Ibn 'AshurMuhammad · 47:30–34

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:30–34

47:30Page 510

وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠

And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.

صفحة ١٢١

﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾

كانَ مَرَضُ قُلُوبِهِمْ خَفِيًّا لِأنَّهم يُبالِغُونَ في كِتْمانِهِ وتَمْوِيهِهِ بِالتَّظاهُرِ بِالإيمانِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَأطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ واحِدًا واحِدًا فَيَعْرِفُ ذَواتَهم بِعَلاماتِهِمْ.

والسِّيمى بِالقَصْرِ: العَلامَةُ المُلازِمَةُ، أصْلُهُ: وِسْمى بِوَزْنِ فِعْلى مَنِ الوَسْمِ وهو جَعْلُ سِمَةٍ لِلشَّيْءِ، وهو بِكَسْرِ أوَّلِهِ. فَهو مِنَ المِثالِ الواوِيِّ الفاءُ حُوِّلَتِ الواوُ مِن مَوْضِعِ فاءِ الكَلِمَةِ فَوُضِعَتْ في مَكانِ عَيْنِ الكَلِمَةِ وحُوِّلَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ إلى مَوْضِعِ الفاءِ فَصارَتْ سِوْمى فانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: لَأرَيْناكَ أشْخاصَهم فَعَرَفْتَهم، أوْ لَذَكَرْنا لَكَ أوْصافَهم فَعَرَفْتَهم بِها ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ شاءَ ذَلِكَ وأراهم لِلرَّسُولِ ﷺ . فَعَنْ أنَسٍ «ما خَفِيَ عَلى النَّبِيءِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم» ذَكَرَهُ البَغْوِيُّ والثَّعْلَبِيُّ بِدُونِ سَنَدٍ.

ومِمّا يُرْوى عَنْ حُذَيْفَةَ ما يَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ عَرَّفَهُ بِالمُنافِقِينَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، ولَكِنْ إذا صَحَّ هَذا فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِإجْرائِهِمْ عَلى غَيْرِ حالَةِ الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ قالَ هَذا إكْرامًا لِرَسُولِهِ ﷺ ولَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِمْ.

واللّامُ في لَأرَيْناكَهم لامُ جَوابِ (لَوْ) الَّتِي تُزادُ فِيهِ غالِبًا.

واللّامُ في ”فَلَعَرَفْتَهم“ تَأْكِيدٌ لِلّامِ لَأرَيْناكَهم لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ تَفَرُّعِ المَعْرِفَةِ عَلى الإرادَةِ.

* * *

﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾

هَذا في مَعْنى الِاحْتِراسِ مِمّا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ ﴿لَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهُمْ﴾ مِن عَدَمِ وُقُوعِ المَشِيئَةِ لِإرادَتِهِ إيّاهم بِنُعُوتِهِمْ.

والمَعْنى: فَإنْ لَمْ نُرِكَ إيّاهم بِسِيماهم فَلَتَقَعَنَّ مَعْرِفَتُكَ بِهِمْ مِن لَحْنِ كَلامِهِمْ بِإلْهامٍ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في عِلْمِ رَسُولِهِ ﷺ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن لَحْنِ كَلامِهِمْ

صفحة ١٢٢

فَيَحْصُلُ لَهُ العِلْمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم إذا لَحَنَ في قَوْلِهِ، وهم لا يَخْلُو واحِدٌ مِنهم مِنَ اللَّحْنِ في قَوْلِهِ، فَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حاصِلَةٌ وإنَّما تَرَكَ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ إيّاهم بِسِيماهم ووَكَلَهُ إلى مَعْرِفَتِهِمْ بِلَحْنِ قَوْلِهِمْ إبْقاءً عَلى سُنَّةِ اللَّهِ - تَعالى - في نِظامِ الخَلْقِ بِقَدْرِ الإمْكانِ لِأنَّها سُنَّةٌ ناشِئَةٌ عَنِ الحِكْمَةِ فَلَمّا أُرِيدَ تَكْرِيمُ الرَّسُولِ ﷺ بِإطْلاعِهِ عَلى دَخائِلِ المُنافِقِينَ سَلَكَ اللَّهُ في ذَلِكَ مَسْلَكَ الرَّمْزِ.

واللّامُ في ولَتَعْرِفَنَّهم لامُ القَسَمِ المَحْذُوفِ.

ولَحْنُ القَوْلِ: الكَلامُ المُحالُ بِهِ إلى غَيْرِ ظاهِرِهِ لِيَفْطِنَ لَهُ مَن يُرادُ أنْ يَفْهَمَهُ دُونَ أنْ يَفْهَمَهُ غَيْرُهُ بِأنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَعْرِيضٌ أوْ تَوْرِيَةٌ أوْ ألْفاظٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْها بَيْنَ شَخْصَيْنِ أوْ فِرْقَةٍ كالألْفاظِ العَلْمِيَّةِ قالَ القَتّالُ الكِلائِيُّ:

ولَقَدْ وحَيْتُ لَكم لِكَيْما تَفْهَمُوا ولَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالمُرْتابِ

كانَ المُنافِقُونَ يُخاطِبُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِكَلامٍ تَواضَعُوهُ فِيما بَيْنَهم، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُهم بِظاهِرِ كَلامِهِمْ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ إلَيْهِ فَكانَ بَعْدَ هَذا يَعْرِفُ المُنافِقِينَ إذا سَمِعَ كَلامَهم.

* * *

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ، فَهو لِعُمُومِهِ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْلِيمُ وهو مَعَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ وهو الوَعِيدُ لِأهْلِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى أعْمالِهِمْ، والوَعْدُ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أعْمالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ لِأهْلِ النِّفاقِ بِأنَّ اللَّهَ يُوشِكُ أنْ يَفْضَحَ نِفاقَهم كَما قالَ آنِفًا ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] .

واجْتِلابُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ يَعْلَمُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ.

47:31Page 510

وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١

And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.

صفحة ١٢٣

﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهَدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] . ومَعْناهُ مَعْنى الِاحْتِراسِ مِمّا قَدْ يَتَوَهَّمُ السّامِعُونَ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] مِنَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّكْلِيفِ.

ووَجْهُ هَذا الِاحْتِراسِ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ يَتَعَلَّقُ بِأعْمالِ النّاسِ بَعْدَ أنْ تَقَعَ ويَتَعَلَّقُ بِها قَبْلَ وُقُوعِها فَإنَّها سَتَقَعُ ويَتَعَلَّقُ بِعَزْمِ النّاسِ عَلى الِاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ التَّكالِيفِ قُوَّةً وضَعْفًا، ومِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ كُفْرًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن حِكْمَةِ التَّكالِيفِ أنْ يَظْهَرَ أثَرُ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِ النّاسِ وتَقَدُّمُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

ولَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ لِكُلِّ عَبْدٍ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ النّارِ. فَقالُوا: أفَلا نَتَّكِلُ عَلى ما كُتِبَ لَنا ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، وقَرَأ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] .

والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ وتَعَرُّفُ حالِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بِالِابْتِلاءِ الأمْرُ والنَّهْيُ في التَّكْلِيفِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ المُطِيعُ والعاصِي والكافِرُ، وسُمِّيَ ذَلِكَ ابْتِلاءً عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ الِابْتِلاءُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِنهُ إقامَةَ مَصالِحِ النّاسِ ودَفْعَ الفَسادِ عَنْهم لِتَنْظِيمِ أحْوالِ حَياتِهِمْ ثُمَّ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَآلُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ في الآخِرَةِ. ولَكِنْ لَمّا كانَ التَّكْلِيفُ مُبَيِّنًا لِأحْوالِ نُفُوسِ النّاسِ في الِامْتِثالِ ومُمَحِّصًا لِدَعاوِيهِمْ وكاشِفًا عَنْ دَخائِلِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ما يُشْبِهُ الِابْتِلاءَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أحْوالِهِمْ، ولَكِنَّها لا تَظْهَرُ لِلْعِيانِ لِلنّاسِ إلّا عِنْدَ تَلَقِّي التَّكالِيفِ فَأشْبَهَتْ الِاخْتِبارَ، فَإطْلاقُ اسْمِ الِابْتِلاءِ عَلى التَّكْلِيفِ مَجازٌ مُرْسَلٌ وتَسْمِيَةُ ما يَلْزَمُ التَّكْلِيفَ مِن إظْهارِ أحْوالِ النُّفُوسِ ابْتِلاءً اسْتِعارَةٌ، فَفي قَوْلِهِ ولَنَبْلُوَنَّكم مَجازٌ مُرْسَلٌ واسْتِعارَةٌ.

و(حَتّى) حَرْفُ انْتِهاءٍ فَما بَعْدَها غايَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها وهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ تَشْبِيهًا لِعِلَّةِ الفِعْلِ بِغايَتِهِ فَإنَّ غايَةَ الفِعْلِ باعِثٌ لِفاعِلِ الفِعْلِ في الغالِبِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ (حَتّى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]

صفحة ١٢٤

فالمَعْنى: ولَنَبْلُوَنَّكم لِنَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ، ولَيْسَ المُرادُ انْتِهاءَ البَلْوى عِنْدَ ظُهُورِ المُجاهِدِينَ مِنهم والصّابِرِينَ.

وعِلَّةُ الفِعْلِ لا يَلْزَمُ انْعِكاسُها، أيْ لا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ لِلْفِعْلِ عِلَّةٌ غَيْرُها فَلِلتَّكْلِيفِ عِلَلٌ وأغْراضٌ عَدِيدَةٌ مِنها أنْ تَظْهَرَ حالُ النّاسِ في قَبُولِ التَّكْلِيفِ ظُهُورًا في الدُّنْيا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُعامَلاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ.

وعِلْمُ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ عِلَّةً لِلْبَلْوِ هو العِلْمُ بِالأشْياءِ بَعْدَ وُقُوعِها المُسَمّى عِلْمُ الشَّهادَةِ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن سَيُجاهِدُ ومَن يَصْبِرُ مِن قَبْلِ أنْ يَبْلُوَهم ولَكِنَّ ذَلِكَ عِلْمُ غَيْبٍ لِأنَّهُ قَبْلَ حُصُولِ المَعْلُومِ في عالَمِ الشَّهادَةِ.

والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ حَتّى نَعْلَمَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى حَتّى نُظْهِرَ لِلنّاسِ الدَّعاوِيَ الحَقَّ مِنَ الباطِلَةِ، فالعِلْمُ كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ إظْهارِهِ لِلْغَيْرِ كَما هُنا أوْ لِلْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَـا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

أرادَ لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ أنَّهُ شُجاعٌ ويَظْهَرُ مَن هو مِنَ القَوْمِ جَبانٌ، فاللَّهُ شَرَعَ الجِهادَ لِنَصْرِ الدِّينِ، ومِن شَرْعِهِ يَتَبَيَّنُ مَن يُجاهِدُ ومَن يَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ، ويَتَبَيَّنُ مَن يَصْبِرُ عَلى لَأْواءِ الحَرْبِ ومَن يَنْخَزِلُ ويَفِرُّ، فَلا تَرُوجُ عَلى النّاسِ دَعْوى المُنافِقِينَ صِدْقَ الإيمانِ، ويَعْلَمُ النّاسَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.

وبَلْوُ الإخْبارِ: ظُهُورُ الأُحْدُوثَةِ مِن حُسْنِ السُّمْعَةِ وضِدِّهِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِ الأُصُولِيِّينَ تَرَتَّبَ المَدْحُ والذَّمُّ عاجِلًا، وهو كِنايَةٌ أيْضًا عَنْ أحْوالِ أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لِأنَّ الأخْبارَ إنَّما هي أخْبارٌ عَنْ أعْمالِهِمْ، وهَذِهِ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ عُطِفَتْ عَلى قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ . وإنَّما أُعِيدَ عَطْفُ فِعْلِ ”نَبْلُوَ“ عَلى فِعْلِ ”نَعْلَمَ“ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ ”أخْبارَكم“ بِالواوِ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ”لَنَبْلُوَنَّكم“ ولا يُعادُ ”نَبْلُوَ“، فالعُدُولُ عَنْ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ إلى هَذا التَّرْكِيبِ لِلْمُبالَغَةِ في بَلْوِ الأخْبارِ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ بَلْوِ أعْمالِهِمْ وهي المَقْصُودُ مِن بَلْوِ ذَواتِهِمْ، فَذِكْرُهُ كَذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ إذْ تَعَلَّقَ البَلْوُ الأوَّلُ بِالجِهادِ والصَّبْرِ، وتَعَلَّقَ

صفحة ١٢٥

البَلْوُ الثّانِي بِالأعْمالِ كُلِّها، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدُ البَلْوِ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ﴾ ونَبْلُوَ بِالنُّونِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تِلْكَ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمائِرُ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ونَبْلُوَ“ بِفَتْحِ الواوِ عَطْفًا عَلى ”نَعْلَمَ“ . وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِسُكُونِ الواوِ عَطْفًا عَلى ”ولَنَبْلُوَنَّكم“ .

47:32Page 510

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢

Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾

الظّاهِرُ أنَّ المَعْنِيَّ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورُونَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وفِيما بَعْدُ مِنَ الآياتِ الَّتِي جَرى فِيها ذِكْرَ الكافِرِينَ، أيِ الكُفّارُ الصُّرَحاءُ عادَ الكَلامُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُخْفُونَ الكُفْرَ، عَوْدًا عَلى بَدْءٍ لِتَهْوِينِ حالِهِمْ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، فَبَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ أضَلَّ أعْمالَهم وأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الباطِلَ وأمَرَ بِضَرْبِ رِقابِهِمْ وأنَّ التَّعْسَ لَهم وحَقَّرَهم بِأنَّهم يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ، وأنَّ اللَّهَ أهْلَكَ قُرًى هي أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، ثُمَّ جَرى ذِكْرُ المُنافِقِينَ، بَعْدَ ذَلِكَ ثُنِيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا أيْضًا لِيُعَرِّفَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم في هَذِهِ المَآزِقِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ لا يَلْحَقُهم مِنهم أدْنى ضُرٍّ، ولِيَزِيدَ وصْفَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم شاقُّوا الرَّسُولَ ﷺ .

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهي تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] . وفَعْلُ ”شاقُّوا“ مُشْتَقٌّ مِن كَلِمَةِ شِقٍّ بِكَسْرِ الشِّينِ وهو الجانِبُ، والمُشاقَّةُ المُخالَفَةُ، كُنِّيَ بِالمُشاقَّةِ عَنِ المُخالَفَةِ لِأنَّ المُسْتَقِرَّ بِشِقٍّ مُخالِفٌ لِلْمُسْتَقَرِّ بِشِقٍّ آخَرَ فَكِلاهُما مُخالِفٌ، فَلِذَلِكَ صِيغَتْ مِنهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ.

وتَبَيُّنُ الهُدى لَهم: ظُهُورُ ما في دَعْوَةِ الإسْلامِ مِنَ الحَقِّ الَّذِي تُدْرِكُهُ العُقُولُ إذا نُبِّهَتْ إلَيْهِ، وظُهُورُ أنَّ أمْرَ الإسْلامِ في ازْدِيادٍ ونَماءٍ، وأنَّ أُمُورَ الآخَرِينَ في إدْبارِ، فَلَمْ

صفحة ١٢٦

يَرْدَعْهم ذَلِكَ عَنْ مُحاوَلَةِ الإضْرارِ بِالرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ - تَعالى - ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] .

فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ.

وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ يَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرُ، وعَلَيْهِ فَمُشاقَّتُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ مُشاقَّةٌ خَفِيَّةٌ مُشاقَّةُ كَيْدٍ ومَكْرٍ، وتَبَيُّنُ الهُدى لَهم ظُهُورُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو المَوْعُودُ بِهِ في التَّوْراةِ وكُتُبِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ الآيَةُ تَمْهِيدًا لِغَزْوِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.

وانْتَصَبَ ”شَيْئًا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ ”يَضُرُّوا“ والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَضُرُّونَ في المُسْتَقْبَلِ اللَّهَ أقَلَّ ضُرٍّ.

وإضْرارُ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ إضْرارُ دِينِهِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ والتَّشْرِيفِ لِهَذا الدِّينِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ .

والإحْباطُ: الإبْطالُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

ومَعْنى إبْطالُ أعْمالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِأعْمالِهِمْ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ أنَّ اللَّهَ يَلْطُفُ بِرَسُولِهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِتَيْسِيرِ أسْبابِ نَصْرِهِمْ وانْتِشارِ دِينِهِ، فَلا يَحْصُلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أعْمالِهِمْ لِلصَّدِّ والمُشاقَّةِ عَلى طائِلٍ. وهَذا كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ”أضَلَّ أعْمالَهم“ .

وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ هُنا لِتَحْقِيقِ حُصُولِ الإحْباطِ في المُسْتَقْبَلِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ مُحْبِطُ أعْمالِهِمْ مِنَ الآنِ إذْ لا يُعْجِزُهُ ذَلِكَ حَتّى يَتَرَصَّدَ بِهِ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا التَّحْقِيقُ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] .

47:33Page 510

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣

O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٢]، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [محمد: ٣٤] وُجِّهَ بِهِ

صفحة ١٢٧

الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وتَجَنُّبِ ما يُبْطِلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ اعْتِبارًا بِما حُكِيَ مِن حالِ المُشْرِكِينَ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومُشاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ .

فَوَصْفُ الإيمانِ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُقابِلُ وصْفِ الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣٢]، وطاعَةُ اللَّهِ مُقابِلُ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وطاعَةُ الرَّسُولِ ضِدُّ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، والنَّهْيُ عَنْ إبْطالِ الأعْمالِ ضِدُّ بُطْلانِ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا.

فَطاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ الَّتِي أُمِرُوا بِها هي امْتِثالُ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ مِن أحْكامِ الدِّينِ. وأمّا ما لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ التَّشْرِيعِ فَطاعَةُ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ طاعَةُ انْتِصاحٍ وأدَبٍ، ألا تَرى أنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تُطِعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مُراجَعَةِ زَوْجِها مُغِيثٍ لَمّا عَلِمَتْ أنَّ أمْرَهُ إيّاها لَيْسَ بِعَزْمٍ.

والإبْطالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ باطِلًا، أيْ لا فائِدَةَ مِنهُ، فالإبْطالُ تَتَّصِفُ بِهِ الأشْياءُ المَوْجُودَةُ.

ومَعْنى النَّهْيِ عَنْ إبْطالِهِمُ الأعْمالَ: النَّهْيُ عَنْ أسْبابِ إبْطالِها، فَهَذا مَهْيَعُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ . وتَسْمَحُ مَحامِلُهُ بِأنْ يَشْمَلَ النَّهْيَ والتَّحْذِيرَ عَنْ كُلِّ ما بَيَّنَ الدِّينُ أنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ كُلًّا أوْ بَعْضًا مِثْلَ الرِّدَّةِ ومِثْلَ الرِّياءِ في العَمَلِ الصّالِحِ فَإنَّهُ يُبْطِلُ ثَوابَهُ. وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَخْشى أنْ يَكُونَ ارْتِكابُ الفَواحِشِ مُبْطِلًا لِثَوابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ويَحْمِلُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ لَمّا بَلَغَها أنَّ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ عَقَدَ عَقْدًا تَراهُ عائِشَةُ حَرامًا أخْبَرُوا زَيْدًا أنَّهُ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتْرُكْ فَعْلَهُ هَذا ولَعَلَّها أرادَتْ بِذَلِكَ التَّحْذِيرَ وإلّا فَما وجْهُ تَخْصِيصِ الإحْباطِ بِجِهادِهِ وإنَّما عَلِمَتْ أنَّهُ كانَ أنْفَسُ عَمَلٍ عِنْدَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ والزُّهْرِيِّ لا تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِالمَعاصِي الكَبائِرِ.

ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ: أنَّ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ قالَ «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وغَزَوْتُ مِنها مَعَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً» .

وهَذِهِ كُلُّها مِن مُخْتَلِفِ الأفْهامِ في المَعْنِيِّ بِإبْطالِ الأعْمالِ وما يُبْطِلُها وأحْسَنُ

صفحة ١٢٨

أقْوالِ السَّلَفِ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ كُنّا نَرى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن حَسَناتِنا إلّا مَقْبُولًا حَتّى نَزَلَ ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾، فَقُلْنا: ما هَذا الَّذِي يُبْطِلُ أعْمالَنا ؟ فَقُلْنا: الكَبائِرُ المُوجِباتُ والفَواحِشُ حَتّى نَزَلَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَكَفَفْنا عَنِ القَوْلِ في ذَلِكَ وكُنّا نَخافُ عَلى مَن أصابَ الكَبائِرَ ونَرْجُو لِمَن لَمْ يُصِبْها ا هـ. فَأبانَ أنَّ ذَلِكَ مَحامِلُ مُحْتَمَلَةٌ لا جَزْمَ فِيها.

وعَنْ مُقاتِلٍ لا تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِالمَنِّ وقالَ: هَذا خِطابٌ لِقَوْمٍ مِن بَنِي أسَدٍ أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَدْ آثَرْناكَ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِنا، يَمُنُّونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ونَزَلَ فِيهِمْ أيْضًا قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] .

وهَذِهِ مَحامِلُ ناشِئَةٌ عَنِ الرَّأْيِ والتَّوَقُّعِ، والَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ولَمْ يَجِئْ: أنَّ السَّيِّئاتِ يُذْهِبْنَ الحَسَناتِ، وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .

وتَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهاتِهِ الآيَةِ فَزَعَمُوا أنَّ الكَبائِرَ تُحْبِطُ الطّاعاتِ.

ومِنَ العَجَبِ أنَّهم يَنْفُونَ عَنِ اللَّهِ الظُّلْمَ ولا يُسَلِّمُونَ ظاهِرَ قَوْلِهِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ومَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ اللَّهَ يُبْطِلُ الحَسَناتِ إذا ارْتَكَبَ صاحِبُها سَيِّئَةً.

ونَحْنُ نَرى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَسْطُورٌ في صُحُفِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وأنَّ الحَسَنَةَ مُضاعَفَةٌ والسَّيِّئَةَ بِمِقْدارِها. وهَذا أصْلٌ تَواتَرَ مَعْناهُ في الكِتابِ وصَحِيحُ الآثارِ، فَكَيْفَ يُنْبَذُ بِالقِيلِ والقالِ مَن أهْلِ الأخْبارِ ؟

وحَمَلَ بَعْضُ عُلَمائِنا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ عَلى مَعْنى النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ العَمَلِ المُتَقَرَّبِ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وإطْلاقُ الإبْطالِ عَلى القَطْعِ وعَدَمِ الإتْمامِ يُشْبِهُ أنَّهُ مَجازٌ، أيْ لا تَتْرُكُوا العَمَلَ الصّالِحَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَأخَذُوا مِنهُ أنَّ النَّفْلَ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ في النَّوافِلِ مُطْلَقًا. ونَسَبَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ مِثْلَهُ إلى مالِكٍ. ومِثْلُهُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ الفُرْسِ. ونَقَلَ

صفحة ١٢٩

الشَّيْخُ الجَدُّ في حاشِيَتِهِ عَلى المَحَلِّيِّ عَنِ القَرافِيِّ في شَرْحِ المَحْصُولِ ونَقْلَ حَلُولُو في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ عَنِ القَرافِيِّ في الذَّخِيرَةِ: أنَّ مالِكًا قالَ بِوُجُوبِ سَبْعِ نَوافِلَ بِالشُّرُوعِ، وهي: الصَّلاةُ والصِّيامُ والحَجُّ والعُمْرَةُ والِاعْتِكافُ والِائْتِمامُ وطَوافُ التَّطَوُّعِ دُونَ غَيْرِها نَحْوُ الوُضُوءِ والصَّدَقَةِ والوَقْفِ والسَّفَرِ لِلْجِهادِ، وزادَ حَلُولُو إلْحاقَ الضَّحِيَّةِ بِالنَّوافِلِ الَّتِي تَجِبُ بِالشُّرُوعِ ولَمْ أقِفْ عَلى مَأْخَذِ القَرافِيِّ ذَلِكَ ولا عَلى مَأْخَذِ حَلُولُو في الأخِيرِ.

ولَمْ يَرَ الشّافِعِيُّ وُجُوبًا بِالشُّرُوعِ في شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ وهو الظّاهِرُ.

47:34Page 510

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤

Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَكْمِلَةٌ لِآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٢] إلَخْ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَشاقِّهِمْ ولِبَيانِ أنَّ اللَّهَ مُبْطِلُ صَنائِعِهِمْ، وهَذِهِ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ إذْ ماتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

واقْتِرانُ خَبَرِ المَوْصُولِ بِالفاءِ إيماءٌ إلى أنَّهُ أشْرَفُ مَعْنى الشَّرْطِ فَلا يُرادُ بِهِ ذُو صِلَةٍ مُعَيَّنٌ بَلِ المُرادُ كُلُّ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ ماهِيَّةُ الصِّلَةِ وهي الكُفْرُ والمَوْتُ عَلى الكُفْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском