Ibn 'AshurAz‑Zukhruf · 43:63–66

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:63–66

43:63–64Page 494

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو عَطْفٌ عَلى قِصَّةِ إرْسالِ مُوسى.

ولَمْ يُذْكَرْ جَوابُ (لَمّا) فَهو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

ومَوْقِعُ حَرْفِ (لَمّا) هُنا أنَّ مَجِيءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ صارَ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ مِمّا تَقَدَّمَ

صفحة ٢٤٦

فِي قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] الآيَةَ، أيْ لَمّا جاءَهم عِيسى اخْتَلَفَ الأحْزابُ فِيما جاءَ بِهِ، فَحُذِفَ جَوابُ (لَمّا) لِأنَّ المَقْصُودَ هو قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ سَنَنَ الأُمَمِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ لَمْ يَخْتَلِفْ فَإنَّهُ لَمْ يَخْلُ رَسُولٌ عَنْ قَوْمٍ آمَنُوا بِهِ وقَوْمٍ كَذَّبُوهُ ثُمَّ كانُوا سَواءً في نِسْبَةِ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ بِمَزاعِمِ النَّصارى أنَّ عِيسى ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أيْ أشْرَكُوا كَما هو اصْطِلاحُ القُرْآنِ غالِبًا. فَتَمَّ التَّشابُهُ بَيْنَ الرُّسُلِ السّابِقِينَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَحَصَلَ في الكَلامِ إيجازٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ فاءُ التَّفْرِيعِ.

وفِي قِصَّةِ عِيسى مَعَ قَوْمِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإشْراكَ مِن عَوارِضِ أهْلِ الضَّلالَةِ لا يَلْبَثُ أنْ يُخامِرَ نُفُوسَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِقًا بِها مِن قَبْلُ، فَإنَّ عِيسى بُعِثَ إلى قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا يَدِينُونَ بِالشِّرْكِ إذْ هو قَدْ بُعِثَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُلُّهم مُوَحِّدُونَ فَلَمّا اخْتَلَفَ أتْباعُهُ بَيْنَهم وكَذَّبَتْ بِهِ فِرَقٌ وصَدَّقَهُ فَرِيقٌ ثُمَّ لَمْ يَتَّبِعُوا ما أمَرَهم بِهِ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ حَدَثَتْ فِيهِمْ نِحْلَةُ الإشْراكِ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ ولَيْسَتْ جَوابًا لِشَرْطِ ”لَمّا“ الَّذِي جُعِلَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [الزخرف: ٦٥] دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وفِي إيقاعِ جُمْلَةِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ إيماءً إلى أنَّهُ بادَأهم بِهَذا القَوْلِ، لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ الضَّلالَةِ أنْ يُسْرِعُوا إلى غاياتِها، ولَوْ كانَتْ مَبادِئُ الدَّعْوَةِ تُنافِي عَقائِدَهم، أيْ لَمْ يَدْعُهم عِيسى إلى أكْثَرَ مِنِ اتِّباعِ الحِكْمَةِ وبَيانِ المُخْتَلَفِ فِيهِ ولَمْ يَدْعُهم إلى ما يُنافِي أُصُولَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حالُهُ مِن صُدُودٍ مُرِيعٍ عَنْهُ وتَكْذِيبٍ.

وابْتِداؤُهُ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ جاءَهم بِالحِكْمَةِ والبَيانِ وهو إجْمالُ حالِ رِسالَتِهِ تَرْغِيبٌ لَهم في وعْيِ ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِن تَفاصِيلِ الدَّعْوَةِ المُفَرَّعِ بَعْضُها عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ .

والحِكْمَةُ هي مَعْرِفَةُ ما يُؤَدِّي إلى الحَسَنِ ويَكُفُّ عَنِ القَبِيحِ وهي هُنا النُّبُوَّةُ،

صفحة ٢٤٧

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ جاءَ عِيسى بِتَعْلِيمِهِمْ حَقائِقَ مِنَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والمَواعِظِ.

وقَوْلُهُ: ”﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، عُطِفَ عَلى بِالحِكْمَةِ لِأنَّ كِلَيْهِما مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ“ جِئْتُكم ”. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والتَّبْيِينُ: تَجْلِيَةُ المَعانِي الخَفِيَّةِ لِغُمُوضٍ أوْ سُوءِ تَأْوِيلٍ، والمُرادُ ما بَيَّنَهُ عِيسى في الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أفْهامُ اليَهُودِ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِفَهْمِ التَّوْراةِ أوْ بِتَعْيِينِ الأحْكامِ لِلْحَوادِثِ الطّارِئَةِ.

ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ المَحْكِيَّ في آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ قالَهُ في مَقامٍ آخَرَ.

والمَقْصُودُ حِكايَةُ ما قالَهُ لَهم مِمّا لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ عَلَيْهِ قَوْمَهُ بِالتَّكْذِيبِ فَهم كَذَّبُوهُ في وقْتٍ لَمْ يَذْكُرْ لَهم فِيهِ أنَّهُ جاءَ بِنَسْخِ بَعْضِ الأحْكامِ مِنَ التَّوْراةِ، أيْ كَذَّبُوهُ في حالِ ظُهُورِ آياتِ صِدْقِهِ بِالمُعْجِزاتِ وفي حالِ انْتِفاءِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ عَلَيْهِ شَكًّا.

وإنَّما قالَ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، إمّا لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنَّ المَصْلَحَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِبَيانِ كُلِّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلى البَعْضِ ثُمَّ يَكْمُلُ بَيانُ الباقِي عَلى لِسانِ رَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ يُبَيِّنُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ.

وإمّا لِأنَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ البَيانِ غَيْرُ شامِلٍ لِجَمِيعِ ما هم مُخْتَلِفُونَ في حُكْمِهِ وهو يَنْتَظِرُ بَيانَهُ مِن بَعْدُ تَدْرِيجًا في التَّشْرِيعِ كَما وقَعَ في تَدْرِيجِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ في الإسْلامِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ما كانَ الِاخْتِلافُ فِيهِ راجِعًا إلى أحْكامِ الدِّينِ دُونَ ما كانَ مِنَ الِاخْتِلافِ في أُمُورِ الدُّنْيا.

وفِي قَوْلِهِ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ تَهْيِئَةٌ لَهم لِقَبُولِ ما سَيُبَيَّنُ لَهم حِينَئِذٍ أوْ مِن بَعْدُ.

صفحة ٢٤٨

وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ فِيما لَهُ ظاهِرٌ وفي ما يَرْجِعُ إلى البَيانِ بِالنَّسْخِ، والمَسْألَةُ مِن أُصُولِ الفِقْهِ.

وفَرَّعَ عَلى إجْمالِ فاتِحَةِ كَلامِهِ قَوْلَهُ“ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ”. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِتَفاصِيلِ الحِكْمَةِ وبَيانِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَإنَّ التَّقْوى مَخافَةَ اللَّهِ. وقَدْ جاءَ في الأثَرِ“ «رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللَّهِ» ”، وطاعَةُ الرَّسُولِ تَشْمَلُ مَعْنى ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فَإذا أطاعُوهُ عَمِلُوا بِما يُبَيِّنُ لَهم فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَيانِ وهو العَمَلُ. وأجْمَعُ مِنهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُفْيانَ الثَّقَفِيِّ وقَدْ سَألَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ في الإسْلامِ قَوْلًا لا يَسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَهُ قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»، لِأنَّهُ ألْيَقُ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ في شَرِيعَةٍ لا يُتَرَقَّبُ بَعْدَها مَجِيءُ شَرِيعَةٍ أُخْرى، بِخِلافِ قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ“ وأطِيعُونِ ”فَإنَّهُ مَحْدُودٌ بِمُدَّةِ وُجُودِهِ بَيْنَهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ تَفَرُّدُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ تَوَجَّهَ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ إذْ لا يَخافُ اللَّهَ إلّا مَنِ اعْتَرَفَ بِرُبُوبِيَّتِهِ وانْفِرادِهِ بِها.

وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ القَصْرَ، أيِ اللَّهُ رَبِّي لا غَيْرُهُ. وهَذا إعْلانٌ بِالوَحْدانِيَّةِ وإنْ كانَ القَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِيسى مُوَحِّدِينَ، لَكِنْ قَدْ ظَهَرَتْ بِدْعَةٌ في بَعْضِ فِرَقِهِمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] .

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَإنَّ المُخاطَبِينَ غَيْرُ مُنْكِرِينَ ذَلِكَ.

وتَقْدِيمُ نَفْسِهِ عَلى قَوْمِهِ في قَوْلِهِ“ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ ”لِقَصْدِ سَدِّ ذَرائِعِ الغُلُوِّ في تَقْدِيسِ عِيسى، وذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ سَتَغْلُو فِيهِ فِرَقٌ مِن أتْباعِهِ فَيَزْعُمُونَ بُنُوَّتَهَ مِنَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَضِلُّونَ بِكَلِماتِ الإنْجِيلِ الَّتِي يَقُولُ فِيها عِيسى: أبِي، مُرِيدًا بِهِ اللَّهَ تَعالى.

وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ“ فاعْبُدُوهُ " فَإنَّ المُنْفَرِدَ بِالإلَهِيَّةِ حَقِيقٌ بِأنْ يُعْبَدَ.

صفحة ٢٤٩

والإشارَةُ بِـ ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ، أيْ هَذا طَرِيقُ الوُصُولِ إلى الفَوْزِ عَنْ بَصِيرَةٍ ودُونَ تَرَدُّدٍ، كَما أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ لا يَنْبَهِمُ السَّيْرُ فِيهِ عَلى السّائِرِ.

43:65Page 494

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

هَذا التَّفْرِيعُ هو المَقْصُودُ مَن سَوْقِ القِصَّةِ مَساقَ التَّنْظِيرِ بَيْنَ أحْوالِ الرُّسُلِ، أيْ عَقِبَ دَعْوَتِهِ اخْتِلافَ الأحْزابِ مِن بَيْنِ الأُمَّةِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ والَّذِينَ تَقَلَّدُوا مِلَّتَهُ طَلَبًا لِلِاهْتِداءِ.

وهَذا التَّفْرِيعُ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ (لَمّا) المَحْذُوفِ.

وضَمِيرُ ”بَيْنِهِمْ“ مُرادٌ بِهِ الَّذِينَ جاءَهم عِيسى لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِن سِياقِ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ”جاءَ عِيسى“ فَإنَّ المَجِيءَ يَقْتَضِي مَجِيئًا إلَيْهِ وهُمُ اليَهُودُ.

و(مِن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَدْلُولِ ”بَيْنَهم“ أيِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافَ أُمَّةٍ واحِدَةٍ، أيْ فَمِنهم مَن صَدَّقَ عِيسى وهم: يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ومَرْيَمُ أمُّ عِيسى والحَوارِيُّونَ الِاثْنا عَشَرَ وبَعْضُ نِساءٍ مِثْلُ مَرْيَمَ المَجْدَلِيَّةِ ونَفَرٍ قَلِيلٍ، وكَفَرَ بِهِ جُمْهُورُ اليَهُودِ وأحْبارُهم، وكانَ ما كانَ مَن تَألُّبِ اليَهُودِ عَلَيْهِ حَتّى رَفَعَهُ اللَّهُ.

ثُمَّ انْتَشَرَ الحَوارِيُّونَ يَدْعُونَ إلى شَرِيعَةِ عِيسى فاتَّبَعَهم أقْوامٌ في بِلادِ رُومِيَّةَ وبِلادِ اليُونانِ ولَمْ يَلْبَثُوا أنِ اخْتَلَفُوا مِن بَيْنِهِمْ في أُصُولِ الدِّيانَةِ فَتَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: نَسْطُورِيَّةٍ، ويَعاقِبَةَ، ومَلْكانِيَّةٍ. فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَعاقِبَةُ: عِيسى هو اللَّهُ، أيْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ، وقالَتِ المَلْكانِيَّةُ وهُمُ الكاثُولِيكُ: عِيسى ثالِثُ ثَلاثَةٍ مَجْمُوعُها هو الإلَهُ، وتِلْكَ هي: الأبُ اللَّهُ، والِابْنُ عِيسى، ورُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ فالإلَهُ عِنْدَهم أقانِيمُ ثَلاثَةٌ.

وقَدْ شَمِلَتِ الآيَةُ كِلا الِاخْتِلافَيْنِ فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَةِ التَّعْقِيبِ ومَجازِهِ. بِأنْ يَكُونَ شُمُولُها لِلِاخْتِلافِ الأخِيرِ مَجازًا عَلاقَتُهُ المُشابَهَةُ لِتَشْبِيهِ مُفاجَأةِ

صفحة ٢٥٠

طُرُوِّ الِاخْتِلافِ بَيْنَ أتْباعِهِ مَعَ وُجُودِ الشَّرِيعَةِ المانِعَةِ مِن مِثْلِهِ كَأنَّهُ حَدَثَ عَقِبَ بَعْثَةِ عِيسى وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَها زَمانٌ طَوِيلٌ دَبَّتْ فِيهِ بِدْعَتُهم، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ شائِعٌ لِأنَّ المَدارَ عَلى أنْ تَكُونَ قَرِينَةُ المَجازِ مانِعَةً مِن إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ وحْدَهُ عَلى التَّحْقِيقِ.

وهَذا الِاخْتِلافُ أجْمَلُ هُنا ووَقَعَ تَفْصِيلُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما تَلَقّى بِهِ اليَهُودُ دَعْوَةَ عِيسى، وآياتٍ تَتَعَلَّقُ بِما أحْدَثَهُ النَّصارى في دِينِ عِيسى مِن زَعْمِ بُنُوَّتِهِ مِنَ اللَّهِ وإلَهِيَّتِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) في قَوْلِهِ مِن بَيْنِهِمِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ ”اخْتَلَفَ“ أيْ نَشَأ الِاخْتِلافُ مِن بَيْنِهِمْ دُونَ أنْ يُدْخِلَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرَهم، أيْ كانَ دِينُهم سالِمًا فَنَشَأ فِيهِمْ الِاخْتِلافُ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْتَصُّ الخِلافُ بِأتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّصارى إذِ اخْتَلَفُوا فِرَقًا وابْتَدَعُوا قَضِيَّةَ بُنُوَّةِ عِيسى مِنَ اللَّهِ فَتَكُونُ الفاءُ خالِصَةً لِلتَّعْقِيبِ المَجازِيِّ.

وفُرِّعَ عَلى ذِكْرِ الِاخْتِلافِ تَهْدِيدٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ تَفْرِيعُ التَّذْيِيلِ عَلى المُذَيَّلِ، فالَّذِينَ ظَلَمُوا يَشْمَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهَذا إطْلاقُ الظُّلْمِ غالِبًا في القُرْآنِ، فَعُلِمَ أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ الأحْزابِ أفْضى بِهِمْ أنْ صارَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ ما هو مَعْرُوفٌ في الِاسْتِعْمالِ مِن لُزُومِ مُناسَبَةِ التَّذْيِيلِ لِلْمُذَيَّلِ، بِأنْ يَكُونَ التَّذْيِيلُ يَعُمُّ المُذَيَّلَ وغَيْرَهُ فَيَشْمَلُ عُمُومُ هَذا التَّذْيِيلِ مُشْرِكِي العَرَبِ المَقْصُودِينَ مِن هَذِهِ الأمْثالِ والعِبَرِ، ألا تَرى أنَّهُ وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] فَجُعِلَتِ الصِّلَةُ فِعْلَ ”كَفَرُوا“ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن آيَةِ سُورَةِ مَرْيَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّصارى ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] لَمّا أُرِيدَ التَّخَلُّصُ إلى إنْذارِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ إنْذارِ النَّصارى.

43:66Page 494

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

صفحة ٢٥١

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِتَنْزِيلِ سامِعِ قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] مَنزِلَةَ مَن يَطْلُبُ البَيانَ فَيَسْألُ: مَتى يَحُلُّ هَذا اليَوْمُ الألِيمُ ؟ وما هو هَذا الوَيْلُ ؟ فَوَرَدَتْ جُمْلَةُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ جَوابًا عَنِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ السُّؤالِ، وسَيَجِيءُ الجَوابُ عَنِ الشِّقِّ الثّانِي في قَوْلِهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وفي قَوْلِهِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ﴾ [الزخرف: ٧٤] الآياتِ.

وقَدْ جَرى الجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ سَواءٌ قُرْبَ زَمانِ وُقُوعِهِ أمْ بَعْدُ، فَلا يُرِيبُكم عَدَمُ تَعْجِيلِهِ قالَ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠]، وقَدْ أشْعَرَ بِهَذا المَعْنى تَقْيِيدُ إتْيانِ السّاعَةِ بِقَيْدِ بَغْتَةً فَإنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا تَسْبِقُهُ أمارَةٌ لا يُدْرى وقْتُ حُلُولِهِ.

و”يَنْظُرُونَ“ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ أنْ أشْرَكُوا لِحُصُولِ العَذابِ إلّا حُلُولَ السّاعَةِ. وعَبَّرَ عَنِ اليَوْمِ بِالسّاعَةِ تَلْمِيحًا لِسُرْعَةِ ما يَحْصُلُ فِيهِ.

والتَّعْرِيفُ في السّاعَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ.

والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، وهي: حُصُولُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ.

و”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ بَدَلًا مُطابِقًا فَإنَّ إتْيانَ السّاعَةِ هو عَيْنُ السّاعَةِ لِأنَّ مُسَمّى السّاعَةِ حُلُولُ الوَقْتِ المُعَيَّنِ، والحُلُولُ هو المَجِيءُ المَجازِيُّ المُرادُ هُنا.

وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ”تَأْتِيَهم“ . والشُّعُورُ: العِلْمُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ الحاصِلِ.

ولَمّا كانَ مَدْلُولُ ”بَغْتَةً“ يَقْتَضِي عَدَمَ الشُّعُورِ بِوُقُوعِ السّاعَةِ حِينَ تَقَعُ عَلَيْهِمْ كانَتْ جُمْلَةُ الحالِ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском