Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahqaf 46:9–12
46:9Page 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُعِيدَ الأمْرُ بِأنْ يَقُولَ ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِما عَلِمْتَ آنِفًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] الآياتِ.
وهَذا جَوابٌ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُمُ ”افْتَراهُ“ مِن إحالَتِهِمْ صِدْقَهُ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ إحالَةً دَعَتْهم إلى نِسْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ [الأحقاف: ٨] لِأنَّ المَقْصُودَ الِارْتِقاءُ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مِن رَدٍّ إلى أقْوى مِنهُ فَكانَ هَذا كالتَّعَدُّدِ والتَّكْرِيرِ، وسَيَأْتِي بَعْدَهُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] . ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] إلى ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] إلَخْ.
والبِدْعُ بِكَسْرِ الباءِ وسِكُونُ الدّالِ، مَعْناهُ البَدِيعُ، مِثْلُ الخِفِّ يَعْنِي الخَفِيفَ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ١٧
يَزِلُّ الغُلامُ الخِفُّ عَنْ صَهَواتِهِ
ومِنهُ: الخِلُّ بِمَعْنى الخَلِيلِ. فالبِدْعُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى البادِعِ، ومِن أسْمائِهِ - تَعالى - البَدِيعُ خالِقُ الأشْياءِ ومُخْتَرِعُها. فالمَعْنى: ما كُنْتُ مُحْدِثًا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرُّسُلِ.
و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ ما كُنْتُ آتِيًا مِنهم بَدِيعًا غَيْرَ مُماثِلٍ لَهم فَكَما سَمِعْتُمْ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ أخْبَرُوا عَنْ رِسالَةِ اللَّهِ إيّاهم فَكَذَلِكَ أنا فَلِماذا يَعْجَبُونَ مِن دَعْوَتِي ؟
وهَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِلرَّدِّ عَلى نَصارى زَمانِنا الَّذِينَ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِمَطاعِنَ لا مَنشَأ لَها إلّا تَضْلِيلٌ وتَمْوِيهٌ عَلى عامَّتِهِمْ لِأنَّ الطّاعِنِينَ لَيْسُوا مِنَ الغَباوَةِ بِالَّذِينَ يَخْفى عَلَيْهِمْ بُهْتانُهم كَقَوْلِهِمْ إنَّهُ تَزَوَّجَ النِّساءَ، أوْ أنَّهُ قاتَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ أنَّهُ أحَبَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ مُغَيَّباتٍ اسْتِهْزاءً فَيَقُولُ أحَدُهم إذا ضَلَّتْ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي ؟ ويَقُولُ أحَدُهم: مَن أبِي، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَأمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّهُ لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِهِمْ، أيْ في الدُّنْيا، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وإتْمامًا لِما في قَوْلِهِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ بِأنَّ قُصارى ما يَدْرِيهِ هو اتِّباعُ ما يُعْلِمُهُ اللَّهُ بِهِ فَهو تَخْصِيصٌ لِعُمُومِهِ، ومِثْلُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّ المُشْرِكِينَ في النّارِ وأنَّ وراءَ المَوْتِ بَعْثًا. ومِثْلُ أنَّهُ سَيُهاجِرُ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَدَعْ ما أطالَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا مِنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ ومِن كَوْنِها مَنسُوخَةً أوْ مُحْكَمَةً ومِن حُكْمِ نَسْخِ الخَبَرِ.
ووَجْهُ عَطْفِ ”ولا بِكم“ عَلى ”بِي“ بِإقْحامِ (لا) النّافِيَةِ مَعَ أنَّهُما مُتَعَلِّقانِ بِفِعْلِ صِلَةِ (ما) المَوْصُولَةِ ولَيْسَ في الصِّلَةِ نَفْيٌ، فَلِماذا لَمْ يَقُلْ: ما يُفْعَلُ بِي وبِكم
صفحة ١٨
لِأنَّ المَوْصُولَ وصَلْتَهُ لَمّا وقَعا مَفْعُولًا لِلْمَنفِيِّ في قَوْلِهِ ”وما أدْرِي“ تَناوَلَ النَّفْيُ ما هو في حَيِّزِ ذَلِكَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، فَصارَ النَّفْيُ شامِلًا لِلْجَمِيعِ فَحَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ النَّفْيِ عَلى المَعْطُوفِ، كَما حَسُنَ دُخُولُ الباءِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُزادَ فَيُجَرُّ بِها الِاسْمُ المَنفِيُّ المَعْطُوفُ عَلى اسْمِ (إنَّ) وهو مُثْبَتٌ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣] لِوُقُوعِ (أنْ) العامِلَةِ فِيهِ في خَبَرِ النَّفْيِ وهو ”أوَلَمْ يَرَوْا“، وكَذَلِكَ زِيادَةُ (مِن) في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] فَإنَّ ”خَيْرٍ“ وقَعَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ ”يُنَزَّلَ“ وهو فِعْلٌ مُثْبَتٌ ولَكِنَّهُ لَمّا انْتَفَتْ وِدادَتُهُمُ التَّنْزِيلَ صارَ التَّنْزِيلُ كالمَنفِيِّ لَدَيْهِمْ.
وعَطْفُ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ لِأنَّهُ الغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ .
والمَعْنى: وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ لا مُفْتَرٍ، فالقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِرَدِّ قَوْلِهِمُ ”افْتَراهُ“ .
46:10Page 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
أُعِيدَ الأمْرُ بِأنْ يَقُولَ لَهم حُجَّةً أُخْرى لَعَلَّها تَرُدُّهم إلى الحَقِّ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] الآيَةَ.
وهَذا اسْتِدْراجٌ لَهم لِلْوُصُولِ إلى الحَقِّ في دَرَجاتِ النَّظَرِ، فَقَدْ بادَأهم بِأنَّ ما أحالُوهُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِمُحالٍ إذْ لَمْ يَكُنْ أوَّلَ النّاسِ جاءَ بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأنَّ القُرْآنَ إذا فَرَضْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وقَدْ كَفَرْتُمْ بِذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ حالُكم عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - .
وأقْحَمَ في هَذا أنَّهُ لَوْ شَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ بِوُقُوعِ الرِّسالاتِ ونُزُولِ
صفحة ١٩
الكُتُبِ عَلى الرُّسُلِ، وآمَنَ بِرِسالَتِي كَيْفَ يَكُونُ انْحِطاطُكم عَنْ دَرَجَتِهِ، وقَدْ جاءَكم كِتابٌ فَأعْرَضْتُمْ عَنْهُ، فَهَذا كَقَوْلِهِ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وهَذا تَحْرِيكٌ لِلْهِمَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ سُورَةِ فُصِّلَتْ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] سِوى أنَّ هَذِهِ أقْحَمَ فِيها قَوْلَهُ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانَتْ لَهم مُخالَطَةٌ مَعَ بَعْضِ اليَهُودِ في مَكَّةَ ولَهم صِلَةٌ بِكَثِيرٍ مِنهم في التِّجارَةِ بِالمَدِينَةِ وخَيْبَرَ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ كانُوا يَسْألُونَ مَن لَقَوْهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْ أمْرِ الأدْيانِ والرُّسُلِ فَكانَ اليَهُودُ لا مَحالَةَ يُخْبِرُونَ المُشْرِكِينَ بِبَعْضِ الأخْبارِ عَنْ رِسالَةِ مُوسى وكِتابِهِ وكَيْفَ أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى فِرْعَوْنَ.
فاليَهُودُ وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رِسالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما هو مُماثِلٌ لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ وفِيهِ ما يَكْفِي لِدَفْعِ إنْكارِهِمْ رِسالَتَهُ.
فالِاسْتِفْهامُ في ”أرَأيْتُمْ“ تَقْرِيرَيٌّ لِلتَّوْبِيخِ، ومَفْعُولا ”أرَأيْتُمْ“ مَحْذُوفانِ.
والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ أنْفُسَكم ظالِمِينَ: والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”إنْ كانَ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ أوْ إلى ”ما يُوحى إلَيَّ“ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] . وجُمْلَةُ وكَفَرْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أرَأيْتُمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . لِأنَّ مَضْمُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ واقِعٌ فَلا يَدْخُلُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الجَدَلِ. والتَّقْدِيرُ: أفَتَرَوْنَ أنْفُسَكم في ضَلالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرَةِ وهي تَعْلِيلٌ أيْضًا. والمَعْنى: أتَظُنُّونَ إنْ تَبَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ وقَدْ كَفَرْتُمْ بِذَلِكَ فَشَهِدَ شاهِدٌ عَلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ تُوقِنُوا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْدِكم لِأنَّكم ظالِمُونَ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الظّالِمِينَ.
وضَمِيرا ”كانَ“ و”مِثْلِهِ“ عائِدانِ إلى القُرْآنِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مَرّاتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢] وقَوْلِهِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [الأحقاف: ٤] .
صفحة ٢٠
وجُمْلَةُ ”واسْتَكْبَرْتُمْ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”وشَهِدَ شاهِدٌ“ إلَخْ وجُمْلَةُ ”وشَهِدَ شاهِدٌ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ“ .
والمِثْلُ: المُماثِلُ والمُشابِهُ في صِفَةٍ أوْ فِعْلٍ، وضَمِيرُ ”مِثْلِهِ“ لِلْقُرْآنِ فَلَفْظُ مِثْلِهِ هُنا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَرِيحِ الوَصْفِ، أيْ عَلى مُماثِلٍ لِلْقُرْآنِ فِيما أنْكَرُوهُ مِمّا تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن نَحْوِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وإثْباتِ البَعْثِ، وذَلِكَ المِثْلُ هو كِتابُ التَّوْراةِ أوِ الزَّبُورُ مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ.
ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ المِثْلُ عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَمّا أُضِيفَ إلَيْهِ لَفَظُ (مِثْلُ)، فَيَكُونُ لَفْظُ (مِثْلُ) بِمَنزِلَةِ المُقْحَمِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ العَرَبِ: (مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ)، وكَما هو أحَدُ مَحْمَلَيْنِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . فالمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ فِيما حَواهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِثْلِهِ عائِدًا عَلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أيْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِن كُتُبِ الرُّسُلِ.
فالمُرادُ بِـ ﴿شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ شاهِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أيْ أيُّ شاهِدٍ، لِأنَّ الكَلامَ إنْباءٌ لَهم بِما كانُوا يَتَساءَلُونَ بِهِ مَعَ اليَهُودِ. وبِهَذا فَسَّرَ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ واخْتارَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فالخِطابُ في قَوْلِهِ أرَأيْتُمْ وما بَعْدَهُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُرادُ بِـ ﴿شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ.
ومِثْلُ قَوْلِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ فَضْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مالِكٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: لا أدْرِي قالَ مالِكٌ: الآيَةُ أوْ في الحَدِيثِ.
قالَ مَسْرُوقٌ: لَيْسَ هو ابْنُ سَلامٍ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ
صفحة ٢١
الشَّعْبِيُّ مِثْلَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وأُمِرَ بِوَضْعِها في سُورَةِ الأحْقافِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ ”أرَأيْتُمْ“ وما بَعْدَهُ لِأهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ وما حَوْلَها. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِما سَيَقَعُ مِن إيمانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَيَكُونُ هو المُرادَ بِـ ﴿شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وإنْ كانَتِ الآيَةُ مَكِّيَّةً.
والظّاهِرُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي جَرَّأ المُشْرِكِينَ عَلى إنْكارِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى مُوسى وغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبإ: ٣١] وقالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] حِينَ عَلِمُوا أنْ قَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ بِنُزُولِ ما سَلَفَ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْكَلامِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا، أيْ ضَلَلْتُمْ ضَلالًا لا يُرْجى لَهُ زَوالٌ لِأنَّكم ظالِمُونَ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم.
وجِيءَ في الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المَجْزُومِ بِوُقُوعِهِ مُجاراةً لِحالِ المُخاطَبِينَ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ جِماحِهِمْ لِيَنْزِلُوا لِلتَّأمُّلِ والمُحاوَرَةِ.
46:11Page 503
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١
And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾
هَذا حِكايَةُ خَطَأٍ آخَرَ مِن أخْطاءِ حُجَجِ المُشْرِكِينَ الباطِلَةِ وهو خَطَأٌ مَنشَؤُهُ الإعْجابُ بِأنْفُسِهِمْ وغُرُورُهم بِدِينِهِمْ فاسْتَدَلُّوا عَلى أنْ لا خَيْرَ في الإسْلامِ بِأنَّ الَّذِينَ ابْتَدَرُوا الأخْذَ بِهِ ضُعَفاءُ القَوْمِ وهم يَعُدُّونَهم مُنْحَطِّينَ عَنْهم، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] كَما تَقَدَّمَ في الأنْعامِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ مِن آثارِ اسْتِكْبارِهِمْ فَناسَبَ قَوْلَهُ ”واسْتَكْبَرْتُمْ“ .
واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلَّذِينَ آمَنُوا“ لامُ التَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَقْدِيرُهُ: مُخَصِّصِينَ أوْ مُرِيدِينَ كاللّامِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، وقَوْلِهِ في الآيَةِ
صفحة ٢٢
السّابِقَةِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧] .
ولَيْسَتْ هي لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ إلى المُخاطَبِ بِالقَوْلِ نَحْوَ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] المُسَمّاةَ لامَ التَّبْلِيغِ.
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (كانَ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] وهو القُرْآنُ المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ أوْ ”ما يُوحى إلَيَّ“ .
والسَّبْقُ أُطْلِقَ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ قَبْلَ أنْ يُحَصِّلَهُ آخَرُ، شُبِّهَ بِأسْرَعِ الوُصُولِ بَيْنَ المُتَجارِينَ، والمُرادُ: الأخْذُ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ.
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ سَبَقُونا عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الآيَةِ ولَكِنَّهُ مَذْكُورٌ في كَلامِ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِي حَكَتْهُ الآيَةُ أرادُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وسُمَيَّةَ، وزِنِّيرَةَ بِزايٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ مُشَبَّعَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ، أمَةٌ رُومِيَّةٌ كانَتْ مِنَ السّابِقاتِ إلى الإسْلامِ ومِمَّنْ عَذَّبَهُنَّ المُشْرِكُونَ ومِمَّنْ أعْتَقَهُنَّ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قالَ عُظَماءُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زِنِّيرَةُ، أيْ مِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الَّتِي جَمَعَها القُرْآنُ في ضَمِيرِ سَبَقُونا.
* * *
﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، أيْ فَقَدِ اسْتَوْفَوْا بِمَزاعِمِهِمْ وُجُوهَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ فَقالُوا سِحْرٌ مُبِينٌ وقالُوا افْتَراهُ، وقالُوا ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، وبَقِيَ أنْ يَقُولُوا هو ﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ .
وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى أنَّ مَزاعِمَهم كُلَّها ناشِئَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ بُقُولِهِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأحقاف: ٧]، وقَوْلِهِ ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقَوْلِهِ ﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقَوْلِهِ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ الآيَةَ.
وإذْ قَدْ كانَتْ مَقالاتُهم رامِيَةً إلى غَرَضٍ واحِدٍ وهو تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ كانَ تَوْزِيعُ أسْبابِها عَلى مُخْتَلِفِ المَقالاتِ مُشْعِرًا بِأنَّ جَمِيعَها أسْبابٌ لِجَمِيعِها.
صفحة ٢٣
وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلَيْهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: وإذْ لَمْ تَحْصُلُ هِدايَتُهم بِالقُرْآنِ فِيما مَضى فَسَيَسْتَمِرُّونَ عَلى أنْ يَقُولُوا هو ﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ إذْ لا مَطْمَعَ في إقْلاعِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ. ولَمّا كانَتْ إذْ ظَرْفًا لِلزَّمَنِ الماضِي وأُضِيفَتْ هُنا إلى جُمْلَةٍ واقِعَةٍ في الزَّمَنِ الماضِي كَما يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ بِحَرْفِ (لَمْ) تَعَيَّنَ أنَّ الإخْبارَ عَنْهُ بِأنَّهم سَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ أنَّهم يَقُولُونَهُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيما مَضى أيْضًا لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مِن تَصارِيفِ أقْوالِهِمُ الضّالَّةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم في سُوَرٍ أُخْرى نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، فَمَعْنى فَسَيَقُولُونَ سَيَدُومُونَ عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ في المُسْتَقْبَلِ.
فالِاسْتِقْبالُ زَمَنٌ لِلدَّوامِ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ وتَكْرِيرِها، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] فَإنَّهُ قَدْ هَداهُ مِن قَبْلُ، وإنَّما أرادَ سَيُدِيمُ هِدايَتَهُ إيّايَ.
فَلَيْسَ المَقْصُودُ إخْبارَ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّهم (سَيَقُولُونَ هَذا) ولَمْ يَقُولُوهُ في الماضِي إذْ لَيْسَ لِهَذا الإخْبارِ طائِلٌ. وإذْ قَدْ حُكِيَ أنَّهم قالُوا ما يُرادِفُ هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ سابِقَةٍ عَلى هَذِهِ الآيَةِ وأنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ (إذْ) .
وحَيْثُ قُدِّمَ الظَّرْفُ في الكَلامِ عَلى عامِلِهِ أُشْرِبَ مَعْنى الشَّرْطِ وهو إشْرابٌ وارِدٌ في الكَلامِ، وكَثِيرٌ في (إذْ)، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِهِ هُنا في قَوْلِهِ فَسَيَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إذْ) لِلتَّعْلِيلِ، وتَتَعَلَّقُ (إذْ) بِـ ”يَقُولُونَ“ ولا تَمْنَعُ الفاءُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى التَّحْقِيقِ. وإنَّما انْتَظَمَتِ الجُمْلَةُ هَكَذا لِإفادَةِ هَذِهِ الخُصُوصِيّاتِ البَلاغِيَّةِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْطُوفُ في مَعْنى شَرْطٍ والفاءُ لِجَوابِ الشَّرْطِ. وأصْلُ الكَلامِ: وسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ إذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ !
وهَذا التَّفْسِيرُ جارٍ عَلى ما اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في الأمالِي دُونَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، فَإنَّهُ تَكَلَّفَ لَهُ تَكَلُّفًا غَيْرُ شافٍ.
46:12Page 503
وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢
And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.
صفحة ٢٤
﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾
اتَّبَعَ إبْطالَ تُرَّهاتِهِمُ الطّاعِنَةِ في القُرْآنِ بِهَذا الكَلامِ المُفِيدِ زِيادَةَ الإبْطالِ لِمَزاعِمِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ بِنَظِيرِ القُرْآنِ ومَثِيلٍ لَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ - تَعالى - هو مَشْهُورٌ عِنْدَهم وهو التَّوْراةُ مَعَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ومَزِيَّتِهِ، والنَّعْيِ عَلَيْهِمْ إذْ حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِها، فَعُطِفَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِارْتِباطِها بِها في إبْطالِ مَزاعِمِهِمْ وفي أنَّها ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] كَما تَقَدَّمَ.
فَفِي قَوْلِهِ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ إبْطالٌ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُوحِيَ اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ الوَحْيَ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ سابِقَةٌ مَعْلُومَةٌ أشْهَرُهُ كِتابُ مُوسى، أيِ التَّوْراةُ وهم قَدْ بَلَغَتْهم نُبُوءَتُهُ مِنَ اليَهُودِ.
وضَمِيرُ ”مِن قَبْلِهِ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ.
وتَقْدِيمُ ”مِن قَبْلِهِ“ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحَلُّ المَقْصِدِ مِنَ الجُمْلَةِ.
وعُبِّرَ عَنِ التَّوْراةِ بِـ ”كِتابِ مُوسى“ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ وهو التَّوْراةُ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الإضافَةُ إلى اسْمِ مُوسى مِنَ التَّذْكِيرِ بِأنَّهُ كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى بَشَرٍ كَما أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَلْمِيحًا إلى مَثارِ نَتِيجَةِ قِياسِ القُرْآنِ عَلى كِتابِ مُوسى بِالمُشابِهَةِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.
و﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ حالانِ مِن كِتابِ مُوسى، ويَجُوزُ كَوْنُهُما حالَيْنِ مِن مُوسى، والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ.
والإمامُ: حَقِيقَتُهُ الشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ العامِلُ مِقْياسًا لِعَمَلِ شَيْءٍ آخَرَ ويُطْلَقُ إطْلاقًا شائِعًا عَلى القُدْوَةِ قالَ - تَعالى - ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] . وأصْلُ هَذا الإطْلاقِ اسْتِعارَةٌ صارَتْ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ، واسْتُعِيرَ الإمامُ لِكِتابِ مُوسى لِأنَّهُ يُرْشِدُ إلى ما يَجِبُ عَمَلُهُ فَهو كَمَن يُرْشِدُ ويَعِظُ، ومُوسى إمامٌ أيْضًا بِمَعْنى القُدْوَةِ.
والرَّحْمَةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ لِصِفَةِ الرّاحِمِ وهي مِن صِفاتِ الإنْسانِ فَهي رِقَّةٌ في النَّفْسِ تَبْعَثُ عَلى سَوْقِ الخَيْرِ لِمَن تَتَعَدّى إلَيْهِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِها اسْتِعارَةٌ لِكَوْنِهِ
صفحة ٢٥
سَبَبًا في نَفْعِ المُتَّبِعِينَ لِما تَضْمَنَهُ مِن أسْبابِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
ووَصْفُ الكِتابِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِعارَةِ، ومُوسى أيْضًا رَحْمَةٌ لِرِسالَتِهِ كَما وُصِفَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
وقَوْلُهُ ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ إلَخْ هو المَقِيسُ عَلى كِتابِ مُوسى.
والإشارَةُ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ حاضِرٌ بِالذِّكْرِ فَهو كالحاضِرِ بِالذّاتِ.
والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ المُصَدِّقِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، قالَ - تَعالى - ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، أيْ مُخْبِرٌ بِأحَقِّيَّةِ كُلِّ المَقاصِدِ الَّتِي جاءَتْ بِها الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ السّالِفَةُ. وهَذا ثَناءٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ احْتَوى عَلى كُلِّ ما في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وجاءَ مُغْنِيًا عَنْها ومُبَيِّنًا لِما فِيها.
والتَّصْدِيقُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ حاكِمٌ عَلى ما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنها. وما حُرِّفَ فَهْمُهُ بِها قالَ - تَعالى - ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .
وزادَهُ ثَناءً بِكَوْنِهِ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾، أيْ لُغَةً عَرَبِيَّةً فَإنَّها أفْصَحُ اللُّغاتِ وأنْفَذُها في نُفُوسِ السّامِعِينَ وأحَبُّ اللُّغاتِ لِلنّاسِ، فَإنَّها أشْرَفُ وأبْلَغُ وأفْصَحُ مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي جاءَ بِها كِتابُ مُوسى، ومِنَ اللُّغَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها ودَوَّنَها أتْباعُهُ أصْحابُ الأناجِيلِ.
وأُدْمِجَ لَفْظُ ”لِسانًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِعَرَبِيَّتِهِ عَرَبِيَّةُ ألْفاظِهِ لا عَرَبِيَّةُ أخْلاقِهِ وتَعالِيمِهِ لِأنَّ أخْلاقَ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مُخْتَلِطَةٌ مِن مَحاسِنَ ومَساوِئَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ نَفى عَنْها المَساوِئَ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» .
وغَلَبَ إطْلاقُ اللِّسانِ عَلى اللُّغَةِ لِأنَّ أشْرَفَ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللِّسانُ هو الكَلامُ قالَ - تَعالى - ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقالَ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] .
وقَوْلُهُ ﴿لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿مُصَدِّقًا لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الإنْذارِ والبِشارَةِ، والأحْسَنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما في ”كِتابٌ“ مِن مَعْنى
صفحة ٢٦
الإرْشادِ المُشْتَمِلِ عَلى الإنْذارِ والبِشارَةِ. وهَذا أحْسَنُ لِيَكُونَ ”لِتُنْذِرَ“ عِلَّةً لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ صِفَتِهِ وحالِهِ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُشْرِكُونَ، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويَلْحَقُ بِهِمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالمُحْسِنِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الأتْقِياءُ لِأنَّ المُرادَ ظُلْمُ النَّفْسِ، ويُقابِلُهُ الإحْسانُ.
والنِّذارَةُ مَراتِبُ والبِشارَةُ مِثْلُها.
و”بُشْرى“ عَطْفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، والتَّقْدِيرُ: وهو بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ، أيِ الكِتابُ، وهَذا النَّظْمُ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ والتَّتْمِيمِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (لِتُنْذِرَ) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فَيَحْصُلُ وصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ مُنْذِرٌ، ووَصْفُ كِتابِهِ بِأنَّهُ بُشْرى وفِيهِ احْتِباكٌ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الكِتابِ؛ فَإسْنادُ الإنْذارِ إلى ”كِتابٌ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences