Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:48–50

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:48–50

42:48Page 488

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨

But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.

﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] الآيَةَ، وهو جامِعٌ لِما تَقَدَّمَ كَما عَلِمْتَ إذْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ بِدَعْوَتِهِمْ لِلْإيمانِ مِن قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧] ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] . وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ واعْتَرَضَهُ مِن تَضاعِيفِ الأمْرِ الصَّرِيحِ والضِّمْنِيِّ إلى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] . الآيَةَ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ إعْلامَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَقامِهِ وعَمَلِهِ إنْ أعْرَضَ مُعْرِضُونَ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُوهم، وبِمَعْذِرَتِهِ فِيما قامَ بِهِ وأنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِتَسْلِيَتِهِ عَلى ما لاقاهُ مِنهم، والمَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذا كُلِّهِ فَما أرْسَلْناكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ومُتَكَفِّلًا بِهِمْ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.

وإذْ قَدْ كانَ ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ مُصَدَّرًا بَقَوْلِهِ أوائِلَ السُّورَةِ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦]، لا جَرَمَ ناسَبَ أنْ يُفَرِّعَ عَلى تِلْكَ الأوامِرِ بَعْدَ تَمامِها مِثْلَ ما قَدَّمَ لَها فَقالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ .

وهَذا الِارْتِباطُ هو نُكْتَةُ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧]

صفحة ١٣٣

الآيَةَ، إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ هُنا ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ وإلّا لَقِيلَ: فَإنْ أعْرَضْتُمْ.

والحَفِيظُ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وقائِمٌ مَقامَهُ، إذِ المَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ مُقَصِّرًا في دَعْوَتِهِمْ، ولا عَلَيْكَ تَبِعَةُ صَدِّهِمْ إذْ ما أرْسَلْناكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ بِاعْتِبارِ أنَّها دالَّةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ.

و(إنِ) الثّانِيَةُ نافِيَةٌ. والجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جِناسٌ تامٌّ.

والبَلاغُ: التَّبْلِيغُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ، وقَدْ فُهِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ قَدْ أدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ دَلَّ عَلى نَفْيِ التَّبِعَةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِهِمْ، وأنَّ الإعْراضَ هو الإعْراضُ عَنْ دَعْوَتِهِ، فاسْتُفِيدَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الدَّعْوَةَ ولَوْلا ذَلِكَ ما أثْبَتَ لَهُمُ الإعْراضَ.

* * *

﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ تَتَّصِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ لِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما لاقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما عَلِمْتَ، ويُؤْذِنُ بِهَذا الِاتِّصالِ أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً هي ثامِنَةٌ وأرْبَعُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ إعْراضُهم عَنْ دَعْوَتِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْ نِعْمَتِي وعَنْ إنْذارِي بِزِيادَةِ الكُفْرِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ وابْتِداءُ الكَلامِ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ المُنْفَصِلِ مُسْنَدًا إلَيْهِ فِعْلٌ دُونَ أنْ يُقالَ: وإذا أذَقْنا الإنْسانَ إلَخْ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ وصْفُ هَذا الإنْسانِ بِالبَطَرِ بِالنِّعْمَةِ وبِالكُفْرِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ جَفاءِ قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ، فالمَعْنى: أنَّ مُعامَلَتَهم

صفحة ١٣٤

رَبَّهم هَذِهِ المُعامَلَةَ تُسَلِّيكَ عَنْ مُعامَلَتِهِمْ إيّاكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، ولِهَذا لا تَجِدُ نَظائِرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَعْناها مُفْتَتَحًا بِمِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ تِلْكَ النَّظائِرِ لا تُماثِلُ مَوْقِعَ هَذِهِ وإنْ كانَ مَعْناهُما مُتَماثِلًا، فَهَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ خاصَّةٌ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ.

ولَكِنَّ نَظْمَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَ صالِحًا لِإفادَةِ هَذا المَعْنى ولِإفادَةِ مَعْنًى آخَرَ مُقارِبٍ لَهُ وهو أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ خُلُقٍ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مُرْتَكِزٍ في الجِبِلَّةِ لَكِنَّ مَظاهِرَهُ مُتَفاوِتَةٌ بِتَفاوُتِ أفْرادِهِ في التَّخَلُّقِ بِالآدابِ الدِّينِيَّةِ، فَيُحْمَلُ الإنْسانُ في المَوْضِعَيْنِ عَلى جِنْسِ بَنِي آدَمَ ويُحْمَلُ الفَرَحُ عَلى مُطْلَقِهِ المَقُولِ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ البَطَرِ، وتُحْمَلُ السَّيِّئَةُ الَّتِي قَدَّمَتْها أيْدِيهِمْ عَلى مَراتِبِ السَّيِّئاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مَبْلَغَ الإشْراكِ، ويُحْمَلُ وصْفُ (كَفُورٌ) عَلى ما يَشْمَلُ اشْتِقاقُهُ مِنَ الكُفْرِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والكُفْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

ولِهَذا اخْتَلَفَتْ مَحامِلُ المُفَسِّرِينَ لِلْآيَةِ. فَمِنهم مَن حَمَلَها عَلى خُصُوصِ الإنْسانِ الكافِرِ بِاللَّهِ مِثْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ والقُرْطُبِيِّ والطِّيبِيِّ، ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى ما يَعُمُّ أصْنافَ النّاسِ مِثْلَ الطَبَرِيِّ والبَغَوِيِّ والنَّسَفِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ. ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى أنَّ أوَّلَهُما هو المَقْصُودُ والثّانِيَ مُنْدَرِجٌ بِالتَّبَعِ وهَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْضاوِيِّ وصاحِبِ الكَشْفِ. ومِنهم مَن عَكَسَ وهي طَرِيقَةُ الكَواشِيِّ في تَلْخِيصِهِ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِـ الإنْسانَ في المَوْضِعِ الأوَّلِ والمَوْضِعِ الثّانِي مَعْنًى واحِدٌ وهو تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ إذا أذَقْنا النّاسَ، وأنَّ النّاسَ كَفُورُونَ، ويَكُونُ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا أُرِيدَ بِهِ أكْثَرُ جِنْسِ الإنْسانِ في ذَلِكَ الزَّمانِ والمَكانِ لِأنَّ أكْثَرَ نَوْعِ الإنْسانِ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكُونَ، وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الكُفْرِ قَوِيُّهُ، ولِقَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ.

وإنَّما عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالنّاسِ إلى التَّعْبِيرِ بِالإنْسانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا الخُلُقَ المُخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو مِن أخْلاقِ النَّوْعِ لا يُزِيلُهُ إلّا التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ الإسْلامِ فالَّذِينَ لَمْ

صفحة ١٣٥

يُسْلِمُوا باقُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ لِأنَّ اسْمَ الإنْسانِ اسْمُ جِنْسٍ يَتَضَمَّنُ أوْصافَ الجِنْسِ المُسَمّى بِهِ عَلى تَفاوُتٍ في ذَلِكَ وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الهَوى. وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ مِرارًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُناسَبَةِ التَّسْلِيَةِ بِأنْ نُزِّلَ السّامِعُ الَّذِي لا يَشُكُّ في وُقُوعِ هَذا الخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في ذَلِكَ لِاسْتِعْظامِهِ إعْراضَهم عَنْ دَعْوَةِ الخَيْرِ فَشُبِّهَ بِالمُتَرَدِّدِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ المَحْذُوفِ.

والإذاقَةُ: مَجازٌ في الإصابَةِ.

والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: أثَرُ الرَّحْمَةِ، وهو النِّعْمَةُ، فالتَّقْدِيرُ: وإنّا إذا رَحِمْنا الإنْسانَ فَأصَبْناهُ بِنِعْمَةٍ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ الرَّحْمَةِ بِالسَّيِّئَةِ كَما قُوبِلَتْ بِالضَّرّاءِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [فصلت: ٥٠] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

والمُرادُ بِالفَرَحِ: ما يَشْمَلُ الفَرَحَ المُجاوِزَ حَدَّ المَسَرَّةِ إلى حَدِّ البَطَرِ والتَّجَبُّرِ، عَلى نَحْوِ ما اسْتُعْمِلَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا الفَرَحُ الَّذِي في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .

وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في (فَرِحَ) لِمُراعاةِ لَفْظِ الإنْسانِ وإنْ كانَ مَعْناهُ جَمْعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] أيِ الطّائِفَةَ الَّتِي تَبْغِي، فاعْتَدَّ بِلَفْظِ طائِفَةٍ دُونَ مَعْناهُ مَعَ أنَّهُ قالَ قَبْلَهُ: (اقْتَتَلُوا) . ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِضَمِيرَيِ الجَماعَةِ ثُمَّ عادَ فَقالَ: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ .

واجْتِلابُ (إذا) في هَذا الشَّرْطِ لِأنَّ شَأْنَ (إذا) أنْ تَدُلَّ عَلى تَحَقُّقِ كَثْرَةِ وُقُوعِ شَرْطِها، وشَأْنُ (إنْ) أنْ تَدُلَّ عَلى نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ اجْتَلَبَ (إنْ) في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ لِأنَّ إصابَتَهم بِالسَّيِّئَةِ نادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِإصابَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] .

صفحة ١٣٦

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .

والحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ هو المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ كُلِّها، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ التَّأْكِيدِ فِيها بَعْدَ أنْ صُدِّرَتْ بِهِ الجُمْلَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرْطِ لِيُحِيطَ التَّأْكِيدُ بِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، وقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ مِن عَوارِضِ صِفَةِ الإنْسانِيَّةِ عُرُوضَ الكُفْرِ بِاللَّهِ لَها، لِأنَّ في طَبْعِ الإنْسانِ تَطَلُّبَ مَسالِكِ النَّفْعِ وسَدَّ مَنافِذِ الضُّرِّ مِمّا يَنْجَرُّ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ لا تَدْخُلُ بَعْضُ أسْبابِها في مَقْدُورِهِ، ومِن طَبْعِهِ النَّظَرُ في الوَسائِلِ الواقِيَةِ لَهُ بِدَلائِلِ العَقْلِ الصَّحِيحِ، ولَكِنْ مِن طَبْعِهِ تَحْرِيكُ خَيالِهِ في تَصْوِيرِ قُوًى تُخَوِّلُهُ تِلْكَ الأسْبابَ فَإذا أمْلى عَلَيْهِ خَيالُهُ وُجُودَ قُوًى مُتَصَرِّفَةٍ في النَّوامِيسِ الخارِجَةِ عَنْ مَقْدُورِهِ خالَها ضالَّتَهُ المَنشُودَةَ، فَرَكَنَ إلَيْها وآمَنَ بِها وغابَ عَنْهُ دَلِيلُ الحَقِّ، إمّا لِقُصُورِ تَفْكِيرِهِ عَنْ دَرَكِهِ وانْعِدامِ المُرْشِدِ إلَيْهِ، أوْ لِغَلَبَةِ هَواهُ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِ عِصْيانَ المُرْشِدِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والحُكَماءِ الصّالِحِينَ إذْ لا يَتْبَعُهم إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ ولا يَهْتَدِي بِالعَقْلِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلّا الأقَلُّ مِثْلَ الحُكَماءِ، فَغَلَبَ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ الكُفْرُ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِهِ كَما بَيَّنّاهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ .

ولِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الحُكْمَ عَلى النَّوْعِ بَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٤٩] . ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا العُمُومِ إلّا الصّالِحُونَ مِن نَوْعِ الإنْسانِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنِهِمْ في كَمالِ الخُلُقِ وقَدِ اسْتُفِيدَ خُرُوجُهم مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٤] .

وقَدْ شَمِلَ وصْفُ (كَفُورٌ) ما يَشْمَلُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وهُما مُتَلازِمانِ في الأكْثَرِ.

42:49Page 488

لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِن عَجِيبِ خُلُقِ الإنْسانِ الَّذِي لَمْ يُهَذِّبْهُ الهَدْيُ الإلَهِيُّ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ فَطْرِ الإنْسانِ عَلى هاذِينَ الخُلُقَيْنِ اللَّذَيْنِ

صفحة ١٣٧

يَتَلَقّى بِهِما نِعْمَةَ رَبِّهِ وبَلاءَهُ وكَيْفَ لَمْ يُفْطَرْ عَلى الخُلُقِ الأكْمَلِ لِيَتَلَقّى النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ، والضُّرَّ بِالصَّبْرِ والضَّراعَةِ، وسُؤالًا أيْضًا عَنْ سَبَبِ إذاقَةِ الإنْسانِ النِّعْمَةَ مَرَّةً والبُؤْسَ مَرَّةً فَيَبْطَرُ ويَكْفُرُ وكَيْفَ لَمْ يَجْعَلْ حالَهُ كَفافًا لا لَذّاتَ لَهُ ولا بَلايا كَحالِ العَجْماواتِ فَكانَ جَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ المُتَصَرِّفَ في السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ فِيهِما ما يَشاءُ مِنَ الذَّواتِ وأحْوالِها. وهو جَوابٌ إجْمالِيٌّ إقْناعِيٌّ يُناسِبُ حَضْرَةَ التَّرَفُّعِ عَنِ الدُّخُولِ في المُجادَلَةِ عَنِ الشُّئُونِ الإلَهِيَّةِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الإجْمالِ ما يَبْعَثُ المُتَأمِّلَ المُنْصِفَ عَلى تَطَلُّبِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَإنْ تَطَلَّبَها انْقادَتْ لَهُ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ تَذْيِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠]، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: عَلَيْكم بِالنَّظَرِ في الحِكْمَةِ في مَراتِبِ الكائِناتِ وتَصَرُّفِ مُبْدِعِها، فَكَما خَلَقَ المَلائِكَةَ عَلى أكْمَلِ الأخْلاقِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وفَطَرَ الدَّوابَّ عَلى حَدٍّ لا يَقْبَلُ كَمالَ الخَلْقِ، كَذَلِكَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى أساسِ الخَيْرِ والشَّرِّ وجَعَلَهُ قابِلًا لِلزِّيادَةِ مِنهُما عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ عُقُولِ أفْرادِهِ وما يُحِيطُ بِها مِن الِاقْتِداءِ والتَّقْلِيدِ، وخَلَقَهُ كامِلَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ النِّعْمَةِ وضِدِّها لِيَرْتَفِعَ دَرَجاتٍ ويَنْحَطَّ دَرَكاتٍ مِمّا يَخْتارُهُ لِنَفْسِهِ، ولا يُلائِمُ فَطْرُ الإنْسانِ عَلى فِطْرَةِ المَلائِكَةِ حالَةَ عالَمِهِ المادِّيِّ إذْ لا تَأهُّلَ لِهَذا العالَمِ لِأنْ يَكُونَ سُكّانُهُ كالمَلائِكَةِ لِعَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ عالَمِ المادَّةِ وعالَمِ الرُّوحِ. ولِذَلِكَ لَمّا تَمَّ خَلْقُ الفَرْدِ الأوَّلِ مِنَ الإنْسانِ وآنَ أوانُ تَصَرُّفِهِ مَعَ قَرِينَتِهِ بِحَسَبِ ما بَزَغَ فِيهِما مِنَ القُوى، لَمْ يَلْبَثْ أنْ نُقِلَ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ إلى عالَمِ المادَّةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] .

ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسُدَّ عَلى النَّوْعِ مَنافِذَ الكَمالِ فَخَلَقَهُ خَلْقًا وسَطًا بَيْنَ المَلَكِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ إذْ رَكَّبَهُ مِنَ المادَّةِ وأوْدَعَ فِيهِ الرُّوحَ ولَمْ يُخَلِّهِ عَنِ الإرْشادِ بِواسِطَةِ وُسَطاءَ وتَعاقُبِهِمْ في العُصُورِ وتَناقُلِ إرْشادِهِمْ بَيْنَ الأجْيالِ، فَإنِ اتَّبَعَ إرْشادَهُمُ التَحَقَ بِأخْلاقِ المَلائِكَةِ حَتّى يَبْلُغَ المَقاماتِ الَّتِي أقامَتْهُ في مَقامِ المُوازَنَةِ بَيْنَ بَعْضِ أفْرادِهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ في التَّفاضُلِ.

وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤]،

صفحة ١٣٨

وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [طه: ١١٦] .

* * *

﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] بَدَلَ مِن جُمْلَةِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ خَلْقَهُ ما يَشاءُ يَشْتَمِلُ عَلى هِبَتِهِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ.

وهَذا الإبْدالُ إدْماجُ مَثَلٍ جامِعٍ لِصُوَرِ إصابَةِ المَحْبُوبِ وإصابَةِ المَكْرُوهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] هو مِنَ المَكْرُوهِ عِنْدَ غالِبِ البَشَرِ ويَتَضَمَّنُ ضَرْبًا مِن ضُرُوبِ الكُفْرانِ وهو اعْتِقادُ بَعْضِ النِّعْمَةِ سَيِّئَةً في عادَةِ المُشْرِكِينَ مِن تَطَيُّرِهِمْ بِوِلادَةِ البَناتِ لَهم، وقَدْ أُشِيرَ إلى التَّعْرِيضِ بِهِمْ في ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ في ابْتِداءِ تَعْدادِ النِّعَمِ المَوْهُوبَةِ عَلى عَكْسِ العادَةِ في تَقْدِيمِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ حَيْثُما ذُكِرا في القُرْآنِ في نَحْوِ ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] فَهَذا مِن دَقائِقِ هَذِهِ الآيَةِ.

والمُرادُ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا فَقَطْ ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] .

وتَنْكِيرُ (إناثًا) لِأنَّ التَّنْكِيرَ هو الأصْلُ في أسْماءِ الأجْناسِ وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِاللّامِ لِأنَّهُمُ الصِّنْفُ المَعْهُودُ لِلْمُخاطَبِينَ، فاللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وإنَّما يُصارُ إلى تَعْرِيفِ الجِنْسِ لِمَقْصِدٍ، أيْ يَهَبُ ذَلِكَ الصِّنْفَ الَّذِي تَعْهَدُونَهُ وتَتَحَدَّثُونَ بِهِ وتَرْغَبُونَ فِيهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ العَرَبِ: أرْسَلَها العِراكُ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ. و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ.

والتَّزْوِيجُ قَرْنُ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَيَصِيرانِ زَوْجًا. ومِن مَجازِهِ إطْلاقُهُ عَلى إنْكاحِ الرَّجُلِ امْرَأةً لِأنَّهُما يَصِيرانِ كالزَّوْجِ، والمُرادُ هُنا: جَعَلَهم زَوْجًا في الهِبَةِ، أيْ يَجَمْعُ لِمَن يَشاءُ فَيَهَبُ لَهُ ذُكْرانًا مُشْفَعِينَ بِإناثٍ فالمُرادُ التَّزْوِيجُ بِصِنْفٍ آخَرَ لا مُقابَلَةُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الصِّنْفِ بِفَرْدٍ مِنَ الصِّنْفِ الآخَرِ.

صفحة ١٣٩

والضَّمِيرُ في (يُزَوِّجُهم) عائِدٌ إلى كُلٍّ مِنَ الإناثِ والذُّكُورِ. وانْتَصَبَ ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (يُزَوِّجُهم) .

والعَقِيمُ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ، وفِعْلُهُ عَقِمَ مِن بابِ فَرِحَ وعَقُمَ مِن بابِ كَرُمَ. وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ؛ يُقالُ عَقَمَها اللَّهُ مِن بابِ ضَرَبَ، ويُقالُ عُقِمَتِ المَرْأةُ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ عَقَمَها عاقِمٌ لِأنَّ سَبَبَ العُقْمِ مَجْهُولٌ عِنْدَهم. فَهو مِمّا جاءَ مُتَعَدِّيًا وقاصِرًا، فالقاصِرُ بِضَمِّ القافِ وكَسْرِها والمُتَعَدِّي بِفَتْحِها، والعَقِيمُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ غالِبًا، ورُبَّما ظَهَرَتِ التّاءُ نادِرًا؛ قالُوا: رَحِمٌ عَقِيمَةٌ.

42:50Page 488

أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠

Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.

﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وهو ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٤٩] فَمَوْقِعُ (إنَّ) هُنا مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.

والمَعْنى: أنَّ خَلْقَهُ ما يَشاءُ لَيْسَ خَلْقًا مُهْمَلًا عَرِيًّا عَنِ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ واسِعُ العِلْمِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ فَخَلْقُهُ الأشْياءَ يَجْرِي عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.

وهُوَ قَدِيرٌ نافِذُ القُدْرَةِ، فَإذا عَلِمَ الحِكْمَةَ في خَلْقِ شَيْءٍ أرادَهُ، فَجَرى عَلى قَدْرِهِ. ولَمّا جَمَعَ بَيْنَ وصْفَيِ العِلْمِ والقُدْرَةِ تَعَيَّنَ أنَّ هُنالِكَ صِفَةً مَطْوِيَّةً وهي الإرادَةُ لِأنَّهُ إنَّما تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِالكائِنِ.

وتَفْصِيلُ المَعْنى: أنَّهُ عَلِيمٌ بِالأسْبابِ والقُوى والمُؤَثِّراتِ الَّتِي وضَعَها في العَوالِمِ، وبِتَوافُقِ آثارِ بَعْضِها وتَخالُفِ بَعْضٍ، وكَيْفَ تَتَكَوَّنُ الكائِناتُ عَلى نَحْوِ ما قَدَّرَ لَها مِنَ الأوْضاعِ، وكَيْفَ تَتَظاهَرُ فَتَأْتِي الآثارُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وتَتَمانَعُ فَيَنْقُصُ تَأْثِيرُ بَعْضِها في آثارِهِ بِسَبَبِ مُمانَعَةِ مُؤَثِّراتٍ أُخْرى، وكُلُّ ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ عِلْمِهِ تَعالى في أصْلِ التَّكْوِينِ العالَمِيِّ ومَظاهِرِ قُدْرَتِهِ في الجَرْيِ عَلى وِفاقِ عِلْمِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском