Ibn 'AshurAd‑Dukhan · 44:43–59

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ad-Dukhan 44:43–59

44:43–50Page 498

إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣

Indeed, the tree of zaqqūm

طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ ٤٤

Is food for the sinful.

كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ٤٥

Like murky oil, it boils within bellies

كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٦

Like the boiling of scalding water.

خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧

[It will be commanded], "Seize him and drag him into the midst of the Hellfire,

ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨

Then pour over his head from the torment of scalding water."

ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩

[It will be said], "Taste! Indeed, you are the honored, the noble!1

إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ ٥٠

Indeed, this is what you used to dispute."

صفحة ٣١٤

”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.

ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .

وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.

والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.

صفحة ٣١٥

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.

والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.

والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.

وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.

والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.

يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ

وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.

والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.

وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.

وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.

وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.

والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ

صفحة ٣١٦

اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.

وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.

والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.

والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.

والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .

44:51–53Page 498

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ ٥١

Indeed, the righteous will be in a secure place:

فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٢

Within gardens and springs,

يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٥٣

Wearing [garments of] fine silk and brocade, facing each other.

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مُقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن وصْفِ عَذابِ الأثِيمِ إلى وصْفِ نَعِيمِ المُتَّقِينَ لِمُناسَبَةِ التَّضادِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ والعَكْسُ.

صفحة ٣١٧

والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ: مَكانُ الإقامَةِ. والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ ويَتَناوَلُ المَسْكَنَ وما يَتْبَعُهُ.

وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ.

والمُرادُ بِالمَقامِ المَكانُ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ الخُصُوصِ والعُمُومِ.

والأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ والمُرادُ: الآمِنُ ساكِنُهُ، فَوَصْفُهُ بِـ ”أمِينٍ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَما قالَ تَعالى ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] . والأمْنُ أكْبَرُ شُرُوطِ حُسْنِ المَكانِ لِأنَّ السّاكِنَ أوَّلُ ما يَتَطَلَّبُ الأمْنَ وهو السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ والمَخاوِفِ فَإذا كانَ آمِنًا في مَنزِلِهِ كانَ مُطْمَئِنَّ البالِ شاعِرًا بِالنَّعِيمِ الَّذِي يَنالُهُ. وأبَدَلَ مِنهُ بِأنَّهم ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وذَلِكَ مِن وسائِلِ النُّزْهَةِ والطِّيبِ. وأُعِيدَ حَرْفُ (في) مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ.

والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذا نَعِيمُ مَكانِهِمْ. ووَصَفَ نَعِيمَ أجْسادِهِمْ بِذِكْرِ لِباسِهِمْ وهو لِباسُ التَّرَفِ والنَّعِيمِ وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوَفُّرِ أسْبابِ نَعِيمِ الأجْسادِ لِأنَّهُ لا يَلْبَسُ هَذا اللِّباسَ إلّا مَنِ اسْتَكْمَلَ ما قَبْلَهُ مِن مُلائِماتِ الجَسَدِ باطِنَهُ وظاهِرَهُ.

والسُّنْدُسُ: الدِّيباجُ الرَّقِيقُ النَّفِيسُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ وقِيلَ عَرَبِيٌّ. أصْلُهُ: سِنْدِيٌّ، مَنسُوبٌ إلى السِّنْدِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. والسُّنْدُسُ يُلْبَسُ مِمّا يَلِي الجَسَدَ.

والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ القَوِيُّ يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيابِ وهو مُعَرَّبُ ”اسْتَبَرَهْ“ فارِسِيَّةٌ، وهو الغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ الدِّيباجِ، ثُمَّ عُرِّبَ.

وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

و(مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، والمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ يَلْبَسُونَ. والتَّقْدِيرُ: ثِيابًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ.

صفحة ٣١٨

ثُمَّ وصَفَ نَعِيمَ نُفُوسِهِمْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مَجالِسِهِمْ ومُحادَثاتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُتَقابِلِينَ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مَعَ الأصْحابِ والأحِبَّةِ نَعِيمٌ لِلنَّفْسِ فَأغْنى قَوْلُهُ مُتَقابِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اجْتِماعِهِمْ وتَحابِّهِمْ وحَدِيثِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وأنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم أجْمَعِينَ بِأنَّ ذِكْرَ ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو صِيغَةُ مُتَقابِلِينَ ومادَّتُهُ عَلى وجْهِ الإيجازِ البَدِيعِ.

44:54–55Page 498

كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤

Thus. And We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.

يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥

They will call therein for every [kind of] fruit - safe and secure.

﴿كَذَلِكَ﴾

اعْتِراضٌ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ.

* * *

﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]

مَعْنى ”زَوَّجْناهم“ جَعَلْناهم أزْواجًا جَمْعَ زَوْجٍ ضِدِّ الفَرْدِ، أيْ جَعَلْنا كُلَّ فَرْدٍ مِنَ المُتَّقِينَ زَوْجًا بِسَبَبِ نِساءٍ حُورِ العُيُونِ.

والزَّوْجُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ القَرِينِ، أيْ قَرَنّا بِكُلِّ واحِدٍ نِساءً حُورًا عِينًا، ولَيْسَ فِعْلُ ”زَوَّجْناهم“ هُنا مُشْتَقًّا مِنَ الزَّوْجِ الشّائِعِ إطْلاقُهُ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ وعَلى رَجُلِ المَرْأةِ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ يُقالُ: زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وتَزَوَّجَ بِنْتَ فُلانٍ، قالَ تَعالى ”﴿زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]“، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ هُنا إذْ لا طائِلَ تَحْتَهُ، إذْ لَيْسَ في الجَنَّةِ عُقُودُ نِكاحٍ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم مَأْنُوسُونَ بِصُحْبَةِ حَبائِبَ مِنَ النِّساءِ كَما أنِسُوا بِصُحْبَةِ الأصْحابِ والأحِبَّةِ مِنَ الرِّجالِ اسْتِكْمالًا لِمُتَعارَفِ الأُنْسِ بَيْنَ النّاسِ. وُفي كِلا الأُنْسَيْنِ نَعِيمٌ نَفْسانِيٌّ مُنْجَرٌّ لِلنَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ الجُثْمانِيِّ، وهَذا مَعْنًى سامٍ مِن مَعانِي الِانْبِساطِ الرُّوحِيِّ وإنَّما أفْسَدَ بَعْضَهُ في الدُّنْيا ما يُخالِطُ بَعْضَهُ مِن أحْوالٍ تَجُرُّ إلى فَسادٍ مَنهِيٍّ عَنْهُ مِثْلَ ارْتِكابِ المُحَرَّمِ شَرْعًا ومِثْلَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ قَسْرًا،

صفحة ٣١٩

ومِن مُصْطَلَحاتِ مُتَكَلَّفَةٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهَ سُكُونًا فَقالَ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .

والحُورُ: جَمْعُ الحَوْراءِ، وهي البَيْضاءُ، أيْ بِنِساءٍ بَضِيضاتِ الجِلْدِ.

والعَيْنُ: جَمْعُ العَيْناءِ، وهي واسِعَةُ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وشَمِلَ الحُورُ العِينِ النِّساءَ اللّاءِ كُنَّ أزْواجَهم في الدُّنْيا، ونِساءً يَخْلُقُهُنَّ اللَّهُ لِأجْلِ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] وقالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] .

ومَعْنى ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أيْ هم يَأْمُرُونَ بِأنْ تَحَضُرَ لَهُمُ الفاكِهَةُ، أيْ فَيُجابُونَ.

والدُّعاءُ نَوْعٌ مِنَ الأمْرِ أيْ يَأْذَنُونَ بِكُلِّ فاكِهَةٍ، أيْ بِإحْضارِ كُلِّ فاكِهَةٍ.

و”كُلِّ“ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ الشَّدِيدَةِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الإحاطَةِ، أيْ بِكُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ الفاكِهَةِ.

والفاكِهَةُ: ما يُتَفَكَّهُ بِهِ، أيْ يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِنَ الثِّمارِ ونَحْوِها.

وجُمْلَةُ يَدْعُونَ حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ، و”آمِنِينَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْعُونَ. والمُرادُ هُنا أمْنٌ خاصٌّ غَيْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فِي مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] وهو الأمْنُ مِنَ الغَوائِلِ والآلامِ مِن تِلْكَ الفَواكِهِ عَلى خِلافِ حالِ الإكْثارِ مِنَ الطَّعامِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ في خَمْرِ الجَنَّةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أوْ آمَنِينَ مِن نَفادِ ذَلِكَ وانْقِطاعِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] حالٌ أُخْرى. وهَذِهِ بِشارَةٌ بِخُلُودِ النِّعْمَةِ لِأنَّ المَوْتَ يَقْطَعُ ما كانَ في الحَياةِ مِنَ النَّعِيمِ لِأصْحابِ النَّعِيمِ كَما كانَ الإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لا يَمُوتُونَ نِذارَةً بِدَوامِ العَذابِ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ انْتِفاءِ ذَوْقِ المَوْتِ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَذُوقُونَ المَوْتَ ألْبَتَّةَ وقَرِينَةُ ذَلِكَ وصْفُها بِ ”الأُولى“ . والمُرادُ بِـ ”الأُولى“ السّالِفَةُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] .

44:56–57Page 498

لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٥٦

They will not taste death therein except the first death, and He will have protected them from the punishment of Hellfire

فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٥٧

As bounty from your Lord. That is what is the great attainment.

صفحة ٣٢٠

﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

عُطِفَ عَلى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] . وهَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ السَّلامَةِ مِمّا ارْتَبَكَ فِيهِ غَيْرُهم. وذَلِكَ مِمّا يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما ورَدَ أنَّ مِن آدابِ مَن يَرى غَيْرَهُ في شِدَّةٍ أوْ بَأْسٍ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمّا هو فِيهِ.

وضَمِيرُ وقاهم عائِدٌ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وزَوَّجْناهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

و”فَضْلًا“ حالٌ مِنَ المَذْكُوراتِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .

وذِكْرُ الرَّبِّ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَضْلًا مِنهُ أوْ مِنّا. ونُكْتَةُ هَذا الإظْهارِ تَشْرِيفُ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ والإيماءُ إلى أنَّ ذَلِكَ إكْرامٌ لَهُ لِإيمانِهِمْ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ، والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِتَعْظِيمِ الفَضْلِ بِبُعْدِ المَرْتَبَةِ.

وأُتِيَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَخْصِيصِ الفَوْزِ بِالفَضْلِ المُشارِ إلَيْهِ وهو قَصْرٌ لِإفادَةِ مَعْنى الكَمالِ كَأنَّهُ لا فَوْزَ غَيْرُهُ.

44:58–59Page 498

فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥٨

And indeed, We have eased it [i.e., the Qur’ān] in your tongue that they might be reminded.

فَٱرۡتَقِبۡ إِنَّهُم مُّرۡتَقِبُونَ ٥٩

So watch, [O Muḥammad]; indeed, they are watching [for your end].

﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما بَعْدَها مُتَفَرِّعٌ عَمّا قَبْلَها حَيْثُ كانَ المَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ فَذْلَكَةً لِلسُّورَةِ، أيْ إجْمالٌ لِأغْراضِها بَعْدَ تَفْصِيلِها فِيما مَضى إحْضارًا لِتِلْكَ الأغْراضِ وضَبْطًا لِتَرَتُّبِ عِلَّتِها.

وضَمِيرُ يَسَّرْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ

صفحة ٣٢١

﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] إلَخْ، والَّذِي كانَ جُلُّ غَرَضِ السُّورَةِ في إثْباتِ إنْزالِهِ مِنَ اللَّهِ كَما أشارَ إلَيْهِ افْتِتاحُها بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢]، فَهَذا التَّفْرِيعُ مُرْتَبِطٌ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ وهو مَن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. فَهَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعٌ لِمَعْنى الحَصْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إنْزالِ القُرْآنِ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ما تَقَدَّمَ في السُّورَةِ وما تَخَلَّلَهُ وتَبِعَهُ مِنَ المَواعِظِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُفَرَّعُ قَوْلَهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ . وقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو تَوْطِئَةٌ لَهُ اهْتِمامًا بِالمُقَدَّمِ وتَقْدِيرِ النَّظْمِ فَلَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ بِهَذا لِما يَسَّرْناهُ لَهم بِلِسانِهِمْ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ قَلْبٍ وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قَدْ سَهُلَ لَهم طَرِيقُ فَهْمِهِ بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ فَقابَلُوهُ بِالشَّكِّ والهُزْءِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] أيْ إنّا جَعَلْنا فَهْمَهُ يَسِيرًا - بِسَبَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى وهي لُغَتُهم - إلّا لِيَتَذَكَّرُوا فَلَمْ يَتَذَكَّرُوا.

فَمَفْعُولُ يَسَّرْناهُ مُضافٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: فَهْمَهُ.

والباءُ في بِلِسانِكَ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ لُغَتِكَ، أيِ العَرَبِيَّةِ وفي إضافَةِ اللِّسانِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ عِنايَةٌ بِجانِبِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وإلّا فاللِّسانُ لِسانُ العَرَبِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] .

وإطْلاقُ اللِّسانِ وهو اسْمُ الجارِحَةِ المَعْرُوفَةِ في الفَمِ عَلى اللُّغَةِ مَجازٌ شائِعٌ لِأنَّ أهَمَّ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللِّسانُ الكَلامُ قالَ تَعالى ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .

وأفْصَحَ قَوْلُهُ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ عَنِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ. والتَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْهم بِهِ ولا تَسْأمْ لِعِنادِهِمْ فِيهِ ودُمْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ التَّذَكُّرُ، فالتَّيْسِيرُ هُنا تَسْهِيلُ الفَهْمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٩٧] إلَخْ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

و(لَعَلَّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ”﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢]“ .

صفحة ٣٢٢

وفِي هَذا الكَلامِ المُوجَزِ إخْبارٌ بِتَيْسِيرِ القُرْآنِ لِلْفَهْمِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّذَكُّرُ، قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وبِأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ كَوْنُهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وكَوْنُهُ عَلى لِسانِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ تَسَبُّبُهُ في حُصُولِ تَذَكُّرِهِمْ تَسَبُّبًا قَرِيبًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا في شَكٍّ يَلْعَبُونَ.

وبِاعْتِبارِ هَذِهِ المَعانِي المُتَوافِرَةِ حَسُنَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْيِيدُ النَّبِيءِ ﷺ وتَهْدِيدُ مُعانِدِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ فارْتَقَبِ النَّصْرَ الَّذِي سَألْتَهُ بِأنْ تُعانَ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ فَإنَّهم مُرْتَقِبُونَ ذَلِكَ وأشَدَّ مِنهُ وهو البَطْشَةُ الكُبْرى.

وإطْلاقُ الِارْتِقابِ عَلى حالِ المُعانِدِينَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لاقُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ وقَدْ حَسَّنَها اعْتِبارُ المُشاكَلَةِ بَيْنَ ”ارْتَقِبْ“ و”مُرْتَقِبُونَ“ .

وجُمْلَةُ ”إنَّهم مُرْتَقِبُونَ“ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِ ”فارْتَقِبْ“ أيِ ارْتَقِبِ النَّصْرَ بِأنَّهم لاقَوُا العَذابَ بِالقَحْطِ وقَدْ أغْنَتْ (إنَّ) التَّسَبُّبَ والتَّعْلِيلَ.

وفِي هَذِهِ الخاتِمَةِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ؛ إذْ كانَ صَدْرُ السُّورَةِ فِيهِ ذِكْرُ إنْزالِ الكِتابِ المُبِينِ وأنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكانَ في صَدْرِها الإنْذارُ بِارْتِقابِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ وذِكْرِ البَطْشَةِ الكُبْرى.

فَكانَتْ خاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ خاتِمَةٌ عَزِيزَةُ المَنالِ اشْتَمَلَتْ عَلى حُسْنِ بَراعَةِ المَقْطَعِ وبَدِيعِ الإيجازِ.

* * *

صفحة ٣٢٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الجاثِيَةِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِتُونِسَ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ ”سُورَةَ الجاثِيَةِ“ مُعَرَّفًا بِاللّامِ.

وتُسَمّى حم الجاثِيَةِ لِوُقُوعِ لَفْظِ (جاثِيَةٍ) فِيها ولَمْ يَقَعْ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، واقْتِرانُ لَفَظِ (الجاثِيَةِ) بِلامِ التَّعْرِيفِ في اسْمِ السُّورَةِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ المَذْكُورَ فِيها خَلِيٌّ عَنْ لامِ التَّعْرِيفِ لِقَصْدِ تَحْسِينِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: سُورَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، أيِ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها هَذِهِ الكَلِمَةُ، ولَيْسَ لِهَذا التَّعْرِيفِ فائِدَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. وذَلِكَ تَسْمِيَةُ حم غافِرٍ، وحم الزُّخْرُفِ.

وتُسَمّى ”سُورَةُ شَرِيعَةٍ“ لِوُقُوعِ لَفْظ ”شَرِيعَةٍ“ فِيها ولَمْ يَقَعْ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ.

وتُسَمّى ”سُورَةَ الدَّهْرِ“ لِوُقُوعِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فِيها ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ الدَّهْرِ في ذَواتِ حم الأُخَرِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ، وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] إلى ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ فَأرادَ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ.

وهِيَ السُّورَةُ الرّابِعَةُ والسِّتُّونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الدُّخانِ وقَبْلَ الأحْقافِ.

صفحة ٣٢٤

وعَدَدُ آيِها في عَدِّ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ سِتٌّ وثَلاثُونَ. وفي عَدِّ الكُوفَةِ سَبْعٌ وثَلاثُونَ لِاخْتِلافِهِمْ في عَدِّ لَفْظِ حم آيَةً مُسْتَقِلَّةً.

* * *

أغْراضُها

الِابْتِداءُ بِالتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ تَوْطِئَةً لِما سَيُذْكَرُ بِأنَّهُ حَقٌّ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦] .

وإثْباتُ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن آثارِ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ في جَواهِرِ المَوْجُوداتِ وأعْراضِها وإدْماجِ ما فِيها مَعَ ذَلِكَ مِن نِعَمٍ يَحِقُّ عَلى النّاسِ شُكْرُها لا كُفْرُها.

ووَعِيدُ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ والتَزَمُوا الآثامَ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في آياتِ القُرْآنِ والِاسْتِهْزاءِ بِها.

والتَّنْدِيدُ عَلى المُشْرِكِينَ إذِ اتَّخَذُوا آلِهَةً عَلى حَسَبِ أهْوائِهِمْ وإذْ جَحَدُوا البَعْثَ، وتَهْدِيدُهِمْ بِالخُسْرانِ يَوْمَ البَعْثِ، ووَصْفُ أهْوالِ ذَلِكَ، وما أُعِدَّ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِلْمُشْرِكِينَ ومِن رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ.

ودُعاءُ المُسْلِمِينَ لِلْإعْراضِ عَنْ إساءَةِ الكُفّارِ لَهم والوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ سَيُخْزِي المُشْرِكِينَ.

ووَصْفُ بَعْضِ أحْوالِ يَوْمِ الجَزاءِ. ونَظَرُ الَّذِينَ أهْمَلُوا النَّظَرَ في آياتِ اللَّهِ مَعَ تِبْيانِها وخالَفُوا عَلى رَسُولِهِمْ ﷺ فِيما فِيهِ صَلاحُهم بِحالِ بَنِي إسْرائِيلَ في اخْتِلافِهِمْ في كِتابِهِمْ بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ العِلْمُ وبَعْدَ أنِ اتَّبَعُوهُ، فَما ظَنُّكَ بِمَن خالَفَ آياتِ اللَّهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن تَسْلِيطِ الأُمَمِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ.

وذَلِكَ تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ شَأْنَ شَرْعِهِ مَعَ قَوْمِهِ كَشَأْنِ شَرِيعَةِ مُوسى لا تَسْلَمُ مِن مُخالِفٍ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِيها ولا في الَّذِي جاءَ بِها، وأنْ لا يَعْبَأ بِالمُعانِدِينَ ولا بِكَثْرَتِهِمْ إذْ لا وزْنَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском