Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:67–80
43:67–73Page 494
ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧
Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous
يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨
[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩
[You] who believed in Our verses and were Muslims.
ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠
Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١
Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.
وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢
And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.
لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣
For you therein is much fruit1 from which you will eat.
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
43:74–75Page 495
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤
Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.
لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥
It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعانِ: أحَدُهُما إتْمامُ التَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ الوَعِيدُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] عَقِبَ تَفْصِيلِ بَعْضِهِ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦] إلَخْ. وبِقَوْلِهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] حَيْثُ قُطِعَ إتْمامُ تَفْصِيلِهِ بِالِاعْتِناءِ بِذِكْرِ وعْدِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ فَهي في هَذا المَوْقِعِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الوَعِيدِ وتَفْصِيلٌ لِإجْمالِها.
المَوْقِعُ الثّانِي: أنَّها كالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ يُثِيرُهُ ما يَسْمَعُ مِن وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِنَ التَّساؤُلِ: كَيْفَ يَكُونُ حالُ أضْدادِهِمُ المُشْرِكِينَ الظّالِمِينَ.
والمَوْقِعانِ سَواءٌ في كَوْنِ الجُمْلَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وافْتِتاحُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ لِتَنْزِيلِ السّائِلِ المُتَلَهِّفِ لِلْخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في مَضْمُونِهِ لِشِدَّةِ شَوْقِهِ إلَيْهِ، أوْ نَظَرًا إلى ما في الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِإسْماعِهِ المُشْرِكِينَ وهم يُنْكِرُونَ مَضْمُونَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم أيُّها المُجْرِمُونَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ.
والمُجْرِمُونَ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الإجْرامَ، وهو الذَّنْبُ العَظِيمُ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا: المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ السِّياقَ لَهم، ولِأنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِإجْمالِ وعِيدِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]، ولِأنَّ جَوابَ المَلائِكَةِ نِداؤُهم
صفحة ٢٥٨
بِقَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] لا يَنْطَبِقُ عَلى غَيْرِ المُكَذِّبِينَ، أيْ كارِهُونَ لِلْإسْلامِ والقُرْآنِ، فَذِكْرُ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شِرْكَهم إجْرامٌ.
وجُمْلَةُ ”﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”عَذابِ جَهَنَّمَ“ . و”يُفَتَّرُ“ مُضاعَفُ فَتَرَ، إذا سَكَنَ، وهو بِالتَّضْعِيفِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ. والمَعْنى: لا يُفَتِّرُهُ أحَدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ .
والإيلاسُ: اليَأْسُ والذُّلُّ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ: وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى الإيلاسِ قَيْدَ السُّكُوتِ ولَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، والحَقُّ أنَّ السُّكُوتَ مِن لَوازِمِ مَعْنى الإيلاسِ ولَيْسَ قَيْدًا في المَعْنى.
43:76Page 495
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦
And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.
﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في حِكايَةِ أحْوالِ المُجْرِمِينَ قُصِدَ مِنها نَفْيُ اسْتِعْظامِ ما جُوِّزُوا بِهِ مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ ونَفْيِ الرِّقَّةِ لِحالِهِمُ المَحْكِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] .
والظُّلْمُ هُنا: الِاعْتِداءُ، وهو الإصابَةُ بِضُرٍّ بِغَيْرِ مُوجِبٍ مَشْرُوعٍ أوْ مَعْقُولٍ، فَنَفْيُهُ عَنِ اللَّهِ في مُعامَلَتِهِ إيّاهم بِتِلْكَ المُعامَلَةِ لِأنَّها كانَتْ جَزاءً عَلى ظُلْمِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُعْتَدِينَ إذِ اعْتَدَوْا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ مِنَ الِاعْتِرافِ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ، وعَلى رُسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ كَذَّبُوهُ ولَمَزُوهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] في سُورَةِ لُقْمانَ.
و”هم“ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ لا يُطْلَبُ مُعادًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجْتَلَبْ لِلدَّلالَةِ عَلى مُعادٍ لِوُجُودِ ضَمِيرِ ”كانُوا“ دالًّا عَلى المَعادِ فَضَمِيرُ الفَصْلِ مُجْتَلَبٌ لِإفادَةِ قَصْرِ صِفَةِ الظُّلْمِ عَلى اسْمِ (كانَ)، وإذْ قَدْ كانَ حَرْفُ الِاسْتِدْراكِ بَعْدَ النَّفْيِ كافِيًا في إفادَةِ
صفحة ٢٥٩
القَصْرِ كانَ اجْتِلابُ ضَمِيرِ الفَصْلِ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ بِإعادَةِ صِيغَةٍ أُخْرى مِن صِيَغِ القَصْرِ.
وجُمْهُورُ العَرَبِ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ الفَصْلِ في الكَلامِ غَيْرَ واقِعٍ في مَوْقِعِ إعْرابٍ فَهو بِمَنزِلَةِ الحَرْفِ، وهو عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ حَرْفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنِ الإعْرابِ ويُسَمِّيهِ نُحاةُ البَصْرَةِ فَصْلًا، ويُسَمِّيهِ نُحاةُ الكُوفَةِ عِمادًا.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ الظّالِمِينَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانُوا وبَنُو تَمِيمٍ يَجْعَلُونَهُ ضَمِيرًا طالِبًا مُعادًا وصَدْرًا لِجُمْلَتِهِ مُبْتَدَأً ويَجْعَلُونَ جُمْلَتَهُ في مَحَلِّ الإعْرابِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما قَبْلَهُ، وعَلى ذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ ”﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمُونَ﴾“ عَلى أنَّ ”هم“ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مِنهُ ومِن خَبَرِهِ خَبَرُ ”كانُوا“ .
وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ رُؤْبَةَ بْنَ العَجّاجِ كانَ يَقُولُ أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ بِرَفْعِ ”خَيْرٌ“ .
43:77–78Page 495
وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧
And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."
لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨
We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.
﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾
جُمْلَةُ ونادَوْا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] . وحُكِيَ نِداؤُهم بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّهُ مِمّا سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا لِأنَّ إبْلاسَهم في عَذابِ جَهَنَّمَ وهو اليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَ أنْ نادَوْا يا مالِكُ وأجابَهم بِما أجابَ بِهِ، وذَلِكَ إذا جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”ونادَوْا“ حالِيَّةً، وإمّا لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي في تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وهَذا إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ونادَوْا إلَخْ مَعْطُوفَةً.
و”مالِكُ“ المُنادى اسْمُ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِجَهَنَّمَ خاطَبُوهُ لِيَرْفَعَ دَعْوَتَهم إلى اللَّهِ تَعالى شَفاعَةً.
صفحة ٢٦٠
واللّامُ في ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ لامُ الأمْرِ بِمَعْنى الدُّعاءِ.
وتَوْجِيهُ الأمْرِ إلى الغائِبِ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَعْنى التَّبْلِيغِ كَما هُنا، أوْ تَنْزِيلِ الحاضِرِ مَنزِلَةَ الغائِبِ لِاعْتِبارٍ ما، مِثْلَ التَّعْظِيمِ في نَحْوِ قَوْلِ الوَزِيرِ لِلْخَلِيفَةِ لِيَرَ الخَلِيفَةُ رَأْيَهُ.
والقَضاءُ بِمَعْنى: الإماتَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، سَألُوا اللَّهَ أنْ يُزِيلَ عَنْهُمُ الحَياةَ لِيَسْتَرِيحُوا مِن إحْساسِ العَذابِ.
وهم إنَّما سَألُوا اللَّهَ أنْ يُمِيتَهم فَأُجِيبُوا بِأنَّهم ماكِثُونَ جَوابًا جامِعًا لِنَفْيِ الإماتَةِ ونَفْيِ الخُرُوجِ فَهو جَوابٌ قاطِعٌ لِما قَدْ يَسْألُونَهُ مِن بَعْدُ.
ومِنَ النَّوادِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ ”ونادَوْا يا مالِ“ بِحَذْفِ الكافِ عَلى التَّرْخِيمِ، فَذُكِرَتْ قِراءَتُهُ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ ”ما كانَ أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ“، قالَ في الكَشّافِ: وعَنْ بَعْضِهِمْ: حَسَّنَ التَّرْخِيمَ أنَّهم يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ الِاسْمِ لِضَعْفِهِمْ وعِظَمَ ما هم فِيهِ ا ه. وأرادَ بِبَعْضِهِمُ ابْنَ جِنِّي فِيما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أنَّ ابْنَ جِنِّي قالَ: ولِلتَّرْخِيمِ في هَذا المَوْضِعِ سِرٌّ؛ وذَلِكَ أنَّهم لِعِظَمِ ما هم عَلَيْهِ ضَعُفَتْ وذُلَّتْ أنْفُسُهم وصَغُرَ كَلامُهم فَكانَ هَذا مِن مَواضِعِ الِاخْتِصارِ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ ﴿ونادَوْا يا مالِكُ﴾ بِإثْباتِ الكافِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ ”ونادَوْا يا مالِ“ رَواها أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ النَّبِيءُ ﷺ قَرَأ بِالوَجْهَيْنِ وتَواتَرَتْ قِراءَةُ إثْباتِ الكافِ وبَقِيَتِ الأُخْرى مَرْوِيَّةً بِالآحادِ فَلَمْ تَكُنْ قُرْآنًا.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ بِاعْتِبارِ تَمامِ الجُمْلَةِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ .
وضَمِيرُ ”جِئْناكم“ لِلْمَلائِكَةِ، والحَقُّ: الوَحْيُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ فَنَسَبَ مالِكٌ المَجِيءَ بِالحَقِّ إلى جَمْعِ المَلائِكَةِ عَلى طَرِيقَةِ اعْتِزازِ الفَرِيقِ والقَبِيلَةِ بِمَزايا
صفحة ٢٦١
بَعْضِها، وهي طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
وفَكَكْنا غِلَّ امْرِئِ القَيْسِ عَنْهُ بَعْدَ ما طالَ حَبْسُهُ والعَناءُ
وإنَّما نُسِبَتْ كَراهَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ فَرِيقانِ أحَدُهُما سادَةٌ كُبَراءُ لِمِلَّةِ الكُفْرِ وهُمُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالإرْهابِ والتَّرْغِيبِ مِثْلُ أبِي جَهْلٍ حِينَ صَدَّ أبا طالِبٍ عِنْدَ احْتِضارِهِ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقالَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وثانِيهِما دَهْماءُ وعامَّةٌ وهم تَبَعٌ لِأئِمَّةِ الكُفْرِ. وقَدْ أشارَتْ إلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآياتِ. فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ المُرادُ. مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وأُولَئِكَ إنَّما كَرِهُوا الحَقَّ لِأنَّهُ يَرْمِي إلى زَوالِ سُلْطانِهِمْ وتَعْطِيلِ مَنافِعِهِمْ.
وتَقْدِيمُ ”لِلْحَقِّ“ عَلى ”كارِهُونَ“ لِلِاهْتِمامِ بِالحَقِّ تَنْوِيهًا بِهِ، وفِيهِ إقامَةُ الفاصِلَةِ أيْضًا.
43:79Page 495
أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩
Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].
﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ مَعَ اتِّحادِ الغَرَضِ، انْتَقَلَ مِن حَدِيثِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنِ الخِزْيِ في الدُّنْيا.
فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦] إلَخْ.
والكَلامُ بَعْدَ (أمْ) اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ اسْتِفْهامٍ وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ وتَهْدِيدٌ، أيْ أأبْرَمُوا أمْرًا.
وضَمِيرُ أبْرَمُوا مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ ناوَوُا النَّبِيءَ ﷺ . وضَمِيرُ (إنّا) ضَمِيرُ الجَلالَةِ.
صفحة ٢٦٢
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضاهُ الِاسْتِفْهامُ مِن تَقْدِيرِ حُصُولِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ فَيُؤَوَّلُ الكَلامُ إلى مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ إنْ أبْرَمُوا أمْرًا مِنَ الكَيْدِ فَإنَّ اللَّهَ مُبْرِمٌ لَهم أمْرًا مِن نَقْضِ الكَيْدِ وإلْحاقِ الأذى بِهِمْ، ونَظِيرُهُ وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] .
وعَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَدْبِيرِ قُرَيْشٍ بِالمَكْرِ بِالنَّبِيءِ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ حِينَ اسْتَقَرَّ أمْرُهم عَلى ما أشارَ بِهِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْرُزَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ لِيَشْتَرِكُوا في قَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ بَنُو هاشِمٍ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ، وقَتَلَ اللَّهُ جَمِيعَهم في بَدْرٍ.
والإبْرامُ حَقِيقَتُهُ: القَتْلُ المُحْكَمُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإحْكامِ التَّدْبِيرِ والعَزْمِ عَلى ما دَبَّرُوهُ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ أبْرَمُوا و”مُبْرِمُونَ“ لِأنَّ إبْرامَهم واقِعٌ، وأمّا إبْرامُ اللَّهِ جَزاءً لَهم فَهو تَوَعُّدٌ بِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في زَمَنِ الحالِ، أيْ نَحْنُ نُقَدِّرُ لَهُمُ الآنَ أمْرًا عَظِيمًا، وذَلِكَ إيجادُ أسْبابِ وقْعَةِ بَدْرٍ الَّتِي اسْتُؤْصِلُوا فِيها.
والأمْرُ: العَمَلُ العَظِيمُ الخَطِيرُ، وحُذِفَ مَفْعُولُ ”مُبْرِمُونَ“ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
43:80Page 495
أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠
Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.
﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (أمْ) والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَها في قَوْلِهِ ”﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾“ هُما مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ”﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ [الزخرف: ٧٩]“ .
وحَرْفُ (بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ مِن قَوْلِهِ ”﴿أنّا لا نَسْمَعُ﴾“، أيْ بَلى نَحْنُ نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم.
صفحة ٢٦٣
والسَّمْعُ هو: العِلْمُ بِالأصْواتِ.
والمُرادُ بِالسِّرِّ: ما يُسِرُّونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن وسائِلِ المَكْرِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، وبِالنَّجْوى ما يَتَناجَوْنَ بِهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ بِحَدِيثٍ خَفِيٍّ.
وعَطَفَ ﴿ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ لِيَعْلَمُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما يُسِرُّونَ عِلْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرٌ فِيهِمْ وهو مُؤاخَذَتُهم بِما يُسِرُّونَ لِأنَّ كِتابَةَ الأعْمالِ تُؤْذِنُ بِأنَّها سَتُحْسَبُ لَهم يَوْمَ الجَزاءِ.
والكِتابَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وأنْ تَكُونَ مَجازًا، أوْ كِنايَةً عَنِ الإحْصاءِ والِاحْتِفاظِ.
والرُّسُلُ: هُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّهم مُرْسَلُونَ لِتَقَصِّي أعْمالَ النّاسِ ولِذَلِكَ قالَ ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، أيْ رَقِيبٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences