Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:6–9
42:6Page 483
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ٦
And those who take as allies other than Him - Allāh is [yet] Guardian over them; and you, [O Muḥammad], are not over them a manager -
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٤] بَعْدَ أنْ أُفِيدَ ما هو كالحُجَّةِ عَلى أنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن قَوْلِهِ: وهو ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ [الشورى: ٥] الآيَتَيْنِ. فالمَعْنى: قَدْ نَهَضَتْ حُجَّةُ انْفِرادِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ والعُلُوِّ والعَظَمَةِ وعَلِمَها المُؤْمِنُونَ فاسْتَغْفَرَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ. وأمّا الَّذِينَ لَمْ يُبْصِرُوا تِلْكَ الحُجَّةَ وعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأدِلَّةُ فَلا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ حَسْبُهم وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. فَهَذا تَسْكِينٌ لِحُزْنِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أجْلِ عَدَمِ إيمانِهِمْ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ لِما سَيُؤْمَرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الدَّعْوَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ [الشورى: ٧]
صفحة ٣٢
الآيَةَ، ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ .
والحَفِيظُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ حافِظٌ، وتَخْتَلِفُ مَعانِيهِ ومَرْجِعُها إلى رِعايَةِ الشَّيْءِ والعِنايَةِ بِهِ: ويَكْثُرُ أنْ يُسْتَعْمَلَ كِنايَةً عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ المَرْقُوبِ وأعْمالِهِ، وبِاخْتِلافِ مَعانِيهِ تَخْتَلِفُ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِحَرْفِ جَرٍّ يُناسِبُ المَعْنى، وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ (عَلى) كَما يُعَدّى الوَكِيلُ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ.
والوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ عَمَلٌ في شَيْءٍ أوِ اقْتِضاءِ حَقٍّ. يُقالُ: وكَّلَهُ عَلى كَذا، ومِنهُ الوَكالَةُ في التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ والمُخاصَمَةِ، ويَكْثُرُ أنْ يُسْتَعْمَلَ كِنايَةً عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ المُوَكَّلِ عَلَيْهِ وأعْمالِهِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَفِيظٌ و(وكِيلٌ) هُنا في اسْتِعْمالِهِما الكِنائِيِّ عَنْ مُتَقارِبِ المَعْنى فَلِذَلِكَ قَدْ يُفَسِّرُ أهْلُ اللُّغَةِ أحَدَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الآخَرِ كَتَفْسِيرِ المُرادِفِ بِمُرادِفِهِ وذَلِكَ تَسامُحٌ.
فَعَلى مَن يُرِيدُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أنْ يَرْجِعَ بِهِما إلى أصْلِ مادَّتَيْ (حَفِظَ) و(وكَلَ)، فَمادَّةُ (حَفِظَ) تَقْتَضِي قِيامَ الحَدَثِ بِفاعِلٍ وتَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولٍ، ومادَّةُ (وكَلَ) تَقْتَضِي قِيامَ الحَدَثِ بِفاعِلٍ وتَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولٍ وتَجاوُزَهُ مِن ذَلِكَ المَفْعُولِ إلى شَيْءٍ آخَرَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وبِذَلِكَ كانَ فِعْلُ (حَفِظَ) مُفِيدًا بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ دُونَ احْتِياجٍ إلى مُتَعَلِّقٍ آخَرَ، بِخِلافِ فِعْلِ (وكَلَ)؛ فَإفادَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى ذِكْرٍ أوْ عَلى تَقْدِيرِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ آخَرَ زائِدٍ عَلى المَفْعُولِ ومِن عَلائِقِهِ، فَلِذَلِكَ أُوثِرَ وصْفُ (حَفِيظٌ) هُنا بِالإسْنادِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ عَنْ أنْ يُكَلِّفَهُ غَيْرُهُ حِفْظَ شَيْءٍ فَهو فاعِلُ الحِفْظِ، وأُوثِرَ وصْفُ (وكِيلٍ) بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ بِأكْثَرِ مِنَ التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ لا أنْتَ وما أنْتَ بِمُوَكَّلٍ مِنَ اللَّهِ عَلى جَبْرِهِمْ عَلى الإيمانِ. وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ
صفحة ٣٣
السُّورَةِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] .
وأيْضًا هي كالبَيانِ لِما في جُمْلَةِ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [الشورى: ٥] لِأنَّ مِن أسْبابِ مُقارَبَةِ تَفَطُّرِهِنَّ كَثْرَةَ ما فِيهِنَّ مِنَ المَلائِكَةِ.
ولَوْلا أنَّها أُرِيدَ مِنها زِيادَةُ تَقْرِيرِ مَعْنى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] لَكانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُفْصَلَ ولَكِنْ رَجَحَ العَطْفُ لِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِتَقْرِيرِ العُلُوِّ والعَظَمَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا التَّبْيِينُ فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ جُمْلَةِ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [الشورى: ٥] بِها كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
فَقَوْلُهُ المَلائِكَةُ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ يُسَبِّحُونَ خَبَرٌ والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِجَلالِ اللَّهِ.
وتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ: خُضُوعٌ لِعَظَمَتِهِ وعُلُوِّهِ، والتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ.
فَتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ قَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ إدْراكِهِمْ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى فَهو: انْفِعالٌ رَوْحانِيٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقَدْ يَكُونُ دَلالَةً عَلى التَّنْزِيهِ بِما يُناسِبُ المَلائِكَةَ مِن ظَواهِرِ الِانْفِعالِ بِالطّاعَةِ أوْ مِن كَلامٍ مُناسِبٍ لِلْحالَةِ المَلَكِيَّةِ وكَذَلِكَ حَمْدُهم رَبَّهم واسْتِغْفارُهم لِمَن في الأرْضِ.
ومَفْعُولُ يُسَبِّحُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُصاحَبَتُهُ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ تَقْدِيرُهُ: يُسَبِّحُونَ رَبَّهم، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ يُسَبِّحُونَ تَسْبِيحًا مُصاحِبًا لِحَمْدِهِمْ رَبَّهم، أيِ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ، ومِنَ الثَّناءِ ما هو شُكْرٌ عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ، فالمَعْنى: يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويَحْمَدُونَهُ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ أعْرَضُوا عَنْ تَسْبِيحِ رَبِّهِمْ وحَمْدِهِ وشُغِلُوا بِتَحْمِيدِ الأصْنامِ الَّتِي لا نِعْمَةَ لَها عَلَيْهِمْ ولا تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم.
وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ عَلى الحَمْدِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ أهَمُّ مِن إثْباتِ صِفَةِ الكَمالِ لَهُ لِأنَّ التَّنْزِيهَ تَمْهِيدٌ لِإدْراكِ كَمالاتِهِ تَعالى. ولِذَلِكَ كانَتِ
صفحة ٣٤
الصِّفاتُ المُعَبَّرُ عَنْها بِصِفاتِ السُّلُوبِ مُقَدَّمَةً في تَرْتِيبِ عِلْمِ الكَلامِ عَلى صِفاتِ المَعانِي (عِنْدَنا) والصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةِ.
والِاسْتِغْفارُ لِمَن في الأرْضِ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ لَهم بِحُصُولِ أسْبابِها لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ مَراتِبَ المَغْفِرَةِ وأسْبابَها، وهم لِكَوْنِهِمْ مِن عالَمِ الخَيْرِ والهُدى يَحْرِصُونَ عَلى حُصُولِ الخَيْرِ لِلْمَخْلُوقاتِ وعَلى اهْتِدائِهِمْ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ والطّاعاتِ ويُناجُونَ نُفُوسَ النّاسِ بِدَواعِي الخَيْرِ، وهي الخَواطِرُ المَلَكِيَّةُ. فالمُرادُ بِـ مَن في الأرْضِ مَن عَلَيْها يَسْتَحِقُّونَ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ أنَّ المَلائِكَةَ يَلْعَنُونَ مَن تَحِقُّ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَعُمُومُ مَن في الأرْضِ هُنا مَخْصُوصٌ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥] إلى آخِرِها لِإبْطالِ وهْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ شُرَكاءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، ولِذَلِكَ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِصِيغَةِ القَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ، أيْ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَغْفِرُ لِأحَدٍ. وصُدِّرَتْ بِأداةِ التَّنْبِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِها.
وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى مَراتِبِ المَوْجُوداتِ، وهي: . . .
والمَقْصُودُ رَفْعُ التَّبَعِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ، أيْ لا تَخْشَ أنْ نَسْألَكَ عَلى عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإذْ قَدْ كانَ الحَفِيظُ والوَكِيلُ بِمَعْنًى، كانَ إثْباتُ كَوْنِ اللَّهِ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ونَفْيُ كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ وكِيلًا عَلَيْهِمْ مُفِيدًا قَصْرَ الكَوْنِ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقٍ غَيْرِ أحَدِ طُرُقِ القَصْرِ المَعْرُوفَةِ، فَإنَّ هَذا مِن صَرِيحِ القَصْرِ ومَنطُوقِهِ لا مِن مَفْهُومِهِ وهو الأصْلُ في القَصْرِ وإنْ كانَ قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ السَّمَوْءَلِ:
صفحة ٣٥
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
وأمّا طُرُقُ القَصْرِ المَعْرُوفَةُ في عِلْمِ المَعانِي فَهي مِن أُسْلُوبِ الإيجازِ، والقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ كَما هو صَرِيحُ طَرَفِهِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ نَزَّلَ الرَّسُولَ ﷺ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ أنَّهُ وكَيْلٌ عَلى إيمانِهِمْ وحَصَلَ مِن هَذا التَّنْزِيلِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَ الرَّسُولَ ﷺ إذا لَمْ يُصَدِّقُوهُ.
42:7Page 483
وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ ٧
And thus We have revealed to you an Arabic Qur’ān that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it1 and warn of the Day of Assembly, about which there is no doubt. A party will be in Paradise and a party in the Blaze.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٣] إلَخْ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها بِما في المَعْطُوفَةِ مِن كَوْنِ المُوحى بِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وما في المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن كَوْنِهِ مَن نَوْعِ ما أُوحِيَ بِهِ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ.
والقَوْلُ في ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ كالقَوْلِ في ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] .
وإنَّما أُعِيدَ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا لِيُبْنى عَلَيْهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِما حَجَزَ بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ. وأصْلُ النَّظْمِ: كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا. مَعَ ما حَصَلَ بِتِلْكَ الإعادَةِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ المَعْنى أفْضَلَ تَقْرِيرٍ.
والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ التِفاتٌ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ وما أُوحِيَ إلى مَن قَبْلَكَ، إلّا اخْتِلافُ اللُّغاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] .
والقُرْآنُ مَصْدَرُ: قَرَأ، مِثْلُ: غُفْرانَ وسُبْحانَ، وأُطْلِقُ هُنا عَلى المَقْرُوءِ مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ بِالمَقْرُوئِيَّةِ لِكَثْرَةِ ما يَقْرَأُهُ القارِئُونَ وذَلِكَ لِحُسْنِهِ وفائِدَتِهِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْمُ مَعْنى الكَمالِ بَيْنَ المَقْرُوءاتِ. و(عَرَبِيًّا) نِسْبَةٌ إلى العَرَبِيَّةِ، أيْ لُغَةِ العَرَبِ
صفحة ٣٦
لِأنَّ كَوْنَهُ قُرْآنًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَلامٌ، فَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا يُفِيدُ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا﴾ [الشورى: ١٣] لِأنَّ كَوْنَهُ عَرَبِيًّا يَلِيقُ بِحالِ المُنْذَرِينَ بِهِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، فَأُولَئِكَ هُمُ المُخاطَبُونَ بِالدِّينِ ابْتِداءً لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِنِ اخْتِيارِ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لِتَكُونَ أوَّلَ مَن يَتَلَقّى الإسْلامَ ويَنْشُرُهُ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَوْ رُوعِيَ فِيهِ جَمِيعُ الأُمَمِ المُخاطَبِينَ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ لاقْتَضى أنْ يَنْزِلَ بِلُغاتٍ لا تُحْصى، فَلا جَرَمَ اخْتارَ اللَّهُ لَهُ أفْضَلَ اللُّغاتِ واخْتارَ إنْزالَهُ عَلى أفْضَلِ البَشَرِ.
وأُمَّ القُرى مَكَّةُ، وكُنِّيَتْ: أُمَّ القُرى لِأنَّها أقْدَمُ المُدُنِ العَرَبِيَّةِ فَدَعاها العَرَبُ: أُمَّ القُرى، لِأنَّ الأُمَّ تُطْلَقُ عَلى أصْلِ الشَّيْءِ، مِثْلَ: أُمِّ الرَّأْسِ، وعَلى مَرْجِعِهِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ لِلرّايَةِ: أُمُّ الحَرْبِ، وقَوْلِهِمْ: أُمُّ الطَّرِيقِ، لِلطَّرِيقِ العَظِيمِ الَّذِي حَوْلَهُ طُرُقٌ صِغارٌ.
ثُمَّ إنَّ إنْذارَ أُمِّ القُرى يَقْتَضِي إنْذارَ بَقِيَّةِ القُرى بِالأحْرى، قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ [الأنعام: ٩٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ: لِتُنْذَرَ أهْلَ أُمِّ القُرى، فَأطْلَقَ اسْمَ البَلَدِ عَلى سُكّانِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
وأهْلُ مَكَّةَ هم قُرَيْشٌ، وأمّا (مَن حَوْلَها) فَهُمُ النّازِلُونَ حَوْلَها مِنَ القَبائِلِ مِثْلَ خُزاعَةَ وكِنانَةَ، ومِنَ الَّذِينَ حَوْلَها قُرَيْشٌ الظَّواهِرُ وهُمُ السّاكِنُونَ خارِجَ مَكَّةَ في جِبالِها.
والِاقْتِصارُ عَلى إنْذارِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إنْذارِ الرَّسُولِ ﷺ بِأهْلِ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، ولا تَخْصِيصَ الرَّسُولِ ﷺ بِالإنْذارِ دُونَ التَّبْشِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ تَعْلِيلَ الفِعْلِ بِعِلَّةِ باعِثِهِ لا يَقْتَضِي أنَّ الفِعْلَ المُعَلَّلَ مُخَصَّصٌ بِتِلْكَ العِلَّةِ ولا بِمُتَعَلِّقاتِها إذْ قَدْ يَكُونُ لِلْفِعْلِ الواحِدِ عِلَلٌ باعِثَةٌ فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ بُعِثَ لِلنّاسِ كافَّةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨] . والِاقْتِصارُ هُنا عَلى إنْذارِ أهْلِ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِإنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ٣٧
وانْتَصَبَ أُمَّ القُرى عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ (تُنْذِرَ) بِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ المُعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ إذْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ المُنْذَرَ مِنهُ وهو الَّذِي يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِفِعْلِ الإنْذارِ. لِأنَّ (أنْذَرَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]، وفي حَدِيثِ الدَّجّالِ: ما مِن نَبِيءٍ إلّا أنْذَرَ قَوْمَهُ. فالمَعْنى: لِتُنْذِرَ أهْلَ القُرى ومَن حَوْلَها ما يُنْذَرُونَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ (تُنْذِرَ) لِزِيادَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ يَوْمِ الجَمْعِ لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ عُمُومِ الإنْذارِ يَقْتَضِي تَهْوِيلَهُ، ولِأنَّ تَعْدِيَةَ فِعْلِ (وتُنْذِرَ) إلى (يَوْمِ الجَمْعِ) تَعْدِيَةُ مُخالَفَةٍ لِإنْذارِ أُمِّ القُرى لِأنَّ يَوْمَ الجَمْعِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (وتُنْذِرَ)، أيْ وتُنْذِرَ النّاسَ يَوْمَ الجَمْعِ، فَمَفْعُولُ (لِتُنْذِرَ) الثّانِي هو المُنْذَرُ بِهِ ومَفْعُولُ (لِتُنْذِرَ) الأوَّلُ هو المُنْذَرُ.
وانْتَصَبَ (يَوْمُ الجَمْعِ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُنْذِرَ) وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيْ وتُنْذِرَهم - أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى - يَوْمَ الجَمْعِ بِالخُصُوصِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] .
ويَوْمُ الجَمْعِ: يَوْمُ القِيامَةِ، سُمِّيَ يَوْمَ الجَمْعِ لِأنَّ الخَلائِقَ تُجْمَعُ فِيهِ لِلْحِسابِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] .
والجَمْعُ مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمُجْتَمِعِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩]، أيْ يَوْمَ جَماعَةِ النّاسِ كُلِّهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، وعُطِفَتْ عَلَيْها جُمْلَةُ ﴿وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ فَكانَ الجُمْلَتانِ جَوابًا لِسُؤالِ سائِلٍ عَنْ شَأْنِ هَذا الجَمْعِ إنْ كانَ بِمَعْنى المَصْدَرِ. فَقِيلَ: فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أيْ فَرِيقٌ مِنَ المَجْمُوعِينَ بِهَذا الجَمْعِ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أوْ لِسُؤالِ سائِلٍ عَنْ حالِ هَذا الجَمْعِ إنْ كانَ الجَمْعُ بِمَعْنى المَجْمُوعِينَ. والتَّقْدِيرُ: فَرِيقٌ مِنهم في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ مِنهم في السَّعِيرِ. وتَقَدَّمَ السَّعِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] في سُورَةِ الإسْراءِ. وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِـ (فَرِيقٌ) وهو نَكِرَةٌ لِوُقُوعِها في مَعْرِضِ التَّفْصِيلِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
صفحة ٣٨
٦٩ فَأقْبَلْتُ زَحْفًا عَلى الرُّكْبَتَيْنِ فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُـرُّ
وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ. ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ أنَّ دَلائِلَهُ تَنْفِي الشَّكَّ في أنَّهُ سَيَقَعُ فَنَزَّلَ رَيْبَ المُرْتابِينَ فِيهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِأنَّ مُوجِباتِ اليَقِينَ بِوُقُوعِهِ بَيِّنَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وظَرْفِيَّةُ الرَّيْبِ المَنفِيِّ في ضَمِيرِ اليَوْمِ في قَوْلِهِ: لا رَيْبَ فِيهِ مِن بابِ إيقاعِ الفِعْلِ ونَحْوِهِ عَلى اسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ: إيقاعُهُ عَلى بَعْضِ أحْوالِها الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ أكْلُها، أيْ لا رَيْبَ في وُقُوعِهِ. وجُمْلَةُ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ و(فَرِيقٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ المُتابَعِ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ، أيْ هم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ إلَخْ.
42:8Page 483
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ٨
And if Allāh willed, He could have made them [of] one religion, but He admits whom He wills1 into His mercy. And the wrongdoers have not any protector or helper.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مَن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] . والغَرَضُ مِن هَذا العَطْفِ إفادَةُ أنَّ كَوْنَهم فَرِيقَيْنِ أمْرٌ شاءَ اللَّهُ تَقْدِيرَهُ، أيْ أوْجَدَ أسْبابَهُ بِحِكْمَتِهِ ولَوْ شاءَ لَقَدَّرَ أسْبابَ اتِّحادِهِمْ عَلى عَقِيدَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الهُدى فَكانُوا سَواءً في المَصِيرِ، والمُرادُ: لَكانُوا جَمِيعًا في الجَنَّةِ.
وهَذا مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى تَمَنِّيهِمْ أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم مُهْتَدِينَ ويَكُونَ جَمِيعُهم في الجَنَّةِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ المُرادُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً في الأمْرَيْنِ: الهُدى والضَّلالِ، لَأنَّ هَذا الشِّقَّ الثّانِيَ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِبَيانِهِ هُنا وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ. فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ بِما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] .
وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾
صفحة ٣٩
أيْ ولَكِنْ شاءَ مَشِيئَةً أُخْرى جَرَتْ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ، وهي أنْ خَلَقَهم قابِلَيْنِ لِلْهُدى والضَّلالِ بِتَصارِيفِ عُقُولِهِمْ وأمْيالِهِمْ، ومَكَّنَهم مِن كَسْبِ أفْعالِهِمْ وأوْضَحَ لَهم طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ بِالتَّكْلِيفِ فَكانَ مِنهُمُ المُهْتَدُونَ وهُمُ الَّذِينَ شاءَ اللَّهُ إدْخالَهم في رَحْمَتِهِ، ومِنهُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.
فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أحَدُ دَلِيلَيْنِ عَلى المَعْنى المُسْتَدْرَكِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا في الجَنَّةِ وفَرِيقًا في السَّعِيرِ لِيُدْخِلَ مَن يَشاءُ مِنهم في رَحْمَتِهِ وهي الجَنَّةُ. وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ يُدْخِلُ مِنهُمُ الفَرِيقَ الآخَرَ في عِقابِهِ، فَدَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا بَقَوْلِهِ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لِأنَّ نَفْيَ النَّصِيرِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ في بُؤْسٍ وضُرٍّ ومَغْلُوبِيَّةٍ بِحَيْثُ يَحْتاجُونَ إلى نَصِيرٍ لَوْ كانَ لَهم نَصِيرٌ، فَيَدْخُلُ في الظّالِمِينَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِأنَّهم سَبَبُ وُرُودِ هَذا العُمُومِ.
وأصْلُ النَّظْمِ: ويُدْخِلُ مَن يَشاءُ في غَضَبِهِ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما في الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبَ إدْخالِهِمْ في غَضَبِهِ هو ظُلْمُهم، أيْ شِرْكُهم ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] مَعَ إفادَةِ أنَّهم لا يَجِدُونَ ولِيًّا يَدْفَعُ عَنْهم غَضَبَهُ ولا نَصِيرًا يَثْأرُ لَهم. وضَمِيرُ (جَعَلَهم) عائِدٌ إلى فَرِيقِ الجَنَّةِ وفَرِيقِ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ أفْرادِ كُلِّ فَرِيقٍ.
42:9Page 483
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٩
Or have they taken protectors [or allies] besides Him? But Allāh - He is the Protector, and He gives life to the dead, and He is over all things competent.
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهْوَ يُحْيِي المَوْتى وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ كَما يُقالُ: دَعِ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ وإنْذارِهِمْ ولْنَعُدْ إلى فَظاعَةِ حالِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ.
وتُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ. فالمَعْنى: بَلِ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ، أيْ أتَوْا مُنْكَرًا لَمّا اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ.
فَضَمِيرُ (اتَّخَذُوا) عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ.
صفحة ٤٠
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ فاءُ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَقامُ إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، لِأنَّ إنْكارَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أوْلِياءَهم لَيْسَتْ جَدِيرَةً بِالوِلايَةِ، وأنَّهم ضَلُّوا في وِلايَتِهِمْ إيّاها، فَنَشَأ تَقْدِيرُ شَرْطٍ مَعْناهُ: إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ.
قالَ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ: (وتَقْدِيرُ الشَّرْطِ لِقَرائِنِ الأحْوالِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] عَلى تَقْدِيرِ إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم، وقالَ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ) .
والمُرادُ بِالوَلايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ ولايَةُ المَعْبُودِيَّةِ، فَأفادَ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ قَصْرَ جِنْسِ الوَلِيِّ بِهَذا الوَصْفِ عَلى اللَّهِ، وإذْ قَدْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ قَصْرُ الوَلايَةِ الحَقِّ عَلَيْهِ تَعالى.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ تَأْكِيدَ القَصْرِ وتَحْقِيقَهُ وأنَّهُ لا مُبالَغَةَ فِيهِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الوَلايَةَ الحَقَّ في هَذا الشَّأْنِ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى.
وهَذا كُلُّهُ مَسُوقٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً وتَثْبِيتًا وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ فَإنَّهم لا يَخْلُونَ مِن أنْ يَسْمَعُوهُ.
وعَطْفُ ﴿وهُوَ يُحْيِي المَوْتى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ إدْماجٌ لِإعادَةِ إثْباتِ البَعْثِ تَرْسِيخًا لِعِلْمِ المُسْلِمِينَ وإبْلاغًا لِمَسامِعِ المُنْكِرِينَ لِأنَّهم أنْكَرُوا ذَلِكَ في ضِمْنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَلَمّا أبْطَلَ مُعْتَقَدَهم إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ أرْدَفَ بِإبْطالِ ما هو مِن عَلائِقِ شِرْكِهِمْ وهو نَفْيُ البَعْثِ، ولَيْسَ ذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِمْ لِإبْطالِ إلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمْ لِأنَّ وُقُوعَ البَعْثِ مَجْحُودٌ عِنْدَهم.
فَأمّا عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو لِإثْباتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلَّهِ تَعالى تَذْكِيرًا بِانْفِرادِهِ بِتَمامِ القُدْرَةِ، ويُفِيدُ الِاسْتِدْلالَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ. قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ويُفِيدُ الِاسْتِدْلالَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ أصْنامِهِمْ لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ: قالَ تَعالى
صفحة ٤١
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقالَ: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] وقالَ: وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ. والغَرَضُ مِن هَذا تَعْرِيضٌ بِإبْلاغِهِ إلى مَسامِعِ المُشْرِكِينَ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إثْباتَ القُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى عُطِفَتِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في إفادَةِ الحُكْمِ، وكانَتْ إفادَةُ التَّعْلِيلِ بِها حاصِلَةً مِن مَوْقِعِها عَقِبَها، ولَوْ أُرِيدَ التَّعْلِيلُ ابْتِداءً لَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences