Ibn 'AshurAz‑Zukhruf · 43:48–56

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:48–56

43:48Page 493

وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨

And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].

﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وأنَّ الواوَ واوُ الحالِ وأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن أحْوالٍ، وما بَعْدَ (إلّا) في مَوْضِعِ الحالِ، واسْتَغْنَتْ عَنِ الواوِ لِأنَّ (إلّا) كافِيَةٌ في الرَّبْطِ.

والمَعْنى: أنَّهم يَسْتَخِفُّونَ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى في حالِ أنَّها آياتٌ كَبِيرَةٌ وعَظِيمَةٌ فَإنَّما يَسْتَخِفُّونَ بِها لِمُكابَرَتِهِمْ وعِنادِهِمْ.

وصَوْغُ نُرِيهِمْ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.

ومَعْنى هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ تَأْتِي تَكُونُ أعْظَمَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ هُنالِكَ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ مِن أُخْتِها السّابِقَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ أنْ تَكُونَ الآياتُ مُتَرَتِّبَةً في العِظَمِ بِحَسَبِ تَأخُّرِ أوْقاتِ ظُهُورِها لِأنَّ الإتْيانَ بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ الِارْتِداعِ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ.

ويَحْتَمِلُ ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ الآياتِ مَوْصُوفاتٌ بِالكِبَرِ لا بِكَوْنِها مُتَفاوِتَةً فِيهِ وكَذَلِكَ العادَةُ في الأشْياءِ الَّتِي تَتَلاقى في الفَضْلِ وتَتَفاوَتُ مَنازِلُها فِيهِ

صفحة ٢٢٦

التَّفاوُتَ اليَسِيرَ، أيْ تَخْتَلِفُ آراءُ النّاسِ في تَفْضِيلِها، فَعَلى ذَلِكَ بَنى النّاسُ كَلامَهم فَقالُوا: رَأيْتُ رِجالًا بَعْضُهم أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، ورُبَّما اخْتَلَفَتْ آراءُ الرَّجُلِ الواحِدِ فِيها فَتارَةً يُفَضِّلُ هَذا وتارَةً يُفَضِّلُ ذاكَ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ:

مَن تَلْقَ مِنهم تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهم مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يَسْرِي بِها السّارِي

وقَدْ فاضَلَتِ الأنْمارِيَّةُ بَيْنَ الكَمَلَةِ مِن بَنِيها ثُمَّ قالَتْ: لَمّا أبْصَرْتُ مَراتِبَهم مُتَقارِبَةً قَلِيلَةَ التَّفاوُتِ ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أيَّهم أفْضَلُ، هم كالحَلْقَةِ المُفَرَّغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها.

فالمَعْنى: وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا وهي آيَةٌ جَلِيلَةُ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ تَكادُ تُنْسِيهِمُ الآيَةَ الأُخْرى. والأُخْتُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُماثَلَةِ في كَوْنِها آيَةً.

وعُطِفَ ”﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾“ عَلى جُمْلَةِ وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ لِأنَّ العَذابَ كانَ مِنَ الآياتِ.

والعَذابُ: عَذابُ الدُّنْيا، وهو ما يُؤْلِمُ ويَشُقُّ، وذَلِكَ القَحْطُ، والقُمَّلُ، والطُّوفانُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ في الماءِ.

والأخْذُ بِمَعْنى: الإصابَةِ. والباءُ في بِالعَذابِ لِلِاسْتِعانَةِ كَما تَقُولُ: خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ، أيْ ابَتْدَأْناهم بِالعَذابِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُفِيقُهم مِن غَفْلَتِهِمْ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأهْلِ مَكَّةَ إذْ أُصِيبُوا بِسِنِي القَحْطِ.

والرُّجُوعُ: مُسْتَعارٌ لِلْإذْعانِ والِاعْتِرافِ، ولَيْسَ هو كالرُّجُوعِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] .

وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في نُرِيهِمْ وأخَذْناهم، ولَعَلَّهم عائِدَةٌ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.

43:49Page 493

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩

And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."

صفحة ٢٢٧

﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾

عَطَفَ عَلى ”﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [الزخرف: ٤٨]“ . والمَعْنى: ولَمّا أخَذْناهم بِالعَذابِ عَلى يَدِ مُوسى سَألُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهم.

ومُخاطَبَتُهم مُوسى بِوَصْفِ السّاحِرِ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ تَزَلُّفًا إلَيْهِ لِأنَّ السّاحِرَ عِنْدَهم كانَ هو العالِمَ وكانَتْ عُلُومُ عُلَمائِهِمْ سِحْرِيَّةً، أيْ ذاتَ أسْبابٍ خَفِيِّةٍ لا يَعْرِفُها غَيْرُهم وغَيْرُ أتْباعِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ لَهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ.

وكانَ السّاحِرُ بِأيْدِي الكَهَنَةِ ومِن مَظاهِرِهِ تَحْنِيطُ المَوْتى الَّذِي بَقِيَ بِهِ جُثَثُ الأمْواتِ سالِمَةً مِنِ البِلى ولَمْ يَطَّلِعْ أحَدٌ بَعْدَهم عَلى كَيْفِيَّةِ صُنْعِهِ.

وفِي آيَةِ الأعْرافِ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، ولا تُنافِي ما هُنا لِأنَّ الخِطابَ خِطابُ إلْحاحٍ فَهو يَتَكَرَّرُ ويُعادُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾“ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ في الوَصْلِ وهو ظاهِرٌ، وفي الوَقْفِ أيْ بِفَتْحَةٍ دُونَ ألِفٍ وهو غَيْرُ قِياسِيٍّ لَكِنَّ القِراءَةَ رِوايَةٌ. وعَلَّلَهُ أبُو شامَةَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الرَّسْمَ وفِيهِ نَظَرٌ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الألِفِ في الوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الهاءِ في الوَصْلِ خاصَّةً وهو لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ كَلِمَةُ (أيُّهَ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ، والأصْلُ أنْ تَكُونَ بِألِفٍ بَعْدِ الهاءِ لِأنَّها (ها) حَرْفُ تَنْبِيهٍ يَفْصِلُ بَيْنَ (أيْ) وبَيْنَ نَعْتِها في النِّداءِ فَحُذِفَتِ الألِفُ في رَسْمِ المُصْحَفِ رَعْيًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ والأصْلُ أنْ يُراعى في الرَّسْمِ حالَةُ الوَقْفِ.

وعَنَوْا ”بِرَبِّكَ“ الرَّبَّ الَّذِي دَعاهم مُوسى إلى عِبادَتِهِ. والقِبْطُ كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَبًّا، ولا يُحِيلُونَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، وكانَتْ لَهم أرْبابٌ كَثِيرُونَ مُخْتَلِفَةٌ أعْمالُهم وقَدْرُهم. ومِثْلُ ذَلِكَ كانَتْ عَقائِدُ اليُونانِ.

وأرادُوا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ما خَصَّكَ بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِكَ مِمّا اسْتَطَعْتَ بِهِ أنْ تَأْتِيَ بِخَوارِقِ العادَةِ.

صفحة ٢٢٨

وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ مَعْلُولَةٌ لِعِلَلٍ خَفِيَّةٍ قِياسًا عَلى مَعارِفِهِمْ بِخَصائِصِ بَعْضِ الأشْياءِ الَّتِي لا تَعْرِفُها العامَّةُ، وكانَ الكَهَنَةُ يَعْهَدُونَ بِها إلى تَلامِذَتِهِمْ ويُوصُونَهم بِالكِتْمانِ.

والعَهْدُ: هو الِائْتِمانُ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ، ولَيْسَ مُرادُهم بِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وإذْ لَمْ يَعْرِفُوا كُنْهَ العَهْدِ عَبَّرُوا عَنْهُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”ادْعُ“ وهي لِلِاسْتِعانَةِ. ولَمّا رَأوُا الآياتِ عَلِمُوا أنَّ رَبَّ مُوسى قادِرٌ، وأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَهْدًا يَقْتَضِي اسْتِجابَةَ سُؤْلِهِ.

وجُمْلَةُ ”﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾“ جَوابٌ لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾“ أيْ دَعَوْتَ لَنا وكَشَفْتَ عَنّا العَذابَ لَنُؤَمِّنَنَّ لَكَ كَما في آيَةِ الأعْرافِ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ الآيَةَ.

فَـ ”مُهْتَدُونَ“ اسْمُ فاعِلٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الوَعْدِ وهو مُنْصَرِفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ كَما دَلَّ قَوْلُهُ ”يَنْكُثُونَ“ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ حِكايَةً عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٢] الآيَةَ. وسَمَّوْا تَصْدِيقَهم إيّاهُ اهْتِداءً لِأنَّ مُوسى سَمّى ما دَعاهم إلَيْهِ هَدْيًا كَما في آيَةِ النّازِعاتِ ”﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩]“ .

43:50Page 493

فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠

But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ تَفَرَّعَ عَلى تَضَرُّعِهِمْ ووَعْدِهِمْ بِالِاهْتِداءِ إذا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ أنَّهم نَكَثُوا الوَعْدَ.

والنَّكْثُ: نَقْضُ الحَبْلِ المُبْرَمِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وهو مَجازٌ في الخَيْسِ بِالعَهْدِ.

والكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] .

43:51Page 493

وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١

And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?

صفحة ٢٢٩

﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيَ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾

لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بِدَعْوَةِ مُوسى، وأضْمَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ نَكْثَ الوَعْدِ الَّذِي وعَدُوهُ مُوسى بِأنَّهم يَهْتَدُونَ، خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَتَّبِعَ قَوْمُهُ دَعْوَةَ مُوسى ويُؤْمِنُوا بِرِسالَتِهِ فَأعْلَنَ في قَوْمِهِ تَذْكِيرَهم بِعَظَمَةِ نَفْسِهِ لِيُثَبِّتَهم عَلى طاعَتِهِ، ولِئَلّا يَنْقُلَ إلَيْهِمْ ما سَألَهُ مِن مُوسى وما حَصَلَ مِن دَعْوَتِهِ بِكَشْفِ العَذابِ ولِيَحْسَبُوا أنَّ ارْتِفاعَ العَذابِ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ إذْ قَوْمُهُ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى ما دارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى مِن سُؤالِ كَشْفِ العَذابَ.

والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وإسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ بِالنِّداءِ في قَوْمِهِ. وكانَ يَتَوَلّى النِّداءَ بِالأُمُورِ المُهِمَّةِ الصّادِرَةِ عَنِ المُلُوكِ والأُمَراءِ مُنادُونَ يُعَيَّنُونَ لِذَلِكَ، ورُبَّما نادَوْا في الأُمُورِ الَّتِي يُرادُ عِلْمُ النّاسِ بِها. ومِن ذَلِكَ ما حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣] .

ووَقَعَ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ لِلْحَرِيرِيِّ فَلَمّا جَلَسَ كَأنَّهُ ابْنُ ماءِ السَّماءِ، نادى مُنادٍ مِن قِبَلِ الأحْماءِ، وحُرْمَةِ ساسانَ أُسْتاذِ الأُسْتاذِينَ، وقُدْوَةِ الشَّحّاذِينَ، لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ، في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ، إلّا الَّذِي جالَ وجابَ، وشَبَّ في الكُدْيَةِ وشابَ، فَذَلِكَ نِداءٌ لِإعْلانِ العَقْدِ.

وجُمْلَةُ ”قالَ“ إلَخْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”نادى“، والمَجازُ العَقْلِيُّ في قالَ مِثْلُ الَّذِي في ”﴿ونادى فِرْعَوْنُ﴾“ .

وفِرْعَوْنُ المَحْكِيُّ عَنْهُ في هَذِهِ القِصَّةِ هو مِنفِطاحُ الثّانِي.

فالأنْهارُ: فُرُوعُ النِّيلِ وتُرَعُهُ، لِأنَّها لِعِظَمِها جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِثْلُ نَهَرٍ فَجُمِعَتْ عَلى أنْهارٍ، وإنَّما هي لِنَهَرٍ واحِدٍ هو النِّيلُ. فَإنْ كانَ مَقَرُّ مُلْكِ فِرْعَوْنَ هَذا في مَدِينَةِ مَنفِيسَ فاسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”﴿وهَذِهِ الأنْهارُ﴾“ إشارَةً إلى تَفارِيعِ النِّيلِ الَّتِي تَبْتَدِئُ قُرْبَ القاهِرَةِ فَيَتَفَرَّعُ النِّيلُ بِها إلى فَرْعَيْنِ عَظِيمَيْنِ: فَرْعُ دِمْياطَ

صفحة ٢٣٠

وفَرْعُ رَشِيدٍ، وتُعْرَفُ بِالدِّلْتا. وأحْسَبُ أنَّهُ الَّذِي كانَ يُدْعى فَرْعُ تَنِيسَ لِأنَّ تَنِيسَ كانَتْ في تِلْكَ الجِهَةِ وغَمَرَها البَحْرُ، ولَهُ تَفارِيعُ أُخْرى صَغِيرَةٌ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنها تُرْعَةٌ، مِثْلُ تُرْعَةِ الإسْماعِيلِيَّةِ، وهُنالِكَ تَفارِيعُ أُخْرى تُدْعى الرَّياحُ. وإنْ كانَ مَقَرُّ مُلْكِهِ طَيْبَةَ الَّتِي هي بِقُرْبِ مَدِينَةِ (آبُو) اليَوْمَ فالإشارَةُ إلى جَداوِلِ النِّيلِ وفُرُوعِهِ المَشْهُورَةِ بَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِعُيُونِهِمْ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ”﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ادَّعى أنَّ النِّيلَ يَجْرِي بِأمْرِهِ، فَيَكُونُ ”مِن تَحْتِي“ كِنايَةً عَنِ التَّسْخِيرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] أيْ كانَتا في عِصْمَتِهِما. ويَقُولُ النّاسُ: دَخَلَتِ البَلْدَةُ الفُلانِيَّةُ تَحْتَ المَلِكِ فُلانٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ أنَّ النَّيْلَ يَجْرِي في مَمْلَكَتِهِ مِن بِلادِ (أصْوانَ) إلى البَحْرِ فَيَكُونُ في تَحْتِي اسْتِعارَةً لِلتَّمَكُّنِ مِن تَصارِيفِ النِّيلِ كالِاسْتِعارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] عَلى تَفْسِيرِ سَرِيًّا بِنَهْرٍ، وكانَ مِثْلُ هَذا الكَلامِ يَرُوجُ عَلى الدَّهْماءِ لِسَذاجَةِ عُقُولِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْهارِ مَصَبَّ المِياهِ الَّتِي كانَتْ تَسْقِي المَدِينَةَ والبَساتِينَ الَّتِي حَوْلَها وأنَّ تَوْزِيعَ المِياهِ كانَ بِأمْرِهِ في سِدادٍ وخِزاناتٍ، فَهو يُهَوِّلُ بِأنَّهُ إذا شاءَ قَطَعَ عَنْهُمُ الماءَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ يُوسُفَ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] فَيَكُونُ مَعْنى ”مِن تَحْتِي“ مِن تَحْتِ أمْرِي أيْ لا تَجْرِي إلّا بِأمْرِي، وقَدْ قِيلَ: كانَتِ الأنْهارُ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ.

والِاسْتِفْهامُ في أفَلا تُبْصِرُونَ تَقْرِيرِيٌّ جاءَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ تَحْقِيقًا لِإقْرارِهِمْ حَتّى أنَّ المُقَرِّرَ يَفْرِضُ لَهُمُ الإنْكارَ فَلا يُنْكِرُونَ.

43:52Page 493

أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢

Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1

﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾

(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أأنا خَيْرٌ، والِاسْتِفْهامُ اللّازِمُ تَقْدِيرُهُ بَعْدَها تَقْرِيرِيٌّ. ومَقْصُودُهُ: تَصْغِيرُ شَأْنِ مُوسى في نُفُوسِهِمْ بِأشْياءَ هي عَوارِضُ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً انْتَقَلَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ نَفْسِهِ إلى إظْهارِ

صفحة ٢٣١

البَوْنِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى الَّذِي جاءَ يُحَقِّرُ دِينَهُ وعِبادَةَ قَوْمِهِ إيّاهُ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِن هَذا. والإشارَةُ هُنا لِلتَّحْقِيرِ. وجاءَ بِالمَوْصُولِ لِادِّعاءِ أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ شَيْءٌ عُرِفَ بِهِ مُوسى.

والمَهِينُ بِفَتْحِ المِيمِ: الذَّلِيلُ الضَّعِيفُ، أرادَ أنَّهُ غَرِيبٌ لَيْسَ مِن أهْلِ بُيُوتِ الشَّرَفِ في مِصْرَ ولَيْسَ لَهُ أهْلٌ يَعْتَزُّ بِهِمْ، وهَذا سَفْسَطَةٌ وتَشْغِيبٌ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ انْتِصارٍ حَتّى يُحَقَّرَ القائِمُ فِيهِ بِقِلَّةِ النَّصِيرِ، ولا مَقامَ مُباهاةٍ حَتّى يُنْتَقَصَ صاحِبُهُ بِضَعْفِ الحالِ.

وأشارَ بِقَوْلِهِ ”﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾“ إلى ما كانَ في مَنطِقِ مُوسى مِنَ الحُبْسَةِ والفَهاهَةِ كَما حَكى اللَّهُ في الآيَةِ عَنْ مُوسى ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] وفي الأُخْرى ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧]، ولَيْسَ مَقامُ مُوسى يَوْمَئِذٍ مَقامَ خَطابَةٍ ولا تَعْلِيمٍ وتَذْكِيرٍ حَتّى تَكُونَ قِلَّةُ الفَصاحَةِ نَقْصًا في عَمَلِهِ، ولَكِنَّهُ مَقامُ اسْتِدْلالٍ وحُجَّةٍ فَيَكْفِي أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إبْلاغِ مُرادِهِ ولَوْ بِصُعُوبَةٍ وقَدْ أزالَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ تَفَرَّغَ لِدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قالَ ”﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٣٦]“ .

ولَعَلَّ فِرْعَوْنُ قالَ ذَلِكَ لِما يَعْلَمُ مِن حالِ مُوسى قَبْلَ أنْ يُرْسِلَهُ اللَّهُ حِينَ كانَ في بَيْتِ فِرْعَوْنَ فَذَكَرَ ذَلِكَ مِن حالِهِ لِيُذَكِّرَ النّاسَ بِأمْرٍ قَدِيمٍ فَإنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي بُعِثَ مُوسى في زَمَنِهِ هو (مِنفِطاحُ الثّانِي) وهو ابْنُ (رَعْمَسِيسَ الثّانِي) الَّذِي وُلِدَ مُوسى في أيّامِهِ ورُبِّيَ عِنْدَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مِنفِطاحَ كانَ يَعْرِفُ مُوسى ولِذَلِكَ قالَ لَهُ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] .

وأمّا رَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ فَلَمّا أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ ذاتِ فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ، وكانَتْ مُعْجِزَتُهُ القُرْآنَ المُعْجِزَ في بَلاغَتِهِ وفَصاحَتِهِ، وكانَتْ صِفَةُ الرَّسُولِ الفَصاحَةَ؛ لِتُكُونَ لَهُ المَكانَةُ الجَلِيلَةُ في نُفُوسِ قَوْمِهِ.

ومَعْنى ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ويَكادُ أنْ لا يُبِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

43:53Page 493

فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣

Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"

صفحة ٢٣٢

﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾

لَمّا تَضَمَّنَ وصْفُهُ مُوسى بِمَهِينٍ ولا يَكادُ يُبِينُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهُ دَعْواهُ الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾“ تَرَقِّيا في إحالَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وفِرْعَوْنُ لِجَهْلِهِ أوْ تَجاهُلِهِ يُخَيِّلُ لِقَوْمِهِ أنَّ لِلرِّسالَةِ شِعارًا كَشِعارِ المُلُوكِ.

ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .

والإلْقاءُ: الرَّمْيُ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في الإنْزالِ، أيْ هَلّا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ، أيْ سَوَّرَهُ الرَّبُّ بِها لِيَجْعَلَهُ مَلِكًا عَلى الأُمَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أساوِرَةٌ“، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ (أسْوِرَةٌ) .

والأساوِرَةُ: جَمْعُ أسْوارٍ لُغَةً في سِوارٍ. وأصْلُ الجَمْعِ أساوِيرُ مُخَفَّفٌ بِحَذْفِ إشْباعِ الكَسْرَةِ ثُمَّ عَوَّضَ الهاءُ عَنِ الحُرُوفِ كَما عَوَّضَتْ في زَنادِقَةٍ جَمْعُ زِنْدِيقٍ إذْ حَقُّهُ زَنادِيقُ. وأمّا سِوارٌ فَيُجْمَعُ عَلى أسْوِرَةٍ.

والسِّوارُ: حَلْقَةٌ عَرِيضَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ تُحِيطُ بِالرُّسْغِ، وهو عِنْدُ مُعْظَمِ الأُمَمِ مِن حِلْيَةِ النِّساءِ الحَرائِرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ في المَثَلِ ”لَوْ ذاتُ سَوارٍ لَطَمَتْنِي“ أيْ لَوْ حُرَّةٌ لَطَمَتْنِي، قالَهُ أحَدُ الأسْرى لَطْمَتْهُ أمَةٌ لِقَوْمٍ هو أسِيرُهم. وكانَ السِّوارُ مِن شِعارِ المُلُوكِ بِفارِسَ ومِصْرَ يَلْبَسُ المَلِكُ سِوارَيْنِ. وقَدْ كانَ مِن شِعارِ الفَراعِنَةِ لُبْسُ سِوارَيْنِ أوْ أسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ، ورُبَّما جَعَلُوا سِوارَيْنِ عَلى الرُّسْغَيْنِ وآخَرَيْنِ عَلى العَضُدَيْنِ. فَلَمّا تَخَيَّلَ فِرْعَوْنُ أنَّ رُتْبَةَ الرِّسالَةِ مِثْلُ المُلْكِ حَسَبَ افْتِقادَها هو مِن شِعارِ المُلُوكِ عِنْدَهم أمارَةٌ عَلى انْتِفاءِ الرِّسالَةِ.

و”أوْ“ لِلتَّرْدِيدِ، أيْ إنْ لَمْ تُلْقَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ فَلْتَجِئْ مَعَهُ طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ شاهِدِينَ لَهُ بِالرِّسالَةِ.

صفحة ٢٣٣

ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ وُجُودَ المَلائِكَةِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ الدِّينِ الإلَهِيِّ فَلَعَلَّ فِرْعَوْنُ ذَكَرَ المَلائِكَةَ مُجاراةً لِمُوسى إذْ لَعَلَّهُ سَمِعَ مِنهُ أنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ في مَقامِ الدَّعْوَةِ؛ فَأرادَ إفْحامَهُ بِأنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ لَهُ.

و”مُقْتَرِنِينَ“ حالٌ مِنَ ”المَلائِكَةِ“، أيْ مُقْتَرِنِينَ مَعَهُ؛ فَهَذِهِ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ”مَعَهُ“ لِئَلّا يُحْمَلَ مَعْنى المَعِيَّةِ عَلى إرادَةِ أنَّ المَلائِكَةَ تُؤَيِّدُهُ بِالقَوْلِ مِن قَوْلِهِمْ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، أيْ مُقْتَرِنِينَ بِمُوسى وهو اقْتِرانُ النَّصِيرِ لِنَصِيرِهِ.

43:54Page 493

فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤

So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].

﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ فَتَفَرَّعَ عَنْ نِداءِ فِرْعَوْنَ قَوْمَهُ أنْ أثَّرَ بِتَمْوِيهِهِ في نُفُوسِ مَلَئِهِ فَعَجَّلُوا بِطاعَتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِاتِّباعِ مُوسى لَمّا رَأوُا الآياتِ. فالخِفَّةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِانْتِقالِ مِن حالَةِ التَّأمُّلِ في خَلْعِ طاعَةِ فِرْعَوْنَ والتَّثاقُلِ في اتِّباعِهِ إلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ لَهُ كَما يَخِفُّ الشَّيْءُ بَعْدَ التَّثاقُلِ.

والمَعْنى يَرْجِعُ إلى أنَّهُ اسْتَخَفَّ عُقُولَهم فَأسْرَعُوا إلى التَّصْدِيقِ بِما قالَهُ بَعْدَ أنْ صَدَّقُوا مُوسى في نُفُوسِهِمْ لَمّا رَأوْا آياتِهِ نُزُولًا ورَفْعًا. والمُرادُ بِـ ”قَوْمَهُ“ هُنا بَعْضُ القَوْمِ، وهُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا مَجْلِسَ دَعْوَةِ مُوسى هَؤُلاءِ هُمُ المَلَأُ الَّذِينَ كانُوا في صُحْبَةِ فِرْعَوْنَ.

والسِّينُ والتّاءُ في اسْتَخَفَّ لِلْمُبالَغَةِ في أخَفَّ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقَوْلُهم: هَذا فِعْلٌ يَسْتَفِزُّ غَضَبَ الحَلِيمِ.

وجُمْلَةُ ”﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾“ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةٍ فَأطاعُوهُ كَما هو شَأْنُ (إنَّ) إذا جاءَتْ في غَيْرِ مَقامِ التَّأْكِيدِ فَإنَّ كَوْنَهم قَدْ كانُوا فاسْقِينَ أمْرٌ بَيَّنَ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى جاءَهم فَدَعاهم إلى تَرْكِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ فَلا يَقْتَضِي في المَقامِ تَأْكِيدَ كَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، أيْ كافِرِينَ. والمَعْنى: أنَّهم إنَّما خَفُّوا لِطاعَةِ رَأْسِ الكُفْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالكُفْرِ لِأنَّهم كانُوا يُؤَلِّهُونَ فِرْعَوْنَ فَلَمّا حَصَلَ

صفحة ٢٣٤

لَهم تَرَدُّدٌ في شَأْنِهِ بِبِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ رَجَعُوا إلى طاعَةِ فِرْعَوْنَ بِأدْنى سَبَبٍ.

والمُرادُ بِالفِسْقِ هُنا: الكُفْرُ، كَما قالَ في شَأْنِهِمْ في آيَةِ الأعْرافِ ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] .

43:55–56Page 493

فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥

And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.

فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦

And We made them a precedent and an example for the later peoples.

﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾

عُقِّبَ ما مَضى مِنَ القِصَّةِ بِالمَقْصُودِ وهو هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ المُتَرَتِّبَةُ المُتَفَرِّعُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وهي: الِانْتِقامُ، فالإغْراقُ، فالِاعْتِبارُ بِهِمْ في الأُمَمِ بَعْدَهم.

والأسَفُ: الغَضَبُ المَشُوبُ بِحُزْنٍ وكَدَرٍ، وأُطْلِقَ عَلى صَنِيعِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فِعْلُ آسَفُونا؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتِقامُ اللَّهِ مِنهُمُ انْتِقامًا كانْتِقامِ الآسِفِ؛ لِأنَّهم عَصَوْا رَسُولَهُ وصَمَّمُوا عَلى شِرْكِهِمْ بَعْدَ ظُهُورِ آياتِ الصِّدْقِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

فاسْتُعِيرَ ”آسَفُونا“ لِمَعْنى عَصَوْنا لِلْمُشابَهَةِ، والمَعْنى: فَلَمّا عَصَوْنا عِصْيانَ العَبْدِ رَبَّهُ المُنْعِمَ عَلَيْهِ بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ، واللَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالآسِفِ كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالغَضَبِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم كَما يُعامِلُ السَّيِّدُ المَأْسُوفُ عَبْدًا أسَفَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ لِرَحْمَةِ سَيِّدِهِ مَسْلَكًا.

وفِعْلُ آسَفَ قاصِرٌ فَعُدِّيَ إلى المَفْعُولِ بِالهَمْزَةِ.

وفِي قَوْلِهِ: ”﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾“ إيجازٌ لِأنَّ كَوْنَهم مُؤْسَفِينَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ حَتّى يُبْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِلِانْتِقامِ مِنهم فَدَلَّ إناطَةُ أداةِ التَّوْقِيتِ بِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ، والتَّقْدِيرُ: فَآسَفُونا فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم.

والِانْتِقامُ تَقَدَّمَ مَعْناهُ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ.

وإنَّما عُطِفَ ”فَأغْرَقْناهم“ بِالفاءِ عَلى ”﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾“ مَعَ أنَّ إغْراقَهم هو عَيْنُ الِانْتِقامِ مِنهم، إمّا لِأنَّ فِعْلَ ”انْتَقَمْنا“ مُؤَوَّلٌ بِقَدَّرْنا الِانْتِقامَ مِنهم فَيَكُونُ

صفحة ٢٣٥

عَطْفُ ”فَأغْرَقْناهم“ بِالفاءِ كالعَطْفِ في قَوْلِهِ ”﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وإمّا أنْ تَجْعَلَ الفاءَ زائِدَةً لِتَأْكِيدِ تَسَبُّبِ“ آسَفُونا ”في الإغْراقِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: انْتَقَمْنا مِنهم أغْرَقْناهم، عَلى أنَّ جُمْلَةَ“ فَأغْرَقْناهم ”مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ“ انْتَقَمْنا مِنهم ”فَزِيدَتِ الفاءُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى التَّبْيِينِ، وإمّا أنْ تَجْعَلَ الفاءَ عاطِفَةً جُمْلَةَ“ انْتَقَمْنا ”عَلى جُمْلَةِ“ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] ”فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ وتَكُونُ جُمْلَةُ“ ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ ”مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ والمُفَرَّعَةِ عَنْها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] .

وفُرِّعَ عَلى إغْراقِهِمْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم سَلَفًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ، أيْ يَأْتُونَ بَعْدَهم.

والسَّلَفُ بِفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: جَمْعُ سالِفٍ مِثْلَ: خَدَمٍ لِخادِمٍ، وحَرَسٍ لِحارِسٍ. والسّالِفُ الَّذِي يَسْبِقُ غَيْرَهُ في الوُجُودِ أوْ في عَمَلٍ أوْ مَكانٍ، ولَمّا ذُكِرَ الِانْتِقامُ كانَ المُرادُ بِالسَّلَفِ هُنا السّالِفَ في الِانْتِقامِ، أيْ أنَّ مَن بَعْدَهم سَيَلْقَوْنَ مِثْلَ ما لَقَوْا. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ والكِسائِيُّ (سَلَفًا) بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ اللّامِ وهو جَمْعُ سَلِيفٍ اسْمٌ لِلْفَرِيقِ الَّذِي سَلَفَ ومَضى.

والمَثَلُ: النَّظِيرُ والمُشابِهُ، يُقالُ: مَثَلَ بِفَتْحَتَيْنِ كَما يُقالُ شَبَهُ، أيْ مُماثِلٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ. وأُطْلِقَ المَثَلُ عَلى لازِمِهِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، أيْ جَعَلْناهم عِبْرَةً لِلْآخِرِينَ، يَعْلَمُونَ أنَّهم إنْ عَمِلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ أصابَهم مِثْلُ ما أصابَهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ هُنا بِمَعْنى الحَدِيثِ العَجِيبِ الشَّأْنِ الَّذِي يَسِيرُ بَيْنَ النّاسِ مَسِيرَ الأمْثالِ، أيْ جَعَلْناهم لِلْآخَرِينَ حَدِيثًا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ ويَعِظُهم بِهِ مُحَدِّثُهم.

ومَعْنى الآخِرِينَ: النّاسُ الَّذِينَ هم آخِرُ مُماثِلٍ لَهم في حِينِ هَذا الكَلامِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ هَؤُلاءِ هم آخِرُ الأُمَمِ المُشابِهَةِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ في عِبادَةِ الأصْنامِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ. ومَعْنى الكَلامِ: فَجَعَلْناهم سَلَفًا لَكم ومَثَلًا لَكم فاتَّعِظُوا بِذَلِكَ.

ويَتَعَلَّقُ لِلْآخِرِينَ بِـ“ ﴿سَلَفًا ومَثَلًا﴾ " عَلى وجْهِ التَّنازُعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском