Ibn 'AshurAd‑Dukhan · 44:17–29

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ad-Dukhan 44:17–29

44:17–21Page 496

۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧

And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],

أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨

[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩

And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.

وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠

And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1

وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١

But if you do not believe me, then leave me alone."

﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّيَ آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾

جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَلَّ بِهِمْ إنْذارًا بِما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَحْطِ والبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ ويُسْرِهِ وإنْ كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا فَذِكْرُها هُنا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ووَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الحالَةِ بِالحالَةِ فَهو قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ أبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، ويُشَبَّهَ أتْباعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أوْ يُشَبَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُشَبَّهُ المُسْلِمُونَ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَبُولُ المَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِن مَحاسِنِهِ.

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الحالِ فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ إنّا مُنْتَقِمُونَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ إنّا مُنْتَقِمُونَ، أيْ مُنْتَقِمُونَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ وانْتَقَمْنا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيما مَضى.

وأشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهم أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَما فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكانَ هَذا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا مُنْتَقِمُونَ فَفاتِنُوهم فَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ومُؤْذِنًا بِأنَّ المَذْكُورَ كالدَّلِيلِ عَلى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ وهو إيجازٌ آخَرُ.

صفحة ٢٩٥

والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ إلى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ اهْتِمامًا بِالقِصَّةِ وإظْهارًا بِأنَّها في ذاتِها مِمّا يَهِمُّ العِلْمُ بِهِ، وأنَّها تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وأنَّها غَيْرُ تابِعَةٍ غَيْرَها.

ولِأنَّ جُمْلَةَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ فَتَنّا أيْ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا إذِ المَذْكُورُ فِيهِ أكْثَرُ مِن مَعْنى الفِتْنَةِ، فَلا تَكُونُ جُمْلَةً وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”فَتَنّا“ بَلْ هي تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والفَتْنُ: الإيقاعُ في اخْتِلالِ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والرَّسُولُ الكَرِيمُ: مُوسى، والكِرِيمُ: النَّفِيسُ الفائِقُ في صِنْفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، أيْ رَسُولٌ مِن خِيرَةِ الرُّسُلِ أوْ مِن خِيرَةِ النّاسِ.

وأنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولٌ“ وفِعْلُ جاءَهم مِن مَعْنى الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ فَفِيهِما مَعْنى القَوْلِ.

ومَعْنى أدُّوا إلَيَّ أرْجِعُوا إلَيَّ وأعْطُوا قالَ تَعالى ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، يُقالُ: أدّى الشَّيْءَ أوْصَلَهُ وأبْلَغَهُ. وهَمْزَةُ الفِعْلِ أصْلِيَّةٌ وهو مُضاعَفُ العَيْنِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ سالِمٌ غَيْرُ مُضاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ كالأمانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.

وخِطابُ الجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمُرادُ: فِرْعَوْنُ ومَن حَضَرَ مِن مَلَئِهِ لَعَلَّهم يُشِيرُونَ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ، ولَعَلَّهُ إنَّما خاطَبَ مَجْمُوعَ المَلَأِ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ صَلَفًا وتَكَبُّرًا مِنَ الِامْتِثالِ، فَخاطَبَ أهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَبَصَّرُ الحَقَّ.

و”عِبادَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أدُّوا“ مُرادًا بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، أُجْرِيَ وصْفُهم عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبادِ عَنْهم، وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنَّهُ وصَفَهم بِالوَصْفَتَيْنِ، فَوَصْفُ

صفحة ٢٩٦

عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبانِ القِبْطِ إيّاهم عَبِيدًا كَما قالَ وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ وإنَّما هم عِبادُ اللَّهِ، أيْ أحْرارٌ فَعِبادُ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ الحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشارٍ يُخاطِبُ نَفْسَهُ:

أصْبَحْتَ مَوْلى ذِي الجَلالِ وبَعْضُهم مَوْلى العَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وافْخَرِ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ أدَّوْا إلَيَّ الطّاعَةَ ويَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى فِرْعَوْنُ أنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ، أيْ لِأنِّي مُرْسِلٌ إلَيْكم بِهَذا، وأنا أمِينٌ، أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى أنِّي رَسُولٌ لَكم.

وتَقْدِيمُ لَكم عَلى رَسُولٍ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الإرْسالِ بِأنَّهُ لَهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُعْطُوهُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ والتَّشْرِيعِ لَها، ولَيْسَ قَوْلُهُ لَكم خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ مُوسى قَدْ أبْلَغَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ رِسالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إلى فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ولِيَكُونَ امْتِناعُ فِرْعَوْنَ مِن تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلاخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طاعَةِ فِرْعَوْنَ وفِرارِهِمْ مِن بِلادِهِ.

وعَطَفَ عَلى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ عَنْ إجابَةِ أمْرِ اللَّهِ أنَفَةً مِنَ الحَطِّ مِن عَظَمَتِهِ في أنْظارِ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لا تَعْلُوا عَلى أمْرِهِ أوْ عَلى رَسُولِهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِلاءُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى واجِبِ امْتِثالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا في ذَلِكَ كَأنَّهم يَتَعالَوْنَ عَلى اللَّهِ.

و﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسالَةِ. و(لا) ناهِيَةٌ، وفِعْلُ ”تَعْلُوا“ مَجْزُومٌ بِـ (لا) النّاهِيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالعَوْدِ إلى الجُمَلِ الثَّلاثَةِ

صفحة ٢٩٧

المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مَضامِينِ تِلْكَ الجُمَلِ مَعْلُولِها وعِلَّتِها.

والسُّلْطانُ مِن أسْماءِ الحُجَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يونس: ٦٨] فالحُجَّةٌ تُلْجِئُ المَحْجُوجَ عَلى الإقْرارِ لِمَن يُحاجُّهُ فَهي كالمُتَسَلِّطِ عَلى نَفْسِهِ.

والمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ ولِذَلِكَ وصِفَ السُّلْطانُ بِـ ”مُبِينٍ“، أيْ واضِحِ الدَّلالَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. وهَذِهِ المُعْجِزَةُ هي انْقِلابُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا.

و”آتِيكم“ مُضارِعٌ أوِ اسْمُ فاعِلِ (أتى) . وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مُقْتَضٍ لِلْإتْيانِ بِالحُجَّةِ في الحالِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا شَمِلَهُ كَلامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ فَكانَ داخِلًا في مُجْمَلِ مَعْنى ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ المُفَسَّرِ بِما بَعْدَ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ.

ومَعْناهُ: تَحْذِيرُهم مِن أنْ يَرْجُمُوهُ لِأنَّ مَعْنى ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أيْ مَلْجَأً. والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ بِالِالتِجاءِ إلى حِصْنٍ أوْ مَعْقِلٍ بِجامِعِ السَّلامَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، وقالَ أحَدُ رُجّازِ العَرَبِ:

قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ

والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّي ورَبِّكم لِأنَّهُ أُدْخِلَ في ارْعِوائِهِمْ مِن رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ في مَرْبُوبِيَّتِهِ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ.

والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ تِباعًا حَتّى يَمُوتَ المَرْمِيُّ أوْ يُثْخِنَهُ الجِراحُ. والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيرُ المَقْتُولِ لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ بِالحِجارَةِ مَن يَطْرُدُونَهُ، قالَ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] .

صفحة ٢٩٨

وإنَّما اسْتَعاذَ مُوسى مِنهُ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عادَتَهم عِقابُ مَن يُخالِفُ دِينَهم بِالقَتْلِ رَمْيًا بِالحِجارَةِ. وجاءَ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] . ومَعْنى ذَلِكَ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جِئْتُ بِهِ فَلا تَقْتُلُونِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ .

والمَعْنى: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكم بِها فَلا تَرْجُمُونِي فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أنْ تَرْجُمُونِي ولَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوالِينَ لِي وأكُونُ مَعَ قَوْمِي بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَّقْدِيرُ: فاعْتَزِلُونِي وأعْتَزِلُكم لِأنَّ الِاعْتِزالَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مِن جانِبَيْنِ.

وجِيءَ في شَرْطِ ﴿إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي شَأْنُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المُتَيَقَّنِ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ دِلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ. ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، أوْ أرادَ: فاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إلى أنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الخُرُوجِ.

وعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللّامِ لِأنَّهُ يُقالُ: آمَنَ بِهِ وآمَنَ لَهُ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ الإيمانِ مَعْنى الرُّكُونِ.

وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ فَواصِلِ هَذا الخِطابِ عَلى مُراعاةِ ما يَبْدُو مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إذِ ابْتَدَأ بِإبْلاغِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنهُمُ التَّعَجُّبَ والتَّرَدُّدَ فَقالَ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ فَرَأى مِنهُمُ الصَّلَفَ والأنَفَةَ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَرْعَوْا فَقالَ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، فَلاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلاماتُ إضْمارِ السُّوءِ لَهُ فَقالَ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، فَكانَ هَذا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما أجابُوا بِهِ عَلى أبْدَعِ إيجازٍ.

44:22Page 497

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢

And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.

﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾

التَّعْقِيبُ المُفادُ بِالفاءِ تَعْقِيبٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِي هَذا الدُّعاءَ إذْ لَيْسَ في المَذْكُورِ قَبْلَ الفاءِ ما يُناسِبُهُ التَّعْقِيبُ بِهَذا الدُّعاءِ إذِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ كَلامٌ مِن مُوسى

صفحة ٢٩٩

إلَيْهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ فِيما أمَرَهم، أوْ فَأصَرُّوا عَلى أذاهُ وعَدَمِ مُتارَكَتِهِ فَدَعا رَبَّهُ، وهَذا التَّقْرِيرُ الثّانِي ألْيَقُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا﴾ [الزخرف: ٨٨] . وهَذا كالتَّعْقِيبِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى قِراءَتِهِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وشَدِّ النُّونِ فَما بَعْدَها في قُوَّةِ المَصْدَرِ، فَلِذَلِكَ تُقَدَّرُ الباءُ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ (دَعا)، أيْ دَعا رَبَّهُ بِما يَجْمَعُهُ هَذا التَّرْكِيبُ المُسْتَعْمَلُ في التَّعْرِيضِ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا تَسْلِيطَ العِقابِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الدّاعِي، فالإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ المُجازاةِ عَلى الإجْرامِ أوْ في الشِّكايَةِ مِنِ اعْتِدائِهِمْ، أوْ في التَّخَوُّفِ مِن شَرِّهِمْ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى عَدَمِ تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الدُّعاءَ لِكَفِّ شَرِّهِمْ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى هَذا الخَبَرِ فِعْلُ (دَعا) .

44:23Page 497

فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.

﴿فاسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] . والمُفَرَّعُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ، أيْ فَدَعا فَقُلْنا: أسْرِ بِعِبادِي.

وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (فاسْرِ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن (سَرى)، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِن (أسْرى) يُقالُ: سَرى وأسْرى. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فَتَقْيِيدُهُ بِزَمانِ اللَّيْلِ هَنا نَظِيرُ تَقْيِيدِهِ في سُورَةِ الإسْراءِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ مَعْنى الإسْراءِ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّبْكِيرِ بِناءً عَلى أنَّ المُتَعارَفَ في الرَّحِيلِ أنْ يَكُونَ فَجْرًا.

وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن سَعَةِ الوَقْتِ ما يَبْلُغُونَ بِهِ إلى شاطِئِ البَحْرِ الأحْمَرِ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تُقَيِّدُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ لَيْلًا لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَغْرَبُ، أيْ إنَّكم مُتَّبَعُونَ فَأرَدْنا أنْ تَقْطَعُوا مَسافَةً يَتَعَذَّرُ عَلى فِرْعَوْنَ لَحاقُكم.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ مَنزِلَةَ السّائِلِ إذا قُدِّمَ إلَيْهِ ما يُلَوِّحُ لَهُ

صفحة ٣٠٠

بِالخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرافَ المُتَرَدِّدِ السّائِلِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .

وأُسْنِدَ الِاتِّباعُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الَّذِي سَيَتْبَعُهم هو فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ.

44:24Page 497

وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤

And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."

﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ [الدخان: ٢٣] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ صَدَرَتا مُتَّصِلَتَيْنِ بِأنْ أعْلَمَ اللَّهُ مُوسى حِينَ أمْرَهُ بِالإسْراءِ بِأنَّهُ يَضْرِبُ البَحْرَ بِعَصاهُ فَيَنْفَلِقُ عَنْ قَعْرِهِ اليابِسِ حَتّى يَمُرَّ مِنهُ بَنُو إسْرائِيلَ كَما ورَدَ في آياتٍ أُخْرى مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ. ولَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ طَمَّنَهُ بِأنْ لا يَخْشى بَقاءَهُ مُنْفَلِقًا فَيَتَوَقَّعَ أنْ يَلْحَقَ بِهِ فِرْعَوْنُ بَلْ يَجْتازُ البَحْرَ ويَتْرُكُهُ فَإنَّهُ سَيَطْغى عَلى فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ فَيَغْرَقُونَ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا سَرَيْتَ بِعِبادِي فَسَنَفْتَحُ لَكُمُ البَحْرَ فَتَسْلُكُونَهُ فَإذا سَلَكْتَهُ فَلا تَخْشَ أنْ يَلْحَقَكم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ واتْرُكْهُ فَإنَّهم مُغْرَقُونَ فِيهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ صَدَرَتْ وقْتَ دُخُولِ مُوسى ومَن مَعَهُ في طَرائِقَ البَحْرِ فَيُقَدَّرُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ وقُلْنا لَهُ: اتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا، أيْ سَيَدْخُلُهُ فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ ولا يَخْرُجُونَ مِنهُ لِأنَّ في بَقائِهِ مَفْرُوقًا حِكْمَةً أُخْرى وهي دُخُولُ فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ في طَرائِقِهِ طَمَعًا مِنهم أنْ يَلْحَقُوا مُوسى وقَوْمَهُ، حَتّى إذا تَوَسَّطُوهُ انْضَمَّ عَلَيْهِمْ، فَتَحْصُلُ فائِدَةُ إنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفائِدَةُ إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً قَوْلًا مَحْذُوفًا عَلى القَوْلِ المَحْذُوفِ قَبْلَهُ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فالتَّرْكُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في عَدَمِ المُبالاةِ بِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: دَعْهُ يَفْعَلْ كَذا، وذَرْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقالَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِ يكَرِبَ:

ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمٌ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرِ المَطْعَمِ

والبَحْرُ هو بَحْرُ القُلْزُمِ المُسَمّى اليَوْمَ البَحْرُ الأحْمَرُ.

صفحة ٣٠١

والرَّهْوُ: الفَجْوَةُ الواسِعَةُ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ رَها، إذا فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَسُمِّيَتِ الفَجْوَةُ رَهْوًا تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، وانْتَصَبَ رَهْوًا عَلى الحالِ مِنَ البَحْرِ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مِثْلُ رَهْوٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الأمْرِ بِتَرْكِ البَحْرِ مَفْتُوحًا، وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] والجُنْدُ: القَوْمُ والأُمَّةُ وعَسْكَرُ المَلِكِ.

وإقْحامُ لِفَظِ (جُنْدٌ) دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى مُغْرَقُونَ لِإفادَةِ أنَّ إغْراقَهم قَدْ لَزِمَهم حَتّى صارَ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ عِنْدِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

44:25–27Page 497

كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥

How much they left behind of gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦

And crops and noble sites

وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧

And comfort wherein they were amused.

﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ [الدخان: ٢٨]

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِلْعِبْرَةِ بِعَواقِبِ الظّالِمِينَ المَغْرُورِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ، غُرُورًا أنْساهم مُراقَبَةَ اللَّهِ فِيما يُرْضِيهِ، فَمَوْقِعُ هَذا الِاسْتِئْنافِ مُوقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أوِ البَيانِ مِنَ الإجْمالِ لِما في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] مِنَ التَّنْظِيرِ الإجْمالِيِّ.

وضَمِيرُ تَرَكُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] .

والتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: إلْقاءُ شَيْءٍ في مَكانٍ مُتَنَقِّلٍ عَنْهُ إبْقاءً اخْتِيارِيًّا، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مُفارَقَةِ المَكانِ والشَّيْءِ الَّذِي في مَكانِ غَلَبَةٍ دُونَ اخْتِيارٍ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ يُقالُ: تَرَكَ المَيِّتُ مالًا، ومِنهُ سُمِّي مُخَلَّفُ المَيِّتِ تَرِكَةً وهو هُنا مِن هَذا القَبِيلِ.

وفِعْلُ ”تَرَكُوا“ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم أُغْرِقُوا وأُعْدِمُوا، وذَلِكَ مُقْتَضى أنَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مُوسى مِنَ الإسْراءِ بِبَنِي إسْرائِيلَ وما مَعَهُ مِنِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ إيّاهم وانْفِلاقِ البَحْرِ

صفحة ٣٠٢

وإزْلافِ بَنِي إسْرائِيلَ واقْتِحامِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ البَحْرَ، وانْضِمامِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفِ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ”كَمْ تَرَكُوا“ .

و(كَمْ) اسْمٌ لِعَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ نَوْعَهُ مُمَيَّزٌ بَعْدَ (كَمْ) مَجْرُورٌ بِـ (مِن) مَذْكُورَةٍ أوْ مَحْذُوفَةٍ.

وحُكْمُ (كَمْ) كالأسْماءِ تَكُونُ عَلى حَسَبِ العَوامِلِ. وإذْ كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ لِأنَّها في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ فَلا تَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ولا خَبَرَ (كانَ) ولا (إنَّ) وإذا كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْأفْعالِ وجَبَ تَقْدِيمُها عَلى عامِلِها.

وانْتَصَبَ (كَمْ) هُنا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”تَرَكُوا“ أيْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِن جَنّاتٍ. و(مِن) مُمَيِّزَةٌ لِمُبْهَمِ العَدَدِ في (كَمْ) .

والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ، والقِيامُ هُنا مَجازٌ في مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ المَكانِ.

والكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ أنْفَسُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ بِهِ: المَساكِنُ والدِّيارُ والأسْواقُ ونَحْوُها مِمّا كانَ لَهم في مَدِينَةِ (مَنفِسِينَ) .

والنَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ مَصُوغٌ عَلى وزْنَةِ المَرَّةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ المَرَّةَ بَلْ مُطْلَقُ المَصْدَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَجْمُوعَ أحْوالِ النَّعِيمِ صارَ كالشَّيْءِ الواحِدِ وهو أبْلَغُ وأجْمَعُ في تَصْوِيرِ مَعْنى المَصْدَرِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِفِعْلِ تَرَكُوا لِأنَّ المَتْرُوكَ هو أشْخاصُ الأُمُورِ الَّتِي يُنْعَمُ بِها ولَيْسَ المَتْرُوكُ وهو المَعْنى المَصْدَرِيُّ.

و”فاكِهِينَ“ مُتَّصِفِينَ بِالفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ وهي اللَّعِبُ والمَزْحُ، أيْ كانُوا مَغْمُورِينَ في النِّعْمَةِ لاعِبِينَ في تِلْكَ النِّعْمَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهِينَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”فَكِهِينَ“ بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.

وقَوْلُهُ كَذَلِكَ راجِعٌ لِفِعْلِ ”تَرَكُوا“ . والتَّقْدِيرُ: تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِ.

والإشارَةُ إلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ ومَعْنى الكافِ، وهَذا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ.

44:28Page 497

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

Thus. And We caused to inherit it another people.

صفحة ٣٠٣

﴿وأوْرَثْناَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ”تَرَكُوا“ أيْ تَرَكُوها وأوْرَثْناها غَيْرَهم، أيْ لِفِرْعَوْنَ الَّذِي ولِيَ بَعْدَ مَوْتِ (مَنفَطا) وسُمِّي (صَفْطا مَنفَطا) وهو أحَدُ أُمَراءِ فِرْعَوْنَ (مَنفَطا) تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَنفَطا المُسَمّاةَ (طُوسِيرَ) الَّتِي خَلَفَتْ أباها (مَنفَطا) عَلى عَرْشِ مِصْرَ، ولِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ نَسْلِ فِرْعَوْنَ وُصِفَ هو وجُنْدُهُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ قَوْمًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ألا تَرى أنَّهُ أُعِيدَ الِاسْمُ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ عَقِبِهِ ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الدخان: ٣٠]، ولَمْ يَقُلْ ولَقَدْ نَجَّيْناهم.

ووَقَعَ في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] والمُرادُ هُنالِكَ أنَّ أنْواعًا مِمّا أخْرَجْنا مِنهُ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يُقْصَدْ أنْواعُ تِلْكَ الأشْياءِ في خُصُوصِ أرْضِ فِرْعَوْنَ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ هُنالِكَ أنَّ القَوْمَيْنِ أُخْرِجا مِمّا كانا فِيهِ، فَسَلَبَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ ما كانَ لَهُ دُونَ إعادَةٍ لِأنَّهم هَلَكُوا، وأُعْطِي الفَرِيقُ الآخَرُ أمْثالَ ذَلِكَ في أرْضِ فَلَسْطِينَ، فَفي قَوْلِهِ ﴿وأوْرَثْناها﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وانْظُرْ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَراءِ.

44:29Page 497

فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩

And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.

﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ﴾ [الدخان: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم هَلَكُوا وانْقَرَضُوا، أيْ فَما كانَ مَهْلِكُهم إلّا كَمَهْلِكِ غَيْرِهِمْ ولَمْ يَكُنْ حَدَثًا عَظِيمًا كَما كانُوا يَحْسَبُونَ ويَحْسَبُ قَوْمُهم، وكانَ مِن كَلامِ العَرَبِ إذا هَلَكَ عَظِيمٌ أنْ يُهَوِّلُوا أمْرَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وتَزَلْزَلَتِ الجِبالُ، قالَ النّابِغَةُ في تَوَقُّعِ مَوْتِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ مِن مَرَضِهِ:

فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسٍ يَهْلِكُ رَبِيعُ النّاسِ والبَلَدُ الحَرامُ

وقالَ في رِثاءِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:

بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ مُوحَشٌ مُتَضائِلُ

صفحة ٣٠٤

والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّحْقِيرِ لَهم، وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وهو طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ وكَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِ الشُّعَراءِ المُحْدَثِينَ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبّانَةِ الأنْدَلُسِيُّ في رِثاءِ المُعْتَمِدِ بْنِ عَبّادٍ مَلِكِ إشْبِيلِيَّةَ:

تَبْكِي السَّماءُ بِمُزْنٍ رائِحٍ غادِ ∗∗∗ عَلى البَهالِيلِ مِن أبْناءِ عَبّادِ

والمَعْنى: فَما كانَ هَلاكُهم إلّا كَهَلاكِ غَيْرِهِمْ ولا أُنْظِرُوا بِتَأْخِيرِ هَلاكِهِمْ بَلْ عُجِّلَ لَهُمُ الِاسْتِئْصالُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском