Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:10–16
44:10–11Page 496
فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠
Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke
يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١
Covering the people; this is a painful torment.
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] قُصِدَ مِنهُ وعْدُ الرَّسُولِ ﷺ بِانْتِقامِ اللَّهِ مِن مُكَذِّبِيهِ، ووَعِيدُ المُشْرِكِينَ عَلى جُحُودِهِمْ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرَّسُولِ وُعُكُوفِهِمْ عَلى اللَّعِبِ، أيِ الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، وذَكَرَ لَهُ مُخَوِّفاتٍ لِلْمُشْرِكِينَ لِإعْدادِهِمْ لِلْإيمانِ وبَطْشَةُ انْتِقامٍ مِن أيِمَّتِهِمْ تَسْتَأْصِلُهم.
فالخِطابُ في ”ارْتَقِبْ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّثْبِيتِ. والِارْتِقابُ: افْتِعالٌ مِن رَقَبَهُ، إذا انْتَظَرَهُ، وإنَّما يَكُونُ الِانْتِظارُ عِنْدَ قُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ المُنْتَظَرِ. وفِعْلُ (ارْتَقِبْ) يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أنَّ إتْيانَ السَّماءِ بِدُخانٍ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقْتَضِي كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ وُقُوعِهِ كَما يَرْتَقِبُ الجائِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ.
و”يَوْمَ“ اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”ارْتَقِبْ“ ولَيْسَ ظَرْفًا وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٧]، وهو مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ لِتَمْيِيزِ اليَوْمِ
صفحة ٢٨٦
المُرادِ عَنْ بَقِيَّةِ الأيّامِ بِأنَّهُ الَّذِي تَأْتِي فِيهِ السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ فَنُصِبَ ”يَوْمَ“ نَصْبَ إعْرابٍ ولَمْ يُنَوَّنْ لِأجْلِ الإضافَةِ.
والجُمْلَةُ الَّتِي يُضافُ إلَيْها اسْمُ الزَّمانِ تَسْتَغْنِي عَنِ الرّابِطِ لِأنَّ الإضافَةَ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ، ولِأنَّ الجُمْلَةَ في قُوَّةِ المَصْدَرِ. والتَّقْدِيرُ: فارْتَقِبْ يَوْمَ إتْيانِ السَّماءِ بِدُخانٍ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمانِ فَإنَّ ظُهُورَ الدُّخانِ كانَ في أيّامٍ وشُهُورٍ كَثِيرَةٍ.
والدُّخانُ: ما يَتَصاعَدُ عِنْدَ إيقادِ الحَطَبِ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِمِثْلِ دُخانٍ.
والمُبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ. والمَعْنى: أنَّهُ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ لا يُشَكُّ في رُؤْيَتِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الدُّخانُ في الآيَةِ هو: الغُبارُ الَّذِي يَتَصاعَدُ مِنَ الأرْضِ مِن جَرّاءِ الجَفافِ وأنَّ الغُبارَ يُسَمِّيهِ العَرَبُ دُخانًا وهو الغُبارُ الَّذِي تُثِيرُهُ الرِّياحُ مِنَ الأرْضِ الشَّدِيدَةِ الجَفافِ.
وعَنِ الأعْرَجِ: أنَّهُ الغُبارُ الَّذِي أثارَتْهُ سَنابِكُ الخَيْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَدْ حَجَبَتِ الغَبَرَةُ السَّماءَ، وإسْنادُ الإتْيانِ بِهِ إلى السَّماءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ السَّماءَ مَكانُهُ حِينَ يَتَصاعَدُ في جَوِّ السَّماءِ أوْ حِينَ يَلُوحُ لِلْأنْظارِ مِنها.
والكَلامُ يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا الدُّخانَ المُرْتَقَبَ حادِثٌ قَرِيبٌ الحُصُولِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ حَدَثٌ يَكُونُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِقابٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فالمُرادُ بِالنّاسِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ كَما هو الغالِبُ في إطْلاقِ لَفْظِ النّاسِ في القُرْآنِ، وأنَّهُ يَكْشِفُ زَمَنًا قَلِيلًا عَنْهم إعْذارًا لَهم لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ وأنَّهم يَعُودُونَ بَعْدَ كَشْفِهِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ، وأنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان: ١٥] . وأمّا قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ﴾ [الدخان: ١٦] فَهو عَذابٌ آخَرُ. وكُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ بِالدُّخانِ يَقَعُ في الدُّنْيا وأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قَرِيبٌ، وإذْ قَدْ كانَتِ الآيَةُ مَكِّيَّةً تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الدُّخانَ الَّذِي هو عَذابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لا يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَتَعَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ هَذا الدُّخانِ غَيْرُ قاطِنِينَ بِدارِ
صفحة ٢٨٧
الشِّرْكِ، فَهَذا الدُّخانُ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لا مَحالَةَ وتَعَيَّنَ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ حَصَلَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أوْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ.
والأصَحُّ أنَّ هَذا الدُّخانَ عُنِيَ بِهِ ما أصابَ المُشْرِكِينَ مِن سِنِي القَحْطِ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. والأصَحُّ في ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ وأبِي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: «إنَّ قُرَيْشًا لَمّا غَلَبُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأخَذَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا فِيها العِظامَ والمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ حَتّى جَعَلَ أحَدُهم يَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ أنْ يُكْشَفَ عَنْهُمُ العَذابُ، فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم وقالَ اللَّهُ لَهُ: إنْ كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ عادُوا، فَعادُوا فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] والبَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ» . وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ قالَ: مَضى خَمْسٌ: الدُّخانُ، والرُّومُ، والقَمَرُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ.
فِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في أبْوابِ الِاسْتِسْقاءِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الصُّبْحِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» . وهَؤُلاءِ الَّذِينَ دَعا لَهم بِالنَّجاةِ كانُوا مِمَّنْ حَبَسَهُمُ المُشْرِكُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وكُلُّ هَذِهِ الرِّواياتِ يُؤْذِنُ بِأنَّ دُعاءَ النَّبِيءِ ﷺ عَلى المُشْرِكِينَ بِالسِّنِينِ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لِئَلّا يُعَذَّبَ المُسْلِمُونَ بِالجُوعِ وأنَّهُ كانَ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، وفي بَعْضِ رِواياتِ القُنُوتِ أنَّهُ دَعا في القُنُوتِ عَلى بَنِي لِحْيانَ وعُصَيَّةَ.
والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ هَذا الجُوعَ حَلَّ بِقُرَيْشٍ بُعَيْدَ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ هو الجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إذْ قالَ «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، وفي رِوايَةِ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ
صفحة ٢٨٨
كَسِنِينِ يُوسُفَ فَأُتِيَ النَّبِيءُ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ» وفي رِوايَةٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ الَّذِي أتى النَّبِيءَ هو أبُو سُفْيانَ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أبا سُفْيانَ أتاهُ في ناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَعْنِي أتَوُا المَدِينَةَ لَمّا عَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ كانَ دَعا عَلَيْهِمْ بِالقَحْطِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَهم فَدَعا.
وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ ما يَراهُ الجائِعُونَ مِن شِبْهِ الغِشاوَةِ عَلى أبْصارِهِمْ حِينَ يَنْظُرُونَ في الجَوِّ بِهَيْئَةِ الدُّخانِ النّازِلِ مِنَ الأُفُقِ، فالمَجازُ في التَّرْكِيبِ. وأمّا مُفْرَداتُ التَّرْكِيبِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقائِقِها لِأنَّ مِن مَعانِي السَّماءِ في كَلامِ العَرَبِ قُبَّةُ الجَوِّ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّمْثِيلِيَّةِ لِأنَّ الَّذِي يَغْشاهم هو الظُّلْمَةُ الَّتِي في أبْصارِهِمْ مِنَ الجُوعِ، ولَيْسَ الدُّخانُ هو الَّذِي يَغْشاهم.
وبَعْضُ الرِّواياتِ رَكَّبَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثَ الِاسْتِسْقاءِ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَجُلًا جاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيءُ ﷺ يَخْطُبُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الزَّرْعُ والضَّرْعُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَنا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا ثَلاثًا، وما يُرى في السَّماءِ قَزَعَةُ سَحابٍ، فَتَلَبَّدَتِ السَّماءُ بِالسَّحابِ وأُمْطِرُوا مِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ حَتّى سالَتِ الأوْدِيَةُ وسالَ وادِي قَناةَ شَهْرًا، فَأتاهُ آتٍ الجُمُعَةَ القابِلَةَ هو الأوَّلُ أوْ غَيْرُهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يُمْسِكَ المَطَرَ عَنّا، فَقالَ اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، فَتَفَرَّقَتِ السُّحُبُ حَتّى صارَتِ المَدِينَةُ في شِبْهِ الإكْلِيلِ مِنَ السَّحابِ» .
والجَمْعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ ظاهِرٌ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا القَحْطَ وقَعَ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَهو قَحْطٌ آخَرُ غَيْرُ قَحْطِ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ.
ومَعْنى ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أنَّهُ يُحِيطُ بِهِمْ ويَعُمُّهم كَما تُحِيطُ الغاشِيَةُ بِالجَسَدِ، أيْ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ مِن أُولَئِكَ النّاسِ وهُمُ المُشْرِكُونَ. فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الدُّخانِ ما أصابَ أبْصارَهم مِن رُؤْيَةٍ مِثْلِ الغَبَرَةِ مِنَ الجُوعِ فالغَشَيانُ مَجازٌ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ
صفحة ٢٨٩
غُبارَ الحَرْبِ يَوْمَ الفَتْحِ فالغَشَيانُ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غُبارًا مُتَصاعِدًا في الجَوِّ مِن شِدَّةِ الجَفافِ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى تَعْجِيبًا مِنهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَّبِيحِ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النّاسِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِتَقْدِيرِ: يَقُولُونَ: هَذا عَذابٌ ألِيمٌ.
والإشارَةُ في ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ إلى الدُّخانِ المَذْكُورِ آنِفًا، عَدَلَ عَنِ اسْتِحْضارِهِ بِالإضْمارِ وأنْ يُقالَ: هو عَذابٌ ألِيمٌ، إلى اسْتِحْضارِهِ بِالإشارَةِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الحاضِرِ المُشاهَدِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا الشِّتاءُ قادِمٌ فَأعِدَّ لَهُ.
وقَرِيبٌ مِنهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] فَإنَّ المَحْكِيَّ مِمّا يَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
44:12Page 496
رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢
[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."
﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] وجُمْلَةُ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] فَهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ.
وحَمَلَها جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها حِكايَةُ قَوْلِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِتَقْدِيرِ يَقُولُونَ: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، أيْ هو وعْدٌ صادِرٌ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ أنْ كُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ (أيْ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، أيْ إنْ دَعَوْتَ رَبَّكَ اتَّبَعْناكَ) ويَكُونُ بِمَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] .
ومِمّا تَسْمَحُ بِهِ تَراكِيبُ الآيَةِ وسِياقُها أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَحْذُوفُ مُقَدَّرًا بِفِعْلِ أمْرٍ أيْ قُولُوا لِتَلْقِينِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِن أنْ يُصِيبَهم ذَلِكَ العَذابُ إذْ كانُوا
صفحة ٢٩٠
والمُشْرِكِينَ في بَلَدٍ واحِدٍ كَما اسْتَعاذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ بِأهْلِها هَذا العَذابُ، فَهَذا التَّلْقِينُ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآياتِ.
وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ دَفْعِ العَذابِ عَنْهم، أيْ إنّا مُتَلَبِّسُونَ بِما يَدْفَعُ عَنّا عَذابَ الكافِرِينَ، وفي تَلْقِينِهِمْ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَرَفِ الإيمانِ، وأُسْلُوبُ الكَلامِ جارٍ عَلى أنَّ جُمْلَةَ إنّا مُؤْمِنُونَ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اسْتِعْمالِ حَرْفِ (إنَّ) مِن مَعْنى الإخْبارِ دُونَ الوَعْدِ، ومِنَ التَّعْلِيلِ دُونَ التَّأْكِيدِ، ولِما يَقْتَضِيهِ اسْمُ الفاعِلِ مِن زَمَنِ الحالِ دُونَ الِاسْتِقْبالِ، ولِأنَّ سِياقَهُ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِتَرَقُّبِ إعانَةِ اللَّهِ إيّاهُ عَلى المُشْرِكِينَ، كَما كانَ يَدْعُو أعْنِي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسِنِي يُوسُفَ فَمُقْتَضى المَقامِ تَأْمِينُهُ مِن أنْ يُصِيبَ العَذابُ المُسْلِمِينَ وفِيهِمُ النَّبِيءُ ﷺ، وظاهِرُ مادَّةِ الكَشْفِ تَقْتَضِي إزالَةَ شَيْءٍ كانَ حاصِلًا في شَيْءٍ إلّا أنَّ الكَشْفَ هُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كانَ مَجازُهُ مُحْتَمِلًا أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في مَنعِ حُصُولٍ يُخْشى حُصُولُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٩٨] فَإنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابٌ فَزالَ عَنْهم ولَكِنَّهم تُوُعِّدُوا بِهِ فَبادَرُوا بِالإيمانِ فَنَجّاهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
لا يَكْشِفُ الغَماءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
أرادَ أنَّهُ يَمْنَعُ العَدُوَّ مِن أنْ يَنالَهم بِسُوءٍ، ومُحْتَمِلًا لِلِاسْتِعْمالِ في زَوالِ شَيْءٍ كانَ حَصَلَ.
ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن رُواةِ السِّيَرِ والآثارِ أنَّ المُشْرِكِينَ وعَدُوا النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهم يُسْلِمُونَ إنْ أزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَحْطَ.
44:13–14Page 496
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣
How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.
ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤
Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."
صفحة ٢٩١
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ جَعَلَها جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ جَوابًا عَنْ قَوْلِ القائِلِينَ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ تَكْذِيبًا لِوَعْدِهِمْ، أيْ هم لا يَتَذَكَّرُونَ، وكَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وقَدْ جاءَهم ما هو أقْوى دَلالَةً مِنَ العَذابِ وهي دَلائِلُ صَدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وأمّا عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي انْتَزَعْناهُ مِن تَرْكِيبِ الآيَةِ فَهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ وهي كالنَّتِيجَةِ لَها لِأنَّهم إذا كانُوا في شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَقَدْ صارُوا بُعَداءَ عَنِ الذِّكْرى.
و(أنّى) اسْمُ اسْتِفْهامٍ أصْلُهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ أمْكِنَةِ حُصُولِ الشَّيْءِ ويَتَوَسَّعُونَ فِيها فَيَجْعَلُونَها اسْتِفْهامًا عَنِ الأحْوالِ بِمَعْنى (كَيْفَ) بِتَنْزِيلِ الأحْوالِ مَنزِلَةَ ظُرُوفٍ في مَكانٍ كَما هُنا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ. والمَعْنى: مِن أيْنَ تَحْصُلُ لَهُمُ الذِّكْرى والمَخافَةُ عِنْدَ ظُهُورِ الدُّخانِ المُبِينِ وقَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُها بِطَعْنِهِمْ في الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي أتاهم بِالتَّذْكِيرِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والإحالَةِ، أيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وهم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ وطَعَنُوا فِيهِ. فَجُمْلَةُ وقَدْ جاءَهم في مَوْضِعِ الحالِ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ إمّا مِن أبانَ المُتَعَدِّي، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلالَةِ الذِّكْرى عَلَيْهِ، أيْ مُبِينٌ لَهم ما بِهِ يَتَذَكَّرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”أبانَ“ القاصِرِ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ، أيْ رَسُولٌ ظاهِرٌ، أيْ ظاهِرَةٌ رِسالَتُهُ عَنِ اللَّهِ بِما تَوَفَّرَ مَعَها مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ.
وإيثارُ ”مُبِينٌ“ بِتَخْفِيفِ الياءِ عَلى (مُبَيِّنٌ) بِالتَّشْدِيدِ مِن نُكَتِ الإعْجازِ لِيُفِيدَ المَعْنَيَيْنِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو تَرَقٍّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ جُمْلَةٌ - كانَتْ جُمْلَةُ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ مِن مُتَعَلِّقاتِها -،
صفحة ٢٩٢
فالمَعْنى: وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ فَشَكُّوا في رِسالَتِهِ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وطَعَنُوا فِيهِ، فالتَّوَلِّي والطَّعْنُ حَصَلا عِنْدَ حُصُولِ الشَّكِّ واللَّعِبِ، ولِذَلِكَ كانَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا لِتَراخِي الزَّمانِ. ومَعْنى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ هُنا أنَّ التَّوَلِّيَ والبُهْتانَ أفْظَعُ مِنَ الشَّكِّ واللَّعِبِ.
والمُعَلَّمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهم وصَفُوهُ مَرَّةً بِأنَّهُ يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، ووَصَفُوهُ مَرَّةً بِالجُنُونِ، تَنَقُّلًا في البُهْتانِ، أوْ وصَفَهُ فَرِيقٌ بِهَذا وفَرِيقٌ بِذَلِكَ، فالقَوْلُ مُوَزَّعٌ بَيْنَ أصْحابِ ضَمِيرِ ”قالُوا“ أوْ بَيْنَ أوْقاتِ القائِلِينَ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلًا واحِدًا في وقْتٍ واحِدٍ لِأنَّ المَجْنُونَ لا يَكُونُ مُعَلَّمًا ولا يَتَأثَّرُ بِالتَّعْلِيمِ.
44:15Page 496
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥
Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].
﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ يَجِيءُ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِسُؤالِهِمْ، ويَجِيءُ عَلى ما دَرَجْنا عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ إعْلامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَكْشِفَ العَذابَ المُتَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكُونَ مُدَّةً، فَيَعُودُونَ إلى ما كانُوا فِيهِ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ إنَّكم عائِدُونَ التِفاتٌ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ، أيْ يُمْسِكُونَ عَنْ ذَلِكَ مُدَّةً وهي المُدَّةُ الَّتِي أرْسَلُوا فِيها وفْدَهم إلى المَدِينَةِ لِيَسْألَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِكَشْفِ القَحْطِ عَنْهم فَإنَّهم أيّامَئِذٍ يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّعْنِ والذَّمِّ رَجاءَ أنْ يَدْعُوَ لَهم ثُمَّ يَعُودُونَ لِما كانُوا فِيهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] كَما اقْتَضى أنَّ العَذابَ عائِدٌ إلَيْهِمْ بَعْدَ عَوْدَتِهِمْ إلى ما كانُوا فِيهِ مِن أسْبابِ إصابَتِهِمْ بِالعَذابِ.
فَمَعْنى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾: إنّا كاشِفُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ المُقْتَضِي أنَّهُ يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ، والآيَةُ
صفحة ٢٩٣
مُتَّصِلٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ وكَذَلِكَ مَعْنى إنَّكم عائِدُونَ، أيْ في المُسْتَقْبَلِ. واسْمُ الفاعِلِ يَكُونُ مُرادًا بِهِ الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ.
رُوِيَ أنَّهم كُشِفَ عَنْهُمُ القَحْطُ بَعْدَ اسْتِسْقاءِ النَّبِيءِ ﷺ، فَحَيَوْا وحَيِيَتْ أنْعامُهم ثُمَّ عادُوا فَعاوَدَهُمُ القَحْطُ كَمالَ سَبْعِ سِنِينَ، ولَعَلَّها عَقِبَها فَتْحُ مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم إذا سَمِعُوا إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا تَطَلَّعُوا إلى ما سَيَكُونُ بَعْدَ كَشْفِهِ، وتَطَلَّعَ المُؤْمِنُونَ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ حالُ المُشْرِكِينَ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ هَلْ يُقْلِعُونَ عَنِ الطَّعْنِ فَكانَ قَوْلُهُ إنَّكم عائِدُونَ مُبَيِّنًا لِما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ.
44:16Page 496
يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦
The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾
هَذا هو الِانْتِقامُ الَّذِي وُعِدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وتُوُعِّدَ بِهِ أيِمَّةُ الكُفْرِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَإنَّ السّامِعَ يُثارُ في نَفْسِهِ سُؤالٌ عَنْ جَزائِهِمْ حَيْثُ يَعُودُونَ إلى التَّوَلِّي والطَّعْنِ فَأُجِيبَ بِأنَّ الِانْتِقامَ مِنهم هو البَطْشَةُ الكُبْرى، وهي الِانْتِقامُ التّامُّ، ولِأجْلِ هَذا التَّطَلُّعِ والتَّساؤُلِ أُكِّدا بِخَبَرٍ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ دَفْعًا لِلتَّرَدُّدِ.
وأصْلُ تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ: إنّا مُنْتَقِمُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى، فَـ ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ لِاسْمِ الفاعِلِ وهو مُنْتَقِمُونَ.
وتَقَدَّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِتَهْوِيلِهِ ولا يَمْنَعُ مِن هَذا التَّعْلِيقِ أنَّ العامِلَ في الظَّرْفِ خَبَرٌ عَنْ (إنَّ) بِناءً عَلى الشّائِعِ مِن كَلامِ النُّحاةِ أنَّ ما بَعْدَ (إنَّ) لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَإنَّ الظُّرُوفَ ونَحْوَها يُتَوَسَّعُ فِيها.
والبَطْشَةُ الكُبْرى: هي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ فَإنَّ ما أصابَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ كانَ بَطْشَةً بِالشِّرْكِ وأهْلِهِ لِأنَّهم فَقَدُوا سادَتَهم وذَوِي الرَّأْيِ مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُسَيِّرُونَ أهْلَ مَكَّةَ كَما يُرِيدُونَ.
صفحة ٢٩٤
والبَطْشَةُ: واحِدَةُ البَطْشِ وهو: الأخْذُ الشَّدِيدُ بِعُنْفٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها في سُورَةِ الأعْرافِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences