Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:42–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:42–47

42:42Page 487

إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢

The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.

صفحة ١٢٠

﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ فَإنَّهُ لِما جَرى الكَلامُ السّابِقُ كُلُّهُ عَلى الإذْنِ لِلَّذِينِ بُغِيَ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْتَصِرُوا مِمَّنْ بَغَوْا عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَقَّبَ بِأنَّ أُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ كانَ ذَلِكَ مَثارَ سُؤالِ سائِلٍ عَنِ الجانِبِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ السَّبِيلُ المَنفِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ.

والقَصْرُ المُفادُ بِـ (إنَّما) تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] لِأنَّهُ كانَ يَكْفِي لِإفادَةِ مَعْنى القَصْرِ أنْ يُقابَلَ نَفْيُ السَّبِيلِ عَنِ الَّذِينَ انْتَصَرُوا بَعْدَ ظُلْمِهِمْ بِإثْباتِ أنَّ السَّبِيلَ عَلى الظّالِمِينَ، لِأنَّ إثْباتَ الشَّيْءِ لِأحَدٍ ونَفْيَهُ عَمَّنْ سِواهُ يُفِيدُ مَعْنى القَصْرِ وهو الأصْلُ في إفادَةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ المُساواةِ أوِ الإطْنابِ كَقَوْلِ السَّمَوْألِ أوْ غَيْرِهِ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

وأمّا طُرُقُ القَصْرِ المَعْرُوفَةُ في عِلْمِ المَعانِي فَهي مِنَ الإيجازِ، فَلَمّا أُورِدَتْ أداةُ القَصْرِ هُنا حَصَلَ نَفْيُ السَّبِيلِ عَنْ غَيْرِهِمْ مَرَّةً أُخْرى بِمُفادِ القَصْرِ فَتَأكَّدَ حُصُولُهُ الأوَّلُ الَّذِي حَصَلَ بِالنَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ وهم أغْنِياءٌ﴾ [التوبة: ٩٣] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

والمُرادُ بِـ (السَّبِيلِ) عَيْنُ المُرادِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] بِقَرِينَةِ أنَّهُ أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ مُنَكَّرًا فَإنَّ إعادَةَ اللَّفْظِ النَّكِرَةِ مُعَرَّفًا بِلامِ التَّعْرِيفِ يُفِيدُ أنَّ المُرادَ بِهِ ما ذُكِرَ أوَّلًا. وهَذا السَّبِيلُ الجَزاءُ والتَّبِعَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وشَمِلَ عُمُومُ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ، وعُمُومُ النّاسِ كُلَّ ظالِمٍ، وبِمِقْدارِ ظُلْمِهِ يَكُونُ جَزاؤُهُ. ويَدْخُلُ ابْتِداءً فِيهِ الظّالِمُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ، والنّاسُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم وهُمُ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ.

صفحة ١٢١

والبَغْيُ في الأرْضِ: الِاعْتِداءُ عَلى ما وضَعَهُ اللَّهُ في الأرْضِ مِنَ الحَقِّ الشّامِلِ لِمَنافِعِ الأرْضِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلنّاسِ، مِثْلَ تَحْجِيرِ الزَّرْعِ والأنْعامِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ومِثْلَ تَسْيِيبِ السّائِبَةِ وتَبْحِيرِ البَحِيرَةِ، والشّامِلِ لِمُخالَفَةِ ما سَنَّهُ اللَّهُ في فِطْرَةِ البَشَرِ مِنَ الأحْوالِ القَوِيمَةِ مِثْلَ العَدْلِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فالبَغْيُ عَلَيْها بِمِثْلِ الكِبْرِياءِ والصَّلَفِ وتَحْقِيرِ النّاسِ المُؤْمِنِينَ وطَرْدِهِمْ عَنْ مَجامِعِ القَوْمِ بَغْيٌ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ.

والأرْضُ: أرْضُ مَكَّةَ، أوْ جَمِيعُ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وهو الألْيَقُ بِعُمُومِ الآيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقالَ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦]، فَكُلُّ فَسادٍ وظُلْمٍ يَقَعُ في جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ فَهو بَغْيٌ مَظْرُوفٌ في الأرْضِ.

وبِغَيْرِ الحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْغُونَ) وهو لِكَشْفِ حالَةِ البَغْيِ لِإفادَةِ مَذِمَّتِهِ إذْ لا يَكُونُ البَغْيُ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ فَإنَّ مُسَمّى البَغْيِ هو الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأمّا الِاعْتِداءُ عَلى المُبْطِلِ لِأجَلِ باطِلِهِ فَلا يُسَمّى بَغْيًا ويُسَمّى اعْتِداءً قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ويُقالُ: اسْتَعْدى فُلانٌ الحاكِمَ عَلى خَصْمِهِ، أيْ طَلَبَ مِنهُ الحُكْمَ عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِـ (السَّبِيلِ) في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] سَبِيلُ العِقابِ في الآخِرَةِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها إنْ أُرِيدَ بِـ (السَّبِيلِ) هُنالِكَ ما يَشْمَلُ المَلامَ في الدُّنْيا، أيِ السَّبِيلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ هو أنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا جَزاءَ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.

وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ يَشْمَلُ ظُلْمَ المُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ ويَشْمَلُ ظُلْمَ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِيَتَناسَبَ مَضْمُونُها مَعَ جَمِيعِ ما سَبَقَ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مَعَ تَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ بِهَذا الوَعِيدِ.

42:43Page 487

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣

And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1

صفحة ١٢٢

﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] وجُمْلَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] .

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُفِيدُ بَيانَ مَزِيَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا الأذى مِنَ المُشْرِكِينَ وصَبَرُوا عَلَيْهِ ولَمْ يُؤاخِذُوا بِهِ مَن آمَنَ مِمَّنْ آذَوْهم مِثْلَ أُخْتِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَبْلَ إسْلامِهِ، ومِثْلَ صِهْرِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَقَدْ قالَ لَقَدْ رَأيْتُنِي وإنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عُمَرُ، فَكانَ في صَبْرِ سَعِيدٍ خَيْرٌ دَخَلَ بِهِ عُمَرُ في الإسْلامِ، ومَزِيَّةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلى ظُلْمِ إخْوانِهِمْ ويَغْفِرُونَ لَهم فَلا يَنْتَصِفُونَ مِنهم ولا يَسْتَعْدُونَ عَلَيْهِمْ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في مَسْألَةِ التَّحَلُّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .

واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (مَن) لامُ ابْتِداءٍ و(مَن) مَوْصُولَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ خَبَرٌ عَنْ (مَن) المَوْصُولَةِ، ولامُ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ لامُ الِابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ (إنَّ) وهي مِن لاماتِ الِابْتِداءِ.

وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا الخَبَرُ عَلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ هي: اللّامُ، وإنَّ، ولامُ الِابْتِداءِ، والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ تَنْوِيهًا بِمَضْمُونِهِ، وزِيدَ تَنْوِيهًا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (إنَّ ذَلِكَ) فَصارَ فِيهِ خَمْسَةُ اهْتِماماتٍ.

والعَزْمُ: عَقْدُ النِّيَّةِ عَلى العَمَلِ والثَّباتُ عَلى ذَلِكَ، والوَصْفُ بِالعَزْمِ مُشْعِرٌ بِمَدْحِ المَوْصُوفِ لِأنَّ شَأْنَ الفَضائِلِ أنْ يَكُونَ عَمَلُها عَسِيرًا عَلى النُّفُوسِ لِأنَّها تُعاكِسُ الشَّهَواتِ، ومِن ثَمَّ وُصِفَ أفْضَلُ الرُّسُلِ بِأُولِي العَزْمِ.

والأُمُورُ: جَمْعُ أمْرٍ. والمُرادُ بِهِ هُنا: الخِلالُ والصِّفاتُ، وإضافَةُ عَزْمٍ إلى الأُمُورِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ مِنَ الأُمُورِ العَزْمِ.

ووَصْفُ الأُمُورِ بِـ (العَزْمِ) مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ المَعْنى فِيها،

صفحة ١٢٣

وهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الأُمُورُ العازِمَةُ العازِمُ أصْحابُها مَجازًا عَقْلِيًّا.

والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى الصَّبْرِ والغُفْرانِ المَأْخُوذَيْنِ مِن صَبَرَ وغَفَرَ والمُتَحَمِّلَيْنِ لِضَمِيرِ (مَن) المَوْصُولَةِ فَيَكُونُ صَوْغُ المَصْدَرِ مُناسِبًا لِما مَعَهُ مِن ضَمِيرٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ صَبْرَهُ وغَفْرَهُ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ.

وهَذا تَرْغِيبٌ في العَفْوِ والصَّبْرِ عَلى الأذى وذَلِكَ بَيْنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا مَعَ الكافِرِينَ فَتَعْتَرِيهِ أحْوالٌ تَخْتَلِفُ بِها أحْكامُ الغُفْرانِ، ومِلاكُها أنْ تَتَرَجَّحَ المَصْلَحَةُ في العَفْوِ أوْ في المُؤاخَذَةِ.

42:44Page 487

وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤

And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ بَعْدَ أنْ حَكى أصْنافًا مِن كُفْرِ المُشْرِكِينَ وعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وما في مَطاوِيها مِنَ النِّعَمِ وحَذَّرَهم مِنَ الغُرُورِ بِمَتاعِ الدُّنْيا الزّائِلِ أعْقَبَهُ بَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] .

والمَعْنى: أنَّ فِيما سَمِعْتُمْ هِدايَةً لِمَن أرادَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَهْتَدِيَ، وأمّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الضَّلالَ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ غَيْرِ اللَّهِ يَهْدِيهِ أوْ يُنْقِذُهُ، فالمُرادُ نَفْيُ الوَلِيِّ الَّذِي يُصْلِحُهُ ويُرْشِدُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، فالمُرادُ هُنا ابْتِداءُ مَعْنًى خاصٍّ مِنَ الوِلايَةِ.

وإضْلالُ اللَّهِ المَرْءَ: خَلْقُهُ غَيْرَ سَرِيعٍ لِلِاهْتِداءِ أوْ غَيْرَ قابِلٍ لَهُ وحِرْمانُهُ مِن تَدارُكِهِ إيّاهُ بِالتَّوْفِيقِ كُلَّما تَوَغَّلَ في الضَّلالَةِ، فَضَلالُهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ وتَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ دَعا النّاسَ إلى الهِدايَةِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ وشَرائِعِهِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، أيْ يَدْعُو كُلَّ عاقِلٍ ويَهْدِي بَعْضَ مَن دَعاهم.

و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، والفاءُ في ﴿فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ. ونَفْيُ الوَلِيِّ

صفحة ١٢٤

كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أسْبابِ النَّجاةِ عَنِ الضَّلالَةِ وعَواقِبِ العُقُوبَةِ عَلَيْها لِأنَّ الوَلِيَّ مِن خَصائِصِهِ نَفْعُ مَوْلاهُ بِالإرْشادِ والِانْتِشالِ، فَنَفْيُ الوَلِيِّ يَدُلُّ بِالِالتِزامِ عَلى احْتِياجٍ إلى نَفْعِهِ مَوْلاهُ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ مَوْلاهُ في عَناءٍ وعَذابٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ الآيَةَ. فَهَذِهِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ، وقَدْ جاءَ صَرِيحُ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] الآتِي في هَذِهِ السُّورَةِ.

وضَمِيرُ (بَعْدِهِ) راجِعٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.

ومَعْنى (بَعْدِ) هُنا مَعْنى (دُونَ) أوْ (غَيْرَ) اسْتُعِيرَ لَفْظُ (بَعْدَ) لِمَعْنى (دُونَ) لِأنَّ (بَعْدَ) مَوْضُوعٌ لِمَن يَخْلُفُ غائِبًا في مَكانِهِ أوْ في عَمَلِهِ، فَشَبَّهَ تَرْكَ اللَّهِ الضّالَّ في ضَلالِهِ بِغَيْبَةِ الوَلِيِّ الَّذِي يَتْرُكُ مَوْلاهُ دُونَ وصِيٍّ ولا وكِيلٍ لِمَوْلاهُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. ومِن مَواضِعِ زِيادَتِها أنْ تُزادَ قَبْلَ الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ قالَ الحَرِيرِيُّ و(ما) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لا يَخْفِضُهُ سِوى حَرْفٍ.

* * *

﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾، وهَذا تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِما أُجْمِلَ في الآيَتَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما وهُما قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ .

والمَعْنى: أنَّهم لا يَجِدُونَ مَحِيصًا ولا ولِيًّا، فَلا يَجِدُونَ إلّا النَّدامَةَ عَلى ما فاتَ فَيَقُولُوا ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ .

صفحة ١٢٥

والِاسْتِفْهامُ بِحَرْفِ (هَلْ) إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ (مِن) الزّائِدَةُ عَلى (سَبِيلٍ) لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ.

والمَرَدُّ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلرَّدِّ، والمُرادُ بِالرَّدِّ: الرُّجُوعُ، يُقالُ: رَدَّهُ: إذا أرْجَعَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَرَدٌّ) بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ هَلْ إلى رَدِّ العَذابِ عَنّا الَّذِي يَبْدُو لَنا سَبِيلٌ حَتّى لا نَقَعَ فِيهِ، فَهو في مَعْنى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٧] في سُورَةِ الطُّورِ.

والخِطابُ في (تَرى) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ تَناهَتْ حالُهم في الظُّهُورِ فَلا يَخْتَصُّ بِهِ مُخاطَبٌ، أوِ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما لاقاهُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ.

والمَقْصُودُ: الإخْبارُ بِحالِهِمْ أوَّلًا، والتَّعْجِيبُ مِنهُ ثانِيًا، فَلَمْ يَقُلْ: والظّالِمُونَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ، وإنَّما قِيلَ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ لِلِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ.

ومَجِيءُ فِعْلِ رَأوُا العَذابَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فالمُضِيُّ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِقْبالِ تَشْبِيهًا لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في التَّحَقُّقِ، والقَرِينَةُ فِعْلُ (تَرى) الَّذِي هو مُسْتَقْبَلٌ؛ إذْ لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ بِحاصِلَةٍ في الحالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا يَرَوْنَ العَذابَ.

وجُمْلَةُ (يَقُولُونَ) حالٌ مِنَ الظّالِمِينَ؛ أيْ تَراهم قائِلِينَ، فالرُّؤْيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِها في حالِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، أيْ في حالِ سَماعِ الرّائِي قَوْلَهم.

42:45Page 488

وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥

And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."

﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ (تَرى) لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ وتَهْوِيلِها كَما أُعِيدَ فِعْلُ (تُلاقُوا) في قَوْلِ ودّاكِ بْنِ ثُمَيْلٍ المازِنِيِّ:

رُوَيْدًا بَنِي شَيْبانَ بَعْضَ وعِيدِكم تُلاقُوا غَدًا خَيْلِي عَلى سَفَـوانِ

تُلاقُوا جِيادًا لا تَحِيدُ عَنِ الوَغى ∗∗∗ إذا ظَهَرَتْ في المَأْزِقِ المُتَدانِي

صفحة ١٢٦

والعَرْضُ: أصْلُهُ إظْهارُ الشَّيْءِ وإراءَتُهُ لِلْغَيْرِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُ العَرَبِ: عَرَضْتُ البَعِيرَ عَلى الحَوْضِ، مَعْدُودًا عِنْدَ عُلَماءِ اللُّغَةِ وعُلَماءِ المَعانِي مِن قَبِيلِ القَلْبِ في التَّرْكِيبِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ إطْلاقاتٌ عَدِيدَةٌ مُتَقارِبَةٌ دَقِيقَةٌ تَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ.

ومِن إطْلاقاتِهِ قَوْلُهم: عَرْضُ الجُنْدِ عَلى الأمِيرِ، وعَرْضُ الأسْرى عَلى الأمِيرِ، وهو إمْرارُهم لِيَرى رَأْيَهُ في حالِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، وهو إطْلاقُهُ هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ (يُعْرَضُونَ) لِمَعْنى: يَمُرُّ بِهِمْ مَرّا عاقِبَتُهُ التَّمَكُّنُ مِنهم والحُكْمُ فِيهِمْ فَكَأنَّ جَهَنَّمَ إذا عُرِضُوا عَلَيْها تَحْكُمُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن حَرِيقِها، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآيَةَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ إطْلاقٌ لَهُ آخَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وبُنِيَ فِعْلُ (يُعْرَضُونَ) لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ الفِعْلِ لا تَعْيِينُ فاعِلِهِ. والَّذِينَ يَعْرِضُونَ الكافِرِينَ عَلى النّارِ هُمُ المَلائِكَةُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى.

وضَمِيرُ (عَلَيْها) عائِدٌ إلى العَذابِ بِتَأْوِيلِ أنَّهُ النّارُ أوْ جَهَنَّمُ أوْ عائِدٌ إلى جَهَنَّمَ المَعْلُومَةِ مِنَ المَقامِ.

وانْتَصَبَ (خاشِعِينَ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (تَراهم) لِأنَّها رُؤْيَةٌ بَصَرِيَّةٌ.

والخُشُوعُ مَعْناهُ: التَّطامُنُ وأثَرُ انْكِسارِ النَّفْسِ مِنِ اسْتِسْلامٍ واسْتِكانَةٍ فَيَكُونُ لِلْمَخافَةِ، ولِلْمَهابَةِ، ولِلطّاعَةِ، ولِلْعَجْزِ عَنِ المُقاوَمَةِ.

والخُشُوعُ مِثْلُ الخُضُوعِ إلّا أنَّ الخُضُوعَ لا يُسْنَدُ إلّا إلى البَدَنِ فَيُقالُ: خَضَعَ فُلانٌ، ولا يُقالُ: خَضَعَ بَصَرُهُ إلّا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وأمّا الخُشُوعُ فَيُسْنَدُ إلى البَدَنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويُسْنَدُ إلى بَعْضِ أعْضاءِ البَدَنِ كَقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ١٢٧

﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] في سُورَةِ القَمَرِ، وقَوْلِهِ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] في سُورَةِ طه.

والمُرادُ بِالخُشُوعِ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَبْدُو عَلَيْهِمْ مِن أثَرِ المَذَلَّةِ والمَخافَةِ.

فَقَوْلُهُ: مِنَ الذُّلِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خاشِعِينَ) وتَعَلُّقُهُ بِهِ يُغْنِي عَنْ تَعْلِيقِهِ بِـ (يَنْظُرُونَ) ويُفِيدُ ما لا يُفِيدُهُ تَعْلِيقُهُ بِهِ.

و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ خاشِعِينَ خُشُوعًا ناشِئًا عَنِ الذُّلِّ، أيْ لَيْسَ خُشُوعُهم لِتَعْظِيمِ اللَّهِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ في الدُّنْيا.

وجُمْلَةُ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ خاشِعِينَ لِأنَّ النَّظَرَ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ حالَةٌ لِلْخاشِعِ الذَّلِيلِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها تَصْوِيرُ حالَتِهِمُ الفَظِيعَةِ.

وفِي قَرِيبٍ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النّابِغَةِ يَصِفُ سَبايا:

يَنْظُرْنَ شَزْرًا إلى مَن جاءَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ بِأوْجُهٍ مُنْـكِـراتِ الـرِّقِّ أحْـرارِ

وقَوْلُ جَرِيرٍ:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ ∗∗∗ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابَـا

والطَّرْفُ، أصْلُهُ مَصْدَرٌ، وهو تَحْرِيكُ جَفْنِ العَيْنِ، يُقالُ: طَرَفَ مِن بابِ ضَرَبَ، أيْ حَرَّكَ جَفْنَهُ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى العَيْنِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِفِعْلِهِ، ولِذَلِكَ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، قالَ تَعالى: لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم. ووَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِـ (خَفِيٍّ) يَقْتَضِي أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ حَرَكَةُ العَيْنِ، أيْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا خَفِيًّا، أيْ لا حِدَّةَ لَهُ فَهو كَمُسارَقَةِ النَّظَرِ، وذَلِكَ مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ مِنَ العَذابِ، فَهم يُحْجِمُونَ عَنْ مُشاهَدَتِهِ لِلرَّوْعِ الَّذِي يُصِيبُهم مِنها، ويَبْعَثُهم ما في الإنْسانِ مِن حُبِّ الِاطِّلاعِ عَلى أنْ يَتَطَلَّعُوا لِما يُساقُونَ إلَيْهِ كَحالِ الهارِبِ الخائِفِ مِمَّنْ يَتْبَعُهُ، فَتَراهُ يُمْعِنُ في الجَرْيِ ويَلْتَفِتُ وراءَهُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ لِيَنْظُرَ هَلِ اقْتَرَبَ مِنهُ الَّذِي يَجْرِي وراءَهُ وهو في تِلْكَ الِالتِفاتَةِ أفاتَ خُطُواتٍ مِن جَرْيِهِ لَكِنَّ حُبَّ الِاطِّلاعِ يُغالِبُهُ.

صفحة ١٢٨

و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ. والمَعْنى: يَنْظُرُونَ نَظَرًا مُنْبَعِثًا مِن حَرَكَةِ الجَفْنِ الخَفِيَّةِ.

وحَذَفَ مَفْعُولَ يَنْظُرُونَ لِلتَّعْمِيمِ أيْ يَنْظُرُونَ العَذابَ، ويَنْظُرُونَ أهْوالَ الحَشْرِ ويَنْظُرُونَ نَعِيمَ المُؤْمِنِينَ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ.

* * *

﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾

يَتَرَجَّحُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في تَراهم، أيْ تَراهم في حالِ الفَظاعَةِ المُلْتَبِسَيْنِ بِها، وتَراهم في حالِ سَماعِ الكَلامِ الذّامِّ لَهُمُ الصّادِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَشْهَدِ. وحُذِفَتْ قَدْ مَعَ الفِعْلِ الماضِي لِظُهُورِ قَرِينَةِ الحالِ.

وهَذا قَوْلُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ كانُوا يَوْمَئِذٍ مُطَمَئِنِّينَ مِنَ الأهْوالِ شاكِرِينَ ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ في الدُّنْيا عارِفِينَ بِرِبْحِ تِجارَتِهِمْ ومُقابِلِينَ بِالضِّدِّ حالَةَ الَّذِينَ كانُوا يَسْخَرُونَ بِهِمْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا سَبَبًا في خَسارَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

والظّاهِرُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ هَذا بِمَسْمَعٍ مِنَ الظّالِمِينَ فَيَزِيدُ الظّالِمِينَ تَلْهِيبًا لِنَدامَتِهِمْ ومَهانَتِهِمْ وخِزْيِهِمْ.

فَهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إظْهارِ المَسَرَّةِ والبَهْجَةِ بِالسَّلامَةِ مِمّا لَحِقَ الظّالِمِينَ، أيْ قالُوهُ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ واغْتِباطًا بِالسَّلامَةِ يَقُولُهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم أوْ يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

وإنَّما جِيءَ بِحَرْفِ (إنَّ) مَعَ أنَّ القائِلَ لا يَشُكُّ في ذَلِكَ والسّامِعَ لا يَشُكُّ فِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الكَلامِ إذْ قَدْ تَبَيَّنَتْ سَعادَتُهم في الآخِرَةِ وتَوْفِيقُهم في الدُّنْيا بِمُشاهَدَةِ ضِدِّ ذَلِكَ في مُعانَدِيهِمْ.

والتَّعْرِيفُ في الخاسِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ لا غَيْرُهم. والمَعْنى: أنَّهم

صفحة ١٢٩

الأكْمَلُونَ في الخُسْرانِ وتُسَمّى ألْ هَذِهِ دالَّةً عَلى مَعْنى الكَمالِ وهو مُسْتَفادٌ مِن تَعْرِيفِ الجُزْءَيْنِ المُفِيدِ لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ حَيْثُ نَزَّلَ خُسْرانَ غَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ عَدَمِ الخُسْرانِ. فالمَعْنى: لا خُسْرانَ يُشْبِهُ خُسْرانَهم، فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: إنَّ الخاسِرِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ كَما تُوُهِّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] في سُورَةِ الزُّمَرِ.

والخُسْرانُ: تَلَفُ مالِ التّاجِرِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِانْتِفاءِ الِانْتِفاعِ بِما كانَ صاحِبُهُ يُعِدُّهُ لِلنَّفْعِ، فَإنَّهم كانُوا يَأْمُلُونَ نَعِيمَ أنْفُسِهِمْ والأُنْسَ بِأهْلِيهِمْ حَيْثُما اجْتَمَعُوا، فَكُشِفَ لَهم في هَذا الجَمْعِ عَنِ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنْ لا يَحْيَوْا بَعْدَ المَوْتِ فَحَسِبُوا أنَّهم لا يَلْقَوْنَ بَعْدَهُ ألَمًا ولا تُوحِشُهم فُرْقَةُ أهْلِيهِمْ فَكُشِفَ لَهم ما خَيَّبَ ظَنَّهم فَكانُوا كالتّاجِرِ الَّذِي أمَّلَ الرِّبْحَ فَأصابَهُ الخُسْرانُ.

وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ خَسِرُوا لا بِفِعْلِ قُلْ.

وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [الشورى: ٤٤] الآياتِ. لِأنَّ حالَةَ كَوْنِهِمْ في عَذابٍ مُقِيمٍ أعَمُّ مِن حالَةِ تَلَهُّفِهِمْ عَلى أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، وذُلِّهِمْ وسَماعِهِمُ الذَّمَّ.

وإعادَةُ لَفْظِ الظّالِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ اقْتَضاهُ أنَّ شَأْنَ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلَّ الدَّلالَةِ عَلى مَعْناهُ لِأنَّهُ كالمَثَلِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ إذْ لا قِبَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحْكُمُوا هَذا الحُكْمَ، عَلى أنَّ أُسْلُوبَ افْتِتاحِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ كَلامُ مَن بِيَدِهِ الحُكْمُ يَوْمَ القِيامَةِ وهو مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ، فَهو كَلامٌ مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ وهم مَعَ النَّدَمِ وذَلِكَ الذُّلِّ والخِزْيِ بِسَماعِ ما يَكْرَهُونَ في عَذابٍ مُسْتَمِرٍّ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ في التَّذْيِيلاتِ لِأهَمِّيَّتِها.

والمُقِيمُ: الَّذِي لا يَرْتَحِلُ. ووَصَفَ بِهِ العَذابَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، شَبَّهَ المُسْتَمِرِّ الدّائِمِ بِالَّذِي اتَّخَذَ دارَ إقامَةٍ لا يَبْرَحُها.

42:46Page 488

وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦

And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.

صفحة ١٣٠

﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ نَصِيرًا. وهو رَدٌّ لِمَزاعِمِهِمْ أنَّ آلِهَتَهم تَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ.

وجُمْلَةُ يَنْصُرُونَهم صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ هُنا وِلايَةٌ خاصَّةٌ، وهي وِلايَةُ النَّصْرِ، كَما كانَ قَوْلُهُ سابِقًا ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] مُرادًا بِهِ وِلايَةُ الإرْشادِ.

و(مِن) زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الوَلِيِّ لَهم.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء: ٩٣] صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) وهي صِفَةٌ كاشِفَةٌ.

و(مِن) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ ظَرْفِ دُونَ بِالفِعْلِ.

* * *

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾، وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ وهو ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] .

وسَبِيلٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ كُلَّ سَبِيلٍ مُخَلِّصٍ مِنَ الضَّلالِ ومِن آثارِهِ، والمَقْصُودُ هُنا ابْتِداءً هو سَبِيلُ الفِرارِ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ. وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ما هُنا تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] .

42:47Page 488

ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧

Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1

﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ بَعْدَ أنْ قَطَعَ خِطابَهم عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الشورى: ٣٦] بِما تَخَلَّصَ بِهِ إلى الثَّناءِ عَلى فِرَقِ المُؤْمِنِينَ، وما اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ

صفحة ١٣١

بِالضَّلالَةِ والعَذابِ، ووَصْفِ حالِهِمُ الفَظِيعِ - عادَ الكَلامُ إلى خِطابِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الجامِعَةِ لِما تَقَدَّمَ طَلَبًا لِتَدارُكِ أمْرِهِمْ قَبْلَ الفَواتِ، فاسْتُؤْنِفَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا فِيهِ مَعْنى النَّتِيجَةِ لِلْمَواعِظِ المُتَقَدِّمَةِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّواجِرِ يُهَيِّئُ بَعْضَ النُّفُوسِ لِقَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.

والِاسْتِجابَةُ: إجابَةُ الدّاعِي، والسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ. وأُطْلِقَتْ الِاسْتِجابَةُ عَلى امْتِثالِ ما يُطالِبُهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ لِأنَّ اسْتِجابَةَ النِّداءِ تَسْتَلْزِمُ الِامْتِثالَ لِلْمُنادِي فَقَدْ كَثُرَ إطْلاقُها عَلى إجابَةِ المُسْتَنْجِدِ.

والمَعْنى: أطِيعُوا رَبَّكم وامْتَثِلُوا أمْرَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمُ العَذابِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّ الحَدِيثَ جارٍ عَلَيْهِ.

واللّامُ في لِرَبِّكم لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ مِثْلَ: حَمِدْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ. وتُسَمّى لامَ التَّبْلِيغِ ولامَ التَّبْيِينِ. وأصْلُهُ اسْتِجابَةٌ، قالَ كَعْبٌ الغَنَوِيٌّ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِـيبُ

ولَعَلَّ أصْلَهُ اسْتَجابَ دُعاءَهُ لَهُ، أيْ لِأجْلِهِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فاخْتُصِرَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَقالُوا: اسْتَجابَ لَهُ وشَكَرَ لَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَرَدُّ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّدِّ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] . و﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ صِفَةُ يَوْمٍ. والمَعْنى: لا مَرَدَّ لِإثْباتِهِ بَلْ هو واقِعٌ، و(لَهُ) خَبَرُ (لا) النّافِيَةِ، أيْ لا مَرَدَّ كائِنًا لَهُ، ولامُ (لَهُ) لِلِاخْتِصاصِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ ابْتِدائِيَّةٌ وهو ابْتِداءٌ مَجازِيٌّ، ومَعْناهُ: حُكْمُ اللَّهِ بِهِ فَكَأنَّ اليَوْمَ جاءَ مِن لَدُنْهُ.

ويَجُوزُ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ بِفِعْلِ يَأْتِي. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالكَوْنِ الَّذِي في خَبَرِ (لا) . والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: لا مَرَدَّ كائِنًا مِنَ اللَّهِ لَهُ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ (مَرَدَّ) عَلى أنَّهُ مُتَمِّمُ مَعْناهُ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ اسْمُ (لا) شَبِيهًا بِالمُضافِ فَكانَ مُنَوَّنًا

صفحة ١٣٢

ولَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، وما وقَعَ في الكَشّافِ مِمّا يُوهِمُ هَذا مُؤَوَّلٌ بِما سَمِعْتَ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ صِلَةً، ولَمْ يَسْمَعْهُ مُتَعَلِّقًا.

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ.

والمَلْجَأُ: مَكانُ المَلْجَأِ، واللَّجَأُ: المَصِيرُ والِانْحِيازُ إلى الشَّيْءِ، فالمَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَرْءُ لِلتَّوَقِّي فِيهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى النّاصِرِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ ما لَكم مِن شَيْءٍ يَقِيكم مِنَ العَذابِ.

والنَّكِيرُ: اسْمُ مَصْدَرِ أنْكَرَ، أيْ ما لَكم إنْكارٌ لِما جُوزِيتُمْ بِهِ، أيْ لا يَسَعُكم إلّا الِاعْتِرافُ دُونَ تَنَصُّلٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском