Ibn 'AshurAz‑Zukhruf · 43:81–88

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:81–88

43:81–82Page 495

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١

Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1

سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢

Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.

﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾

لَمّا جَرى ذِكْرُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِادِّعاءِ بُنُوَّةِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧]، وعَقِبَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] .

وأعْقَبَ بِما يَنْتَظِرُهم مِن أهْوالِ القِيامَةِ وما أعَدَّ لِلَّذِينِ انْخَلَعُوا عَنِ الإشْراكِ بِالإيمانِ، أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَقامِ التَّحْذِيرِ والتَّهْدِيدِ إلى مَقامِ الِاحْتِجاجِ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ، جَمْعًا بَيْنَ الرَّدِّ عَلى بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ، والَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ بَعْضَ أصْنامِهِمْ بَناتُ اللَّهِ مِثْلَ اللّاتِ والعُزّى، فَأمَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ قُلْ لَهم جَدَلًا وإفْحامًا،

صفحة ٢٦٤

ولَقَّنَهُ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ يَعْزُبُ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ لِلَّهِ ابْنًا.

والَّذِينَ يَقُولُ لَهم هَذا القَوْلَ هُمُ المُشْرِكُونَ الزّاعِمُونَ ذَلِكَ فَهَذا غَرَضُ الآيَةِ عَلى الإجْمالِ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ مَعَ عِلْمِ السّامِعِينَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَرُوجُ عِنْدَهُ ذَلِكَ.

ونَظْمُ الآيَةِ دَقِيقٌ ومُعْضِلٌ، وتَحْتَهُ مَعانٍ جَمَّةٌ: وأوَّلُها وأوْلاها: أنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ أبْناءً لَكانَ أوَّلَ مَن يَعْبُدُهم، أيْ أحَقُّ مِنكم بِأنْ أعْبُدَهم، أيْ لِأنَّهُ لَيْسَ أقَلَّ فَهْمًا مِن أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا ابْنًا لِلَّهِ ولا يَعْتَرِفَ لِذَلِكَ بِالإلَهِيَّةِ لِأنَّ ابْنَ اللَّهِ يَكُونُ مُنْسَلًّا مِن ذاتٍ إلَهِيَّةٍ فَلا يَكُونُ إلّا إلَهًا وأنا أعْلَمُ أنَّ الإلَهَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فالدَّلِيلُ مُرَكَّبٌ مِن مُلازَمَةٍ شَرْطِيَّةٍ، والشَّرْطُ فَرْضِيٌّ، والمُلازَمَةُ بَيْنَ الجَوابِ والشَّرْطِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ عاقِلٌ داعٍ إلى الحَقِّ والنَّجاةِ فَلا يَرْضى لِنَفْسِهِ ما يُوَرِّطُهُ، وأيْضًا لا يَرْضى لَهم إلّا ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، وهَذا مُنْتَهى النُّصْحِ لَهم، وبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ويُفِيدُ أنَّهُ ثابِتُ القَدَمِ في تَوْحِيدِ الإلَهِ.

ونُفِيَ التَّعَدُّدُ بِنَفْيِ أخَصِّ أحْوالِ التَّعَدُّدِ وهو التَّعَدُّدُ بِالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ كَتَعَدُّدِ العائِلَةِ، وهو أصْلُ التَّعَدُّدِ فَيَنْتَفِي أيْضًا تَعَدُّدُ الآلِهَةِ الأجانِبِ بِدَلالَةِ الفَحْوى. ونَظِيرُهُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِلْحَجّاجِ. وقَدْ قالَ لَهُ الحَجّاجُ حِينَ أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ: لَأُبَدِّلَنَّكَ بِالدُّنْيا نارًا تَلَظّى فَقالَ سَعِيدٌ: لَوْ عَرَفْتُ أنَّ ذَلِكَ إلَيْكَ ما عَبَدْتُ إلَهًا غَيْرَكَ، فَنَبَّهَهُ إلى خَطَئِهِ بِأنَّ إدْخالَ النّارِ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى.

والحاصِلُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مُرَكَّبٌ مِن قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ أوَّلُ جُزْأيْها وهو المُقَدَّمُ باطِلٌ، وثانِيهِما وهو التّالِي باطِلٌ أيْضًا، لِأنَّ بُطْلانَ التّالِي لازِمٌ لِبُطْلانِ المُقَدَّمِ، كَقَوْلِكَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا فَهي مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا بِبُطْلانِ التّالِي عَلى بُطْلانِ المُقَدَّمِ لِأنَّ كَوْنَ النَّبِيءِ ﷺ عابِدًا لِمَزْعُومٍ بُنُوَّتُهُ لِلَّهِ أمْرٌ مُنْتَفٍ بِالمُشاهَدَةِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ ناهِيًا إيّاهم عَنْ ذَلِكَ. وهَذا عَلى وِزانِ الِاسْتِدْلالِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، إلّا أنَّ تِلْكَ جُعِلَ شَرْطُها بِأداةٍ صَرِيحَةٍ في الِامْتِناعِ، وهَذِهِ جُعِلَ شَرْطُها بِأداةٍ غَيْرِ صَرِيحَةٍ في الِامْتِناعِ.

صفحة ٢٦٥

والنُّكْتَةُ في العُدُولِ عَنِ الأداةِ الصَّرِيحَةِ في الِامْتِناعِ هُنا، إيهامُهم في بادِئِ الأمْرِ أنَّ فَرْضَ الوَلَدِ لِلَّهِ مَحَلُّ نَظَرٍ، ولِيَتَأتّى أنْ يَكُونَ نَظْمُ الكَلامِ مُوَجَّهًا حَتّى إذا تَأمَّلُوهُ وجَدُوهُ يَنْفِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ بِطَرِيقِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ. ويَدُلُّ لِهَذا ما رَواهُ في الكَشّافِ أنَّ النَّضِرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ . فَقالَ النَّضِرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَقَنِي، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَقَكَ ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. ورُوِيَ مُجْمَلُ هَذا المَعْنى عَنِ السُّدِّيِّ فَكانَ في نَظْمِ الآيَةِ عَلى هَذا النَّظْمِ إيجازٌ بَدِيعٌ، وإطْماعٌ لِلْخُصُومِ بِما إنْ تَأمَّلُوهُ اسْتَبانَ وجْهُ الحَقِّ فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُدَّ إعْراضُهم نُكُوصًا.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ المَعانِي. مِنها: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ، أيْ فَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أيْ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِجُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ.

ومِنها، أنْ يَكُونَ حَرْفُ (إنْ) لِلنَّفْيِ دُونَ الشَّرْطِ، والمَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ: أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ، أيْ أتَنَزَّهُ عَنْ إثْباتِ الشَّرِيكِ لَهُ، وهَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنِهِ.

ومِنها: تَأْوِيلُ العابِدِينَ أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن عَبَدَ يَعْبُدُ مِن بابِ فَرِحَ، أيْ أنِفَ وغَضِبَ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وطَعَنَ فِيهِ نِفْطَوَيْهِ بِأنَّهُ إنَّما يُقالُ في اسْمِ فاعِلِ عَبَدَ يَعْبُدُ عَبْدٌ وقَلَّما يَقُولُونَ: عابِدٌ والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ولَدٌ بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ ولَدٍ.

وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَكْمِلَةً لِما أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ، أيْ قُلْ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ عَلى الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ: مَعَ تَنْزِيهٍ عَنْ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ. فَيَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمُ التّالِي في جُزْأيِ القِياسِ الشَّرْطِيِّ الِاسْتِثْنائِيِّ.

صفحة ٢٦٦

ولَيْسَ في ضَمِيرِ يَصِفُونَ التِفاتٌ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قُلْ لَهم إنَّ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ عَمّا يَقُولُونَ؛ فَتَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّها نَزَّهَتِ اللَّهَ عَنْ جَمِيعِ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ووَصْفُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أقْوى المَوْجُوداتِ وأعَمِّها وأعْظَمِها، لِأنَّهُ يُفِيدُ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لِانْتِفاءِ فائِدَةِ الوِلادَةِ، فَقَدْ تَمَّ خَلْقُ العَوالِمِ ونِظامِ نَمائِها ودَوامِها، وعُلِمَ مِن كَوْنِهِ خالِقَها أنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ وإلّا لاحْتاجَ إلى خالِقٍ يَخْلُقُهُ، واقْتَضى عَدَمَ السَّبْقِ بِعَدَمِ أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ فَناءٌ فَوُجُودُ الوَلَدِ لَهُ يَكُونُ عَبَثًا.

43:83Page 495

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.

﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

اعْتِراضٌ بِتَفْرِيعٍ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الوَلَدِ والشُّرَكاءِ، وهَذا تَأْيِيسٌ مِن إجْداءِ الحُجَّةِ فِيهِمْ وأنَّ الأوْلى بِهِ مُتارَكَتُهم في ضَلالِهِمْ إلى أنْ يَحِينَ يَوْمٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ العَذابَ المَوْعُودَ. وهَذا مُتَحَقِّقٌ في أئِمَّةِ الكُفْرِ الَّذِينَ ماتُوا عَلَيْهِ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مُتَصَدِّينَ لِمُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ ومُجادَلَتِهِ والتَّشْغِيبِ عَلَيْهِ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والنَّضِرِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، مِمَّنْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.

(واليَوْمُ) هُنا مُحْتَمِلٌ لِيَوْمِ بَدْرٍ ولِيَوْمِ القِيامَةِ وكِلاهُما قَدْ وُعِدُوهُ، والوَعْدُ هُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.

والخَوْضُ حَقِيقَتُهُ: الدُّخُولُ في لُجَّةِ الماءِ ماشِيًا، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى كَثْرَةِ الحَدِيثِ، والأخْبارِ والِاقْتِصارِ عَلى الِاشْتِغالِ بِها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٦٧

والمَعْنى: فَأعْرِضْ عَنْهم في حالِ خَوْضِهِمْ في الأحادِيثِ ولَعِبِهِمْ في مَواقِعِ الجِدِّ حِينَ يَهْزَأُونَ بِالإسْلامِ. واللَّعِبُ: المَزْحُ والهَزْمُ.

وجُزِمَ فِعْلُ ”يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا“ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةً وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ جَزْمًا في جَوابِ الأمْرِ، وقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ فالأمْرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ مِن قَبِيلِ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُلاقُوا“ بِضَمِّ الياءِ وبِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ مَجازٌ في أنَّهُ لِقاءٌ مُحَقَّقٌ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ”يَلْقُوا“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ المُجَرَّدِ.

43:84Page 495

وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤

And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.

﴿وهْوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] والجُمْلَتانِ اللَّتانِ بَيْنَهُما اعْتِراضانِ، قُصِدَ مِنَ العَطْفِ إفادَةُ نَفْيِ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ مُطْلَقًا بَعْدَ نَفْيِ الشَّرِيكِ فِيها بِالبُنُوَّةِ، وقُصِدَ بِذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ الإحاطَةُ بِعَوالِمِ التَّدْبِيرِ والخَلْقِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الأرْضِ وهم أصْنامُهُمُ المَنصُوبَةُ، وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ في السَّماءِ وهُمُ المَلائِكَةُ إذْ جَعَلُوهم بَناتٍ لِلَّهِ تَعالى؛ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فِي السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ إبْطالًا لِلْفَرِيقَيْنِ مِمّا زُعِمَتْ إلَهِيَّتُهم.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ أوَّلُها ﴿الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلرَّحْمَنِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١]، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِإيرادِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ صِفَةٍ، وبِإيرادِ مُبْتَدَأٍ فِيها لِإفادَةِ قَصْرِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ في السَّماءِ وفي الأرْضِ عَلى اللَّهِ تَعالى لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ غَيْرُهُ، لِأنَّ إيرادَ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْرِفَةً والمُسْنَدِ مَعْرِفَةً طَرِيقٌ مِن طُرُقِ القَصْرِ. فالمَعْنى وهو لا غَيْرُهُ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ، وصِلَةُ ”الَّذِي“ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ صَدْرُها، وصَدْرُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مُعادِ ضَمِيرِ ”وهو“ وحَذْفُ صَدْرِ الصِّلَةِ اسْتِعْمالٌ حَسَنٌ إذا طالَتِ الصِّلَةُ كَما هُنا. والتَّقْدِيرُ الَّذِي هو في السَّماءِ إلَهٌ.

صفحة ٢٦٨

والمَجْرُورانِ يَتَعَلَّقانِ بِـ ”إلَهٌ“ بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِن مَعْنى المَعْبُودِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ألَهَ، إذا عَبَدَ فَشابَهَ المُشْتَقَّ. وصَحَّ تَعَلُّقُ المَجْرُورِ بِهِ فَتَعَلُّقُهُ بِلَفْظِ إلَهٍ كَتَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِغِرْبالٍ وأقْوى مِن تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِكانُونَ في قَوْلِ الحَطِيئَةِ يَهْجُو أُمَّهُ مِن أبْياتِ:

أغِرْبالًا إذا اسْتُودِعْتِ سِرًّا وكانُونًا عَلى المُتَحَدِّثِينا

* * *

﴿وهْوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾بَعْدَ أنْ وُصِفَ اللَّهُ بِالتَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ أُتْبِعَ بِوَصْفِهِ بِـ ”﴿الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾“ تَدْقِيقًا لِلدَّلِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، حَيْثُ دَلَّ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ في السَّماءِ والأرْضِ واخْتِصاصُهُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما لِما في صِيغَةِ القَصْرِ مِن إثْباتِ الوَصْفِ لَهُ ونَفْيِهِ عَمَّنْ سِواهُ، فَكانَ قَوْلُهُ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ تَتْمِيمًا لِلدَّلِيلِ واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ سَمَّيْناهُ تَدْقِيقًا إذِ التَّدْقِيقُ في الِاصْطِلاحِ هو ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِ دَلِيلِهِ، وأمّا التَّحْقِيقُ فَذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ. لِأنَّ المَوْصُوفَ بِتَمامِ الحِكْمَةِ وكَمالِ العِلْمِ مُسْتَغْنٍ عَمّا سِواهُ فَلا يَحْتاجُ إلى ولَدٍ ولا إلى بِنْتٍ ولا إلى شَرِيكٍ.

43:85Page 495

وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥

And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.

﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٢]، قُصِدَ مِنهُ إتْباعُ إنْشاءِ التَّنْزِيهِ بِإنْشاءِ الثَّناءِ والتَّمْجِيدِ.

”وتَبارَكَ“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ المَدْحِ لِأنَّ مَعْنى تَبارَكَ كانَ مُتَّصِفًا بِالبَرَكَةِ اتِّصافًا قَوِيًّا لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ تَفاعَلَ مِن قُوَّةِ حُصُولِ المُشْتَقِّ مِنهُ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى صُدُورِ فِعْلٍ مِن فاعِلَيْنِ مِثْلَ: تَقاتَلَ وتَمارى، فاسْتُعْمِلَتْ في مُجَرَّدِ تَكَرُّرِ الفِعْلِ، وذَلِكَ مِثْلُ: تَسامى وتَعالى.

صفحة ٢٦٩

والبَرَكَةُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ.

وقَدْ ذُكِرَ مَعَ التَّنْزِيهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لِاقْتِضاءِ الرُّبُوبِيَّةِ التَّنْزِيهُ عَنِ الوَلَدِ المَسُوقِ الكَلامِ لِنَفْيِهِ، وعَنِ الشَّرِيكِ المَشْمُولِ لِقَوْلِهِ عَمّا يَصْفُونَ، وذُكِرَ مَعَ التَّبْرِيكِ والتَّعْظِيمِ أنَّ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لِمُناسَبَةِ المُلْكِ لِلْعَظَمَةِ وفَيْضِ الخَيْرِ، فَلا يَرِيبُكَ أنَّ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٢] مُغْنٍ عَنِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، لِأنَّ غَرَضَ القُرْآنِ التَّذْكِيرُ وأغْراضُ التَّذْكِيرِ تُخالِفُ أغْراضَ الِاسْتِدْلالِ والجَدَلِ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ يُلائِمُ التَّنْبِيهَ عَلى مُخْتَلَفِ الصِّفاتِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ والتَّعَرُّضِ لِلِاسْتِمْدادِ مِنَ الفَضْلِ. ثُمَّ إنَّ صِيغَةَ ”تَبارَكَ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ البَرَكَةَ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى فَيَقْتَضِي اسْتِغْناءَهُ عَنِ الزِّيادَةِ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ واتِّخاذِ الشَّرِيكِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِدْلالًا آخَرَ تابِعًا لِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] .

وقَدْ تَأكَّدَ انْفِرادُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أعْظَمِ المُوجُوداتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِقَوْلِهِ رَبُّ العَرْشِ وقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ .

فَكَمْ مِن خَصائِصَ ونُكَتٍ تَنْهالُ عَلى المُتَدَبِّرِ مِن آياتِ القُرْآنِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا الحَكِيمُ العَلِيمُ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُفِيدًا التَّصَرُّفَ في هَذِهِ العَوالِمِ مُدَّةَ وُجُودِها ووُجُودِ ما بَيْنَها أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهُ مَعَ مُلْكِ العَوالِمِ الفانِيَةِ مُلْكُ العَوالِمِ الباقِيَةِ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في تِلْكَ العَوالِمِ بِما فِيها بِالتَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وإدْماجًا لِإثْباتِ البَعْثِ.

وتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في ”إلَيْهِ تُرْجِعُونَ“ لِقَصْدِ التَّقَوِّي إذْ لَيْسَ المُخاطَبُونَ بِمُثْبِتِينَ رُجْعى إلى غَيْرِهِ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ أصْلًا.

وأمّا قَوْلُهم لِلْأصْنامِ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَمُرادُهم أنَّهم شُفَعاءُ لَهم في

صفحة ٢٧٠

الدُّنْيا أوْ هو عَلى سَبِيلِ الجَدَلِ ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُرْجَعُونَ“ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُباشَرَةِ بِالتَّهْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ تَبَعًا لِأُسْلُوبِ الضَّمائِرِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ.

43:86Page 495

وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦

And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2

﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ لَمّا أنْبَأهم أنَّ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ أعْلَمَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَشْفَعَ لَهم في الدُّنْيا إبْطالًا لِزَعْمِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ مَن عَبَدُوا دُونَ اللَّهِ المَلائِكَةُ اسْتَثْناهم بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَهم يُشَفَّعُونَ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ثُمَّ قالَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقَدْ مَضى في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

ووَصَفَ الشُّفَعاءَ بِأنَّهم شَهِدُوا بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ أيْ وهم يَعْلَمُونَ حالَ مَن يَسْتَحِقُّ الشَّفاعَةَ. فَقَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ لِلَّذِينِ خالَفَ حالُهم حالَ مَن يَشْهَدُ لِلَّهِ بِالحَقِّ.

43:87Page 495

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧

And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾

بَعْدَ أنْ أمْعَنَ في إبْطالِ أنْ يَكُونَ إلَهٌ غَيْرَ اللَّهِ بِما سِيقَ مِنَ التَّفْصِيلاتِ، جاءَ هُنا بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾

صفحة ٢٧١

أيْ سَألْتَهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ عَمَّنْ خَلَقَهم فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، وهَذا مَعْلُومٌ مِن حالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ أسْألُكَ بِرَبِّكَ ورَبِّ مَن قَبْلِكَ اللَّهُ أرْسَلَكَ (، ولِأجْلِ ذَلِكَ أكَّدَ إنَّهم يُقِرُّونَ لِلَّهِ بِأنَّهُ الخالِقُ فَقالَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وذَلِكَ كافٍ في سَفاهَةِ رَأْيِهِمْ إذْ كَيْفَ يَكُونُ إلَهًا مَن لَمْ يَخْلُقْ، قالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .

والخُطّابُ في قَوْلِهِ سَألْتَهم لِلنَّبِيءِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ إنْ سَألَهم مَن يَتَأتّى مِنهُ أنْ يَسْألَ.

وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ والإقْرارِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ مِنِ انْصِرافِهِمْ مِن عِبادَةِ اللَّهِ إلى عِبادَةِ آلِهَةٍ أُخْرى بِقَوْلِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ.

و”أنّى“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ المَكانِ فَمَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ إلى أيِّ مَكانٍ يُصْرَفُونَ.

و”يُؤْفَكُونَ“ يُصْرَفُونَ: يُقالُ: أفَكَهُ عَنْ كَذا، يَأْفِكُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا صَرَفَهُ عَنْهُ، وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ إذْ لَمْ يَصْرِفْهم صارِفٌ؛ ولَكِنْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ عِبادَةِ خالِقِهِمْ، فَقَوْلُهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ هو كَقَوْلِ العَرَبِ: أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ، أيْ أيْنَ تَذْهَبُ بِنَفْسِكَ إذْ لا يُرِيدُونَ أنَّ ذاهِبًا ذَهَبَ بِهِ يَسْألُونَهُ عَنْهُ ولَكِنَّ المُرادَ: أنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ أحَدٌ وإنَّما ذَهَبَ بِنَفْسِهِ.

43:88Page 495

وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."

﴿وقِيلَهُ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ القِيلُ مَصْدَرُ قالَ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ مُرادٌ بِهِ المَفْعُولُ، أيِ المَقُولُ مِثْلُ الذِّبْحِ وأصْلُهُ: قَوْلٌ، بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الواوِ. والمَعْنى: ومَقُولِهِ.

والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ ”قِيلَ“ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ بِقَرِينَةِ سِياقِ الِاسْتِدْلالِ والحِجاجِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”يا رَبِّ“ وبِقَرِينَةِ أنَّهُ قالَ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وبِقَرِينَةِ إجابَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]، والأوْلى أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الغائِبِ التِفاتًا عَنِ الخِطابِ

صفحة ٢٧٢

فِي قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فَإنَّهُ بَعْدَ ما مَضى مِنَ المُحاجَّةِ ومِن حِكايَةِ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم، ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنِ الكُفْرِ قَيْدَ أنْمُلَةٍ، حَصَلَ اليَأْسُ لِلرَّسُولِ مِن إيمانِهِمْ فَقالَ ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ التِجاءً إلى اللَّهِ فِيهِمْ وتَفْوِيضًا إلَيْهِ لِيَجْرِيَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ.

وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في التَّحَسُّرِ أوِ الشِّكايَةِ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الإنْشاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، أيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، ويُؤَيِّدُ هَذا تَفْرِيعُ ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٩]، فَفي ضَمِيرِ الغَيْبَةِ التِفاتٌ لِأنَّ الكَلامَ كانَ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ الخِطابِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] فَمُقْتَضى الظّاهِرِ: وقَوْلُكَ: يا رَبِّ إلَخْ. ويُحَسِّنُ هَذا الِالتِفاتَ أنَّهُ حِكايَةٌ لِشَيْءٍ في نَفْسِ الرَّسُولِ فَجَعَلَ الرَّسُولَ بِمَنزِلَةِ الغائِبِ لِإظْهارِ أنَّ اللَّهَ لا يُهْمِلُ نِداءَهُ وشَكْواهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] . وإضافَةُ القِيلِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَكَرَّرَ مِنهُ وعُرِفَ بِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، أيْ عُرِفَ بِهَذا وبِما في مَعْناهُ مِن نَحْوِ ﴿يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْءانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وقِيلَهُ“ بِنَصْبِ اللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ.

والتَّقْدِيرُ: وقالَ: الرَّسُولُ قِيلَهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] أوْ عَلى جُمْلَةِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ، أيْ وقالَ الرَّسُولُ حِينَئِذٍ يا رَبِّ إلَخْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

تَمْشِي الوُشاةُ جَنابَيْها وقِيلُهُمُ إنَّكَ يا ابْنَ أبِي سُلْمى لَمَقْتُولُ

عَلى رِوايَةِ قَيْلِهِمْ ونَصْبِهِ، أيْ ويَقُولُونَ: قِيلَهم وهي رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِقَوْلِهِ لا نَسْمَعُ، والتَّقْدِيرُ: بَلى ونَعْلَمُ قِيلَهُ وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ والأخْفَشِ، وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ.

صفحة ٢٧٣

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِجَرِّ لامِ قِيلِهِ ويَجُوزُ في جَرِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى السّاعَةِ في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أيْ وعِلْمُ قِيلِ الرَّسُولِ: يا رَبِّ، وهو عَلى هَذا وعْدٌ لِلرَّسُولِ بِالنَّصْرِ وتَهْدِيدٌ لَهم بِالِانْتِقامِ.

وثانِيهِما: أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْقَسَمِ ويَكُونَ جَوابُ القَسَمِ جُمْلَةَ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ: يا رَبِّ، تَعْظِيمًا لِلرَّسُولِ ولِقِيلِهِ الَّذِي هو تَفْوِيضٌ لِلرَّبِّ وثِقَةٌ بِهِ.

ومَقُولُ قِيلِهِ هو يا رَبِّ فَقَطْ، أيْ أقْسَمَ بِنِداءِ الرَّسُولِ رَبَّهُ نِداءَ مُضْطَرٍّ.

وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في شَرْحِ الكَعْبِيَّةِ عَنْ أبِي حاتِمٍ السِّجِسْتانِيِّ: أنَّ مَن جَرَّ فَقَوْلُهُ بِظَنٍّ وتَخْلِيطٍ، وأنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ لِإمْكانِ تَخْرِيجِ الجَرِّ عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ.

وقَدْ حُذِفَ بَعْدَ النِّداءِ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَقامُ مَن أعْيَتْهُ الحِيلَةُ فِيهِمْ فَفَوَّضَ أمْرَهُ إلى رَبِّهِ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَكِنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم فَلِذَلِكَ قالَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.

والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما هي عادَةُ القُرْآنِ غالِبًا ووَصْفُهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ، أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ عَدَمِ الإيمانِ مِنهم مِن أنْ يَقُولَ: هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском