Ibn 'AshurAl‑Fath · 48:27–28

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:27–28

48:27Page 514

لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا ٢٧

Certainly has Allāh showed to His Messenger the vision [i.e., dream] in truth. You will surely enter al-Masjid al-Ḥarām, if Allāh wills, in safety, with your heads shaved and [hair] shortened,1 not fearing [anyone]. He knew what you did not know and has arranged before that a conquest near [at hand].

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ودَحْضُ ما خامَرَ نُفُوسَ فَرِيقٍ مِنَ الفَشَلِ أوِ الشَّكِّ أوِ التَّحَيُّرِ وتَبْيِينُ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ مِن ثَوابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى كَشْفِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لِلْقَوْمِ في رُؤْيا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ذَلِكَ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رُؤْيا قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ، أوْ وهو في الحُدَيْبِيَةِ: كَأنَّهُ وأصْحابَهُ قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وحَلَقُوا وقَصَّرُوا» . هَكَذا كانَتِ الرُّؤْيا مُجْمَلَةً لَيْسَ فِيها وُقُوعُ حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ، والحِلاقُ والتَّقْصِيرُ مُناسِبٌ لِكِلَيْهِما.

صفحة ١٩٨

وقَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤْياهُ عَلى أصْحابِهِ فاسْتَبْشَرُوا بِها وعَبَرُوها أنَّهم داخِلُونَ إلى مَكَّةَ بِعُمْرَتِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا لِأجْلِها، فَلَمّا جَرى الصُّلْحُ وتَأهَّبَ النّاسُ إلى القُفُولِ أثارَ بَعْضُ المُنافِقِينَ ذِكْرَ الرُّؤْيا فَقالُوا: فَأيْنَ الرُّؤْيا فَواللَّهِ ما دَخَلْنا المَسْجِدَ الحَرامَ ولا حَلَقْنا وقَصَّرْنا ؟ فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ المَنامَ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ وأنَّهُ سَيُدْخَلُ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والمَعْنى أنْ رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ وأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِها وأنَّها وإنْ لَمْ تَقَعْ في تِلْكَ القَضِيَّةِ فَسَتُحَقَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ وكَأنَّ الحِكْمَةَ في إراءَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ تِلْكَ الرُّؤْيا أيامَئِذٍ وفي إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ أصْحابَهُ بِها: أنَّ اللَّهَ أدْخَلَ بِذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ الثِّقَةَ بِقُوَّتِهِمْ وتَرْبِيَةَ الجَراءَةِ عَلى المُشْرِكِينَ في دِيارِهِمْ فَتَسْلَمُ قُلُوبُهم مِن ماءِ الجُبْنِ فَإنَّ الأمْراضَ النَّفْسِيَّةَ إذا اعْتَرَتِ النُّفُوسَ لا تَلْبَثُ أنْ تَتْرُكَ فِيها بَقايا الدّاءِ زَمانًا كَما تَبْقى آثارُ المَرَضِ في العُضْوِ المَرِيضِ بَعْدَ النَّقاهَةِ زَمانًا حَتّى تَرْجِعَ إلى العُضْوِ قُوَّتُهُ الأُولى بَعْدَ مُدَّةِ مُناسِبَةٍ.

وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِإبْطالِ شُبْهَةِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: فَأيْنَ الرُّؤْيا ؟ ومَعْنى صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا أنَّهُ أراهُ رُؤْيا صادِقَةً لِأنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ فَآلَتْ إلى مَعْنى الخَبَرِ فَوُصِفَتْ بِالصِّدْقِ لِذَلِكَ.

وهَذا تَطْمِينٌ لَهم بِأنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ لا مَحالَةَ وهو في حِينِ نُزُولِ الآيَةِ لَمّا يَحْصُلْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وتَعْدِيَةُ ”صَدَقَ“ إلى مَنصُوبٍ ثانٍ بَعْدَ مَفْعُولِهِ مِنَ النَّصْبِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ المُسَمّى بِالحَذْفِ والإيصالِ، أيْ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِالعَمَلِ فِيهِ النَّصْبَ. وأصْلُ الكَلامِ: صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الرُّؤْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صِدْقًا مُلابِسًا الحَقَّ، أوْ وُقُوعٍ حالًا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صِدْقًا مُلابِسًا وقَعَ حالًا مِنَ الرُّؤْيا.

صفحة ١٩٩

والحَقُّ: الغَرَضُ الصَّحِيحُ والحِكْمَةُ، أيْ كانَتْ رُؤْيا صادِقَةً وكانَتْ مَجْعُولَةً مُحْكَمَةً وهي ما قَدَّمْناهُ آنِفًا.

وجُمْلَةُ ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ صَدَقَ اللَّهُ لِأنَّ مَعْنى لَتَدْخُلُنَّ تَحْقِيقُ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ في المُسْتَقْبَلِ فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الرُّؤْيا إخْبارٌ بِدُخُولٍ لَمْ يُعَيَّنْ زَمَنُهُ فَهي صادِقَةٌ فِيما يَتَحَقَّقُ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا تَنْبِيهٌ لِلَّذِينَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِذَلِكَ فَجَزَمُوا بِأنَّ رُؤْيا دُخُولِ المَسْجِدِ تَقْتَضِي دُخُولَهم إلَيْهِ أيّامَئِذٍ وما ذَلِكَ بِمَفْهُومٍ مِنَ الرُّؤْيا وكانَ حَقَّهم أنْ يَعْلَمُوا أنَّها وعْدٌ لَمْ يُعَيَّنْ إبّانَ مَوْعُودِهِ وقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إذْ قالَ لَهم: إنَّ المَنامَ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ وأنَّهُ سَيَدْخُلُ. وقَدْ جاءَ في سُورَةِ يُوسُفَ وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ.

ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانًا لِلرُّؤْيا لِأنَّ صِيغَةَ القَسَمِ لا تُلائِمُ ذَلِكَ.

والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ”﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ﴾“ أيْ سَيَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ لا مَحالَةَ فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِاسْتِئْنافِ.

وقَوْلُهُ ”﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾“ مِن شَأْنِهِ أنْ يُذَيَّلَ بِهِ الخَبَرُ المُسْتَقْبَلُ إذا كانَ حُصُولُهُ مُتَراخِيًا، ألا تَرى أنَّ الَّذِي يُقالُ لَهُ: افْعَلْ كَذا، فَيَقُولُ: أفْعَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ، لا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّهُ يَفْعَلُ في الحالِ أوْ في المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ بَلْ يَفْعَلُهُ بَعْدَ زَمَنٍ ولَكِنْ مَعَ تَحْقِيقِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ.

ولِذَلِكَ تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] أنَّ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“ لِلدُّخُولِ مَعَ تَقْدِيرِ الأمْنِ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ حِينَ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ. أمّا ما في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ فَلا يُناسِبُهُ هَذا المَحْمَلُ. ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّنَصُّلَ مِنِ التِزامِ الوَعْدِ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالاتِ كَلِمَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَلَيْسَ هو مِثْلَ اسْتِعْمالِها في اليَمِينِ فَإنَّها حِينَئِذٍ لِلثُّنْيا لِأنَّها في مَوْضِعِ قَوْلِهِمْ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، لِأنَّ مَعْنى: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ: عَدَمُ الفِعْلِ، وأمّا إنْ شاءَ اللَّهُ، الَّتِي تَقَعُ مَوْقِعَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فَمَعْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ الفِعْلَ.

صفحة ٢٠٠

والمَوْعُودُ بِهِ صادِقٌ بِدُخُولِهِمْ مَكَّةَ بِالعُمْرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وهي عُمْرَةُ القَضِيَّةِ، فَإنَّهم دَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرامَ آمِنِينَ وحَلَقَ بَعْضُهم وقَصَّرَ بَعْضٌ غَيْرَ خائِفِينَ إذْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ، وذَلِكَ أقْرَبُ دُخُولٍ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ، وصادِقٌ بِدُخُولِهِمُ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ، وعَدَمُ الخَوْفِ فِيهِ أظْهَرُ. وأمّا دُخُولُهم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ فَلَمْ يَكُونُوا فِيهِ مُحْرِمِينَ. قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ يَوْمَ الفَتْحِ ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا واللَّهُ أعْلَمُ.

و﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ آمِنِينَ وعَطَفَ عَلَيْهِ ومُقَصِّرِينَ والتَّحْلِيقُ والتَّقْصِيرُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِن إتْمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وذَلِكَ مِنِ اسْتِمْرارِ الأمْنِ عَلى أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حَكَتْ ما رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رُؤْياهُ، أيْ يَحْلِقُ مَن رامَ الحَلْقَ ويُقَصِّرُ مَن رامَ التَّقْصِيرَ، أيْ لا يُعْجِلُهُمُ الخَوْفُ عَنِ الحَلْقِ فَيَقْتَصِرُوا عَلى التَّقْصِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَخافُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِـ ”آمَنِينَ“ تَأْكِيدًا بِالمُرادِفِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْنَ كامِلٌ مُحَقَّقٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مُؤَسَّسَةً عَلى أنَّ ”آمِنِينَ“ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ ”تَدْخُلُّنَ“ وأنَّ ”لا تَخافُونَ“ مَعْمُولٌ لِـ ”آمِنِينَ“، أيْ آمَنِينَ أمْنَ مَن لا يَخافُ، أيْ لا تَخافُونَ غَدْرًا. وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهم يَكُونُونَ أشَدَّ قُوَّةً مِن عَدُوِّهِمُ الَّذِي أمِنَهم، وهَذا يُومِئُ إلى حِكْمَةِ تَأْخِيرِ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ إلى عامٍ قابِلٍ حَيْثُ يَزْدادُونَ قُوَّةً واسْتِعْدادًا وهو أظْهَرُ في دُخُولِهِمْ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾“ لِتَفْرِيعِ الأخْبارِ لا لِتَفْرِيعِ المُخْبَرِ بِهِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ سابِقٌ عَلى دُخُولِهِمْ وعَلى الرُّؤْيا المُؤْذِنَةِ بِدُخُولِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ.

وفِي إيثارِ فِعْلِ جَعَلَ في هَذا التَّرْكِيبِ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَتَحَ لَكم مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا أوْ نَحْوَهُ إفادَةُ أنَّ هَذا الفَتْحَ أمْرُهُ عَجِيبٌ ما كانَ لِيَحْصُلَ مِثْلُهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَوَّنَهُ، وصِيغَةُ الماضِي في ”جَعَلَ“ لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ مَنزِلَةَ الماضِي، أوْ لِأنَّ ”جَعَلَ“ بِمَعْنى (قَدَّرَ) . و(دُونِ) هُنا بِمَعْنى (غَيْرِ)، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ

صفحة ٢٠١

بَيانِيَّةٌ. والمَعْنى: فَجَعَلَ فَتْحًا قَرِيبًا لَكم زِيادَةً عَلى ما وعَدَكم مِن دُخُولِ مَكَّةَ آمِنِينَ. وهَذا الفَتْحُ أوَّلُهُ هو فَتْحُ خَيْبَرَ الَّذِي وقَعَ قَبْلَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ وهَذا القَرِيبُ مِن وقْتِ الصُّلْحِ.

48:28Page 514

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٢٨

It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion. And sufficient is Allāh as Witness.

﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِصِدْقِ الرُّؤْيا بِأنَّ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ بِهَذا الدِّينِ ما كانَ لِيُرِيَهُ رُؤْيا صادِقَةً. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ المُسْتَفادِ مِن حِرَفِ (قَدْ) ولامِ القَسَمِ في قَوْلِهِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ. وبِهَذا يَظْهَرُ لَكَ حُسْنُ مَوْقِعِ الضَّمِيرِ والمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ لِأنَّ المَوْصُولَ يُفِيدُ العِلْمَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ غالِبًا.

والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾ [الفتح: ٢٧]، وهم يَعْلَمُونَ أنَّ رُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ فَهو يُذَكِّرُهم بِهاتَيْنِ الحَقِيقَتَيْنِ المَعْلُومَتَيْنِ عِنْدَهم حِينَ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ العِلْمِ بِهِما فَخامَرَتْهم ظُنُونٌ لا تَلِيقُ بِمَن يَعْلَمُ أنَّ رُؤْيا الرَّسُولِ وحَيٌ وأنَّ المُوحِيَ لَهُ هو الَّذِي أرْسَلَهُ فَكَيْفَ يُرِيهِ رُؤْيا غَيْرَ صادِقَةٍ. وفي هَذا تَذْكِيرٌ ولَوْمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ غَفَلُوا عَنْ هَذا وتَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أدْخَلُوا التَّرَدُّدَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.

والباءُ في بِالهُدى لِلْمُصاحَبَةِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلَ“ . والهُدى أُطْلِقَ عَلى ما بِهِ الهُدى، أيْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] .

وعَطَفَ ”دِينِ الحَقِّ“ عَلى الهُدى لِيَشْمَلَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الأحْكامِ أُصُولِها وفُرُوعِها مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ سِوى القُرْآنِ مِن كُلِّ وحْيٍ بِكَلامٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الإعْجازُ أوْ كانَ مِن سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالهُدى أُصُولَ الدِّينِ مِنِ اعْتِقادِ الإيمانِ وفَضائِلِ الأخْلاقِ الَّتِي بِها تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، و”بِدِينِ الحَقِّ“: شَرائِعُ الإسْلامِ وفُرُوعُهُ.

صفحة ٢٠٢

واللّامُ في ”لِيُظْهِرَهُ“ لِتَعْلِيلِ فِعْلِ ”أرْسَلَ“ ومُتَعَلِّقاتِهِ، أيْ أرْسَلَهُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ هَذا الدِّينَ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ السّالِفَةِ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِـ كُلِّهِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ.

ومَعْنى ”يُظْهِرَهُ“ يُعْلِيهِ. والإظْهارُ: أصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِن ظَهَرَ بِمَعْنى بَدا، فاسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنِ الِارْتِفاعِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ أُطْلِقَ مَجازًا عَنِ الشَّرَفِ فَصارَ أظْهَرَهُ بِمَعْنى أعْلاهُ، أيْ لِيُشَرِّفَهُ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، وهَذا كَقَوْلِهِ في حَقِّ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ إلَخِ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرُّؤْيا صِدْقٌ ذَيَّلَ الجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا أيْ أجْزَأتْكم شَهادَةُ اللَّهِ بِصِدْقِ الرُّؤْيا إلى أنْ تَرَوْا ما صْدَقَها في الإبّانِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском