Ibn 'AshurAl‑Ahqaf · 46:29–34

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:29–34

46:29–32Page 506

وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.

قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠

They said, "O our people, indeed we have heard a [recited] Book revealed after Moses confirming what was before it which guides to the truth and to a straight path.

يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١

O our people, respond to the Caller [i.e., Messenger] of Allāh1 and believe in him; He [i.e., Allāh] will forgive for you your sins and protect you from a painful punishment.

وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢

But he who does not respond to the Caller of Allāh will not cause failure [to Him] upon earth, and he will not have besides Him any protectors. Those are in manifest error."

﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

هَذا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ سَخَّرَ اللَّهُ الجِنَّ لِلْإيمانِ بِهِ وبِالقُرْآنِ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدَّقًا عِنْدَ الثَّقَلَيْنِ ومُعَظَّمًا في العالَمِينَ وذَلِكَ ما لَمْ يَحْصُلْ لِرَسُولٍ قَبْلَهُ.

والمَقْصُودُ مِن نُزُولِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الجِنِّ تَوْبِيخُ المُشْرِكِينَ بِأنَّ الجِنَّ وهم مِن عالَمٍ آخَرَ عَلِمُوا القُرْآنَ وأيْقَنُوا بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والمُشْرِكُونَ وهم مِن عالَمِ الإنْسِ ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ ﷺ المَبْعُوثِ بِالقُرْآنِ ومِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ القُرْآنِ لَمْ يَزالُوا في رَيْبٍ مِنهُ وتَكْذِيبٍ وإصْرارٍ، فَهَذا مَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ لِأحْوالِهِمْ بَعْدَ أنْ جَرَتْ مَوْعِظَتُهم بِحالِ مُماثَلِيهِمْ في الكُفْرِ مِن جِنْسِهِمْ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ إيمانِ الجِنِّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] .

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ واذْكُرْ أخا عادٍ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ هُنا إذْ صَرَفْنا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]

صفحة ٥٨

والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ.

وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِذِكْرِ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ وإنْ كانُوا لا يُصَدِّقُونَهُ لِتَسْجِيلِ بُلُوغِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِيَنْتَفِعَ بِهِ مَن يَهْتَدِي ولِتُكْتَبَ تَبِعَتُهُ عَلى الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ.

ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الجِنِّ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ لِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الجِنَّ حَضَرُوا بِعِلْمٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بِدُونِ عِلْمِهِ. فَفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ ولا رَآهم، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ فَلَمّا كانُوا بِنَخْلَةَ - اسْمُ مَوْضِعٍ - وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ وكانَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فِيهِ فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «افْتَقَدْنا النَّبِيءَ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ وهو بِمَكَّةَ فَقُلْنا ما فُعِلَ بِهِ اغْتِيلَ أوْ واسْتُطِيرَ فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ حَتّى إذا أصْبَحْنا إذا نَحْنُ بِهِ مِن قِبَلِ حِراءٍ فَقالَ: أتانِي داعِي الجِنِّ فَأتَيْتُهم فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ» .

وأيًّا ما كانَ فَهَذا الحادِثُ خارِقُ عادَةٍ وهو مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والصَّرْفُ: البَعْثُ.

والنَّفَرُ: عَدَدٌ مِنَ النّاسِ دُونَ العِشْرِينَ. وإطْلاقُهُ عَلى الجِنِّ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ الإنْسِ وبَيانُهُ بِقَوْلِهِ مِنَ الجِنِّ.

وجُمْلَةُ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الجِنِّ وحَيْثُ كانَتِ الحالُ قَيْدًا لِعامِلِها وهو ”صَرَفْنا“ كانَ التَّقْدِيرُ: يَسْتَمِعُونَ مِنكَ إذا حَضَرُوا فَصارَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا مُؤَدّى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. فالمَعْنى: صَرَفْناهم إلَيْكَ لِيَسْتَمِعُوا القُرْآنَ.

وضَمِيرُ حَضَرُوهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ حَضَرُوا إلى ضَمِيرِ القُرْآنِ تَعْدِيَةٌ مَجازِيَّةٌ لِأنَّهم إنَّما حَضَرُوا قارِئَ القُرْآنِ وهو الرَّسُولُ ﷺ .

وأنْصِتُوا أمْرٌ بِتَوْجِيهِ الأسْماعِ إلى الكَلامِ اهْتِمامًا بِهِ لِئَلّا يَفُوتَ مِنهُ شَيْءٌ.

صفحة ٥٩

وفِي حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «فِي حَجَّةِ الوَداعِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهُ: اسْتَنْصِتِ النّاسَ»، أيْ قَبْلَ أنْ يَبْدَأ في خُطْبَتِهِ.

وفِي الحَدِيثِ: «إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْصِتْ والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ»، أيْ قالُوا كُلُّهم: أنْصِتُوا، كُلُّ واحِدٍ يَقُولُها لِلْبَقِيَّةِ حِرْصًا عَلى الوَعْيِ فَنَطَقَ بِها جَمِيعُهم.

و”قُضِيَ“ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ. والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ قُضِيَتْ قِراءَتُهُ، أيِ انْتَهى النَّبِيءُ ﷺ مِنَ القِراءَةِ حِينَ حَضَرُوا وبِانْتِهائِهِ مِنَ القِراءَةِ تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مَن صَرْفِ الجِنِّ لِيَسْتَمِعُوا القُرْآنَ فَوَلَّوْا، أيِ انْصَرَفُوا مِن مَكانِ الِاسْتِماعِ ورَجَعُوا إلى حَيْثُ يَكُونُ جِنْسُهم وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِـ ”قَوْمِهِمْ“ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، نُزِّلَ مَنزِلَةَ الأُنْسِ لِأجْلِ هَذِهِ الحالَةِ الشَّبِيهَةِ بِحالَةِ النّاسِ، فَإطْلاقُ القَوْمِ عَلى أُمَّةِ الجِنِّ نَظِيرُ إطْلاقِ النَّفَرِ عَلى الفَرِيقِ مِنَ الجِنِّ المَصْرُوفِ إلى سَماعِ القُرْآنِ.

والمُنْذِرُ: المُخْبِرُ بِخَبَرٍ مُخِيفٍ.

ومَعْنى ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ رَجَعُوا إلى بَنِي جِنْسِهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا في حَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَأبْلَغُوهم ما سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ مِمّا فِيهِ التَّخْوِيفُ مِن بَأْسِ اللَّهِ - تَعالى - لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ.

والتَّبْشِيرُ لِمَن عَمَلِ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.

ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَهم حُضُورَهم لِقِراءَةِ سُورَةٍ جامِعَةٍ لِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ كَفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةِ الإخْلاصِ.

وجُمْلَةُ قالُوا يا قَوْمَنا إلى آخِرِها مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ مُنْذِرِينَ.

وحِكايَةُ تَخاطُبِ الجِنِّ بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو مِن كَلامٍ عَرَبِيٍّ حِكايَةٌ بِالمَعْنى إذْ لا يُعْرَفُ أنَّ لِلْجِنِّ مَعْرِفَةً بِكَلامِ الإنْسِ، وكَذَلِكَ فَعْلُ ”قالُوا“ مَجازٌ عَنِ الإفادَةِ، أيْ أفادُوا جِنْسَهم بِما فَهِمُوا مِنهُ بِطُرُقِ الِاسْتِفادَةِ عِنْدَهم مَعانِيَ ما حُكِيَ بِالقَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم.

وابْتَدَءُوا إفادَتَهم بِأنَّهم سَمِعُوا كِتابًا تَمْهِيدًا لِلْغَرَضِ مِنَ المَوْعِظَةِ بِذِكْرِ الكِتابِ ووَصْفِهِ لِيَسْتَشْرِفَ المُخاطَبُونَ لِما بَعْدَ ذَلِكَ.

صفحة ٦٠

ووَصَفَ الكِتابَ بِأنَّهُ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى دُونَ: أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ آخِرُ كِتابٍ مِن كُتُبِ الشَّرائِعِ نَزَلَ قَبْلَ القُرْآنِ، وأمّا ما جاءَ بَعْدَهُ فَكُتُبٌ مُكَمِّلَةٌ لِلتَّوْراةِ ومُبَيِّنَةٌ لَها مِثْلُ زَبُورِ داوُدَ وإنْجِيلِ عِيسى، فَكَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ جَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْراةِ فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ جاءَ بِهَدْيٍ مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مَقْصُودٍ مِنهُ بَيانُ التَّوْراةِ، ولَكِنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ وهادٍ إلى أزْيَدَ مِمّا هَدَتْ إلَيْهِ التَّوْراةُ.

وما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما سَبَقَهُ مِنَ الأدْيانِ الحَقِّ.

ومَعْنى يَهْدِي إلى الحَقِّ: يَهْدِي إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ ضِدَّ الباطِلِ مِنَ التَّوْحِيدِ وما يَجِبُ لِلَّهِ - تَعالى - مِنَ الصِّفاتِ وما يَسْتَحِيلُ وصْفُهُ بِهِ.

والمُرادُ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ: ما يُسْلَكُ مِنَ الأعْمالِ والمُعامَلَةِ. وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الجَزاءِ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي لا يَضِلُّ سالِكُهُ عَنِ القَصْدِ مِن سَيْرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”الحَقِّ“ ما يَشْمَلُ الِاعْتِقادَ والأعْمالَ الصّالِحَةَ. ويُرادُ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ وتَزْيِيفِ الباطِلِ، فَإنَّها كالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في إبْلاغِ مُتَّبِعِيها إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ.

وإعادَتُهم نِداءَ قَوْمِهِمْ لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَ النِّداءِ وهو أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى قَوْمِهِمْ ولَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامُ قَوْمِهِمْ بِما لَقُوا مِن عَجِيبِ الحَوادِثِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِهَذا، ولِأنَّ اخْتِلافَ الأغْراضِ وتَجَدُّدَ الغَرَضِ مِمّا يَقْتَضِي إعادَةَ مِثْلِ هَذا النِّداءِ كَما يُعِيدُ الخَطِيبُ قَوْلَهُ أيُّها النّاسُ كَما وقَعَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ. واسْتُعِيرَ أجِيبُوا لِمَعْنى: اعْمَلُوا وتَقَلَّدُوا تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِما في كَلامِ المُتَكَلِّمِ بِإجابَةِ نِداءِ المُنادِي كَما في الآيَةِ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي أيْ إلّا أنْ أمَرْتُكم فَأطَعْتُمُونِي. لِأنَّ قَوْمَهم لَمْ يَدْعُهم داعٍ إلى شَيْءٍ، أيْ أطِيعُوا ما طُلِبَ مِنكم أنْ تَعْمَلُوهُ.

و”داعِيَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ لِأنَّهُ سَبَقَ في قَوْلِهِمْ إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى. وأُطْلِقَ عَلى القُرْآنِ داعِيَ اللَّهِ مَجازًا لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى طَلَبِ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِ اللَّهِ، فَشُبِهَ ذَلِكَ بِدُعاءٍ إلى اللَّهِ واشْتُقَّ مِنهُ وصْفٌ لِلْقُرْآنِ بِأنَّهُ

صفحة ٦١

داعِيَ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ وهي تابِعَةٌ لِاسْتِعارَةِ الإجابَةِ لِمَعْنى العَمَلِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ داعِيَ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى اللَّهِ بِالقُرْآنِ.

وعَطْفُ وآمِنُوا بِهِ عَلى أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ.

وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ، أيْ وآمِنُوا بِاللَّهِ، وهو المُناسِبُ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ مَعَ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ أوْ عائِدٌ إلى داعِيَ اللَّهِ، أيْ آمِنُوا بِما فِيهِ أوْ آمِنُوا بِما جاءَ بِهِ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَقْتَضِي أنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ مَأْمُورُونَ بِالإسْلامِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن ذُنُوبِكم“ الأظْهَرُ أنَّها لِلتَّعْلِيلِ فَتَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ أجِيبُوا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُجابٌ بِفِعْلِ ”يَغْفِرْ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، أيْ: يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ احْتِرازًا في الوَعْدِ لِأنَّهم لَمْ يَتَحَقَّقُوا تَفْصِيلَ ما يُغْفَرُ مِنَ الذُّنُوبِ وما لا يُغْفَرُ إذْ كانُوا قَدْ سَمِعُوا بَعْضَ القُرْآنِ ولَمْ يُحِيطُوا بِما فِيهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ عَلى رَأْيِ جَماعَةٍ مِمَّنْ يَرَوْنَ زِيادَةَ (مِن) في الإثْباتِ كَما تُزادُ في النَّفْيِ.

وأمّا (مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ فَهي لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ يُجِرْكم لِأنَّهُ يُقالُ: أجارَهُ مِن ظُلْمِ فُلانٍ، بِمَعْنى مَنَعَهُ وأبْعَدَهُ.

وحِكايَةُ اللَّهِ هَذا عَنِ الجِنِّ تَقْرِيرٌ لِما قالُوهُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْجِنِّ إدْراكًا لِلْمَعانِي وعَلى أنَّ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ أدِلَّةُ العَقْلِ مِنَ الإلَهِيّاتِ واجِبٌ عَلى الجِنِّ اعْتِقادُهُ لِأنَّ مَناطَ التَّكْلِيفِ بِالإلَهِيّاتِ العَقْلِيَّةِ هو الإدْراكُ، وأنَّهُ يَجِبُ اعْتِقادُ المُدْرَكاتِ إذا تَوَجَّهَتْ مَدارِكُهم إلَيْها أوْ إذا نُبِّهُوا إلَيْها كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ إبْلِيسَ. وهَؤُلاءِ قَدْ نُبِّهُوا إلَيْها بِصَرْفِهِمْ إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ، وهم قَدْ نَبَّهُوا قَوْمَهم إلَيْها بِإبْلاغِ ما سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ وعَلى حَسَبِ هَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ الجَزاءُ بِالعِقابِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، وقالَ في خِطابِ الشَّيْطانِ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، فَأمّا فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ فَغَيْرُ لائِقَةٍ بِجِنْسِ الجِنِّ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَلَغَتْهم دَعْوَةُ القُرْآنِ مُؤاخَذُونَ إذا لَمْ يَعْمَلُوا بِها وأنَّهم يُعَذَّبُونَ.

صفحة ٦٢

واخْتَلَفُوا في جَزاءِ الجِنِّ عَلى الإحْسانِ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْجِنِّ ثَوابٌ إلّا أنْ يُجارُوا مِن عَذابِ النّارِ ثُمَّ يُقالُ لَهم كُونُوا تُرابًا مِثْلَ البَهائِمِ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والضَّحّاكُ: كَما يُجازَوْنَ عَلى الإساءَةِ يُجازَوْنَ عَلى الإحْسانِ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. وحَكى الفَخْرُ أنَّ مُناظَرَةً جَرَتْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ.

وهَذِهِ مَسْألَةٌ لا جَدْوى لَها ولا يَجِبُ عَلى المُسْلِمِ اعْتِقادُ شَيْءٍ مِنها سِوى أنَّ العالِمَ إذا مَرَّتْ بِهِ الآياتُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَهْمُها.

ومَعْنى ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أنَّهُ لا يَنْجُو مِن عِقابِ اللَّهِ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِ داعِيَهُ، فَمَفْعُولُ (مُعْجِزٍ) مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ المُضافُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿داعِيَ اللَّهِ﴾ أيْ فَلَيْسَ بِمُعْجِزِ اللَّهِ، وقالَ في سُورَةِ الجِنِّ ﴿أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] وهو نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ يَعْجِزُ طالِبُهُ، أيْ ناجِيًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ. والكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالعِقابِ.

والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ في الأرْضِ تَعْمِيمُ الجِهاتِ فَجَرى عَلى أُسْلُوبِ اسْتِعْمالِ الكَلامِ العَرَبِيِّ وإلّا فَإنَّ مَكانَ الجِنِّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.

﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ﴾، أيْ لا نَصِيرَ يَنْصُرُهُ عَلى اللَّهِ ويَحْمِيهِ مِنهُ، فَهو نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ سَبِيلٌ إلى النَّجاةِ بِالِاسْتِعْصامِ بِمَكانٍ لا تَبْلُغُ إلَيْهِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ولا بِالِاحْتِماءِ بِمَن يَسْتَطِيعُ حِمايَتَهُ مِن عِقابِ اللَّهِ. وذِكْرُ هَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

واسْمُ الإشارَةِ في ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن هَذِهِ حالَهم جَدِيرُونَ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِتَسَبُّبِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .

والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مَجازِيَّةٌ لِإفادَةِ قُوَّةِ تَلَبُّسِهِمْ بِالضَّلالِ حَتّى كَأنَّهم في وِعاءٍ هو الضَّلالُ.

والمُبِينُ: الواضِحُ، لِأنَّهُ ضَلالٌ قامَتِ الحُجَجُ والأدِلَّةُ عَلى أنَّهُ باطِلٌ.

46:33Page 506

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣

Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth and did not fail in their creation, is able to give life to the dead? Yes. Indeed, He is over all things competent.

صفحة ٦٣

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ فَهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ [الأحقاف: ١٧]) إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] فَهو انْتِقالٌ مِنَ المَوْعِظَةِ بِمَصِيرِ أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ ضَلالِهِمْ في شِرْكِهِمْ وهو الضَّلالُ الَّذِي جَرَّأهم عَلى إحالَةِ البَعْثِ، بَعْدَ أنْ أُطِيلَ في إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ وفي إبْطالِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ .

وهَذا عَوْدٌ عَلى بَدْءٍ فَقَدِ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِالِاحْتِجاجِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣] الآيَةَ ويَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ ”﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧]“ إلى قَوْلِهِ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] .

والواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ. وأُخْتِيرَ هَذا الفِعْلُ مِن بَيْنَ أفْعالِ العِلْمِ هُنا لِأنَّ هَذا العِلْمَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ مُشاهَدَةٌ، وهي دَلالَةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن عَدَمٍ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْرَضَ بِالعَقْلِ إلى أنَّ اللَّهَ كامِلُ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَ ذَلِكَ مِن إحْياءِ الأمْواتِ.

ووَقَعَتْ (أنَّ) مَعَ اسْمِها وخَبَرِها سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْ يَرَوْا.

ودَخَلَتِ الباءُ الزّائِدَةُ عَلى خَبَرِ (أنَّ) وهو مُثْبَتٌ ومُؤَكَّدٌ، وشَأْنُ الباءِ الزّائِدَةِ أنْ تَدْخُلَ عَلى الخَبَرِ المَنفِيِّ، لِأنَّ (أنَّ) وقَعَتْ في خَبَرِ المَنفِيِّ وهو ”أوَلَمْ يَرَوْا“ .

ووَقَعَ (بَلى) جَوابًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. ولا يُرِيبُكَ في هَذا ما شاعَ عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في تَأْوِيلِ النَّفْيِ، وهو هُنا اتَّصَلَ بِفِعْلٍ مَنفِيٍّ بِـ (لَمْ) فَيَصِيرُ نَفْيُ النَّفْيِ إثْباتًا، فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ جَوابُهُ بِحَرْفِ (نَعَمْ) دُونَ (بَلى)، لِأنَّ كَلامَ المُعْرِبِينَ أرادُوا بِهِ أنَّهُ في قُوَّةِ مَنفِيٍّ عِنْدَ المُسْتَفْهِمِ بِهِ، ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ يُعامِلُ مُعامَلَةَ النَّفْيِ في الأحْكامِ. وكُونُ الشَّيْءِ بِمَعْنى شَيْءٍ لا يَقْتَضِي أنْ يُعْطى جَمِيعَ أحْكامِهِ.

صفحة ٦٤

ومَحَلُّ التَّعْجِيبِ هو خَبَرُ (أنَّ) وأمّا ما قَبْلَهُ فالمُشْرِكُونَ لا يُنْكِرُونَهُ فَلا تَعْجِيبَ في شَأْنِهِ.

ووُقُوعُ الباءِ في خَبَرِ (أنَّ) وهو بِقادِرٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ في حَيِّزِ النَّفْيِ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ وهو حَرْفُ (أنَّ) وقَعَ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ فِعْلِ ”يَرَوْا“ الَّذِي هو مَنفِيٌّ فَسَرى النَّفْيُ لِلْعامِلِ ومَعْمُولِهِ، فَقُرِنَ بِالباءِ لِأجْلِ ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ: (قالَ الزَّجّاجُ لَوْ قُلْتَ: ما ظَنَنْتُ أنَّ زَيْدًا بِقائِمٍ جازَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ) ا هـ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] يُرِيدانِ أنَّها زائِدَةٌ في الإثْباتِ عَلى وجْهِ النُّدُورِ.

وأمّا مَوْقِعُ الجَوابِ بِحَرْفِ (بَلى) فَهو جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْجِيبُ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ اللَّهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حِكايَةً عَنْهم أنَّ اللَّهَ لا يُحْيِي المَوْتى، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ بَلى تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ وتَلْقِينًا لِما يُجِيبُونَهم بِهِ.

وحَرْفُ (بَلى) لَمّا كانَ جَوابًا كانَ قائِمًا مَقامَ جُمْلَةٍ تَقْدِيرُها: هو قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى.

وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . وقَوْلُهُ لَمْ يَعْيَ مُضارِعُ عَيِيَ مِن بابِ رَضِيَ، ومَصْدَرُهُ العِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو العَجْزُ عَنِ العَمَلِ أوْ عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ العِيُّ في الكَلامِ، أيْ عُسْرُ الإبانَةِ.

وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا بَلاغَةٌ لِيُفِيدَ انْتِفاءَ عَجْزِهِ عَنْ صُنْعِها وانْتِفاءَ عَجْزِهِ في تَدْبِيرِ مَقادِيرِها ومُناسَباتِها، فَكانَتْ باءُ المُلابَسَةِ صالِحَةً لِتَعْلِيقِ الخَلْقِ بِالعِيِّ بِمَعْنَيَيْهِ.

وكَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ يَرَوْنَ أنَّ العِيَّ يُطْلَقُ عَلى التَّعَبِ وعَنْ عَجْزِ الرَّأْيِ وعَجْزِ الحِيلَةِ. وعَنِ الكِسائِيِّ والأصْمَعِيِّ: العِيُّ خاصٌّ بِالعَجْزِ في الحِيلَةِ والرَّأْيِ. وأمّا الإعْياءُ فَهو التَّعَبُ مِنَ المَشْيِ ونَحْوِهِ، وفِعْلُهُ أعْيا، وهَذا ما دَرَجَ عَلَيْهِ الرّاغِبُ وصاحِبُ القامُوسِ.

وظاهِرُ الأساسِ: أنَّ ”أعْيا“ لا يَكُونُ إلّا مُتَعَدِّيًا، أيْ هَمْزَتُهُ هَمْزَةُ تَعْدِيَةٍ فَهَذا قَوْلٌ ثالِثٌ.

صفحة ٦٥

وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ مِثْلَهُ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ. قُلْتُ: وهو راجِعٌ إلى تَنازُعِ العامِلَيْنِ.

وعَلى هَذا الرَّأْيِ يَكُونُ قَوْلُهُ - تَعالى - هُنا ”ولَمَ يَعْيَ“ دالًّا عَلى سِعَةِ عِلْمِهِ - تَعالى - بِدَقائِقِ ما يَقْتَضِيهِ نِظامُ السَّماواتِ والأرْضِ لِيُوجِدَهُما وافِيَيْنِ بِهِ، وتَكُونُ دَلالَتُهُ عَلى أنَّهُ قَدِيرٌ عَلى إيجادِهِما بِدَلالَةِ الفَحْوى، أوْ يَكُونُ إيكالُ أمْرِ قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِهِما إلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ تَنْبِيهَهم إلى ما في نِظامِ خَلْقِهِما مِنَ الدَّقائِقِ والحِكَمِ، ومِن جُمْلَتِها لُزُومُ الجَزاءِ عَلى عَمَلِ الصّالِحاتِ والسَّيِّئاتِ.

وعَلَيْهِ أيْضًا تَكُونُ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَعْيَ“ بِالباءِ مُتَعَيِّنَةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”بِقادِرٍ“ بِالمُوَحَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ (يَقْدِرُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ مِنَ القُدْرَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (يَقْدِرُ) في مَحَلِّ خَبَرِ (أنَّ) .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ بَلى لِأنَّ هَذِهِ تُفِيدُ القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وإحْياءِ المَوْتى وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَوْجُوداتِ الخارِجَةِ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ.

وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِحَرْفِ (أنَّ) لِرَدِّ إنْكارِهِمْ أنْ يُمْكِنَ إحْياءُ اللَّهِ المَوْتى، لِأنَّهم لَمّا أحالُوا ذَلِكَ فَقَدْ أنْكَرُوا عُمُومَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ جِيءَ في القُدْرَةِ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِوَصْفِ قادِرٍ، وفي القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِوَصْفِ قَدِيرٍ الَّذِي هو أكْثَرُ دَلالَةٍ عَلى القُدْرَةِ مِن وصْفِ قادِرٍ.

46:34Page 506

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will say, "Then taste the punishment for what you used to deny."1

﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

مَوْقِعُ هَذا الكَلامِ أنَّ عَرْضَ المُشْرِكِينَ عَلى النّارِ مِن آثارِ الجَزاءِ الواقِعِ بَعْدَ البَعْثِ، فَلَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِدْلالَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، أعْقَبَ بِما

صفحة ٦٦

يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ البَعْثِ جَمْعًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ والإنْذارِ، وذَكَرَ مِن ذَلِكَ ما يُقالُ لَهم مِمّا لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْ الِاعْتِرافِ بِخَطَئِهِمْ جَمْعًا بَيْنَ ما رَدَّ بِهِ في الدُّنْيا مِن قَوْلِهِ ”قالُوا“ وما يَرُدُّونَ في عِلْمِ أنْفُسِهِمْ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِمْ بَلى ورَبِّنا.

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأحقاف: ٣٣] إلَخْ. وأوَّلُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ قَوْلُهُ ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ لِأنَّهُ مَقُولُ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الأذْهانِ.

وذِكْرُ الَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم كَفَرُوا.

والإشارَةُ إلى عَذابِ النّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ .

والحَقُّ: الثّابِتُ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ وتَنْدِيمٌ عَلى ما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجَزاءَ باطِلٌ وكَذِبٌ، وقالُوا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، وإنَّما أقْسَمُوا عَلى كَلامِهِمْ بِقَسَمِ ”ورَبِّنا“ قَسَمًا مُسْتَعْمَلًا في النَّدامَةِ والتَّغْلِيطِ لِأنْفُسِهِمْ وجَعَلُوا المُقْسَمَ بِهِ بِعُنْوانِ الرَّبِّ تَحَنُّنًا وتَخَضُّعًا. وفَرَّعَ عَلى إقْرارِهِمْ فَذُوقُوا العَذابَ. والذَّوْقُ مَجازٌ في الإحْساسِ. والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهانَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском