Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
محمد
Muhammad
Muhammad · Medinan · 38 ayahs
47:1Page 507
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١
Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾
صَدَّرَ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ بِتَوْطِئَةٍ لِبَيانِ غَضَبِ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُثِيرًا في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ حَنَقًا عَلَيْهِمْ وكَراهِيَةً فَتَثُورُ فِيهِمْ هِمَّةُ الإقْدامِ عَلى قِتالِ الكافِرِينَ، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِما هم فِيهِ مِن قُوَّةٍ، حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ المُشْرِكِينَ ويَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٤] .
صفحة ٧٣
وفِي الِابْتِداءِ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ المُتَضَمِّنَةِ كُفْرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُناوَأتَهم لِدِينِ اللَّهِ - تَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الحُكْمِ المُناسِبِ لِلصِّلَةِ، وإيماءٌ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، أيْ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ، وبَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ المَقْصُودِ.
والكُفْرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ حَيْثُما أُطْلِقَ الكُفْرَ مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةِ إرادَةِ غَيْرِ المُشْرِكِينَ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ثَلاثَةِ أوْصافٍ لِلْمُشْرِكِينَ. وهي: الكُفْرُ، والصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وضَلالُ الأعْمالِ النّاشِئُ عَنْ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهم.
والصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ: هو صَرْفُ النّاسِ عَنْ مُتابَعَةِ دِينِ الإسْلامِ، وصَرْفُهم أنْفُسَهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
وأُضِيفَ السَّبِيلُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الدِّينُ الَّذِي ارْتَضاهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . واسْتُعِيرَ اسْمُ السَّبِيلِ لِلدِّينِ لِأنَّ الدِّينَ يُوَصِّلُ إلى رِضا اللَّهِ كَما يُوَصِّلُ السَّبِيلُ السّائِرَ فِيهِ إلى بُغْيَتِهِ.
ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ قالَ تَعالى ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] .
ومِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ: إخْراجُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ، وصَدُّهم عَنِ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.
ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إطْعامُهُمُ النّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ لِيَثْبُتُوا مَعَهم ويَكْثُرُوا حَوْلَهم، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن سادَةِ المُشْرِكِينَ مَن قُرَيْشٍ. وهم: أبُو جَهْلٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبَيْهُ بْنُ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهُ بْنُ الحَجّاجِ، وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وهَذا الأخِيرُ أسْلَمَ مِن بَعْدُ، وصارَ مِن خِيرَةِ الصَّحابَةِ.
وعُدَّ مِنهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو، ومِقْيَسٌ الجُمَحِيُّ، والعَبّاسُ بْنُ
صفحة ٧٤
عَبْدِ المَطْلَبِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وهَذانِ أسْلَما وحَسُنَ إسْلامُهُما وفي الثَّلاثَةِ الآخَرِينَ خِلافٌ.
ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
والإضْلالُ: الإبْطالُ والإضاعَةُ، وهو يَرْجِعُ إلى الضَّلالِ. وأصْلُهُ الخَطَأُ لِلطَّرِيقِ المَسْلُوكِ لِلْوُصُولِ إلى مَكانٍ يُرادُ وهو يَسْتَلْزِمُ المَعانِيَ الأُخَرَ.
وهَذا اللَّفْظُ رَشِيقُ المُوَقِّعِ هُنا لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ أعْمالَهُمُ الَّتِي تَبْدُو حَسَنَةً، فَلَمْ يُثِبْهم عَلَيْها مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإطْعامِ جائِعٍ، ونَحْوِهِما، ولِأنَّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ أنْ كانَ غالِبُ أعْمالِهِمْ عَبَثًا وسَيِّئًا ولِأنَّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَيَّبَ سَعْيَهم فَلَمْ يَحْصُلُوا مِنهُ عَلى طائِلٍ فانْهَزَمُوا يَوْمَ بَدْرٍ وذَهَبَ إطْعامُهُمُ الجَيْشَ باطِلًا، وأُفْسِدَ تَدْبِيرُهم وكَيْدُهم لِلرَّسُولِ ﷺ فَلَمْ يَشْفُوا غَلِيلَهم يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَوالَتِ انْهِزاماتُهم في المَواقِعِ كُلِّها قالَ - تَعالى - ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] .
47:2Page 507
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢
And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهْوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾
هَذا مُقابِلُ فَرِيقِ الَّذِينَ كَفَرُوا وهو فَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإيرادُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِلْإيماءِ إلى وجْهُ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّتِهِ، أيْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ. . . إلَخْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ.
وقَدْ جاءَ في مُقابَلَةِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي أُثْبِتَتْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِثَلاثَةِ أوْصافٍ ضِدَّها لِلْمُسْلِمِينَ وهي: الإيمانُ مُقابِلُ الكُفْرِ، والإيمانُ بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مُقابِلُ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعَمَلُ الصّالِحاتِ مُقابِلُ بَعْضِ ما تَضَمَّنُهُ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، و﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ مُقابِلُ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا تَضَمَّنُهُ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ مُقابِلُ بَقِيَّةِ ما تَضَمَّنُهُ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] .
وزِيدَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾
صفحة ٧٥
وهُوَ نَظِيرٌ لِوَصْفِهِ بِسَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١] .
وعُبِّرَ عَنِ الجَلالَةِ هَنا بِوَصْفِ الرَّبِّ زِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُسْلِمِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِمْ.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ غُفْرانُها لَهم فَإنَّهم لَمّا عَمِلُوا الصّالِحاتِ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهم سَيِّئاتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها قَبْلَ الإيمانِ، وكَفَّرَ لَهُمُ الصَّغائِرَ، وكَفَّرَ عَنْهم بَعْضَ الكَبائِرِ بِمِقْدارٍ يَعْلَمُهُ إذا كانَتْ قَلِيلَةً في جانِبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحاتِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] .
والبالُ: يُطْلَقُ عَلى القَلْبِ، أيِ العَقْلُ وما يَخْطُرُ لِلْمَرْءِ مِنَ التَّفْكِيرِ وهو أكْثَرُ إطْلاقِهِ ولَعَلَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
فَعادى عِداءً بَيْنَ ثَـوْرٍ ونَـعْـجَةٍ وكانَ عِداءُ الوَحْشِ مِنِّي عَلى بالٍ
وقالَ:
عَلَيْهِ القَتامُ سَيْءُ الظَّنِّ والبالِ
ومِنهُ قَوْلُهم: ما بالُكَ ؟ أيْ ماذا ظَنَنْتَ حِينَ فَعَلْتَ كَذا، وقَوْلُهم: لا يُبالِي، كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنهُ، أيْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ، ومِنهُ بَيْتُ العُقَيْلِيِّ في الحَماسَةِ:
ونَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكم عَلَيْكم ∗∗∗ ونَقْتُلُكم كَأنّا لا نُبالِـي
أيْ لا نُفَكِّرُ.
وحَكى الأزْهَرِيُّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، أيْ مَعْنى لا أُبالِي: لا أكْرَهُ اهـ.
وأحْسَبُهم أرادُوا تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى ولَمْ يَضْبِطُوا تَفْسِيرَ مَعْنى الكَلِمَةِ.
ويُطْلَقُ البالُ عَلى الحالِ والقَدَرِ. وفي الحَدِيثِ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ» . قالَ الوَزِيرُ البَطْلَيُوسِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ امْرِئِ القَيْسِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: كُنْتُ أقُولُ لِلْمِعَرِّي: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ أصْلَحَ اللَّهُ بالَكَ. ولَمْ يُوفِّهِ صاحِبُ الأساسِ حَقَّهُ مِنَ البَيانِ وأدْمَجَهُ في مادَّةِ (بَلَوَ) .
وإصْلاحُ البالِ يَجْمَعُ إصْلاحَ الأُمُورِ كُلِّها لِأنَّ تَصَرُّفاتِ الإنْسانِ تَأْتِي عَلى
صفحة ٧٦
حَسَبِ رَأْيِهِ، فالتَّوْحِيدُ أصْلُ صَلاحِ بالِ المُؤْمِنِ، ومِنهُ تَنْبَعِثُ القُوى المُقاوِمَةُ لِلْأخْطاءِ والأوْهامِ الَّتِي تَلَبَّسَ بِها أهْلُ الشِّرْكِ، وحَكاها عَنْهُمُ القُرْآنُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ والمَعْنى: أقامَ أنْظارَهم وعُقُولَهم فَلا يُفَكِّرُونَ إلّا صالِحًا ولا يَتَدَبَّرُونَ إلّا ناجِحًا.
47:3Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣
That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1
﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾
هَذا تَبْيِينٌ لِلسَّبَبِ الأصِيلِ في إضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ وإصْلاحِ بالِ المُؤْمِنِينَ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ أكْمَلُ تَمْيِيزٍ تَنْوِيهًا بِهِ. وقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الإشارَةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الآياتِ المُتَتابِعَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
والإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَبَرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وهَمّا ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢]، مَعَ اعْتِبارِ عِلَّتَيِ الخَبَرَيْنِ المُسْتَفادَتَيْنِ مِنِ اسْمِي المَوْصُولِ والصِّلَتَيْنِ وما عُطِفَ عَلى كِلْتَيْهِما.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ومَجْرُورُها في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ اتِّباعِ الكافِرِينَ الباطِلَ واتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ جامِعًا لِلْخَبَرَيْنِ المُتَقَدِّمِينَ كانَ الخَبَرُ عَنْهُ مُتَعَلِّقًا بِالخَبَرَيْنِ وسَبَبًا لَهُما.
وفِي هَذا مُحَسِّنُ الجَمْعِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ ويُسَمُّونَهُ - كَعَكْسِهِ - التَّفْسِيرَ لِأنَّ في الجَمْعِ تَفْسِيرًا لِلْمَعْنى الَّذِي تَشْتَرِكُ فِيهِ الأشْياءُ المُتَفَرِّقَةُ تَقَدَّمَ أوْ تَأخَّرَ. وشاهِدُهُ قَوْلُ حَسّانَ مِن أُسْلُوبِ هَذِهِ الآيَةِ:
قَوْمٌ إذا حارَبُوا ضَرُّوا عَـدُوَّهُـمْ أوْ حاوَلُوا النَّفْعَ في أشْياعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِـمْ غَـيْرُ مُـحْـدَثَةٍ ∗∗∗ إنِ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها الـبِـدَعُ
قالَ في الكَشّافِ: وهَذا الكَلامُ يُسَمِّيهِ عُلَماءُ البَيانِ التَّفْسِيرَ، يُرِيدُ أنَّهُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ. ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ أنْشَدَ لِنَفْسِهِ لَمّا فَسَّرَ لِطَلَبَتِهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقُيِّدَ عَنْهُ في الحَواشِي قَوْلَهُ:
صفحة ٧٧
بِهِ فُجِعَ الفُرْسانُ فَوْقَ خُيُولِـهِـمْ ∗∗∗ كَما فُجِعَتْ تَحْتَ السُّتُورِ العَواتِقُ
تَساقَطَ مِن أيْدِيهِمُ البِيضُ حَـيْرَةً ∗∗∗ وزُعْزِعَ عَنْ أجِيادِهِنَّ المَخانِـقُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ بَيْنَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ و”الَّذِينَ آمَنُوا“ وبَيْنَ ”الحَقِّ“ و”الباطِلِ“ . وفي بَيْتَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ بَيْنَ ”فَوْقَ“ و”تَحْتَ“ .
واتِّباعُ الباطِلِ واتِّباعُ الحَقِّ تَمْثِيلِيّانِ لِهَيْئَتَيِ العَمَلِ بِما يَأْمُرُ بِهِ أيِمَّةُ الشِّرْكِ أوْلِياءَهم وما يَدْعُو إلَيْهِ القُرْآنُ، أيْ عَمِلُوا بِالباطِلِ وعَمِلَ الآخَرُونَ بِالحَقِّ.
ووَصْفُ الحَقِّ بِأنَّهُ مِن رَبِّهِمْ تَنْوِيهٌ بِهِ وتَشْرِيفٌ لَهم.
* * *
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾
تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ لِلْحالَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ الأحْوالَ لِلنّاسِ بَيانًا واضِحًا.
والمَعْنى: قَدْ بَيَّنّا لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ حالَهُ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، وما تُفْضِي إلَيْهِ مِنَ اسْتِحْقاقِ المُعامَلَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ خَفاءٌ في كُنْهِ الحالَيْنِ، ومِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ يُمَثِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ كَيْلا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِمُ الأسْبابُ والمُسَبِّباتُ.
ومَعْنى ”يَضْرِبُ“: يُلْقِي. وهَذا إلْقاءُ تَبْيِينٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والأمْثالُ: جَمْعُ مَثَلٍ بِالتَّحْرِيكِ وهو الحالُ الَّتِي تُمَثِّلُ صاحِبَها، أيْ تَشْهَرُهُ لِلنّاسِ وتُعَرِّفُهم بِهِ فَلا يُلْتَبَسُ بِنَظائِرِهِ.
واللّامُ لِلْأجَلِ، والمُرادُ بِالنّاسِ جَمِيعُ النّاسِ. وضَمِيرُ ”أمْثالَهم“ لِلنّاسِ.
والمَعْنى: كَهَذا التَّبْيِينِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أحْوالَهم فَلا يَبْقَوْا في غَفْلَةٍ عَنْ شُئُونِ أنْفُسِهِمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ تَحَقُّقِ كُنْهِهِمْ بِحِجابِ التَّعَوُّدِ لِئَلّا يَخْتَلِطَ الخَبِيثُ بِالطَّيِّبِ، ولِكَيْ يَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ في شُئُونِهِمْ، وفي هَذا إيماءٌ إلى وُجُوبِ التَّوَسُّمِ لِتَمْيِيزِ المُنافِقِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ حَقًّا، فَإنَّ مِن مَقاصِدَ السُّورَةِ التَّحْذِيرَ مِنَ المُنافِقِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences