمَوْصُولاتٍ مَعْطُوفٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كَما تُعْطَفُ الصِّفاتُ لِلْمَوْصُوفِ الواحِدِ، فَكَذَلِكَ عَطْفُ هَذِهِ الصِّلاتِ، ومَوْصُولاتُها أصْحابُها مُتَحِدُّونَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ: هو الِاهْتِمامُ بِالصِّلاتِ فَيُكَرَّرُ الِاسْمُ المَوْصُولُ لِتَكُونَ صِلَتُهُ مُعْتَنًى بِها حَتّى كَأنَّ صاحِبَها المُتَّحِدَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ ذَواتٍ. فالمَقْصُودُ: ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم، أيْ أتْبَعُوا إيمانَهم بِها. وهَذِهِ صِفاتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ العارِضَةِ لَهم فَهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ قَدْ تَجْتَمِعُ في المُؤْمِنَ الواحِدِ إذا وُجِدَتْ أسْبابُها وقَدْ لا تَجْتَمِعُ إذا لَمْ تُوجَدْ بَعْضُ أسْبابِها مِثْلَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (كَبائِرَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (كَبِيرَ) بِالإفْرادِ، فَكَبائِرُ الإثْمِ: الفِعْلاتُ الكَبِيرَةُ مِن جِنْسِ الإثْمِ وهي الآثامُ العَظِيمَةُ الَّتِي نَهى الشَّرْعُ عَنْها نَهْيًا جازِمًا، وتَوَعَّدَ فاعِلَها بِعِقابِ الآخِرَةِ مِثْلَ القَذْفِ والِاعْتِداءِ والبَغْيِ. وعَلى قِراءَةِ (كَبِيرَ الإثْمِ) مُرادٌ بِهِ مَعْنى كَبائِرِ الإثْمِ لِأنَّ المُفْرَدَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ بِلامِ الجِنْسِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ كانَ لَهُ حُكْمُ ما أُضِيفَ هو إلَيْهِ.
والفَواحِشُ: جَمْعُ فاحِشَةٍ، وهي: الفِعْلَةُ المَوْصُوفَةُ بِالشَّناعَةِ والَّتِي شَدَّدَ الدِّينُ في النَّهْيِ عَنْها وتَوَعَّدَ عَلَيْها بِالعَذابِ أوْ وضَعَ لَها عُقُوباتٍ في الدُّنْيا لِلَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِن فاعِلِيها. وهَذِهِ مِثْلُ قَتْلِ النَّفْسِ، والزِّنى، والسَّرِقَةِ، والحِرابَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وكَبائِرُ الإثْمِ والفَواحِشِ قَدْ تَدْعُو إلَيْها القُوَّةُ الشّاهِيَةُ. ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن كَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ مُتَسَبِّبًا عَلى القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ مِثْلَ القَتْلِ والجِراحِ والشَّتْمِ والضَّرْبِ
صفحة ١١١
أعْقَبَ الثَّناءَ عَلى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَها، فَذَكَرَ أنَّ مِن شِيمَتِهِمُ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ، أيْ إمْساكَ أنْفُسِهِمْ عَنْ الِانْدِفاعِ مَعَ داعِيَةِ الغَضَبِ فَلا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم.
وجِيءَ بِكَلِمَةِ (إذا) المُضَمَّنَةِ مَعْنى الشَّرْطِ والدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، لِأنَّ الغَضَبَ طَبِيعَةٌ نَفْسِيَّةٌ لا تَكادُ تَخْلُو عَنْهُ نَفْسُ أحَدٍ عَلى تَفاوُتٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ.
وقَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ هم يَغْفِرُونَ لِإفادَةِ التَّقَوِّي.
وتَقْيِيدُ المُسْنَدِ بِـ (إذا) المُفِيدَةِ مَعْنى الشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الغُفْرانِ كُلَّما غَضِبُوا.
والمَقْصُودُ مِن هَذا مُعامَلَةُ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَلا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ الآتِي والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ لِأنَّ ذَلِكَ في مُعامَلَتِهِمْ مَعَ أعْداءِ دِينِهِمْ.
42:38Page 487
وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨
And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصِّلْوَةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنِهِمْ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
هَذا مَوْصُولٌ آخَرُ وصِلَةٌ أُخْرى. ومَدْلُولُهُما مِن أعْمالِ الَّذِينَ آمَنُوا الَّتِي يَدْعُوهم إلَيْها إيمانُهم، والمَقْصُودُ مِنها ابْتِداءً هُمُ الأنْصارُ، كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَأصَّلَ فِيهِمْ خُلُقُ الشُّورى.
وأمّا الِاسْتِجابَةُ لِلَّهِ فَهي ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ هي الِاسْتِجابَةُ لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّهُ دَعاهم إلى الإسْلامِ مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ فَكَأنَّ اللَّهَ دَعاهم إلَيْهِ فاسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ. والسِّينُ والتّاءُ في (اسْتَجابُوا) لِلْمُبالَغَةِ في الإجابَةِ، أيْ هي إجابَةٌ لا يُخالِطُها كَراهِيَةٌ ولا تَرَدُّدٌ.
ولامُ (لَهُ) لِلتَّقْوِيَةِ يُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَجابَهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ اسْتِجابَةٌ خاصَّةٌ، وهي إجابَةُ المُبادَرَةِ مِثْلَ أبِي بَكْرٍ وخَدِيجَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ونُقَباءِ الأنْصارِ أصْحابِ لَيْلَةِ العَقَبَةِ.
صفحة ١١٢
وجُعِلَتْ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ. وقَدْ عُرِفَ الأنْصارُ بِذَلِكَ إذْ كانَ التَّشاوُرُ في الأُمُورِ عادَتَهم فَإذا نَزَلَ بِهِمْ مُهِمٌّ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا وكانَ مِن تَشاوُرِهِمُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ هو تَشاوُرُهم حِينَ ورَدَ إلَيْهِمْ نُقَباؤُهم وأخْبَرُوهم بِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أنْ آمَنُوا هم بِهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، فَلَمّا أبْلَغُوهم ذَلِكَ اجْتَمَعُوا في دارِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى الإيمانِ بِهِ والنَّصْرِ لَهُ.
وإذْ قَدْ كانَتِ الشُّورى مُفْضِيَةً إلى الرُّشْدِ والصَّوابِ وكانَ مِن أفْضَلِ آثارِها أنِ اهْتَدى بِسَبَبِها الأنْصارُ إلى الإسْلامِ أثْنى اللَّهُ بِها عَلى الإطْلاقِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِالشُّورى الخاصَّةِ الَّتِي تَشاوَرَ بِها الأنْصارُ في الإيمانِ، وأيُّ أمْرِ أعْظَمُ مِن أمْرِ الإيمانِ.
والأمْرُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الأجْناسِ العامَّةِ مِثْلُ: شَيْءٍ وحادِثٍ. وإضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ قَدْ تُفِيدُ العُمُومَ بِمَعُونَةِ المَقامِ، أيْ جَمِيعُ أُمُورِهِمْ مُتَشاوَرٌ فِيها بَيْنَهم.
والإخْبارُ عَنِ الأمْرِ بِأنَّهُ شُورى مِن قَبِيلِ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ. والإسْنادُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الشُّورى تُسْنَدُ لِلْمُتَشاوِرِينَ، وأمّا الأمْرُ فَهو ظَرْفٌ مَجازِيٌّ لِلشُّورى، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: تَشاوَرا في كَذا، قالَ تَعالى: وشاوِرْهم في الأمْرِ فاجْتَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْرُهم شُورى﴾ مَجازٌ عَقْلِيٌّ واسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ ومُبالَغَةٌ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالبُشْرى والفُتْيا؛ وهي أنَّ قاصِدَ عَمَلٍ يَطْلُبُ مِمَّنْ يَظُنُّ فِيهِ صَوابَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ أنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِما يَراهُ في حُصُولِ الفائِدَةِ المَرْجُوَّةِ مِن عَمَلِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ (بَيْنَهم) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو صِفَةٌ لِـ (شُورى) . والتَّشاوُرُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ المُتَشاوِرَيْنِ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا الظَّرْفُ إيماءً إلى أنَّ الشُّورى لا يَنْبَغِي أنْ تَتَجاوَزَ مَن يُهِمُّهُمُ الأمْرُ مِن أهْلِ الرَّأْيِ فَلا يَدْخُلُ فِيها مَن لا يُهِمُّهُ الأمْرُ، وإلى أنَّها سِرٌّ بَيْنَ المُتَشاوِرَيْنِ قالَ بَشّارٌ:
ولا تُشْهِدِ الشُّورى امْرَأً غَيْرَ كاتِمِ
وقَدْ كانَ شَيْخُ الإسْلامِ مَحْمُودُ ابْنُ الخُوجَةَ أشارَ في حَدِيثٍ جَرى بَيْنِي وبَيْنَهُ إلى اعْتِبارِ هَذا الإيماءِ إشارَةً بِيَدِهِ حِينَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، ولا أدْرِي أذَلِكَ اسْتِظْهارٌ مِنهُ أمْ
صفحة ١١٣
شَيْءٌ تَلَقّاهُ مِن بَعْضِ الكُتُبِ أوْ بَعْضِ أساتِذَتِهِ وكِلا الأمْرَيْنِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عَنْ مِثْلِهِ.
وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَكانَةِ الصَّلاةِ بِأعْمالِ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إقامَةً خاصَّةً، فَإذا كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في الأنْصارِ أوْ كانَ الأنْصارُ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنها فَلَعَلَّ المُرادَ مُبادَرَةُ الأنْصارِ بَعْدَ إسْلامِهِمْ بِإقامَةِ الجَماعَةِ إذْ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن يُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ ويَؤُمُّهم في الصَّلاةِ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وأثْنى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يُنْفِقُونَ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، ولِلْأنْصارِ الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذا الثَّناءِ، وهو كَقَوْلِهِ فِيهِمْ ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . وذَلِكَ أنَّ الأنْصارَ كانُوا أصْحابَ أمْوالٍ وعَمَلٍ فَلَمّا آمَنُوا كانُوا أوَّلَ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أمْوالٌ يُعِينُونَ بِها ضُعَفاءَ المُؤْمِنِينَ مِنهم ومِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ . فَأمّا المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقَدَ صادَرَهُمُ المُشْرِكُونَ أمْوالَهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «وهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن دارٍ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في خِلالِ المَدْحِ وإلّا فَلَيْسَ الإنْفاقُ مِن غَيْرِ ما يُرْزَقُهُ المُنْفِقُ.
42:39Page 487
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩
And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ هَذا مَوْصُولٌ رابِعٌ وصِلَتُهُ خُلُقٌ أرادَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، والحَظُّ الأوَّلُ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا فَإنَّهم أصابَهم بَغْيُ المُشْرِكِينَ بِأصْنافِ الأذى مِن شَتْمٍ وتَحْقِيرٍ ومُصادَرَةِ الأمْوالِ وتَعْذِيبِ الذَّواتِ فَصَبَرُوا عَلَيْهِ.
والبَغْيُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، فَمَعْنى إصابَتُهُ إيّاهم أنَّهُ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ، أيْ بَغى غَيْرُهم عَلَيْهِمْ وهَذِهِ الآيَةُ مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَجِّ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] فَإنَّ سُورَةَ الحَجِّ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وإنَّما أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَنْتَصِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ ناشِئٌ عَلى ما أصابَهم مِنَ البَغْيِ فَكانَ كُلٌّ مِنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ مُوجِبٌ الثَّناءَ لِأنَّ الِانْتِصارَ مَحْمَدَةٌ دِينِيَّةٌ إذْ هو لِدَفْعِ البَغْيِ اللّاحِقِ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم
صفحة ١١٤
مُؤْمِنُونَ، فالِانْتِصارُ لِأنْفُسِهِمْ رادِعٌ لِلْباغِينَ عَنِ التَّوَغُّلِ في البَغْيِ عَلى أمْثالِهِمْ، وذَلِكَ الرَّدْعُ عَوْنٌ عَلى انْتِشارِ الإسْلامِ، إذْ يَقْطَعُ ما شَأْنُهُ أنْ يُخالِجَ نُفُوسَ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ مِن هَواجِسِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يُبْغى عَلَيْهِمْ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنا والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ وبَيْنَ قَوْلِهِ آنِفًا وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ تَعارَضٌ لِاخْتِلافِ المَقامَيْنِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَكْرَهُونَ أنْ يُسْتَذَلُّوا وكانُوا إذا قَدَرُوا عَفَوْا.
وأدْخَلَ ضَمِيرَ الفَصْلِ بَقَوْلِهِ: ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ المَوْصُولِ وبَيْنَ خَبَرِهِ لِإفادَةِ تَقَوِّي الخَبَرِ، أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَرَدَّدُوا في الِانْتِصارِ لِأنْفُسِهِمْ.
وأُوثِرَ الخَبَرُ الفِعْلِيُّ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: مُنْتَصِرُونَ، لِإفادَةِ مَعْنى تَجَدُّدِ الِانْتِصارِ كُلَّما أصابَهُمُ البَغْيُ.
وأمّا مَجِيءُ الفِعْلِ مُضارِعًا فَلِأنَّ المُضارِعَ هو الَّذِي يَجِيءُ مَعَهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ.
42:40Page 487
وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ مُعْتَرِضَةٌ الواحِدَةُ تِلْوَ الأُخْرى بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] . وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ تَحْدِيدُ الِانْتِصارِ والتَّرْغِيبُ في العَفْوِ ثُمَّ ذَمُّ الظُّلْمِ والِاعْتِداءِ، وهَذا انْتِقالٌ مِنَ الإذْنِ في الِانْتِصارِ مِن أعْداءِ الدِّينِ إلى تَحْدِيدِ إجْرائِهِ بَيْنَ الأُمَّةِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ إذْ سُمِّيَ تَرْكُ الِانْتِصارِ عَفْوًا وإصْلاحًا ولا عَفْوَ ولا إصْلاحَ مَعَ أهْلِ الشِّرْكِ.
وبِقَرِينَةِ الوَعْدِ بِأجْرٍ مِنَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ العَفْوِ ولا يَكُونُ عَلى الإصْلاحِ مَعَ أهْلِ الشِّرْكِ أجْرٌ.
صفحة ١١٥
و(سَيِّئَةٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ فِعْلَةٌ تَسُوءُ مَن عُومِلَ بِها. ووَزْنُ سَيِّئَةٍ فَيْعَلَةٌ مُبالَغَةً في الوَصْفِ مِثْلَ: هَيِّنَةٍ، فَعَيْنُها ياءٌ ولامُها هَمْزَةٌ، لِأنَّها مِن ساءَ، فَلَمّا صِيغَ مِنها وزْنُ فَيْعَلَةَ التَقَتْ ياءانِ فَأُدْغِمَتا، أيْ أنَّ المُجازِيَ يُجازِي مَن فَعَلَ مَعَهُ فِعْلَةً تَسُوءُهُ بِفِعْلَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلِ فِعْلَتِهِ في السُّوءِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هُنا المَعْصِيَةَ الَّتِي لا يَرْضاها اللَّهُ، فَلا إشْكالَ في إطْلاقِ السَّيِّئَةِ عَلى الأذى الَّذِي يُلْحَقُ بِالظّالِمِ.
ومَعْنى مِثْلِها أنَّها تَكُونُ بِمِقْدارِها في مُتَعارَفِ النّاسِ، فَقَدْ تَكُونُ المُماثَلَةُ في الغَرَضِ والصُّورَةِ وهي المُماثَلَةُ التّامَّةُ وتِلْكَ حَقِيقَةُ المُماثَلَةِ مِثْلَ القِصاصِ مِنَ القاتِلِ ظُلْمًا بِمِثْلِ ما قَتَلَ بِهِ، ومِنَ المُعْتَدِي بِجِراحِ عَمْدٍ، وقَدْ تَتَعَذَّرُ المُماثَلَةُ التّامَّةُ فَيُصارُ إلى المُشابَهَةِ في الغَرَضِ، أيْ مِقْدارِ الضُّرِّ وتِلْكَ هي المُقارَبَةُ مِثْلَ تَعَذُّرِ المُشابِهَةِ التّامَّةِ في جَزاءِ الحُرُوبِ مَعَ عَدُوِّ الدِّينِ إذْ قَدْ يُلْحَقُ الضُّرُّ بِأشْخاصٍ لَمْ يُصِيبُوا أحَدًا بِضُرٍّ ويَسْلَمُ أشْخاصٌ أصابُوا النّاسَ بِضُرٍّ، فالمُماثَلَةُ في الحَرْبِ هي انْتِقامُ جَماعَةٍ مِن جَماعَةٍ بِمِقْدارِ ما يَشْفِي نُفُوسَ الغالِبِينَ حَسْبَما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ النّاسُ.
ومِن ذَلِكَ أيْضًا إتْلافُ بَعْضِ الحَواسِّ بِسَبَبِ ضَرْبٍ عَلى الرَّأْسِ أوْ عَلى العَيْنِ فَيُصارُ إلى الدِّيَةِ إذْ لا تُضْبَطُ إصابَةُ حاسَّةِ الباغِي بِمِثْلِ ما أصابَ بِهِ حاسَّةَ المُعْتَدى عَلَيْهِ. وكَذَلِكَ إعْطاءُ قِيَمِ المَتْلَفاتِ مِنَ المُقَوَّماتِ إذْ يَتَعَسَّرُ أنْ يُكَلَّفَ الجانِي بِإعْطاءِ مِثْلِ ما أتْلَفَهُ.
ومِن مَشاكِلِ المُماثَلَةِ في العُقُوبَةِ مَسْألَةُ الجَماعَةِ يَتَمالَأُونَ عَلى قَتْلِ أحَدٍ عَمْدًا، أوْ عَلى قَطْعِ بَعْضِ أعْضائِهِ؛ فَإنِ اقْتُصَّ مِن واحِدٍ مِنهم كانَ ذَلِكَ إفْلاتًا لِبَقِيَّةِ الجُناةِ مِن عُقُوبَةِ جُرْمِهِمْ، وإنِ اقْتُصَّ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم كانَ ذَلِكَ زِيادَةً في العُقُوبَةِ لِأنَّهم إنَّما جَنَوْا عَلى واحِدٍ.
فَمِنَ العُلَماءِ مَن لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ ونَظَرَ إلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَنى عَلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ فاسْتَحَقَّ الجَزاءَ بِمِثْلِ ما ألْحَقَهُ بِالمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وجَعَلَ التَّعَدُّدَ مُلْغًى وراعى في ذَلِكَ سَدَّ ذَرِيعَةِ أنْ يَتَحَيَّلَ المُجْرِمُ عَلى التَّنَصُّلِ مِن جُرْمِهِ بِضَمِّ جَماعَةٍ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ أخْذًا مِن قَضاءِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَوْلِهِ: لَوِ اجْتَمَعَ عَلى قَتْلِهِ أهْلُ صَنْعاءَ لاقْتَصَصْتُ مِنهم.
صفحة ١١٦
ومِنهم مَن عَدَلَ عَنِ الزِّيادَةِ مُطْلَقًا وهو قَوْلُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ، ومِنهم مَن عَدَلَ عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ في القَطْعِ ولَمْ يَعْدِلْ عَنْها في القَتْلِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَضى بِهِ في القَتْلِ ولَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ في القَطْعِ. ورُبَّما ألْغى بَعْضُهُمُ الزِّيادَةَ إذا كانَ طَرِيقُ ثُبُوتِ الجِنايَةِ ضَعِيفًا مِثْلَ القَسامَةِ مَعَ اللَّوْثِ عِنْدَ مَن يَرى القِصاصَ بِها فَإنَّ مالِكًا لَمْ يَرَ أنْ يُقْتَلَ بِالقَسامَةِ أكْثَرُ مِن رَجُلٍ واحِدٍ.
واعْلَمْ أنَّ المُماثَلَةَ في نَحْوِ هَذا تُحَقَّقُ بِقِيمَةِ الغُرْمِ كَما اعْتُبِرَتْ في الدِّياتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ فَيُقَدَّرُ: أنَّهُ يُحِبُّ العافِينَ كَما قالَ: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . ونَصْرُهُ عَلى ظالِمِهِ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ وهو لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ، أيْ فَيُؤْجِرُ الَّذِينَ عَفَوْا ويَنْتَصِرُ لَهم عَلى الباغِينَ لِأنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ فَلا يُهْمِلُ الظّالِمَ دُونَ عِقابٍ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا. وقَدِ اسْتُفِيدَ حُبُّ اللَّهِ العافِينَ مِن قَوْلِهِ: إنَّهُ ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾، وعَلى هَذا فَماصَدَقُ الظّالِمِينَ: هُمُ الَّذِينَ أصابُوا المُؤْمِنِينَ بِالبَغْيِ.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ بَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ مُنْصَرِفًا لِمَفْهُومِ جُمْلَةِ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ دُونَ تَجاوُزِ المُماثَلَةِ في الجَزاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فَيَكُونَ ماصَدَقُ الظّالِمِينَ: الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ في العُقُوبَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا مِن مُجاوَزَةِ الحَدِّ، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» .
وقَدْ شَمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَوْقِعِها الِاعْتِراضِيِّ أُصُولَ الإرْشادِ إلى ما في الِانْتِصارِ مِنَ الظّالِمِ وما في العَفْوِ عَنْهُ مِن صَلاحِ الأُمَّةِ، فَفي تَخْوِيلِ حَقِّ انْتِصارِ المَظْلُومِ مِن ظالِمِهِ رَدْعٌ لِلظّالِمِينَ عَنِ الإقْدامِ عَلى الظُّلْمِ خَوْفًا مِن أنْ يَأْخُذَ المَظْلُومُ بِحَقِّهِ، فالمُعْتَدِي يَحْسَبُ لِذَلِكَ حِسابَهُ حِينَ أُلْهِمَ بِالعُدْوانِ.
وفِي التَّرْغِيبِ في عَفْوِ المَظْلُومِ عَنْ ظالِمِهِ حِفْظُ آصِرَةِ الأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ بَيْنَ المَظْلُومِ وظالِمِهِ كَيْلا تَنْثَلِمَ في آحادِ جُزْئِيّاتِها بَلْ تَزْدادَ بِالعَفْوِ مَتانَةً كَما قالَ تَعالى
صفحة ١١٧
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلْ جانِبَ رَدْعِ الظّالِمِ فَأنْبَأ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ بِمَحَلٍّ مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ إذْ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ولا يَنْحَصِرُ ما في طَيِّ هَذا مِن هَوْلِ الوَعِيدِ.
وتَنْشَأُ عَلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ غَرّاءُ تَجاذَبَتْها أنْظارُ السَّلَفِ بِالِاعْتِبارِ، وهي: تَحْلِيلُ المَظْلُومِ ظالِمَهُ مِن مَظْلِمَتِهِ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ المَعَرِّيِّ في الأحْكامِ: رَوى ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ وسُئِلَ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: لا أُحَلِّلُ أحَدًا، فَقالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ. فَقُلْتُ: الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلِكُ ولا وفاءَ لَهُ قالَ: أرى أنْ يُحَلِّلَهُ، وهو أفْضَلُ عِنْدِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وإنْ كانَ لَهُ فَضْلٌ يُتَّبَعُ، فَقِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ، فَقالَ: لا أرى ذَلِكَ، وهو عِنْدِي مُخالِفٌ لِلْأوَّلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]، ويَقُولُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلا أرى أنْ تَجْعَلَهُ مِن ظُلْمِهِ في حِلٍّ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَصارَ في المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يُحَلِّلُهُ بِحالٍ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ. والثّانِي: يُحَلِّلُهُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، زادَ القُرْطُبِيُّ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، الثّالِثُ: إنْ كانَ مالًا حَلَّلَهُ وإنْ كانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ وهو قَوْلُ مالِكٍ.
وجْهُ الأوَّلِ: أنْ لا يُحِلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيَكُونَ كالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ.
ووَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أنْ يُسْقِطَهُ.
ووَجْهُ الثّالِثِ: أنَّ الرَّجُلَ إذا غَلَبَ عَلى حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أنْ تُحَلِّلَهُ، وإنْ كانَ ظالِمًا فَمِنَ الحَقِّ أنْ لا تَتْرُكَهُ لِئَلّا يَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ ويَسْتَرْسِلُوا في أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ.
وذَكَرَ حَدِيثَ مُسْلِمٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ خَرَجْتُ أنا وأبِي لِطَلَبِ العِلْمِ في هَذا الحَيِّ مِنَ الأنْصارِ قَبْلَ أنْ يَهْلِكُوا فَكانَ أوَّلَ مَن لَقِيَنا أبُو اليُسْرِ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ أبِي: أرى في وجْهِكَ سِنْعَةً مَن غَضَبٍ فَقالَ: أجَلْ كانَ لِي عَلى فُلانٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ وقُلْتُ: أثَمَّ هو ؟ قالُوا:
صفحة ١١٨
لا. فَخَرَجَ ابْنٌ لَهُ فَقُلْتُ لَهُ: أيْنَ أبُوكَ ؟ فَقالَ سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلْتُ: اخْرُجْ إلَيَّ، فَخَرَجَ. فَقُلْتُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي ؟ قالَ: خَشِيتُ واللَّهِ أنْ أُحَدِّثَكَ فَأكْذِبَكَ وأنْتَ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وكُنْتُ واللَّهِ مُعْسِرًا. قالَ: فَأتى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحاها بِيَدِهِ، قالَ: إنْ وجَدْتَ قَضاءً فاقْضِ وإلّا فَأنْتَ في حِلٍّ.
42:41Page 487
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١
And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].
﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] فَيَكُونَ عُذْرًا لِلَّذِينِ لَمْ يَعْفُوا، ويَجُوزُ أنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] وما بَيْنَ ذَلِكَ اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ، فالجُمْلَةُ: إمّا مُرْتَبِطَةٌ بِغَرَضِ انْتِصارِ المُسْلِمِ عَلى ظالِمِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ تَكْمِلَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وإمّا مُرْتَبِطَةٌ بِغَرَضِ انْتِصارِ المُؤْمِنِينَ مِن بَغْيِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، وهو الِانْتِصارُ بِالدِّفاعِ سَواءٌ كانَ دِفاعَ جَماعاتٍ وهو الحَرْبُ فَيَكُونَ هَذا تَمْهِيدًا لِلْإذْنِ بِالقِتالِ الَّذِي شُرِّعَ مِن بَعْدُ، أمْ دِفاعَ الآحادِ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ فَقَدْ صارَ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ذَوِي قُوَّةٍ يَسْتَطِيعُونَ بِها الدِّفاعَ عَنْ أنْفُسِهِمْ آحادًا كَما قِيلَ في عِزِّ الإسْلامِ بِإسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، أوِ اللّامُ لامُ ابْتِداءٍ و(مَن) مَوْصُولَةٌ. وإضافَةُ (ظُلْمِهِ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ بَعْدَ كَوْنِهِ مَظْلُومًا.
ومَعْنى (بَعْدَ ظُلْمِهِ) التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا الِانْتِصارَ بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ أنَّهم ظُلِمُوا: فَأمّا في غَيْرِ الحُرُوبِ فَمَن يَتَوَقَّعُ أنَّ أحَدًا سَيَعْتَدِي عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُبادِرَ أحَدًا بِأذًى قَبْلَ أنْ يَشْرَعَ في الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ ويَقُولَ: ظَنَنْتُ أنَّهُ يَعْتَدِي عَلَيَّ فَبادَرْتُهُ بِالأذى اتِّقاءً لِاعْتِدائِهِ المُتَوَقَّعِ، لِأنَّ مِثْلَ هَذا يُثِيرُ التَّهارُجَ والفَسادَ، فَنَبَّهَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى تَجَنُّبِهِ مَعَ عَدُوِّهِمْ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهم حَرْبٌ.
وأمّا حالُ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَلَيْسَ مِن غَرَضِ الآيَةِ، فَلَوْ أنَّ أحَدًا
صفحة ١١٩
ساوَرَهُ أحَدٌ بِبادِئِ عَمَلٍ مِنَ البَغْيِ فَهو مُرَخَّصٌ لَهُ أنْ يُدافِعَهُ عَنْ إيصالِ بَغْيِهِ إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ ولا يُمْهِلَهُ حَتّى يُوقِعَ بِهِ ما عَسى أنْ لا يَتَدارَكَهُ فاعِلُهُ مِن بَعْدُ، وذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى قاعِدَةِ أنَّ ما قارَبَ الشَّيْءَ يُعْطى حُكْمَ حُصُولِهِ، أيْ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِسَبَبِ ظُهُورِ بَوادِرِهِ، وهو ما قالَ فِيهِ الفُقَهاءُ: يَجُوزُ دَفْعُ صائِلٍ بِما أمْكَنَ.
ومَحَلُّ هَذِهِ الرُّخْصَةِ هو الحالاتُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ فِيها حُصُولُ الضُّرِّ حُصُولًا يَتَعَذَّرُ أوْ يَعْسُرُ رَفْعُهُ وتَدارُكُهُ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَحَلَّها هو الحالَةُ الَّتِي لَمْ يَفُتْ فِيها فِعْلُ البَغْيِ فَأمّا إنْ فاتَ فَإنَّ حَقَّ الجَزاءِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِالرَّفْعِ لِلْحاكِمِ ولا يَتَوَلّى المَظْلُومُ الِانْتِصافَ بِنَفْسِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ ولَكِنَّهُ مُسْتَقْرًى مِن تَصارِيفِ الشَّرِيعَةِ ومَقاصِدِها فَفَرَضْناهُ هُنا لِمُجَرَّدِ بَيانِ مَقْصِدِ الآيَةِ لا لِبَيانِ مَعْناها.
والمُرادُ بِالسَّبِيلِ مُوجِبُ المُؤاخَذَةِ بِاللّائِمَةِ بَيْنَ القَبائِلِ واللَّمْزِ بِالعُدْوانِ والتَّبِعَةِ في الآخِرَةِ عَلى الفَسادِ في الأرْضِ بِقَتْلِ المُسالِمِينَ، سُمِّيَ ذَلِكَ سَبِيلًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ أشْبَهَ الطَّرِيقَ في إيصالِهِ إلى المَطْلُوبِ، وكَثُرَ إطْلاقُ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ فاءُ جَوابِ الشَّرْطِ فَإنْ جَعَلْتَ لامَ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ٤٩] لامَ الِابْتِداءِ فَهو ظاهِرٌ، وإنْ جَعَلْتَ اللّامَ مُوطِئَةً لِلْقَسَمِ كانَ اقْتِرانُ ما بَعْدَها بِفاءِ الجَوابِ تَرْجِيحًا لِلشَّرْطِ عَلى القَسَمِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما، والأعْرَفُ أنْ يُرَجَّحَ الأوَّلُ مِنهُما فَيُعْطى جَوابَهُ ويُحْذَفَ جَوابُ الثّانِي، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ في القَسَمِ الصَّرِيحِ دُونَ القَسَمِ المَدْلُولِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في صَدْرِ جَوابِ الشَّرْطِ لِتَمْيِيزِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ أتَمَّ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سَبَبَ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ هو أنَّهُمُ انْتَصَرُوا بَعْدَ أنْ ظُلِمُوا ولَمْ يَبْدَأُوا النّاسَ بِالبَغْيِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences