Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:35–37
47:35Page 510
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥
So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allāh is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.
﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَرَّرَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ مَن خَذْلِ اللَّهِ - تَعالى - المُشْرِكِينَ بِما أخْبَرَ بِهِ مِن أنَّهُ أضَلَّ أعْمالَهم وقَدَّرَ لَهُمُ التَّعْسَ، وبِما ضَرَبَ لَهم مِن مَصائِرِ أمْثالِهِمْ مِنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم ولَمْ يَجِدُوا ناصِرًا، وما وعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وما أمَرَهم بِهِ مِن قِتالِهِمْ وبِتَكَفُّلِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالوِلايَةِ وما وعَدَهم مِنَ الجَزاءِ في دارِ الخُلْدِ وبِما أتْبَعَ ذَلِكَ مِن وصْفِ كَيْدِ فَرِيقِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ
صفحة ١٣٠
وتَعَهُّدِهِمْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ مِمّا يُوجِسُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ خِيفَةً إذْ يَعْلَمُونَ أنَّ أعْداءً لَهم مُنْبَثُّونَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ.
فَعَلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَرَّعَ نَهْيَهم عَنِ الوَهَنِ وعَنِ المَيْلِ إلى الدَّعَةِ ووَعْدَهم بِأنَّهُمُ المُنْتَصِرُونَ وأنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُهم.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّفْرِيعُ عَلى أقْرَبِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] .
وهَذا النَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ وعَنِ الدُّعاءِ إلى السَّلْمِ تَحْذِيرٌ مِن أمْرٍ تَوَفَّرَتْ أسْبابُ حُصُولِهِ مُتَهَيِّئَةً لِلْإقْدامِ عَلى الحَرْبِ عِنْدَ الأمْرِ بِها ولَيْسَ نَهْيًا عَنْ وهَنٍ حَصَلَ لَهم ولا عَنْ دُعائِهِمْ إلى السَّلْمِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ وقَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ في مُدَّةٍ لَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ ولَكِنَّ التَّحْذِيرَ مِن أنْ يَسْتَوْهِنَهُمُ المُنافِقُونَ عِنْدَ تَوَجُّهِ أمْرِ القِتالِ فَيَقُولُوا: لَوْ سالَمْنا القَوْمَ مُدَّةً حَتّى نَسْتَعِيدَ عُدَّتَنا ونَسْتَرْجِعَ قُوَّتَنا بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمّا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ مَفْلُولِينَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، يَتَرَبَّصُونَ بِالمُسْلِمِينَ فُرْصَةً يُقاتِلُونَهم فِيها لِما ضايَقَهم مِن تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لَهم في طَرِيقِ تِجارَتِهِمْ إلى الشّامِ مِثْلَ ما وقَعَ في غَزْوَةِ السَّوِيقِ، وغَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، فَلَمّا كانَ في المَدِينَةِ مُنافِقُونَ وكانَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ رِجالٌ مِن أهْلِ يَثْرِبَ خَرَجُوا مِنها مَعَ أبِي عامِرٍ الضُّبَعِيِّ المُلَقَّبِ في الجاهِلِيَّةِ بِالرّاهِبِ والَّذِي غَيَّرَ النَّبِيءُ ﷺ لَقَبَهُ فَلَقَّبَهُ الفاسِقَ.
كانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ أنْ يَكِيدَ لِلْمُسْلِمِينَ أعْداؤُهم مِن أهْلِ يَثْرِبَ فَيُظاهِرُوا عَلَيْهِمُ المُشْرِكِينَ مُتَسَتِّرِينَ بِعِلَّةِ طَلَبِ السَّلْمِ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِن أنْ يَقَعُوا في هَذِهِ الحِبالَةِ.
والوَهَنُ: الضَّعْفُ والعَجْزُ، وهو هُنا مَجازٌ في طَلَبِ الدَّعَةِ. ومَعْناهُ: النَّهْيُ عَنْ إسْلامِ أنْفُسِهِمْ لِخَواطِرِ الضَّعْفِ، والعَمَلُ بِهَذا النَّهْيِ يَكُونُ بِاسْتِحْضارِ مَساوِئِ تِلْكَ الخَواطِرِ فَإنَّ الخَواطِرَ الشِّرِّيرَةَ إذا لَمْ تُقاوِمْها هِمَّةُ الإنْسانِ دَبَّتْ في نَفْسِهِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها فَتُصْبِحَ مَلَكَةً وسَجِيَّةً. فالمَعْنى: ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكم خَواطِرَ الوَهَنِ واجْتَنِبُوا مَظاهِرَهُ، وأوَّلُها الدُّعاءُ إلى السَّلْمِ وهو المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ.
والنَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ في حالِ وهَنٍ.
صفحة ١٣١
وعَطْفُ ”وتَدْعُوا“ عَلى ”تَهِنُوا“ فَهو مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَّهْيِ، والمَعْنى: ولا تَدْعُوا إلى السَّلْمِ وهو عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ مِن وجْهٍ، لِأنَّ الدُّعاءَ إلى المُسْلِمِ مَعَ المَقْدِرَةِ مِن طَلَبِ الدَّعَةِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ اسْتِبْقاءِ النُّفُوسِ والعِدَةِ بِالِاسْتِراحَةِ مِن عُدُولِ العَدُوِّ عَلى المُسْلِمِينَ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مُتَكالِبِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَرُبَّما ظَنَّ المُسْلِمُونَ أنَّهم إنْ تَداعَوْا مَعَهم لِلسَّلْمِ أمِنُوا مِنهم، وجَعَلُوا ذَلِكَ فُرْصَةً لِيَنُشُّوا الدَّعْوَةَ فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَضَرَّةِ لِأنَّهُ يَحُطُّ مِن شَوْكَتِهِمْ في نَظَرِ المُشْرِكِينَ فَيَحْسَبُونَهم طَلَبُوا السَّلْمَ عَنْ ضَعْفٍ فَيَزِيدُهم ذَلِكَ ضَراوَةً عَلَيْهِمْ وتَسْتَخِفُّ بِهِمْ قَبائِلُ العَرَبِ بَعْدَ أنْ أخَذُوا مِن قُلُوبِهِمْ مَكانَ الحُرْمَةِ وتَوَقُّعِ البَأْسِ.
ولِهَذا المَقْصِدِ الدَّقِيقِ جُمِعَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الوَهَنِ والدُّعاءِ إلى السَّلْمِ وأُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ .
فَتَحَصَّلَ مِمّا تَقَرَّرَ أنَّ الدُّعاءَ إلى السَّلْمِ المَنهِيِّ عَنْهُ هو طَلَبُ المَسْألَةِ مِنَ العَدُوِّ في حالِ قُدْرَةِ المُسْلِمِينَ وخَوْفِ العَدُوِّ مِنهم، فَهو سَلْمٌ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ المُسْلِمِينَ داعِينَ لَهُ وبِكَوْنِهِ عَنْ وهَنٍ في حالِ قُوَّةٍ. قالَ قَتادَةُ: أيْ لا تَكُونُوا أوَّلَ الطّائِفَتَيْنِ ضَرِعَتْ إلى صاحِبَتِها. فَهَذا لا يُنافِي السَّلْمَ المَأْذُونَ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] في سُورَةِ الأنْفالِ، فَإنَّهُ سَلْمٌ طَلَبَهُ العَدُوُّ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةً لِآيَةِ الأنْفالِ ولا العَكْسَ ولِكُلٍّ حالَةٌ خاصَّةٌ، ومُقَيَّدٌ بِكَوْنِ المُسْلِمِينَ في حالَةِ قُوَّةٍ ومَنَعَةٍ وعِدَّةٍ بِحَيْثُ يَدْعُونَ إلى السَّلْمِ رَغْبَةً في الدَّعَةِ.
فَإذا كانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ في السَّلْمِ أوْ كانَ أخَفَّ ضُرًّا عَلَيْهِمْ فَلَهم أنْ يَبْتَدِئُوا إذا احْتاجُوا إلَيْهِ وأنْ يُجِيبُوا إلَيْهِ إذا دُعُوا إلَيْهِ.
وقَدْ صالَحَ النَّبِيءُ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ لِمَصْلَحَةٍ ظَهَرَتْ فِيما بَعْدُ، وصالَحَ المُسْلِمُونَ في غَزْوِهِمْ أفْرِيقِيَّةَ أهْلَها وانْكَفَئُوا راجِعِينَ إلى مِصْرَ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في كَلامٍ لَهُ مَعَ بَعْضِ أُمَراءِ الجَيْشِ فَقَدْ آثَرْتُ سَلامَةَ المُسْلِمِينَ. وأمّا الصُّلْحُ عَلى بَعْضِ الأرْضِ مَعَ فَتْحِها فَذَلِكَ لا يُنافِي قُوَّةَ الفاتِحِينَ كَما صالَحَ أُمَراءُ أبِي بَكْرٍ نِصْفَ أهْلِ دِمَشْقَ وكَما صالَحَ أُمَراءُ عُمَرَ أهْلَ سَوادِ العِراقِ وكانُوا أعْلَمَ بِما فِيهِ صَلاحُهم.
صفحة ١٣٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ إلى السَّلْمِ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِكَسْرِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ عَطْفُ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الوَعْدِ.
والأعْلَوْنَ: مُبالَغَةٌ في العُلُوِّ. وهو هُنا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والنَّصْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨]، أيْ واللَّهُ جاعِلُكم غالِبِينَ.
”واللَّهُ مَعَكم“ عَطْفٌ عَلى الوَعْدِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ الرِّعايَةِ والكَلاءَةِ، أيْ واللَّهُ حافِظُكم وراعِيكم فَلا يَجْعَلُ لِلْكافِرِينَ عَلَيْكم سَبِيلًا. والمَعْنى: وأنْتُمُ الغالِبُونَ بِعِنايَةِ اللَّهِ ونَصْرِهِ.
وصِيغَ كُلٌّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿أنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الغَلَبِ لَهم، وثَباتِ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ وعْدٌ بِتَسْدِيدِ الأعْمالِ ونَجاحِها عَكْسُ قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] فَكُنِّيَ عَنْ تَوْفِيقِ الأعْمالِ ونَجاحِها بِعَدَمِ وتْرِها، أيْ نَقْصِها لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ إذا كانَ لا يَنْقُصُها فَبِالحَرِيِّ أنْ لا يُبْطِلَها، أيْ لا يُخَيِّبُها، وهو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويَصْلُحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] .
يُقالُ: وتَرَهُ يَتِرَهُ وتْرًا وتِرَةً كَوَعَدَ، إذا نَقَصَهُ، وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ «مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» .
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ مِنهُ صَرِيحُهُ، أيْ يَنْقُصَكم ثَوابَكم عَلى أعْمالِكم، أيِ الجِهادِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ فَيُفِيدُ التَّحْرِيضَ عَلى الجِهادِ بِالوَعْدِ بِأجْرِهِ كامِلًا.
47:36Page 510
إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦
[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allāh, He will give you your rewards and not ask you for your properties.
﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾
تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] الآيَةَ، وافْتِتاحُها بِـ (إنَّ) مُغْنٍ عَنِ افْتِتاحِها بِفاءِ التَّسَبُّبِ عَلى ما بَيَّنَهُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، ولَيْسَ اتِّصالُ
صفحة ١٣٣
(إنَّ) بِـ (ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ بِمُغَيِّرٍ مَوْقِعَها بِدُونِ (ما) لِأنَّ اتِّصالَها بِها زادَها مَعْنى الحَصْرِ.
والمُرادُ بِـ ”الحَياةِ“ أحْوالُ مُدَّةِ الحَياةِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ.
واللَّعِبُ: الفِعْلُ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ فاعِلُهُ الهَزْلَ دُونَ اجْتِناءِ فائِدَةٍ كَأفْعالِ الصِّبْيانِ في مَرَحِهِمْ.
واللَّهْوُ: العَمَلُ الَّذِي يُعْمَلُ لِصَرْفِ العَقْلِ عَنْ تَعَبِ الجِدِّ في الأُمُورِ فَيَلْهُو عَنْ ما يَهْتَمُّ لَهُ ويُكِدُّ عَقْلَهُ.
والإخْبارُ عَنِ الحَياةِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، شُبِّهَتْ أحْوالُ الحَياةِ الدُّنْيا بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ في عَدَمَ تُرَتُّبِ الفائِدَةِ عَلَيْها لِأنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ، والآخِرَةُ هي دارُ القَرارِ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَحْمِلَهم حُبُّ لَذائِذِ العَيْشِ عَلى الزَّهادَةِ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ ويَتْلُو إلى مُسالَمَتِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُغْرِي العَدُوَّ بِهِمْ.
وحُبُّ الفَتى طُولَ الحَياةِ يُذِلُّهُ وإنْ كانَ فِيهِ نَخْوَةٌ وعِـزامُ
47:37Page 510
إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧
If He should ask you for them and press you, you would withhold, and He would expose your hatred [i.e., unwillingness].
﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾
الأشْبَهُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] تَذْكِيرًا بِأنَّ امْتِثالَ هَذا النَّهْيِ هو التَّقْوى المَحْمُودَةُ، ولِأنَّ الدُّعاءَ إلى السَّلْمِ قَدْ يَكُونُ الباعِثُ عَلَيْهِ حُبَّ إبْقاءِ المالِ الَّذِي يُنْفَقُ في الغَزْوِ، فَذُكِّرُوا هُنا بِالإيمانِ والتَّقْوى؛ لِيَخْلَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمُ الوَهَنَ لِأنَّهم نُهُوا عَنْهُ وعَنِ الدُّعاءِ إلى السَّلْمِ فَكانَ الكَفُّ عَنْ ذَلِكَ مِنَ التَّقْوى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ لا يَسْألُهم أمْوالَهم إلّا لِفائِدَتِهِمْ وإصْلاحِ أُمُورِهِمْ، ولِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ”عَنْ نَفْسِهِ“، عَلى أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْلِيلُ النَّهْيِ المُتَقَدِّمِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] مُشِيرًا إلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا إذا عُمِّرَتْ بِالإيمانِ والتَّقْوى كانَتْ سَبَبًا في الخَيْرِ الدّائِمِ.
صفحة ١٣٤
والأُجُورُ هُنا: أُجُورُ الآخِرَةِ وهي ثَوابُ الإيمانِ والتَّقْوى.
فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ”فَلا تَهِنُوا“ الآيَةَ.
والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ قَوْلُهُ ”وتَتَّقُوا“ وأمّا ذِكْرُ ”تُؤْمِنُوا“ فَلِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الإيمانِ. ووُقُوعُ ”تُؤْمِنُوا“ في حَيِّزِ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِ إيمانِهِمْ حاصِلًا يُعَيِّنُ صَرْفَ مَعْنى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فِيهِ إلى إرادَةِ الدَّوامِ عَلى الإيمانِ إذْ لا تَتَقَوَّمُ حَقِيقَةُ التَّقْوى إلّا مَعَ سَبْقِ الإيمانِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] الآيَةَ.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] إدْماجٌ، وأنَّ المَقْصُودَ مِن جَوابِ الشَّرْطِ هو جُمْلَةُ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] .
وعَطْفُ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦]، أيْ أنَّ اللَّهَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِالخَيْراتِ ولا يَحْتاجُ إلى أمْوالِكم، وكانَتْ هَذِهِ المُناسَباتُ أحْسَنَ رَوابِطَ لِنَظْمِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ المَواعِظِ لِأنَّ البُخْلَ بِالمالِ مِن بَواعِثِ الدُّعاءِ إلى السَّلْمِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا بِاتِّباعِ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ يَرْضَ اللَّهُ مِنكم بِذَلِكَ ويَكْتَفِ بِهِ ولا يَسْألْكم زِيادَةً عَلَيْهِ مِن أمْوالِكم. فَيُعْلَمُ أنَّ ما يَعْنِيهِ النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ إنَّما هو بِقَدْرِ طاقَتِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ في الإنْفاقِ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في شَأْنِ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
فَقَوْلُهُ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] يُفِيدُ بِعُمُومِهِ وسِياقِهِ مَعْنى لا يَسْألُكم جَمِيعَ أمْوالِكم، أيْ إنَّما يَسْألُكم ما لا يُجْحِفُ بِكم، فَإضافَةُ أمْوالٍ وهو جَمْعٌ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تُفِيدُ العُمُومَ، فالمَنفِيُّ سُؤالُ إنْفاقِ جَمِيعِ الأمْوالِ، فالكَلامُ مِن نَفْيِ العُمُومِ لا مِن عُمُومِ النَّفْيِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] الآيَةَ.
صفحة ١٣٥
ويَجُوزُ أنْ يُفِيدَ أيْضًا مَعْنى: أنَّهُ لا يُطالِبُكم بِإعْطاءِ مالٍ لِذاتِهِ، فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكم، وإنَّما يَأْمُرُكم بِإنْفاقِ المالِ لِصالِحِكم كَما قالَ ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] .
وهَذا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] أيْ ما يَكُونُ طَلَبُ بَذْلِ المالِ إلّا لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ، وأيَّةُ مَصْلَحَةٍ أعْظَمُ مِن دَمْغِها العَدُوَّ عَنْ نَفْسِها لِئَلّا يُفْسِدَ فِيها ويَسْتَعْبِدَها.
وأمّا تَفْسِيرُ سُؤالِ الأمْوالِ المَنفِيِّ بِطَلَبِ زَكاةِ الأمْوالِ فَصَرْفٌ لِلْآيَةِ عَنْ مَهْيَعِها فَإنَّ الزَّكاةَ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ الزَّكاةَ فُرِضَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ عَلى الأصَحِّ.
وجُمْلَةُ ”إنْ يَسْألْكُمُوها“ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ سُؤالِهِ إيّاهم أمْوالَهم، أيْ لِأنَّهُ إنْ سَألَكم إعْطاءَ جَمِيعَ أمْوالِكم وقَدْ عَلِمَ أنَّ فِيكم مَن يَسْمَحُ بِالمالِ لا تَبْخَلُوا بِالبَذْلِ وتَجْعَلُوا تَكْلِيفَكم بِذَلِكَ سَبَبًا لِإظْهارِ ضِغْنَكم عَلى الَّذِينَ لا يُعْطُونَ فَيَكْثُرُ الِارْتِدادُ والنِّفاقُ وذَلِكَ يُخالِفُ مُرادَ اللَّهِ مِن تَزْكِيَةِ نُفُوسِ الدّاخِلِينَ في الإيمانِ.
وهَذا مُراعاةٌ لِحالِ كَثِيرٍ يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ وكانُوا قَدْ بَذَلُوا مِن أمْوالِهِمْ لِلْمُهاجِرِينَ فَيَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لَمْ يَسْألْهم زِيادَةً عَلى ذَلِكَ، وكانَ بَيْنَهم كَثِيرٌ مِن أهْلِ النِّفاقِ يَتَرَصَّدُونَ الفُرَصَ لِفِتْنَتِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وهَذا يُشِيرُ إلَيْهِ عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ تَحْدُثُ فِيكم أضْغانٌ فَيَكُونُ سُؤالُهُ أمْوالَكم سَبَبًا في ظُهُورِها فَكَأنَّهُ أظْهَرَها. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في سَدِّ ذَرِيعَةِ الفَسادِ.
والإحْفاءُ: الإكْثارُ وبُلُوغُ النِّهايَةِ في الفِعْلِ، يُقالُ: أحْفاهُ في المَسْألَةِ إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الإلْحاحِ. وعَنْعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ: الإحْفاءُ أنْ تَأْخُذَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدَيْكَ، وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وعُبِّرَ بِهِ هُنا عَنِ الجَزْمِ في الطَّلَبِ وهو الإيجابُ، أيْ فَيُوجِبُ عَلَيْكم بَذْلَ المالِ ويَجْعَلُ عَلى مَنعِهِ عُقُوبَةً.
والبُخْلُ: مَنعُ بَذْلِ المالِ.
صفحة ١٣٦
والضِّغْنُ: العَداوَةُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] .
والمَعْنى: يَمْنَعُوا المالَ ويُظْهِرُوا العِصْيانَ والكَراهِيَةَ، فَلُطْفُ اللَّهِ بِالكَثِيرِ مِنهُمُ اقْتَضى أنْ لا يَسْألَهم مالًا عَلى وجْهِ الإلْزامِ ثُمَّ زالَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا لَمّا تَمَكَّنَ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الإنْفاقَ في الجِهادِ.
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”ويُخْرِجْ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ إلى البُخْلِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”تَبْخَلُوا“ أيْ مِن قَبِيلِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُخْرِجْ“ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِنُونٍ في أوَّلِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences