Ibn 'AshurAl‑Ahqaf · 46:17–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:17–22

46:17Page 504

وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧

But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -

﴿يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِيَ أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

هَذا الفَرِيقُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ المَبْدُوءَةِ بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ [الأحقاف: ١٥] . وهَذا الفَرِيقُ الَّذِي كَفَرَ بِرَبِّهِ وأساءَ إلى والِدَيْهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ والِدَيْهِ كانا مُؤْمِنَيْنِ مِن قَوْلِهِ (﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾) الآيَةَ.

فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ [الأحقاف: ٧] إلَخْ انْتِقالٌ إلى مَقالَةٍ أُخْرى مِن أُصُولُ شِرْكِهِمْ وهي مَقالَةُ إنْكارِ البَعْثِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ فالوَجْهُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرِ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ، لِأنَّ هَذا الوَجْهَ يُلائِمُ كُلَّ الوُجُوهِ.

ويَجُوزُ جَعْلُهُ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ﴾ [الأحقاف: ١٨] خَبَرًا عَنْهُ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ الِاثْنَيْنِ في مَرْجِعِ اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] .

و”الَّذِي“ هُنا اسْمٌ صادِقٌ عَلى الفَرِيقِ المُتَّصِفِ بِصِلَتِهِ. وهَذا وصْفٌ لِفِئَةٍ مِن

صفحة ٣٧

أبْناءٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أسْلَمَ آباؤُهم ودَعَوْهم إلى الإسْلامِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وأغْلَظُوا لَهُمُ القَوْلَ فَضُمُّوا إلى الكُفْرِ بِشَنِيعِ عُقُوقِ الوالِدَيْنِ وهو قَبِيحٌ لِمُنافاتِهِ الفِطْرَةَ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها لِأنَّ حالَ الوالِدَيْنِ مَعَ أبْنائِهِما يَقْتَضِي مُعامَلَتَهُما بِالحُسْنى، ويَدُلُّ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ قَوْلِهِ في آخِرِها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] إلى آخِرِهِ.

والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أنَّ الآيَةَ لا تَعْنِي شَخْصًا مُعَيَّنًا وأنَّ المُرادَ مِنها فَرِيقٌ أسْلَمَ آباؤُهم ولَمْ يُسْلِمُوا حِينَئِذٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها نَزَلَتْ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ واسْمُهُ عَبْدُ الكَعْبَةِ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيءُ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قالُوا: كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ مُشْرِكًا وكانَ يَدْعُوهُ أبُوهُ أبُو بَكْرٍ وأُمُّهُ أُمُّ رُومانَ إلى الإسْلامِ ويُذَكِّرانِهِ بِالبَعْثِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِما بِكَلامٍ مِثْلِ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. ويَقُولُ: فَأيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ، وأيْنَ عُثْمانُ بْنُ عَمْرٍو، وأيْنَ عامِرُ بْنُ كَعْبٍ، ومَشايِخُ قُرَيْشٍ حَتّى أسْألَهم عَمّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ. لَكِنْ لَيْسَتِ الآيَةُ خاصَّةً بِهِ حَتّى تَكُونَ نازِلَةً فِيهِ، وبِهَذا يُؤَوَّلُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لِما قالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ هو الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ . وذَلِكَ في قِصَّةِ إشارَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلى مَرْوانَ أخْذَهُ البَيْعَةَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ بِالعَهْدِ لَهُ بِالخِلافَةِ.

فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ أنَّهُ قالَ كانَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ عَلى الحِجازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعاوِيَةُ فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ لِكَيْ يُبايَعَ لَهُ بَعْدَ أبِيهِ أيْ بِوِلايَةِ العَهْدِ فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ أهِرَقْلِيَّةً أيْ (أجَعَلْتُمُوها وِراثَةً مِثْلَ سَلْطَنَةِ هِرَقْلَ) فَقالَ: خُذُوهُ فَدَخَلَ بَيْتَ عائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾)، فَقالَتْ عائِشَةُ مِن وراءِ الحِجابِ: ما أنْزَلَ اللَّهُ فِينا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عُذْرِي أيْ بَراءَتِي. وكَيْفَ يَكُونُ المُرادُ بِـ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وآخِرُ الآيَةِ يَقُولُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] إلى ”خاسِرِينَ“ فَذَكَرَ اسْمَ الإشارَةِ لِلْجَمْعِ، وقَضى عَلى المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِالخُسْرانِ، ولَمْ أقِفْ عَلى مَن كانَ مُشْرِكًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ. وأيًّا ما

صفحة ٣٨

كانَ فَقَدْ أسْلَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَبْلَ الفَتْحِ فَلَمّا أسْلَمَ جَبَّ إسْلامُهُ ما قَبْلَهُ وخَرَجَ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] الآيَةَ، لِأنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ؛ وكُلُّ وعِيدٍ فَإنَّما هو مُقَيَّدٌ تَحَقُّقُهُ بِأنْ يَمُوتَ المُتَوَعَّدُ بِهِ غَيْرَ مُؤْمِنٍ وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وتُلَقَّبُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ بِمَسْألَةِ المُوافاةِ، عَلى أنَّهُ قِيلَ إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ”أُولَئِكَ“ عائِدَةٌ إلى ”الأوَّلِينَ“ مِن قَوْلِهِ ﴿ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ كَما سَيَأْتِي.

وأُفٍّ: اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى: أتَضَجَّرُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الإسْراءِ وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ أقَلِّ الأذى، فَيَكُونُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ والِدَيْهِمْ بِأكْثَرَ مِن هَذا أوْغَلَ في العُقُوقِ الشَّنِيعِ وأحْرى بِالحُكْمِ، بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ عَلى ما تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أُفٍّ بِكَسْرِ الفاءِ مُنَوَّنًا. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (أُفَّ) بِفَتْحِ الفاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ أُفِّ بِكَسْرِ الفاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وهي لُغاتٌ ثَلاثٌ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ مُحَسِّنَ الِاتِّزانِ فَإنَّهُ بِوَزْنِ مِصْراعٍ مِنَ الرَّمَلِ عَرُوضُهُ مَحْذُوفَةٌ، وضَرْبُهُ مَحْذُوفٌ، وفِيهِ الخَبْنُ والقَبْضُ، ويُزادُ فِيهِ الكَفُّ عَلى قِراءَةِ غَيْرِ نافِعٍ وحَفْصٍ.

والِاسْتِفْهامُ في (﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾) إنْكارٌ وتَعَجَّبٌ. والإخْراجُ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ.

وجُعِلَتْ جُمْلَةُ الحالِ وهي ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ قَيْدًا لِمُنْتَهى الإنْكارِ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ في حالِ مُضِيِّ القُرُونِ.

والقُرُونُ: جَمْعُ قَرْنٍ وهو الأُمَّةُ الَّتِي تَقارَبَ زَمانُ حَياتِها، وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» الحَدِيثَ، وقالَ - تَعالى - ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨] .

والمَعْنى: أنَّهُ أحالَ أنْ يُخْرَجَ هو مِنَ الأرْضِ بَعْدَ المَوْتِ، وقَدْ مَضَتْ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ وطالَ عَلَيْها الزَّمَنُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ. وهَذا مِن سُوءِ فَهْمِهِ في مَعْنى البَعْثِ أوْ

صفحة ٣٩

مِنَ المُغالَطَةِ في الِاحْتِجاجِ لِأنَّ وعْدَ البَعْثِ لَمْ يُوَقَّتْ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ ولا أنَّهُ يَقَعُ في هَذا العالَمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أتَعِدانِنِي“ بِنُونَيْنِ مُفَكَّكَيْنِ وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِإدْغامِ النُّونَيْنِ.

ومَعْنى ﴿يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يَطْلُبانِ الغَوْثَ مِنَ اللَّهِ، أيْ يَطْلُبانِ مِنَ اللَّهِ الغَوْثَ بِأنْ يَهْدِيَهُ، فالمَعْنى: يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ لَهُ.

ولَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ بَيانًا لِمَعْنى اسْتِغاثَتِهِما ولَكِنَّها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الجُمْلَةِ.

وكَلِمَةُ ﴿ويْلَكَ﴾ كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ.

والوَيْلُ: الشَّرُّ. وأصْلُ ويْلَكَ: ويْلٌ لَكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وأرادُوا اخْتِصارَهُ حَذَفُوا اللّامَ ووَصَلُوا كافَ الخِطابِ بِكَلِمَةِ ويْلٍ ونَصَبُوهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ.

وفِعْلُ ”آمِن“ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيِ اتَّصَفْ بِالإيمانِ وهو دَعْوَةُ الإسْلامِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإيمانِ وتَعْرِيضٌ لَهُ بِالتَّهْدِيدِ مِن أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ وعْدُ اللَّهِ.

والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ وغَلَبَ إطْلاقُها عَلى القِصَّةِ الباطِلَةِ أوِ المَكْذُوبَةِ كَما يُقالُ: خُرافَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ وفي قَوْلِهِ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] في سُورَةِ الفُرْقانِ.

‌‌

46:18Page 504

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨

Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُشِيرًا إلى الَّذِي قالَ لَدَيْهِ هَذِهِ المَقالَةَ لِما عَلِمْتَ أنَّ المُرادَ بِهِ فَرِيقٌ، فَجاءَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِاسْمِ إشارَةِ الجَماعَةِ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ.

صفحة ٤٠

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أُولَئِكَ“ إشارَةً إلى ”الأوَّلِينَ“ مِن قَوْلِهِ ﴿فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]، وهُمُ الَّذِينَ رُوِيَ أنَّ ابْنَ أبِيِ بَكْرٍ ذَكَرَهم حِينَ قالَ: فَأيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ، وأيْنَ عُثْمانُ بْنُ عَمْرٍو، ومَشائِخُ قُرَيْشٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. واسْتِحْضارُ هَذا الفَرِيقِ بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ حالِهِمُ العَجِيبَةِ.

وتَعْرِيفُ القَوْلِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهو قَوْلٌ مَعْهُودٌ عِنْدَ المُسْلِمِينَ لِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالقَوْلِ في نَحْوِ آيَةِ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، ونَحْوِ قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩]، فَإنَّ الكَلِمَةَ قَوْلٌ، ونَحْوِ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] الآيَةَ.

وإطْلاقُهُ في هَذِهِ الآيَةِ رَشِيقٌ لِصُلُوحِيَّةِ. . . .

وإقْحامُ ﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّهم خاسِرُونَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ خُسْرانَهم مُحَقَّقٌ فَكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِجَعْلِهِمْ كائِنِينَ فِيهِ.

وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ ما حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ التَّمَتُّعِ بِالطَّيِّباتِ فَوْزًا لَيْسَ بَعْدَهُ نَكَدٌ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَشُبِّهَتْ حالَةُ ظَنِّهِمْ هَذا بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي قَلَّ رِبْحُهُ مِن تِجارَتِهِ فَكانَ أمْرُهُ خُسْرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في البَقَرَةِ.

وإيرادُ فِعْلِ الكَوْنِ بِقَوْلِهِ ﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى خاسِرِينَ لِأنَّ (كانَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ الخَسارَةَ مُتَمَكِّنَةٌ مِنهم.

46:19Page 504

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩

And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.

﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِنُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] إلَخْ.

وتَنْوِينُ ”كُلٍّ“ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَمّا تُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ وهو مُقَدَّرٌ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، أيْ ولِكُلِّ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِ البارِّ بِوالِدَيْهِ والكافِرِ الجامِعِ بَيْنَ الكُفْرِ والعُقُوقِ

صفحة ٤١

دَرَجاتٌ، أيْ مَراتِبُ مِنَ التَّفاوُتِ في الخَبَرِ بِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ جَزاءِ الخَيْرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ودَرَكاتٌ في الشَّرِّ لِأهْلِ الكُفْرِ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ المَراتِبِ بِالدَّرَجاتِ تَغْلِيبٌ لِأنَّ الدَّرَجَةَ مَرْتَبَةٌ في العُلُوِّ وهو عُلُوٌّ اعْتِبارِيٌّ إنَّما يُناسِبُ مَراتِبَ الخَيْرِ وأمّا المَرْتَبَةُ السُّفْلى فَهي الدَّرَكَةُ قالَ - تَعالى - ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] .

ووَجْهُ التَّغْلِيظِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ أهْلِ الخَيْرِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِمّا عَمِلُوا تَبْعِيضِيَّةٌ. والمُرادُ بِـ (ما عَمِلُوا) جَزاءُ ما عَمِلُوا فَيُقَدَّرُ مُضافٌ. والدَّرَجاتُ: مَراتِبُ الأعْمالِ في الخَيْرِ وضِدُّهُ الَّتِي يَكُونُ الجَزاءُ عَلى وفْقِها.

ويَجُوزُ كَوْنُ (مِن) ابْتِدائِيَّةً، وما عَمِلُوا نَفْسَ العَمَلِ فَلا يُقَدَّرُ مُضافٌ والدَّرَجاتُ هي مَراتِبُ الجَزاءِ الَّتِي تَكُونُ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ومَقادِيرُ ذَلِكَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ وهي تَتَفاوَتُ بِالكَثْرَةِ وبِالسَّبْقِ وبِالخُصُوصِ، فالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما وأنْكَرَ البَعْثَ ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ هو دُونَ دَرَجَةِ الَّذِي بادَرَ بِالإسْلامِ وبِرِّ والِدَيْهِ وما يَعْقُبُ إسْلامَهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ. وكُلُّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الدَّرَجاتِ.

وأشارَ إلى أنَّ جَزاءَ تِلْكَ الدَّرَجاتِ كُلِّها بِقَدْرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ”ولِنُوَفِّيَهم أعْمالَهم“ هو عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: قَدَّرْنا جَزاءَهم عَلى مَقادِيرِ دَرَجاتِهِمْ لِنُوَفِّيَهم جَزاءَ أعْمالِهِمْ، أيْ نُجازِيهِمْ تامًّا وافِيًا لا غَبْنَ فِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ولِنُوَفِّيَهم بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ مُرادًا بِهِ العَوْدُ إلى اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ احْتِراسٌ مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَوْفِيَةِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وهو الفَرِيقُ المُسْتَحِقُّ لِلْعُقُوبَةِ لِئَلّا يُحْسَبَ أنَّ التَّوْفِيَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ أشَدَّ مِمّا تَقْتَضِيهِ أعْمالُهم.

46:20Page 504

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."

صفحة ٤٢

﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تَجْزُونَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ انْتِقالٌ إلى وعِيدِ الكافِرِينَ عَلى الكُفْرِ بِحَذافِرِهِ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ المُتَعَلِّقِ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ عُقُوقِهِمُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما الآياتِ.

والكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم، ومُناسِبَةُ ذِكْرِهِ هُنا أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى لا يُظْلَمُونَ، أيْ لا يُظْلَمُونَ في جَزاءِ الآخِرَةِ مَعَ أنَّنا أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَوْ شِئْنا لَعَجَّلْنا لَهُمُ الجَزاءَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْرِمْهم مِنَ النِّعْمَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّ نِعْمَةَ الكافِرِ في الدُّنْيا نِعْمَةٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ. وعَنِ الأشْعَرِيِّ: أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وتَؤَوَّلَ بِأنَّهُ خِلافٌ لَفْظِيٌّ، أيْ بِاعْتِبارِ أنَّ عاقِبَتَها سَيِّئَةٌ. ونِعْمَةُ اللَّهِ في الدُّنْيا مُعامَلَةٌ بِفَضْلِ الرُّبُوبِيَّةِ وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ مُعامَلَةٌ بِعَدْلِ الإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ.

وانْتَصَبَ يَوْمَ يُعْرَضُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلِ القَوْلِ المَحْذُوفِ.

والعَرْضُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ في سُورَةِ هُودٍ، وقَوْلِهِ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها في سُورَةِ غافِرٍ وفي قَوْلِهِ وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها في سُورَةِ الشُّورى.

وإذْهابُ الطَّيِّباتِ مُسْتَعارٌ لِمُفارَقَتِها كَما أنَّ إذْهابَ المَرْءِ إبْعادٌ لَهُ عَنْ مَكانِهِ لَهُ. والذَّهابُ: المُبارَحَةُ.

والمَعْنى: اسْتَوْفَيْتُمْ ما لَكم مِنَ الطَّيِّباتِ بِما حَصَلَ لَكم مِن نَعِيمِ الدُّنْيا ومُتْعَتِها فَلَمْ تَبْقَ لَكم طَيِّباتٌ بَعْدَها لِأنَّكم لَمْ تَعْمَلُوا لِنَوالِ طَيِّباتِ الآخِرَةِ، وهو إعْذارٌ لَهم وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِمْ لا يُظْلَمُونَ فَرُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ.

فالفاءُ فَصِيحَةٌ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كانَ كَذَلِكَ فاليَوْمَ لَمْ يَبْقَ لَكم إلّا جَزاءُ سَيِّئِ

صفحة ٤٣

أعْمالِكم، ولَيْسَتِ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ ولا لِلتَّسَبُّبِ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي مَنعَ المُسْلِمِ مِن تَناوُلِ الطَّيِّباتِ في الدُّنْيا إذا تَوَخّى حَلالَها وعَمِلَ بِواجِبِهِ الدِّينِيِّ، فِيما عَدا ذَلِكَ، وإنْ كانَ الزُّهْدُ في الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ أرْفَعَ دَرَجَةً وهي دَرَجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخاصَّةٍ مِن أصْحابِهِ.

ورَوى الحَسَنُ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: لَأنا أعْلَمُ بِخَفْضِ العَيْشِ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا، وصَلائِقَ، وصِنابًا، وكَراكِرَ، وأسْنِمَةً ولَكِنِّي رَأيْتُ اللَّهَ نَعى عَلى قَوْمٍ فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ . وأنَّما أرادَ عُمَرُ بِذَلِكَ الخَشْيَةَ مِن أنْ يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ واجِبِهِ مِن تَدْبِيرِ أُمُورِ الأُمَّةِ فَيَقَعَ في التَّفْرِيطِ ويُؤاخَذَ عَلَيْهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ عُمَرَ حِينَ دَخَلَ الشّامَ قَدَّمَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ طَعامًا طَيِّبًا. فَقالَ عُمَرُ: هَذا لَنا فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَّعِيرِ ؟ فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ. وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في المُقامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا.

والهُونِ: الهَوانُ وهو الذُّلُّ وإضافَةُ عَذابٍ إلى الهُونِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ تُجْزَوْنَ.

والمُرادُ بِالِاسْتِكْبارِ، الِاسْتِكْبارُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وعَلى قَبُولِ التَّوْحِيدِ.

والفُسُوقُ: الخُرُوجُ عَنِ الدِّينِ وعَنِ الحَقِّ، وقَدْ يَأْخُذُ المُسْلِمُ بِحَظٍّ مِن هَذَيْنِ الجُرْمَيْنِ فَيَكُونُ لَهُ حَظٌّ مِن جَزائِهِما الَّذِي لَقِيَهُ الكافِرُونَ، وذَلِكَ مُبَيَّنٌ في أحْكامِ الدِّينِ.

والفُسُوقُ: هُنا الشِّرْكُ.

صفحة ٤٤

وقَرَأ الجُمْهُورُ أذْهَبْتُمْ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (أأذْهَبْتُمْ) بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ.

46:21Page 505

۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١

And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2

﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

سِيقَتْ قِصَّةُ هُودٍ وقَوْمِهِ مَساقَ المَوْعِظَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم مَن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ مَعَ ما أُعْقِبَتْ بِهِ مِنَ الحُجَجِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي يُقابِلُهُ قَوْلُ هُودٍ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ثُمَّ قَوْلِهِ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ الَّذِي يُقابِلُهُ قَوْلُهُ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، ذَلِكَ كُلُّهُ بِالمَوْعِظَةِ بِحالِ هُودٍ مَعَ قَوْمِهِ. وسِيقَتْ أيْضًا مَساقَ الحُجَّةِ عَلى رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى عِنادِ قَوْمِهِ بِذِكْرِ مِثالٍ لِحالِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ بِحالِ عادٍ مَعَ رَسُولِهِمْ. ولَها أيْضًا مَوْقِعُ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما تَلَقّاهُ بِهِ قَوْمُهُ مِنَ العِنادِ والبُهْتانِ؛ لِتَكُونَ مَوْعِظَةً وتَسْلِيَةً مَعًا يَأْخُذُ كُلٌّ مِنها ما يَلِيقُ بِهِ.

ولا تَجِدُ كَلِمَةً أجْمَعَ لِلْمَعْنَيَيْنِ مَعَ كَلِمَةِ اذْكُرْ لِأنَّها تَصْلُحُ لِمَعْنى الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ بِأنْ يُرادَ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ، ولِمَعْنى الذُّكْرِ بِالضَّمِّ بِأنْ يَتَذَكَّرَ تِلْكَ الحالَةَ في نَفْسِهِ وإنْ كانَتْ تَقَدَّمَتْ لَهُ وأمْثالُها لِأنَّ في التَّذَكُّرِ مَسْلاةً وأُسْوَةً كَقَوْلِهِ - تَعالى - اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ في سُورَةِ ص.

وكِلا المَعْنَيَيْنِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آنِفًا قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ فَإنَّهُ إذا قالَ لَهم ذَلِكَ تَذَكَّرُوا ما يَعْرِفُونَ مِن قَصَصِ الرُّسُلِ مِمّا قَصَّهُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ مِن قَبْلُ وتَذَكَّرَ هو - لا مَحالَةَ - أحْوالَ رُسُلٍ كَثِيرِينَ ثُمَّ جاءَتْ قِصَّةُ هُودٍ مِثالًا لِذَلِكَ.

ومُشْرِكُو مَكَّةَ إذا تَذَكَّرُوا في حالِهِمْ وحالِ عادٍ وجَدُوا الحالَيْنِ مُتَماثِلَيْنِ فَيَجْدُرُ بِهِمْ أنْ يَخافُوا مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عادٍ لِأنَّهم أوَّلُ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ الَّذِينَ جاءَهم رَسُولٌ بَعْدَ

صفحة ٤٥

رِسالَةِ نُوحٍ العامَّةِ وقَدْ كانَتْ رِسالَةُ هُودٍ ورِسالَةُ صالِحٍ قَبْلَ رِسالَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَأْتِي بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّتِهِمْ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أُمَمٍ أُخْرى مِنَ العَرَبِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ [الأحقاف: ٢٧] الآيَةَ.

وأخُو عادٍ هو هُودٌ وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وعَبَّرَ عَنْهُ هُنا بِوَصْفِهِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ لِأنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا ذِكْرُ التَّمْثِيلِ والمَوْعِظَةِ لِقُرَيْشٍ بِأنَّهم أمْثالُ عادٍ في الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولٍ مَن أُمَّتِهِمْ.

والأخُ يُرادُ بِهِ المُشارِكُ في نَسَبِ القَبِيلَةِ، يَقُولُونَ: يا أخا بَنِي فُلانٍ، ويا أخا العَرَبِ، وهو المُرادُ هُنا وقَدْ يُرادُ بِها المُلازِمُ والمُصاحِبُ، يُقالُ: أخُو الحَرْبِ وأخُو عَزَماتٍ. وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ: «أنْتَ أخُونا ومَوْلانا» وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] . ولَمْ يَكُنْ لُوطٌ مِن نَسَبِ قَوْمِهِ أهْلِ سَدُومَ.

و”إذْ أنْذَرَ“ اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهي هُنا نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن أخا عادٍ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ إنْذارِهِ قَوْمَهُ فَهي بَدَلُ اشْتِمالٍ.

وذِكْرُ الإنْذارِ هُنا دُونَ الدَّعْوَةِ أوِ الإرْسالِ لِمُناسَبَةِ تَمْثِيلِ حالِ قَوْمِ هُودٍ بِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] .

والأحْقافُ: جَمْعُ حِقْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ وكانَتْ هَذِهِ البِلادُ المُسَمّاةُ بِالأحْقافِ مَنازِلَ عادٍ وكانَتْ مُشْرِفَةً عَلى البَحْرِ بَيْنَ عُمانَ وعَدَنَ. وفي مُنْتَهى الأحْقافِ أرْضُ حَضْرَمَوْتَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”أنْذَرَ“ وجُمْلَةِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ المُفَسَّرَةِ بِها.

وقَدْ فُسِّرَتْ جُمْلَةُ ”أنْذَرَ“ بِجُمْلَةِ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إلَخْ.

و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّ ”أنْذَرَ“ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.

صفحة ٤٦

ومَعْنى ”﴿خَلَتِ النُّذُرُ﴾“ سَبَقَتِ النُّذُرُ أيْ نُذُرُ رُسُلٍ آخَرِينَ. والنُّذُرُ: جَمْعُ نِذارَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ.

ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ بِمَعْنى قَرِيبًا مِن زَمانِهِ وبَعِيدًا عَنْهُ، فَـ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ مَعْناهُ القُرْبُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦]، أيْ قَبْلَ العَذابِ قَرِيبًا مِنهُ قالَ - تَعالى - وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وقالَ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ. وأمّا الَّذِي مِن خَلْفِهِ فَنُوحٌ فَقَدْ قالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وهَذا مُراعاةً لِلْحالَةِ المَقْصُودِ تَمْثِيلُها فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أيْ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ رُسُلٌ مِثْلَ ما خَلَتْ بِتِلْكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦]، أيْ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ بِسَبَبِ شِرْكِكم.

وعَذابُ اليَوْمِ العَظِيمِ يَحْتَمِلُ الوَعِيدَ بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ وبِعَذابِ يَوْمِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وهو الَّذِي عُجِّلَ لَهم. ووُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ، فالوَصْفُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ.

46:22Page 505

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢

They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾

جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦]، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالُوا مَفْصُولًا عَلى طَرِيقِ المُحاوَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ. والمَجِيءُ مُسْتَعارٌ لِلْقَصْدِ بِطَلَبِ أمْرٍ عَظِيمٍ، شُبِّهَ طَرُوُّ الدَّعْوَةِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو بِها بِمَجِيءٍ جاءَ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ المَكانِ.

والأفْكُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: الصَّرْفُ، وأرادُوا بِهِ مَعْنى التَّرْكُ، أيْ لِنَتْرُكَ عِبادَةَ آلِهَتِنا.

وهَذا الإنْكارُ تَعْرِيضٌ بِالتَّكْذِيبِ فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَصَرَّحُوا بِتَكْذِيبِهِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ.

صفحة ٤٧

والمَعْنى: ائْتِنا بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ، أيْ عَذابِ اليَوْمِ العَظِيمِ، وإنَّما صَرَفُوا مُرادَ هُودٍ بِالعَذابِ إلى خُصُوصِ عَذابِ الدُّنْيا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وبِهَذا يُؤْذِنُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] . وأرادُوا: ائْتِنا بِهِ الآنَ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَكْذِيبٍ بِأنَّ عِبادَةَ آلِهَتِهِمْ تَجُرُّ لَهُمُ العَذابَ.

و”مِنَ الصّادِقِينَ“ أبْلَغُ في الوَصْفِ بِالصِّدْقِ مِن أنْ يُقالَ: إنْ كُنْتَ صادِقًا، كَما تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ - تَعالى - وكانَ مِنَ الكافِرِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ إنْ كُنْتَ في قَوْلِكَ هَذا مِنَ الَّذِينَ صَدَقُوا، أيْ فَإنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ فَما أنْتَ بِصادِقٍ فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском