Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:33–38
43:33–35Page 491
وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣
And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.
وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤
And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline
وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥
And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.
صفحة ٢٠٣
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظُهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ دَلَّ امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُقُوعِ شَرْطِها، فَيَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرادَ امْتِناعَ وُقُوعِ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أيْ أرادَ الِاحْتِرازَ مِن مَضْمُونِ شَرْطِها.
لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِن خُلُقِهِمْ تَعْظِيمَ المالِ وأهْلِ الثَّراءِ وحُسْبانَهم ذَلِكَ أصْلَ الفَضائِلِ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِزَكاءِ النُّفُوسِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أبْطَلَ جَعْلَهُمُ المالَ سَبَبَ الفَضْلِ بِإبْطالَيْنِ، بِقَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ أنَّ المالَ والغِنى لا حَظَّ لَهُما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وجَعَلَ لِلْأشْياءِ حَقائِقَها ومَقادِيرَها فَكَثِيرًا ما يَكُونُ المالُ لِلْكافِرِينَ ومَن لا خَلاقَ لَهم مِنَ الخَيْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المالَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى النّاسِ جَعَلَ لَهُ أسْبابًا نَظَمَها في سِلْكِ النُّظُمِ الِاجْتِماعِيَّةِ وجَعَلَ لَها آثارًا مُناسِبَةً لَها، وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَواهِبِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ والسَّرائِرِ الطَّيِّبَةِ، فالمالُ في الغالِبِ مَصْدَرٌ لِإرْضاءِ الشَّهَواتِ ومَرْصَدٌ لِلتَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ. وأمّا مَواهِبُ النُّفُوسِ الطَّيِّبَةِ فَمَصادِرُ لِنَفْعِ أصْحابِها ونَفْعِ الأُمَّةِ، فَفي أهْلِ الشَّرِّ أغْنِياءُ وفُقَراءُ وفي أهْلِ الخَيْرِ أمْثالُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ التَّبايُنُ بَيْنَ آثارِ كَسْبِ المالِ وأثارِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ.
ويَحْصُلُ مِن هَذا التَّحْقِيرِ لِلْمالِ إبْطالٌ ثالِثٌ لِما أسَّسُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
والنّاسُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَيَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ جَمِيعُ البَشَرِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ مِنَ البَشَرِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِاتِّحادٍ في نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ
صفحة ٢٠٤
حالَةٍ مُعَرَّفٍ بِها فَمَعْنى أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يَحْتَمِلُ أنَّ لَوْلا أنْ يَصِيرَ البَشَرُ عَلى دِينٍ واحِدٍ وهو الغالِبُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، أيِ الكُفْرُ ونَبْذُ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ وعَلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
فالمَعْنى عَلَيْهِ: لَوْلا أنْ يَصِيرَ النّاسُ كُلُّهم كُفّارًا لَخَصَّصْنا الكافِرِينَ بِالمالِ والرَّفاهِيَةِ وتَرَكْنا المُسْلِمِينَ لِما ادَّخَرْنا لَهم مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَيَحْسَبُ ضُعَفاءُ العُقُولِ أنَّ لِلْكُفْرِ أثَرًا في حُصُولِ المالِ جَعَلَهُ اللَّهُ جَزاءً لِمَن سَمّاهم بِالكافِرِينَ فَيَتْبَعُوا دِينَ الكُفْرِ لِتَخَيُّلِهِمُ المُلازِمَةَ بَيْنَ سَعادَةِ العَيْشِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وقَدْ كانَ النّاسُ في الأجْيالِ الأوْلى أصْحابَ أوْهامٍ وأغْلاطٍ يَجْعَلُونَ لِلْمُقارَنَةِ حُكْمَ التَّسَبُّبِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: لَوْلا تَجَنُّبُ ما يُفْضِي إلى عُمُومِ الكُفْرِ وانْقِراضِ الإيمانِ، لَجَعَلْنا المالَ لِأهْلِ الكُفْرِ خاصَّةً، أيْ واللَّهُ لا يُحِبُّ انْقِراضَ الإيمانِ مِنَ النّاسِ ولَمْ يُقَدِّرِ اتِّحادَ النّاسِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] أيْ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالعِبادِ فَعَطَّلَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى اضْمِحْلالِ الهُدى مِن بَيْنِهِمْ، أيْ أبْقى بَيْنَهم بَصِيصًا مِن نُورِ الهُدى.
ويُحْتَمَلُ وهو الأوْلى عِنْدِي: أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْعَهْدِ مُرادًا بِهِ بَعْضُ طَوائِفِ البَشَرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ وجُمْهُورُهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ وعَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ويَكُونُ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّحادُهم في الثَّراءِ.
والمَعْنى: لَوْلا أنْ تَصِيرَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أهْلَ ثَرْوَةٍ كُلَّهم أيْ وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنِ اشْتِمالِ كُلِّ بَلَدٍ وكُلِّ قَبِيلَةٍ وكُلِّ أُمَّةٍ عَلى أغْنِياءَ ومَحاوِيجَ لِإقامَةِ نِظامِ العُمْرانِ واحْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، هَذا لِمالِهِ، وهَذا لِصِناعَتِهِ، وآخَرُ لِمَقْدِرَةِ بَدَنِهِ لَجَعَلْنا مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ وهم أهْلُ مَكَّةَ سَواءً في الثَّراءِ والرَّفاهِيَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ يَتَلَخَّصُ مِنَ المَعْنى أنَّ الثَّراءَ والرَّفاهِيَةَ لا يُقِيمُ المُدَبِّرُ الحَكِيمُ لَهُما وزْنًا فَلا يُمْسِكُهُما عَنِ النّاكِبِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والكَمالِ، فَصارَ الكَلامُ يَقْتَضِي مُقَدَّرًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ لَكِنْ لا يَكُونُ النّاسُ سَواءً في الغِنى لِأنّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ لِأنّا قَدَّرْنا في نِظامِ الكَوْنِ البِشْرِيِّ
صفحة ٢٠٥
أنْ لا تَكُونَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أوْ قَبِيلَةٌ أوْ أهَلُ بَلْدَةٍ أغْنِياءَ لَيْسَ فِيهِمْ مَحاوِيجُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى انْحِرامِ نِظامِ الِاجْتِماعِ وارْتِفاعِ احْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَيَهْلِكُ مُجْتَمَعُهم، واللَّهُ أرادَ بَقاءَهم إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ.
ويُرَجِّحُ هَذا جَعْلُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ يَكْفُرُ خُصُوصَ وصْفِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أنْكَرُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وقالُوا وما الرَّحْمَنُ وقَدْ تَكَرَّرَ التَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آيٍ كَثِيرَةٍ.
ومَعْنى لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ لَقَدَّرْنا في نِظامِ المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ أسْبابَ الثَّراءِ مُتَّصِلَةً بِالكُفْرِ بِاللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الكُفْرُ سَبَبًا ومَجْلَبَةً لِلْغِنى، ولَوْ أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ في عُقُولِ النّاسِ وأسالِيبِ مُعامَلاتِهِمُ المالِيَّةِ؛ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اللَّهَ مَنَعَ أسْبابَ تَعْمِيمِ الكُفْرِ في الأرْضِ لُطْفًا مِنهُ بِالإيمانِ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ كُفْرٍ جُزْئِيٍّ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ حِفْظًا مِنهُ تَعالى لِنامُوسِ تَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها.
وهَذا مِن تَفارِيعِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرِّضا والإرادَةِ فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، أيْ لَجَعَلْنا لِبُيُوتِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِبُيُوتِهِمْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمَّنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. وإنَّما صَرَّحَ بِتَكْرِيرِ العامِلِ لِلتَّوْكِيدِ كَما فَعَلُوا في البَدَلِ مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ في نَحْوِ: مَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَرَنُوا البَدَلَ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ ولَمْ يَقُولُوا: مَن ذا سَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونُكْتَةُ هَذا الإبْدالِ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ ابْتِداءً بِفِعْلِ الجَعْلِ ثُمَّ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ في هَذا المَقامِ المَقْصُودِ مِنهُ قَرْنُهُ مَعَ مَظاهِرِ الغِنى في قَرْنِ التَّحْقِيرِ، ثُمَّ يَذْكُرُ ما يَعِزُّ وُجُودُ أمْثالِهِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، وإذْ قَدْ كانَ الخَبَرُ كُلُّهُ مُسْتَغْرَبًا كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُنْظَمَ في أُسْلُوبِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَقْفًا بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ القافِ جَمْعُ سَقْفٍ بِفَتْحِ السِّينِ
صفحة ٢٠٦
وسُكُونِ القافِ وهو: البِناءُ المُمْتَدُّ عَلى جُدْرانِ البَيْتِ المُغَطِّي فَضاءَ البَيْتَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. وهَذا الجَمْعُ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا رَهْنٌ ورُهُنٌ ولا ثالِثَ لَهُما.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ سَقْفًا بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ. والمُرادُ مِنَ المُفْرَدِ الجِنْسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ بَيْتٍ سَقْفٌ.
والزُّخْرُفُ الزِّينَةُ قالَ تَعالى ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيَكُونُ هُنا عَطْفًا عَلى سَقْفًا جَمْعًا لِعَدِيدِ المَحاسِنِ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّهَبِ لِأنَّ الذَّهَبَ يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣]، فَيَكُونُ وزُخْرُفًا عَطْفًا عَلى سَقْفًا بِتَأْوِيلِ: لَجَعَلْنا لَهم ذَهَبًا، أيْ لَكانَتْ سُقُفُهم ومَعارِجُهم وأبْوابُهم مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ مُنَوَّعَةً لِأنَّ ذَلِكَ أبْهَجُ في تَلْوِينِها.
وابْتُدِئَ بِالفِضَّةِ لِأنَّها أكْثَرُ في التَّحَلِّياتِ وأجْمَلُ في اللَّوْنِ، وأخَّرَ الذَّهَبَ، لِأنَّهُ أنْدَرُ في الحُلِيِّ، ولِأنَّ لَفْظَهُ أسْعَدُ بِالوَقْفِ لِكَوْنِ آخِرِهِ تَنْوِينًا يَنْقَلِبُ في الوَقْفِ ألِفًا فَيُناسِبُ امْتِدادَ الصَّوْتِ وهو أفْصَحُ في الوَقْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ زُخْرُفًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ، فَلا يَرِدُ سُؤالٌ عَنْ تَخْصِيصِ السَّقْفِ والمَعارِجِ بِالفِضَّةِ.
و“ مَعارِجَ ”اسْمُ جَمْعِ مِعْراجٍ، وهو الدَّرَجُ الَّذِي يُعْرَجُ بِهِ إلى العَلالِي.
ومَعْنى“ يَظْهَرُونَ ": يَعْلُونَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أيْ أنْ يَتَسَوَّرُوهُ.
وسُرُرُ بِضَمَّتَيْنِ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وفائِدَةُ وصْفِها بِجُمْلَةِ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهم يُعْطَوْنَ هَذِهِ البَهْرَجَةَ مَعَ اسْتِعْمالِها في دَعَةِ العَيْشِ والخُلُوِّ عَنِ التَّعَبِ.
والمُرادُ أنَّ المَعارِجَ والأبْوابَ والسُّرُرَ مِن فِضَّةٍ، فَحُذِفَ الوَصْفُ مِنَ المَعْطُوفاتِ لِدَلالَةِ ما وُصِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٠٧
وذَيَّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ السَّقْفِ والمَعارِجِ والأبْوابِ والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ مَتاعُ الدُّنْيا لا يَعُودُ عَلى مَن أُعْطِيَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ وأمّا السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ فَقَدِ ادَّخَرَها اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ ولَيْسَتْ كَمَثَلِ البَهارِجِ والزِّينَةِ الزّائِدَةِ الَّتِي تُصادِفُ مُخْتَلَفَ النُّفُوسِ وتَكْثُرُ لِأهْلِ النُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ الخَسِيسَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنُ المَئابِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ فَتَكُونُ (إنْ) الَّتِي قَبْلَها مُخَفِّفَةً مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ لِلتَّوْكِيدِ وتَكُونُ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَما) اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ و(إنْ) المُخَفَّفَةِ و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (لَما) بِتَشْدِيدِ المِيمِ فَهي (لَما) أُخْتُ إلّا المُخْتَصَّةِ بِالوُقُوعِ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَكُونُ (إنْ) نافِيَةً، والتَّقْدِيرُ: وما كَلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا.
43:36Page 492
وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦
And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.
﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهْوَ لَهُ قَرِينٌ﴾
ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ووَصْفِهِ بِأنَّهُ ذِكْرٌ وبَيانٌ لِلنّاسِ، ووَصْفِ عِنادِ المُشْرِكِينَ في الصَّدِّ عَنْهُ والإعْراضِ، وأعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ تَذْكِيرَهم ومُحاجَّتَهم لِأنَّ اللَّهَ يَدْعُو بِالحَقِّ ويَعِدُ بِهِ.
وأطْنَبَ في وصْفِ تَناقُضِ عَقائِدِهِمْ لَعَلَّهم يَسْتَيْقِظُونَ مِن غِشاوَتِهِمْ، وفي تَنْبِيهِهِمْ إلى دَلائِلِ حَقِّيَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بِهَذا القُرْآنِ، وفُضِحَتْ شُبُهاتُهم بِأنَّهم لا تَعْوِيلَ لَهم إلّا عَلى ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ الضّالُّونَ، وأُنْذِرُوا بِاقْتِرابِ انْتِهاءِ تَمْتِيعِهِمْ وإمْهالِهِمْ، وتَقَضّى ذَلِكَ بِمَزِيدِ البَيانِ، وأفْضى الكَلامُ إلى ما قالُوهُ في القُرْآنِ ومَن جاءَ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ”عَظِيمٍ“، وما أُلْحِقَ بِهِ مِنَ التَّكَمُّلاتِ، عادَ الكَلامُ هُنا إلى عَواقِبِ صَرْفِهِمْ عُقُولَهم
صفحة ٢٠٨
عَنِ التَّدَبُّرِ في الدَّعْوَةِ القُرْآنِيَّةِ فَكانَ انْصِرافُهم سَبَبًا لِأنْ يُسَخِّرُ اللَّهُ شَياطِينَ لَهم تُلازِمُهم فَلا تَزالُ تَصْرِفُهم عَنِ النَّظَرِ في الحَقِّ وأدِلَّةِ الرُّشْدِ. وهو تَسْخِيرٌ اقْتَضاهُ نِظامُ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِن أُصُولِها، فَلا يُتَعَجَّبُ مِن عَمى بَصائِرِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ البَيِّنِ، وهَذا مِن سُنَّةِ الوُجُودِ في تَوَلُّدِ الأشْياءِ مِن عَناصِرِها فالضَّلالُ يَنْمِي ويَتَوَلَّدُ في النُّفُوسِ ويَتَمَكَّنُ مِنها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا عَلى القَلْبِ وأكِنَّةً فِيهِ وخَتْمًا عَلَيْهِ ولا يَضْعُفُ عَمَلُ الشَّيْطانِ إلّا بِتَكَرُّرِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وبِالزَّجْرِ والإنْذارِ، فَمِن زِنادِ التَّذْكِيرِ تَنْقَدِحُ شَراراتُ نُورٍ؛ فَرُبَّما أضاءَتْ فَصادَفَتْ قُوَّةَ نُورِ الحَقِّ حالَةَ وهَنِ الشَّيْطانِ فَتَتَغَلَّبُ القُوَّةُ المَلَكِيَّةُ عَلى القُوَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ فَيُفِيقُ صاحِبُها مِن نَوْمَةِ ضَلالِهِ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ”﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]“ كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ارْعَوى ضالٌّ عَنْ ضَلالِهِ ولَما نَفَعَ إرْشادُ المُرْشِدِينَ في نُفُوسِ المُخاطَبِينَ.
فَجُمْلَةُ ”﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠]“ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في إظْهارِهِمْ عَدَمَ فَهْمِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] بِحالِ مَن يَعْشُو عَنِ الشَّيْءِ الظّاهِرِ لِلْبَصَرِ.
ويَعْشُ: مُضارِعُ عَشا كَغَزا عَشْوًا بِالواوِ، إذا نَظَرَ إلى الشَّيْءِ نَظَرًا غَيْرَ ثابِتٍ يُشْبِهُ نَظَرَ الأعْشى، وإمّا العَشا بِفَتْحِ العَيْنِ والشِّينِ فَهو اسْمُ ضَعْفِ العَيْنِ عَنْ رُؤْيَةِ الأشْياءِ، يُقالُ: عَشَيَ بِالياءِ مِثْلُ عَرَجَ إذا كانَتْ في بَصَرِهِ آفَةُ العَشا ومَصْدُرُهُ عَشىَ بِفَتْحِ العَيْنِ والقَصْرِ مِثْلُ العَرَجِ.
والفِعْلُ واوِيٌّ عَشا يَعْشُو، ويُقالُ عَشِيَ يَعْشى إذا صارَ العَشا لَهُ آفَةٌ؛ لِأنَّ أفْعالَ الأدْواءِ تَأْتِي كَثِيرًا عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ مَرَضٍ.
وعَشِيَ ياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِأجْلِ كَسْرَةِ صِيغَةِ الأدْواءِ.
صفحة ٢٠٩
فَمَعْنى ومَن يَعْشُ مَن يَنْظُرُ نَظَرًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ في القُرْآنِ، أيْ مَن لا حَظَّ لَهُ إلّا سَماعُ كَلِماتِ القُرْآنِ دُونَ تَدَبُّرٍ وقَصْدٍ لِلِانْتِفاعِ بِمَعانِيهِ، فَشَبَّهَ سَماعَ القُرْآنِ مَعَ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ بِنَظَرِ النّاظِرِ دُونَ تَأمُّلٍ.
وعُدِّيَ يَعْشُ بِـ (عَنْ) المُفِيدَةِ لِلْمُجاوَزَةِ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وإلّا فَإنَّ حَقَّ عَشا أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) كَما قالَ الحَطِيئَةُ:
مَتى تَأْتِهِ تَعْشُهُ إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ
ولا يُقالُ: عَشَوْتُ عَنِ النّارِ إلّا بِمِثْلِ التَّضْمِينِ الَّذِي في هاتِهِ الآيَةِ. فَتَفْسِيرُ مَن فَسَّرَ ”﴿يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ بِمَعْنى يُعْرِضُ: أرادَ تَحْصِيلَ المَعْنى بِاعْتِبارِ التَّعْدِيَةِ بِـ (عَنْ)، وإنْكارُ مَن أنْكَرَ وُجُودَ عَشا بِمَعْنى أعْرَضَ أرادَ إنْكارَ أنْ يَكُونَ مَعْنًى أصْلِيًّا لِفِعْلِ عَشا وظَنَّ أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالإعْراضِ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى الفِعْلِ ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِلتَّعْدِيَةِ بِـ (عَنْ) فالخِلافُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظِيٌّ.
و”﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ هو القُرْآنُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] . وإضافَتُهُ إلى الرَّحْمَنِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ وهَذا ثَناءٌ خامِسٌ عَلى القُرْآنِ.
والتَّقْيِيضُ: الإتاحَةُ وتَهْيِئَةُ شَيْءٍ لِمُلازَمَةِ شَيْءٍ لِعَمَلٍ حَتّى يُتِمَّهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو قَيَّضَ البَيْضَةَ، أيِ القِشْرَ المُحِيطَ بِما في داخِلِ البَيْضَةِ مِنَ المُحِّ لِأنَّ القَيْضَ يُلازِمُ البَيْضَةَ فَلا يُفارِقُها حَتّى يَخْرُجَ مِنها الفَرْخُ فَيَتِمَّ ما أُتِيحَ لَهُ القَيْضُ.
فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلْجَعْلِ مِثْلُ طَيَّنَ الجِدارَ: ومِثْلُ أزَرَهُ، أيْ ألْبَسَهُ الإزارَ، ودَرَعُوا الجارِيَةَ، أيْ ألْبَسُوها الدِّرْعَ. وأصْلُهُ هُنا تَشْبِيهٌ أيْ نَجْعَلُهُ كالقَيْضِ لَهُ، ثُمَّ شاعَ حَتّى صارَ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] في سُورَةِ فُصِّلَتْ فَضُمَّ إلَيْهِ ما هُنا.
وأتى الضَّمِيرُ في (لَهُ) مُفْرَدًا لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِيهِمُ الشَّرْطُ شَيْطانًا ولَيْسَ لِجَمِيعِهِمْ شَيْطانٌ واحِدٌ ولِذَلِكَ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ [الزخرف: ٣٨] بِالإفْرادِ، أيْ قالَ كُلُّ مَن لَهُ قَرِينٌ لِقَرِينِهِ.
صفحة ٢١٠
ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ ”نُقَيِّضُ“ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ مَفْعُولِهِ وهو شَيْطانًا فَعُلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُقَيَّضٌ لِإضْلالِهِ، أيْ هم أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ لَهم.
وفُرِّعَ عَنْ نُقَيِّضُ قَوْلُهُ فَهو لَهُ قَرِينٌ لِأنَّ النَّقِيضَ كانَ لِأجْلِ مُقارَنَتِهِ.
ومِنَ الفَوائِدِ الَّتِي جَرَتْ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ نَيْلِ الِابْتِهاجِ بِتَطْرِيزِ الدِّيباجِ في تَرْجَمَةِ الحَفِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّهِيرِ بِابْنِ مَرْزُوقٍ قالَ (قالَ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ شَيْخِنا ابْنِ عَرَفَةَ أوَّلَ مَجْلِسٍ حَضَرْتُهُ فَقَرَأ ”﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ فَقالَ: قُرِئَ ( يَعْشُو) بِالرَّفْعِ و(نُقَيِّضْ) بِالجَزْمِ. ووَجَّهَها أبُو حَيّانَ بِكَلامٍ ما فَهِمْتُهُ. وذَكَرَ أنَّ في النُّسْخَةِ خَلَلًا وذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ الكَلامِ. فاهْتَدَيْتُ إلى تَمامِهِ وقُلْتُ: يا سَيِّدِي مَعْنى ما ذُكِرَ أنَّ جَزْمَ (نُقَيِّضْ) بِـ (مَن) المَوْصُولَةِ لِشَبَهِها بِالشَّرْطِيَّةِ لِما تَضَمَّنَها مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا كانُوا يُعامِلُونَ المَوْصُولَ الَّذِي لا يُشْبِهُ لَفْظَ الشَّرْطِ بِذَلِكَ فَما يُشْبِهُ لَفْظُهُ لَفْظَ الشَّرْطِ أوْلى بِتِلْكَ المُعامَلَةِ. فَوافَقَ وفَرِحَ لَمّا أنَّ الإنْصافَ كانَ طَبْعَهُ. وعِنْدَ ذَلِكَ أنْكَرَ عَلَيَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَجْلِسِ وطالَبُونِي بِإثْباتِ مُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ فَقُلْتُ: نَصُّهم عَلى دُخُولِ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ في نَحْوِ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَنازَعُونِي في ذَلِكَ وكُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِحِفْظِ التَّسْهِيلِ فَقُلْتُ: قالَ ابْنُ مالِكٍ فِيما يُشْبِهُ المَسْألَةَ
وقَدْ يَجْزِمُهُ مُسَبِّبٌ عَنْ صِلَةِ ∗∗∗ الَّذِي تَشْبِيهًا بِجَوابِ الشَّرْطِ
وأنْشَدْتُ مِن شَواهِدِ المَسْألَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
كَذاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلى النّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعْ
فَجاءَ الشّاهِدُ مُوافِقًا لِلْحالِ. قالَ: وكُنْتُ في طَرَفٍ الحَلْقَةِ، فَصاحَ ابْنُ عَرَفَةَ وقالَ: يا أخِي ما بَغَيْنا، لَعَلَّكَ ابْنُ مَرْزُوقٍ ؟ فَقُلْتُ: عَبْدُكم ) انْتَهى مِنِ اغْتِنامِ الفُرْصَةِ. ا ه.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ، أيْ فَكانَ قَرِينًا مُقارَنَةً ثابِتَةً دائِمَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَلْ: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا قَرِينًا لَهُ. وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى
صفحة ٢١١
مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: لَهُ قَرِينٌ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ مَن يَعْشُو عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ أيْ قَرِينٌ لَهُ مُقارَنَةً تامَّةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقَيِّضْ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ ياءَ الغائِبِ عائِدًا ضَمِيرُهُ عَلى ”الرَّحْمَنِ“ .
43:37Page 492
وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧
And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided
﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسِبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ فَهو لَهُ قَرِينٌ أيْ مُقارَنَةَ صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ.
وضَمِيرا ”إنَّهم ويَصُدُّونَ“ عائِدانِ إلى ”شَيْطانًا“ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ مِن مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ الواقِعِ جَوابَ شَرْطٍ اكْتَسَبَ العُمُومَ تَبَعًا لِعُمُومِ (مَن) في سِياقِ الشَّرْطِ فَإنَّها مِن صِيَغِ العُمُومِ؛ مِثْلُ النَّكِرَةِ الواقِعَةِ في سِياقِ الشَّرْطِ عَلى خِلافٍ بَيْنَ أئِمَّةِ أُصُولِ الفِقْهِ في عُمُومِ النَّكِرَةِ الواقِعَةِ في سِياقِ الشَّرْطِ ولَكِنَّهُ لا يَجْرِي هُنا لِأنَّ عُمُومَ ”شَيْطانًا“ تابِعٌ لِعُمُومِ ”مَن“ إذْ أجْزاءُ جَوابِ الشَّرْطِ تَجْرِي عَلى حُكْمِ أجْزاءِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَقَرِينَةُ عُمُومِ النَّكِرَةِ هُنا لا تَتْرُكُ مَجالًا لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ لِأجْلِ القَرِينَةِ لا لِمُطْلَقِ وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ الشَّرْطِ.
وضَمِيرُ النَّصْبِ في يَصُدُّونَهم عائِدٌ إلى (مَن) لِأنَّ (مَن) الشَّرْطِيَّةُ عامَّةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ مَن يَعْشُو عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهم شَياطِينَ لِكُلِّ واحِدٍ شَيْطانٌ.
وضَمِيرا ”﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾“ عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن يَصُدُّونَهم، أيْ ويَحْسَبُ المَصْدُودُونَ عَنِ السَّبِيلِ أنْفُسَهم مُهْتَدِينَ.
وقَدْ تَتَشابَهُ الضَّمائِرُ فَتَرُدُّ القَرِينَةُ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
صفحة ٢١٢
فَضَمِيرُ: أحْرَزُوا، لِجَمْعِ المُشْرِكِينَ، وضَمِيرُ: جَمَّعُوا، لِلْمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]“ في سُورَةِ الرُّومِ.
والتَّعْرِيفُ في السَّبِيلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ السّابِلَةُ المُمْتَدَّةُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
وقَدْ مُثِّلَتْ حالَةُ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وحالُ مُقارَنَةِ الشَّياطِينِ لَهم بِحالِ مَنِ اسْتَهْدى قَوْمًا لِيَدُلُّوهُ عَلى طَرِيقٍ مُوصِلٍ لِبُغْيَتِهِ فَضَلَّلُوهُ وصَرَفُوهُ عَنِ السَّبِيلِ وأسْلَكُوهُ في فَيافِي التِّيهِ غِشًّا وخَدِيعَةً، وهو يَحْسَبُ أنَّهُ سائِرٌ إلى حَيْثُ يَبْلُغُ طَلِبَتَهُ.
فَجُمْلَةُ ”﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”وإنَّهم“، فَهي في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”فَهو“ والرّابِطُ واوُ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ويَحْسَبُ المَصْدُودُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ بِهِمْ إلى السَّبِيلِ.
والِاهْتِداءُ: العِلْمُ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى المَقْصُودِ.
43:38Page 492
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨
Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."
﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ التَّسَبُّبَ الَّذِي هو غايَةٌ مَجازِيَّةٌ. فاسْتِعْمالُ (حَتّى) فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
ولَيْسَتْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى دَوامِ الصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ وحُسْبانِ الآخَرِينَ الِاهْتِداءَ إلى فَناءِ القَرِينَيْنِ، إذْ قَدْ يُؤْمِنُ الكافِرُ فَيَنْقَطِعَ الصَّدُّ والحُسْبانُ فَلا تَغْتَرَّ بِتَوَهُّمِ مَن يَزْعُمُونَ أنَّ الغايَةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تُفارَقُ (حَتّى) في جَمِيعِ اسْتِعْمالاتِها.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”جاءانا“ بِألِفِ ضَمِيرِ المُثَنّى عائِدًا عَلى مَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وقَرِينِهِ، أيْ شَيْطانِهِ، وأُفْرِدَ ضَمِيرُ ”قالَ“ لِرُجُوعِهِ إلى مَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ خاصَّةً، أيْ قالَ الكافِرُ مُتَنَدِّمًا عَلى ما فَرَّطَ مِنِ اتِّباعِهِ إيّاهُ وائْتِمارِهِ بِأمْرِهِ.
صفحة ٢١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ جاءَنا بِصِيغَةِ المُفْرَدِ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”مَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ“، أيْ قالَ أحَدُهُما وهو الَّذِي يَعْشُو. فالمَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ قِراءَةَ التَّثْنِيَةِ صَرِيحَةٌ في مَجِيءِ الشَّيْطانِ مَعَ قَرِينِهِ الكافِرِ وأنَّ المُتَنَدِّمَ هو الكافِرُ، والقِراءَةُ بِالإفْرادِ مُتَضَمِّنَةٌ مَجِيءَ الشَّيْطانِ مِن قَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ إذْ عَلِمَ أنَّ شَيْطانَهُ القَرِينَ حاضِرٌ مِن خِطابِ الآخَرِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ وبَيْنَكَ.
وحَرْفُ يا أصْلُهُ لِلنِّداءِ، ويُسْتَعْمَلُ لِلتَّلَهُّفِ كَثِيرًا كَما في قَوْلِهِ يا حَسْرَةً وهو هُنا لِلتَّلَهُّفِ والتَّنَدُّمِ.
والمُشْرِقانِ: المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، غُلِّبَ اسْمُ المَشْرِقِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ خُطُورًا بِالأذْهانِ لِتَشَوُّفِ النُّفُوسِ إلى إشْراقِ الشَّمْسِ بَعْدَ الإظْلامِ.
والمُرادُ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ: إمّا مَكانُ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها في الأُفُقِ، وإمّا الجِهَةُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي تَبْدُو الشَّمْسُ مِنها عِنْدَ شُرُوقِها وتَغِيبُ مِنها عِنْدَ غُرُوبِها فِيما يَلُوحُ لِطائِفَةٍ مِن سُكّانِ الأرْضِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ البُعْدِ.
وأُضِيفَ ”بُعْدَ“ إلى المَشْرِقَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ بِتَقْدِيرِ: ”بَعُدَ“ لَهُما، أيْ مُخْتَصٌّ بِهِما بِتَأْوِيلِ البُعْدِ بِالتَّباعُدِ وهو إيجازٌ بَدِيعٌ حَصَلَ مِن صِيغَةِ التَّغْلِيبِ ومِنَ الإضافَةِ. ومُساواتُهُ أنْ يُقالَ بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ والمَغْرِبِ مِنَ المَشْرِقِ فَنابَتْ كَلِمَةُ المَشْرِقَيْنِ عَنْ سِتِّ كَلِماتٍ.
وقَوْلُهُ ”فَبِئْسَ القَرِينُ“ بَعْدَ أنْ تَمَنّى مُفارَقَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ ذَمًّا، فالكافِرُ يَذُمُّ شَيْطانَهُ الَّذِي كانَ قَرِينًا، ويُعَرِّضُ بِذَلِكَ لِلتَّفَصِّي مِنَ المُؤاخَذَةِ، وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى الشَّيْطانِ الَّذِي أضَلَّهُ.
والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ هَذا تَفْظِيعُ عَواقِبِ هَذِهِ المُقارَنَةِ الَّتِي كانَتْ شَغَفَ المُتَقارِنِينَ، وكَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مُقارَنَةٍ عَلى عَمَلٍ سَيِّءِ العاقِبَةِ، وهَذا مِن قِبَلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
صفحة ٢١٤
والمَقْصُودُ تَحْذِيرُ النّاسِ مِن قَرِينِ السُّوءِ وذَمِّ الشَّياطِينِ لِيَعافُهُمُ النّاسُ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences