Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahqaf 46:23–28
46:23Page 505
قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣
He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّيَ أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ لَمّا جَعَلُوا قَوْلَهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَصْلًا بَيْنَهم وبَيْنَهُ فِيما أنْذَرَهم مِن كَوْنِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تُوجِبُ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، كانَ الأمْرُ في قَوْلِهِمْ فائْتِنا مُقْتَضِيًا الفَوْرَ، أيْ طَلَبَ تَعْجِيلِهِ لِيَدُلَّ عَلى صِدْقِهِ إذِ الشَّأْنُ أنْ لا يَتَأخَّرَ عَنْ إظْهارِ صِدْقِهِ لَهم.
وإسْنادُ الإتْيانِ بِالعَذابِ إلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّهُ الواسِطَةُ في إتْيانِ العَذابِ بِأنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَهُ، أوْ جَعَلُوا العَذابَ في مَكِنَتِهِ يَأْتِي بِهِ مَتى أرادَ، تَهَكُّمًا بِهِ إذْ قالَ لَهم إنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مُقْتَضِيًا أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تُعاوُنًا وتُطاوُعًا، أيْ فَلا تَتَأخَّرْ عَنِ الإتْيانِ بِهِ.
وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا الِاقْتِضاءِ قَوْلُهُ لَهم حِينَ نُزُولِ العَذابِ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ فَلِذَلِكَ كانَ جَوابُهُ أنْ قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أيْ عِلْمُ وقْتِ إتْيانِ العَذابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ، فالتَّعْرِيفُ في العِلْمِ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ عِلْمِ المُغَيَّباتِ، أوِ التَّعْرِيفُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وقْتِ العَذابِ. وهَذا الجَوابُ يَجْرِي عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ في مَعْنى قَوْلِهِمْ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا لِأنَّ جَمِيعَها يَقْتَضِي أنَّهُ عالِمٌ بِوَقْتِهِ.
والحَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ كَقَوْلِهِ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، والمَقْصُودُ مِن هَذا
صفحة ٤٨
الحَصْرِ شُمُولُهُ نَفْيَ العِلْمِ بِوَقْتِ العَذابِ عَنِ المُتَكَلِّمِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ فائْتِنا بِما تَعُدُّنا.
و(عِنْدَ) هُنا مَجازٌ في الِانْفِرادِ بِالعِلْمِ، أيْ فاللَّهُ هو العالِمُ بِالوَقْتِ الَّذِي يُرْسِلُ فِيهِ العَذابَ لِحِكْمَةٍ في تَأْخِيرِهِ.
ومَعْنى وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ أنَّهُ بُعِثَ مُبَلِّغًا أمْرَ اللَّهِ وإنْذارَهُ ولَمْ يُبْعَثْ لِلْإعْلامِ بِوَقْتِ حُلُولِ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها فِيمَ أنْتَ مَن ذِكْراها إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها، فَقَوْلُهُ ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وجُمْلَةِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أنَّهُ عَنْ قَوْلِهِ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ صِفاتِ اللَّهِ وحِكْمَةَ إرْسالِهِ الرُّسُلَ، فَتَحْسَبُونَ أنَّ الرُّسُلَ وسائِطُ لِإنْهاءِ اقْتِراحِ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ أنْ يُرِيَهُمُ العَجائِبَ ويُساجِلَهم في الرَّغائِبِ، فَمَناطُ الِاسْتِدْراكِ هو مَعْمُولُ خَبَرِ (لَكِنَّ) وهو قَوْمًا تَجْهَلُونَ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّكم قَوْمٌ يَجْهَلُونَ، فَإدْخالُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ لِئَلّا يُبادِرَهم بِالتَّجْهِيلِ اسْتِنْزالًا لِطائِرِهِمْ، فَجَعَلَ جَهْلَهم مَظْنُونًا لَهُ لِيَنْظُرُوا في صِحَّةِ ما ظَنَّهُ مِن عَدَمِها.
وإنَّما زِيدَ ”قَوْمًا“ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى تَجْهَلُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الجَهالَةِ مِنهم حَتّى صارَتْ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها عَمَّتْ جَمِيعَ القَبِيلَةِ كَما قالَ لُوطٌ لِقَوْمِهِ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وأُبَلِّغُكم“ بِتَشْدِيدِ اللّامِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ اللّامِ. يُقالُ: بَلَّغَ الخَبَرَ بِالتَّضْعِيفِ وأبْلَغَهُ بِالهَمْزِ، إذا جَعَلَهُ بالِغًا.
46:24–25Page 505
فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤
And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥
Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.
صفحة ٤٩
﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا تَرى إلّا مَساكِنَهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنها، أيْ فَلَمّا أرادَ اللَّهُ إصابَتَهم بِالعَذابِ ورَأوْهُ عارِضًا قالُوا هَذا عارِضٌ إلى آخِرِهِ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، ويُسَمّى التَّفْرِيعُ فِيهِ فَصِيحَةً، وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ ما حَدَثَ بَيْنَ تَكْذِيبِهِمْ هُودًا وبَيْنَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وذُكِرَ في كُتُبِ تارِيخِ العَرَبِ أنَّهم أصابَهم قَحْطٌ شَدِيدٌ سِنِينَ، وأنَّ هُودًا فارَقَهم فَخَرَجَ إلى مَكَّةَ وماتَ بِها، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دُفِنَ في الحِجْرِ حَوْلَ الكَعْبَةِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ.
وقَوْلُهم هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يُشِيرُ إلى أنَّهم كانُوا في حاجَةٍ إلى المَطَرِ. ووَرَدَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُ هُودٍ لَهم ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢] وقِصَّتُهم مَبْسُوطَةٌ في تَفْسِيرِنا لِسُورَةِ هُودٍ.
وضَمِيرُ رَأوْهُ عائِدٌ إلى ما تَعِدُنا، وهو العَذابُ. وأطْلَقَ عَلى المَرْئِيِّ ضَمِيرَ العَذابِ لِأنَّ المَرْئِيَّ سَبَبُ العَذابِ وهو ما حَمَلَتْهُ الرِّيحُ. و”عارِضًا“ حالٌ مِنهُ، والعارِضُ: السَّحابُ الَّذِي يَعْتَرِضُ جَوَّ السَّماءِ أيْ رَأوْهُ كالعارِضِ. ولَيْسَ المُرادُ عارِضَ المَطَرِ لِأنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وكَيْفَ قَدْ أبْطَلَ قَوْلَهم هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بِقَوْلِهِ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ.
ومُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ نَعْتٌ لِـ عارِضٍ.
والِاسْتِقْبالُ: التَّوَجُّهُ قُبالَةَ الشَّيْءِ، أيْ سائِرًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ.
وأوْدِيَةٌ: جَمْعُ وادٍ جَمْعًا نادِرًا مِثْلَ نادٍ وأنْدِيَةٍ. ويُطْلَقُ الوادِي عَلى مَحِلَّةِ القَوْمِ ونُزُلِهِمْ إطْلاقًا أغْلَبِيًّا لِأنَّ غالِبَ مُنازِلِهِمْ في السُّهُولِ ومُقارِّ المِياهِ. وفي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي جَهْلٍ مِن تَحاوُرٍ ورَفْعِ صَوْتِهِ عَلى أبِي جَهْلٍ فَقالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلى أبِي الحَكَمِ سَيِّدِ أهْلِ الوادِي. وجَمَعَ الأوْدِيَةَ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ مَنازِلِهِمْ وانْتِشارِها.
صفحة ٥٠
والعارِضُ في قَوْلِهِمْ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا: السَّحابُ العَظِيمُ الَّذِي يَعْرِضُ في الأُفُقِ كالجَبَلِ، ومُمْطِرُنا نَعْتٌ لِـ عارِضٌ.
وقَوْلُهُ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ هُودٍ إنْ كانَ هُودٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ إلى مَكَّةَ أوْ هو مِن قَوْلِ بَعْضِ رِجالِهِمْ رَأى مَخائِلَ الشَّرِّ في ذَلِكَ السَّحابِ. قِيلَ: القائِلُ هو بَكْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ مِن قَوْمِ عادٍ. قالَ لَمّا رَآهُ إنِّي لَأرى سَحابًا مُرْمَدًا لا تَدَعُ مِن عادٍ أحَدًا لَعَلَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ مِن إنْذارِ هُودٍ حِينَ رَأى عارِضًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، أوْ كانَ قَدْ آمَنُ مِن قَبْلُ فَنَجّاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ بِخارِقِ عادَةٍ.
وإنَّما حُذِفَ فِعْلُ القَوْلِ لِتَمْثِيلِ قائِلِ القَوْلِ كالحاضِرِ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ سَمِعَ كَلامَهم وعَلِمَ غُرُورَهم فَنَطَقَ بِهَذا الكَلامِ تَرْوِيعًا لَهم. وهَذا مِنِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وِدِّي وجِيرَتِي بِذِي الشَّيِّطَيْنِ فَـالـتَـفَـتُّ ورائِيا
فَتَخَيَّلَ داعِيًا يَدْعُوهُ فالتَفَتَ، وهَذا مِنَ التَّخَيُّلِ في الكَلامِ البَلِيغِ.
وجُعِلَ العَذابُ مَظْرُوفًا في الرِّيحِ مُبالَغَةً في التَّسَبُّبِ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بَيْنَ الظَّرْفِ والمَظْرُوفِ مِن مُلابَسَةِ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وقَدْ تَقَدَّمَ.
وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَعْمَلٍ في كَثْرَةِ الأشْياءِ فَإنَّ (كُلًّا) تَأْتِي كَثِيرًا في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الكَثْرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ في سُورَةِ يُونُسَ.
والمَعْنى: تُدَمِّرُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ تُدَمِّرَهُ الرِّيحُ مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ والدِّيارِ.
وقَوْلُهُ: بِأمْرِ رَبِّها حالٌ مِن ضَمِيرِ تُدَمِّرُ. وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَقْرِيبُ كَيْفِيَّةِ تَدْمِيرِها كُلَّ شَيْءٍ، أيْ تَدْمِيرًا عَجِيبًا بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّها، أيْ تَسْخِيرِهِ الأشْياءَ لَها فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
صفحة ٥١
وأُضِيفَ الرَّبُّ إلى ضَمِيرِ الرِّيحِ لِأنَّها مُسَخَّرَةٌ لِأمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ فالأمْرُ هُنا هو أمْرُ التَّكْوِينِ.
فَأصْبَحُوا أيْ صارُوا، وأصْبَحَ هُنا مِن أخَواتِ صارَ. ولَيْسَ المُرادُ: أنَّ تَدْمِيرَهم كانَ لَيْلًا فَإنَّهم دُمِّرُوا أيّامًا ولَيالِيَ، فَبَعْضُهم هَلَكَ في الصَّباحِ وبَعْضُهم هَلَكَ مَساءً ولَيْلًا.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ”لا تَرى“ لِمَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ حِينَئِذٍ إتْمامًا لِاسْتِحْضارِ حالَةِ دَمارِهِمُ العَجِيبَةِ حَتّى كَأنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في وقْتِ حُدُوثِ هَذِهِ الحادِثَةِ.
والمُرادُ بِالمَساكِنِ: آثارُها وبَقاياها وأنْقاضُها بَعْدَ قَلْعِ الرِّيحِ مُعْظَمَها.
والمَعْنى: أنَّ الرِّيحَ أتَتْ عَلى جَمِيعِهِمْ ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن ساكِنِي مَساكِنِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ جَزاءِ عادٍ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو تَهْدِيدٌ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ وإنْذارٌ لَهم وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لا ”تَرى“ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وبِنَصْبِ (مَساكِنَهم)، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ وبِرَفْعِ مَساكِنُهم وأجْرى عَلى الجَمْعِ صِيغَةَ الغائِبِ المُفْرَدِ لِأنَّ الجَمْعَ مُسْتَثْنًى بِـ ”إلّا“ وهي فاصِلَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ.
46:26Page 505
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦
And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.
﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
هَذا اسْتِخْلاصٌ لِمَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ بِمَثَلِ عادٍ، لِيَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إهْلاكِ عادٍ قادِرٌ عَلى إهْلاكِ مَن هم دُونَهم في القُوَّةِ والعَدَدِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ القَوْمَ كانُوا مِثْلَهم مُسْتَجْمِعِينَ قُوى العَقْلِ والحِسِّ وأنَّهم أهْمَلُوا الِانْتِفاعَ بِقُواهم فَجَحَدُوا بِآياتِ اللَّهِ
صفحة ٥٢
واسْتَهْزَءُوا بِها وبِوَعِيدِهِ فَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وقُرَيْشٌ يَعْلَمُونَ أنَّ حالَهم مِثْلُ الحالِ المَحْكِيَّةِ عَنْ أُولَئِكَ فَلْيَتَهَيَّئُوا لِما سَيَحِلُّ بِهِمْ.
ولِإفادَةِ هَذا الِاسْتِخْلاصِ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الكَلامِ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن واوِ الجَماعَةِ في قالُوا أجِئْتَنا والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِمَواهِبِ عُقُولِهِمْ.
وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ مَعَ أنَّ مُفادَهُ لا شَكَّ فِيهِ مَصْرُوفٌ إلى المُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ.
والتَّمْكِينُ: إعْطاءُ المَكِنَةِ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الكافِ وهي القُدْرَةُ والقُوَّةُ. يُقالُ: مَكَّنَ مِن كَذا وتَمَكَّنَ مِنهُ، إذا قَدَرَ عَلَيْهِ. ويُقالُ: مَكَّنَهُ في كَذا، إذا جَعَلَ لَهُ القُدْرَةَ عَلى مَدْخُولِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ فَيُفَسَّرُ بِما يَلِيقُ بِذَلِكَ الظَّرْفِ قالَ تَعالى مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم في سُورَةِ الأنْعامِ.
فالمَعْنى: جَعَلْنا لَهُمُ القُدْرَةَ في الَّذِي لَمْ نُمَكِّنْكم فِيهِ، أيْ مِن كُلِّ ما يُمَكَّنُ فِيهِ الأقْوامُ والأُمَمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٦] في أوَّلِ الأنْعامِ فَضُمَّ إلَيْهِ ما هُنا.
و(ما) مِن قَوْلِهِ فِيما مَوْصُولَةٌ. و(إنْ) نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ.
ومَعْنى مَكَّنّاكم فِيهِ: مَكَّنّاكم في مِثْلِهِ أوْ في نَوْعِهِ فَإنَّ الأجْناسَ والأنْواعَ مِنَ الذَّواتِ حَقائِقُ مَعْنَوِيَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ مَواهِبُها وإنَّما تَخْتَلِفُ بِوُجُودِها في الجُزْئِيّاتِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ مَكَّنّاكم بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ المَوْصُولِ الصّادِقِ عَلى الأُمُورِ الَّتِي مُكِّنَتْ مِنها عادٌ.
ومِن بَدِيعِ النَظْمِ أنْ جاءَ النَّفْيُ هُنا بِحَرْفِ (إنِ) النّافِيَةِ مَعَ أنَّ النَّفْيَ بِها أقَلُّ اسْتِعْمالًا مِنَ النَّفْيِ بِـ (ما) النّافِيَةِ قَصْدًا هُنا لِدَفْعِ الكَراهَةِ مِن تَوالِي مِثْلَيْنِ في النُّطْقِ، وهُما (ما) المَوْصُولَةُ و(ما) النّافِيَةُ وإنْ كانَ مَعْناهُما مُخْتَلِفًا، ألا تَرى أنَّ العَرَبَ عَوَّضُوا الهاءَ عَنِ الألِفِ في (مَهْما)، فَإنَّ أصْلَها: (ما ما) مُرَكَّبَةٌ مِن (ما)
صفحة ٥٣
الظَّرْفِيَّةِ و(ما) الزّائِدَةِ لِإفادَةِ الشَّرْطِ مِثْلَ (أيْنَما) . قالَ في الكَشّافِ: ولَقَدْ أغَثَّ أبُو الطَّيِّبِ في قَوْلِهِ:
لَعَمْرُكَ ما ما بانَ مِنكَ لِضارِبٍ
وأقُولُ ولَمْ يَتَعَقَّبِ ابْنُ جِنِّي ولا غَيْرُهُ مِمَّنْ شَرَحَ الدِّيوانَ مِن قَبْلُ عَلى المُتَنَبِّي وقَدْ وقَعَ مِثْلُهُ في ضَرُوراتِ شِعْرِ المُتَقَدِّمِينَ كَقَوْلِ خِطامٍ المُجاشِعِيِّ:
وصالِياتٍ كَكَما يُؤْثَفَيْنْ
ولا يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ لِلْمُوَلَّدِينَ.
فَأمّا إذا كانَتْ (ما) نافِيَةً وأرادَ المُتَكَلِّمُ تَأْكِيدَها تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، فالإتْيانُ بِحَرْفِ (إنْ) بَعْدَ (ما) أحْرى كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
رَمادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ ما إنْ أُبِينُـهُ ∗∗∗ ونُؤْيٌ كَجَذْمِ الحَوْضِ أثْلَمُ خاشِعُ
وفائِدَةُ قَوْلِهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً أنَّهم لَمْ يَنْقُصْهم شَيْءٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخِلَّ بِإدْراكِهِمُ الحَقَّ لَوْلا العِنادُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أيْ أنَّكم حَرَمْتُمْ أنْفُسَكُمُ الِانْتِفاعَ بِسَمْعِكم وأبْصارِكم وعُقُولِكم كَما حُرِمُوهُ، والحالَةُ مُتَّحِدَةٌ والسَّبَبُ مُتَّحِدٌ فَيُوشِكُ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ كَذَلِكَ.
وإفْرادُ السَّمْعِ دُونَ الأبْصارِ والأفْئِدَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ في سُورَةِ يُونُسَ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن شَيْءٍ“ زائِدَةٌ لِلتَّنْصِيصِ عَلى انْتِفاءِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ ”شَيْءٍ“ المَجْرُورُ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِأنَّ المُرادَ بِشَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ، وحَقُّ شَيْءٍ النَّصْبُ وإنَّما جُرَّ بِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ.
صفحة ٥٤
و(إذْ) ظَرْفٌ، أيْ مُدَّةُ جُحُودِهِمْ وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْلِيلِ لِاسْتِواءِ مُؤَدّى الظَّرْفِ ومُؤَدّى التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ الشَّيْءَ مِنَ الإغْناءِ مُعَلِّقًا نَفْيَهُ بِزَمانِ جَحْدِهم بِآياتِ اللَّهِ كَما يُسْتَفادُ مِن إضافَةِ (إذْ) إلى الجُمْلَةِ بَعْدَها، عُلِمَ أنَّ لِذَلِكَ الزَّمانِ تَأْثِيرًا في نَفْيِ الإغْناءِ.
وآياتُ اللَّهِ دَلائِلُ إرادَتِهِ مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِهِمْ، ومِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما دَعاهم إلَيْهِ.
وقَدِ انْطَبَقَ مِثالُهم عَلى حالِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم جَحَدُوا بِآياتِ اللَّهِ وهي آياتُ القُرْآنِ لِأنَّها جَمَعَتْ حَقِيقَةَ الآياتِ بِالمَعْنَيَيْنِ.
وحاقَ بِهِمْ: أحاطَ بِهِمْ وما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ العَذابُ، عَدَلَ عَنِ اسْمِهِ الصَّرِيحِ إلى المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَلالِهِمْ وسُوءِ نَظَرِهِمْ.
46:27Page 505
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧
And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
أتْبَعَ ضَرْبَ المَثَلِ بِحالِ عادٍ مَعَ رَسُولِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ المَثَلَ لَيْسَ وحِيدًا في بابِهِ؛ فَقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ أقْوامًا آخَرِينَ مِن مُجاوَرِيهِمْ تُماثِلُ أحْوالُهم أحْوالَ المُشْرِكِينَ، وذَكَّرَهم بِأنَّ قُراهم قَرِيبَةٌ مِنهم يَعْرِفُها مَن يَعْرِفُونَها ويَسْمَعُ عَنْها الَّذِينَ لَمْ يَرَوْها، وهي قُرى ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ وسَبَأٍ وقَوْمِ تُبَّعٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ واذْكُرْ أخا عادٍ إلَخْ، وكُنِّيَ عَنْ إهْلاكِ الأقْوامِ بِإهْلاكِ قُراهم مُبالَغَةً في اسْتِئْصالِهِمْ لِأنَّهُ إذا أُهْلِكَتِ القَرْيَةُ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن أهْلِها كَما كَنّى عَنْتَرَةُ بِشَكِّ الثِّيابِ عَنْ شَكِّ الجَسَدِ في قَوْلِهِ:
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] .
وتَصْرِيفُ الآياتِ تَنْوِيعُها بِاعْتِبارِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنها وهو الإقْلاعُ عَنِ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وأصْلُ مَعْنى التَّصْرِيفِ التَّغْيِيرُ والتَّبْدِيلُ لِأنَّهُ
صفحة ٥٥
مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّرْفِ وهو الإبْعادُ. وكُنِّيَ بِهِ هُنا عَنِ التَّبْيِينِ والتَّوْضِيحِ لِأنَّ تَعَدُّدَ أنْواعِ الأدِلَّةِ يَزِيدُ المَقْصُودَ وُضُوحًا.
ومَعْنى تَنْوِيعِ الآياتِ أنَّها تارَةً تَكُونُ بِالحُجَّةِ والمُجادَلَةِ النَّظَرِيَّةِ، وتارَةً بِالتَّهْدِيدِ عَلى الفِعْلِ، وأُخْرى بِالوَعِيدِ، ومَرَّةً بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ وشُكْرِها. وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ التَّرَجِّي ومَوْقِعُها مَوْقِعُ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ رَجاءَ رُجُوعِهِمْ.
والرُّجُوعُ هُنا مَجازٌ عَنِ الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والعِنادِ، والرَّجاءُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الطَّلَبِ، أيْ تَوْسِعَةً لَهم وإمْهالًا لِيَتَدَبَّرُوا ويَتَّعِظُوا. وهَذا تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَهم سَواءٌ في تَكْوِينِ ضُرُوبِ تَصْرِيفِ الآياتِ، زِيادَةً عَلى ما صُرِّفَ لَهم مِن آياتِ إعْجازِ القُرْآنِ. والكَلامُ عَلى (لَعَلَّ) في كَلامِ اللَّهِ تَقَدَّمَ في أوائِلِ البَقَرَةِ.
46:28Page 505
فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨
Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المَوْعِظَةِ بِعَذابِ عادٍ المُفَصَّلِ، وبِعَذابِ أهْلِ القُرى المُجْمَلِ، فُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخٌ مُوَجَّهٌ إلى آلِهَتِهِمْ إذْ قَعَدُوا عَنْ نَصْرِهِمْ وتَخْلِيصِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ تَوْجِيهُ التَّوْبِيخِ إلى الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى طَرِيقَةِ تَوْجِيهِ النَّهْيِ ونَحْوِهِ لِغَيْرِ المَنهِيِّ لِيَجْتَنِبَ المَنهِيُّ أسْبابَ المَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلْ كَذا، ولا أرَيَنَّكَ هُنا.
والمَقْصُودُ بِهَذا التَّوْبِيخِ تَخْطِئَةُ الأُمَمِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ لِلنَّصْرِ والدَّفْعِ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ تَعْرِيضًا بِالسّامِعِينَ المُماثِلِينَ لَهم في عِبادَةِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اللَّهِ اسْتِتْمامًا لِلْمَوْعِظَةِ والتَّوْبِيخِ بِطَرِيقِ التَّنْظِيرِ وقِياسِ التَّمْثِيلِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ بَلْ ضَلُّوا عَنْهم لِأنَّ التَّوْبِيخَ آلَ إلى مَعْنى نَفْيِ النَّصْرِ.
وحَرْفُ (لَوْلا) إذا دَخَلَ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ كانَ أصْلُهُ الدَّلالَةَ عَلى التَّحْضِيضِ، أيْ تَحْضِيضِ فاعِلِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ (لَوْلا) عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الفِعْلِ، فَإذا كانَ
صفحة ٥٦
الفاعِلُ غَيْرَ المُخاطَبِ بِالكَلامِ كانَتْ (لَوْلا) دالَّةً عَلى التَّوْبِيخِ ونَحْوِهِ إذْ لا طائِلَ في تَحْضِيضِ المُخاطَبِ عَلى فِعْلِ غَيْرِهِ.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ والغَلَطِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، كَقَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَـهُـمْ إخْـوانَكُـمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وعُومِلَتِ الأصْنامُ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ بِإطْلاقِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلَيْهِمْ جَرْيًا عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و”قُرْبانًا“ مُصْدَرٌ بِوَزْنِ غُفْرانٍ، مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ حِكايَةً لِزَعْمِهِمُ المَعْرُوفَ المَحْكِيَّ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا المَصْدَرُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ ”اتَّخَذُوا“ ومَفْعُولِهِ، و”مِن دُونِ اللَّهِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”اتَّخَذُوا“ . و”دُونَ“ بِمَعْنى المُباعَدَةِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ في اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، وهو حِكايَةٌ لِحالِهِمْ لِزِيادَةِ تَشْوِيهِها وتَشْنِيعِها.
و(بَلْ) بِمَعْنى لَكِنْ إضْرابًا واسْتِدْراكًا بَعْدَ التَّوْبِيخِ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ ما نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم آلِهَةً ولا قَرَّبُوهم إلى اللَّهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ، بَلْ ضَلُّوا عَنْهم، أيْ بَلْ غابُوا عَنْهم وقْتَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.
والضَّلالُ أصْلُهُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ واسْتُعِيرَ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِالحُضُورِ اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً، أيْ غابُوا عَنْهم ولَوْ حَضَرُوا لَنَصَرُوهم، وهَذا نَظِيرُ التَّهَكُّمِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤] في سُورَةِ القَصَصِ.
وأمّا قَوْلُهُ وذَلِكَ إفْكُهم فَهو فَذْلَكَةٌ لِجُمْلَةِ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ إلَخْ وقَرِينَةٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ في قَوْلِهِ ضَلُّوا عَنْهم.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً مَن زَعَمَ الأصْنامَ آلِهَةً وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، والإفْكُ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - والِافْتِراءُ: نَوْعٌ مِنَ الكَذِبِ وهو ابْتِكارُ الأخْبارِ الكاذِبَةِ ويُرادِفُ الِاخْتِلاقَ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فَرْيِ الجِلْدِ، فالِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي يَقُولُهُ، فَعَطْفُ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
صفحة ٥٧
عَلى إفْكِهِمْ عَطْفُ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ، فَإنَّ زَعْمَهُمُ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ كَذِبٌ مَرْوِيٌّ مِن قَبْلُ، فَهو إفْكٌ. وأمّا زَعْمُهم أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ فَذَلِكَ افْتِراءٌ اخْتَرَعُوهُ.
وإقْحامُ فِعْلِ ”كانُوا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ افْتِراءَهم راسِخٌ فِيهِمْ. ومَجِيءُ يَفْتَرُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ افْتِراءَهم مُتَكَرِّرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences