Ibn 'AshurAl‑Fath · 48:6–10

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:6–10

48:6Page 511

وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦

And [that] He may punish the hypocrite men and hypocrite women, and the polytheist men and polytheist women - those who assume about Allāh an assumption of evil nature. Upon them is a misfortune of evil nature; and Allāh has become angry with them and has cursed them and prepared for them Hell, and evil it is as a destination.

﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾

الحَدِيثُ عَنْ جُنُودِ اللَّهِ في مَعْرِضِ ذِكْرِ نَصْرِ اللَّهِ يَقْتَضِي لا مَحالَةَ فَرِيقًا مَهْزُومًا بِتِلْكَ الجُنُودِ وهُمُ العَدُوُّ، فَإذا كانَ النَّصْرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ مَعْلُولًا بِما بَشَّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَلا جَرَمَ اقْتَضى أنَّهُ مَعْلُولٌ بِما يَسُوءُ العَدُوَّ وحِزْبَهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ مِن عِلَّةِ ذَلِكَ النَّصْرِ أنَّهُ يُعَذِّبُ بِسَبَبِهِ المُنافِقِينَ حِزْبَ العَدُوِّ، والمُشْرِكِينَ صَمِيمَ العَدُوِّ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] .

والمُرادُ: تَعْذِيبٌ خاصٌّ زائِدٌ عَلى تَعْذِيبِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ الكُفْرِ والنِّفاقِ وقَدْ أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ .

صفحة ١٥٣

والِابْتِداءُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ في التَّعْذِيبِ قَبْلَ المُشْرِكِينَ لِتَنْبِيهِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ كُفْرَ المُنافِقِينَ خَفِيٌّ فَرُبَّما غَفَلَ المُسْلِمُونَ عَنْ هَذا الفَرِيقِ أوْ نَسُوهُ.

كانَ المُنافِقُونَ لَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ إلى فَتْحِ مَكَّةَ ولا إلى عُمْرَةِ القَضِيَّةِ لِأنَّهم لا يُحِبُّونَ أنْ يَراهُمُ المُشْرِكُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِأعْمالِ المُسْلِمِينَ مُظاهِرِينَ لَهم ولِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ يُدافِعُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ مَكَّةَ وأنَّهُ يَكُونُ النَّصْرُ لِلْمُشْرِكِينَ.

والتَّعْذِيبُ: إيصالُ العَذابِ إلَيْهِمْ وذَلِكَ صادِقٌ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] وقالَ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، وبِالوَجَلِ، وحَذَرِ الِافْتِضاحِ، وبِالكَمَدِ مِن رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ مَنصُورِينَ سالِمِينَ قالَ تَعالى ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وقالَ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُوءُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠] وصادِقْ بِعَذابِ الآخِرَةِ وهو ما خُصَّ بِالذِّكْرِ في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ﴾ .

وعَطْفُ المُنافِقاتِ نَظِيرُ عَطْفِ المُؤْمِناتِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّ نِساءَ المُنافِقِينَ يُشارِكُونَهم في أسْرارِهِمْ ويَحُضُّونَ ما يُبَيِّتُونَهُ مِنَ الكَيْدِ ويُهَيِّئُونَ لَهم إيواءَ المُشْرِكِينَ إذا زارُوهم.

وقَوْلُهُ ”الظّانِّينَ“ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ فَإنَّ حَقَّ الصِّفَةِ الوارِدَةِ بَعْدَ مُتَعَدِّدٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِهِ ما لَمْ يَكُنْ مانِعٌ لَفْظِيٌّ أوْ مَعْنَوِيٌّ.

والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ في قَوْلِهِ ”ظَنَّ السَّوْءِ“ في قِراءَةِ جَمِيعِ العَشَرَةِ، وأمّا في قَوْلِهِمْ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ فَهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ أيْضًا. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ السِّينِ. والمَفْتُوحُ والمَضْمُومُ مُتَرادِفانِ في أصْلِ اللُّغَةِ ومَعْناهُما المَكْرُوهُ ضِدُّ السُّرُورِ، فَهُما لُغَتانِ مِثْلُ: الكَرْهُ والكُرْهُ، والضَّعْفُ والضُّعْفُ، والضَّرُّ والضُّرُّ، والبَأْسُ والبُؤْسُ. هَذا عَنِ الكِسائِيِّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَيَّنَهُ الجَوْهَرِيُّ بِأنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ والمَضْمُومَ اسْمُ مَصْدَرٍ، إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ المَفْتُوحُ في أنْ يَقَعَ وصْفًا لِمَذْمُومٍ مُضافًا إلَيْهِ مَوْصُوفُهُ كَما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ ﴿ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، وغَلَبَ المَضْمُومُ في مَعْنى الشَّيْءِ الَّذِي هو بِذاتِهِ شَرٌّ.

صفحة ١٥٤

فَإضافَةُ الظَّنِّ إلى السَّوْءِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ.

والمُرادُ: ظَنُّهم بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعِدِ الرَّسُولَ ﷺ بِالفَتْحِ ولا أمَرَهُ بِالخُرُوجِ إلى العُمْرَةِ ولا يُقَدِّرُ لِلرَّسُولِ ﷺ النَّصْرَ لِقِلَّةِ أتْباعِهِ وعِزَّةِ أعْدائِهِ، فَهَذا ظَنُّ سُوءٍ بِالرَّسُولِ ﷺ، وهَذا المُناسِبُ لِقِراءَتِهِ بِالفَتْحِ.

وأمّا دائِرَةُ السَّوْءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهي الدّائِرَةُ الَّتِي تَسُوءُ أُولَئِكَ الظّانِّينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ، ولا التِفاتَ إلى كَوْنِها مَحْمُودَةً عِنْدَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِبَيانِ ذَلِكَ والإضافَةُ مِثْلُ إضافَةِ ظَنَّ السَّوْءِ، وأمّا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو فَإضافَةُ (دائِرَةُ) المَضْمُومُ مِن إضافَةِ الأسْماءِ، أيِ الدّائِرَةُ المُخْتَصَّةُ بِالسَّوْءِ والمُلازِمَةُ لَهُ لا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ.

ولَيْسَ في قِراءَتِهِما خُصُوصِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولَكِنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ فَفَتْحُ السَّوْءِ الأوَّلِ مُتَعَيِّنٌ وضَمُّ الثّانِي جائِزٌ ولَيْسَ بِراجِحٍ والِاخْتِلافُ اخْتِلافٌ في الرِّوايَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دُعاءٌ أوْ وعِيدٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ بِالِاسْمِيَّةِ لِصَلُوحِيَّتِها لِذَلِكَ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهُمْ﴾ فَإنَّها إخْبارٌ عَمّا جَنَوْهُ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ فالتَّعْبِيرُ بِالماضِي مِنهُ أظْهَرُ.

48:7Page 511

وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧

And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

هَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ آنِفًا إلّا أنَّ هَذا أُوثِرَ بِصِفَةِ عَزِيزٍ دُونَ عَلِيمٍ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجُنُودِ هُنا الإنْذارُ والوَعِيدُ بِهَزائِمَ تَحِلُّ بِالمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ فَكَما ذُكِرَ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيما تَقَدَّمَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ يَكُونُ بِجُنُودِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِما، ذِكْرُ ما هُنا لِلْوَعِيدِ بِالهَزِيمَةِ فَمُناسِبَةُ صِفَةِ عَزِيزٍ، أيْ لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ.

48:8–9Page 511

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨

Indeed, We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩

That you [people] may believe in Allāh and His Messenger and honor him and respect him [i.e., the Prophet (ﷺ)] and exalt Him [i.e., Allāh] morning and afternoon.

صفحة ١٥٥

﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾

لَمّا أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِنَ الوَعْدِ بِالفَتْحِ والنَّصْرِ وما اقْتَضاهُ ذَلِكَ مِمّا اتَّصَلَ بِهِ ذِكْرُهُ، إلى تَبْيِينِ ما جَرى في حادِثَةِ الحُدَيْبِيَةِ وإبْلاغِ كُلِّ ذِي حَظٍّ مِن تِلْكَ القَضِيَّةِ نَصِيبَهُ المُسْتَحَقَّ ثَناءً أوْ غَيْرَهُ صَدَّرَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُرادِ اللَّهِ مِن إرْسالِ رَسُولِهِ ﷺ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالمُقَدَّمَةِ لِلْقِصَّةِ وذُكِرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ - تَعالى - في إرْسالِهِ ما لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِالواقِعَةِ المُتَحَدَّثِ عَنْها، فَذُكِرَتْ أوْصافٌ ثَلاثَةٌ هي: شاهِدٌ، ومُبَشِّرٌ، ونَذِيرٌ. وقُدِّمَ مِنها وصْفُ الشّاهِدِ لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ الوَصْفانِ بَعْدَهُ.

فالشّاهِدُ: المُخْبِرُ بِتَصْدِيقِ أحَدٍ أوْ تَكْذِيبِهِ فِيما ادَّعاهُ أوِ ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالمَعْنى: أرْسَلْناكَ في حالِ أنَّكَ تَشْهَدُ عَلى الأُمَّةِ بِالتَّبْلِيغِ بِحَيْثُ لا يُعْذَرُ المُخالِفُونَ عَنْ شَرِيعَتِكَ فِيما خالَفُوا فِيهِ، وتَشْهَدُ عَلى الأُمَمِ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ حاصِلَةٌ في الدُّنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ، فانْتَصَبَ شاهِدًا عَلى أنَّهُ حالٌ، وهو حالُ مُقارَنَةٍ ويَتَرَتَّبُ عَلى التَّبْلِيغِ الَّذِي سَيَشْهَدُ بِهِ أنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرٌ لِلْعاصِينَ عَلى مَراتِبِ العِصْيانِ.

والكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ الأفْعالَ الأرْبَعَةَ لِتُؤْمِنُوا، وتُعَزِّرُوهُ، وتُوَقِّرُوهُ، وتُسَبِّحُوهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ في الأفْعالِ الأرْبَعَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في لِتُؤْمِنُوا لامَ كَيْ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ أرْسَلْناكَ.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ مَعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ، أيْ لِتُؤْمِنَ أنْتَ والَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، والمَقْصُودُ الإيمانُ بِاللَّهِ. وأُقْحِمَ ورَسُولِهِ لِأنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْأُمَّةِ وهم مَأْمُورُونَ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَأْمُورٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ولِذَلِكَ كانَ يَقُولُ في تَشَهُّدِهِ: وأشْهَدُ أنَّ

صفحة ١٥٦

مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وقالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «أشْهَدُ أنِّي عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» . وصَحَّ أنَّهُ كانَ يُتابِعُ قَوْلَ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنّاسِ خاصَّةً ولا إشْكالَ في عَطْفِ ورَسُولِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ ونَذِيرًا وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، ويَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ لِتُؤْمِنُوا لامَ الأمْرِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا لِلْأمْرِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ في سُورَةِ الحَدِيدِ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِياءِ الغَيْبَةِ فِيها، والضَّمائِرُ عائِدَةٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ لِأنَّ الشَّهادَةَ والتَّبْشِيرَ والنِّذارَةَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلتَّعَلُّقِ بِمُقَدَّرٍ، أيْ شاهِدًا عَلى النّاسِ ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ إلَخْ.

والتَّعْزِيزُ: النَّصْرُ والتَّأْيِيدُ، وتَعْزِيزُهُمُ اللَّهَ كَقَوْلِهِ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ. والتَّوْقِيرُ: التَّعْظِيمُ.

والتَّسْبِيحُ: الكَلامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ - تَعالى - عَنْ كُلِّ النَّقائِصِ.

وضَمائِرُ الغَيْبَةِ المَنصُوبَةُ الثَّلاثَةُ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ إفْرادَ الضَّمائِرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَها اسْمَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما. والقَرِينَةُ عَلى تَعْيِينِ المُرادِ ذِكْرُ ”وتُسَبِّحُوهُ“، ولِأنَّ عَطْفَ ”ورَسُولِهِ“ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ اعْتِدادٌ بِأنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ ﷺ إيمانٌ بِاللَّهِ فالمَقْصُودُ هو الإيمانُ بِاللَّهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: إنَّ ضَمِيرَ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ.

والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والأصِيلُ: آخِرُهُ، وهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِيعابِ الأوْقاتِ بِالتَّسْبِيحِ والإكْثارِ مِنهُ، كَما يُقالُ: شَرْقًا وغَرْبًا لِاسْتِيعابِ الجِهاتِ.

وقِيلَ التَّسْبِيحُ هُنا: كِنايَةٌ عَنِ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ والقَوْلُ في بُكْرَةٍ وأصِيلًا هو هو.

وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ الأحْزابِ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]

صفحة ١٥٧

فَزِيدَ في صِفاتِ النَّبِيءِ ﷺ هُنالِكَ وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ولَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في الآيَةِ هَذِهِ الَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ ورَدَتْ في سِياقِ إبْطالِ شَكِّ الَّذِينَ شَكُّوا في أمْرِ الصُّلْحِ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِوَعْدِ الفَتْحِ والنَّصْرِ، والثَّناءِ عَلى الَّذِينَ اطْمَأنُّوا لِذَلِكَ فاقْتُصِرَ مِن أوْصافِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الوَصْفِ الأصْلِيِّ وهو أنَّهُ شاهَدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ وكَوْنِهِ مُبَشِّرًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ ونَذِيرًا لِلْآخَرِ، بِخِلافِ آيَةِ الأحْزابِ فَإنَّها ورَدَتْ في سِياقِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مَطاعِنِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في تَزَوُّجِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِزَعْمِهِمْ أنَّها زَوْجَةُ ابْنِهِ، فَناسَبَ أنْ يُزادَ في صِفاتِهِ ما فِيهِ إشارَةٌ إلى التَّمْحِيصِ بَيْنَ ما هو مِن صِفاتِ الكَمالِ وما هو مِنَ الأوْهامِ النّاشِئَةِ عَنْ مَزاعِمَ كاذِبَةٍ مِثْلَ التَّبَنِّي، فَزِيدَ كَوْنُهُ داعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ، أيْ لا يَتَّبِعُ مَزاعِمَ النّاسِ ورَغَباتِهِمْ وأنَّهُ سِراجٌ مُنِيرٌ يَهْتَدِي بِهِ مَن هِمَّتُهُ في الِاهْتِداءِ دُونَ التَّقْعِيرِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأحْزابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

48:10Page 512

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠

Indeed, those who pledge allegiance to you, [O Muḥammad] - they are actually pledging allegiance to Allāh. The hand1 of Allāh is over their hands.2 So he who breaks his word only breaks it to the detriment of himself. And he who fulfills that which he has promised Allāh - He will give him a great reward.

﴿إنِ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عَهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَنُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾

شُرُوعٌ في الغَرَضِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأكَّدَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يُبايِعُونَكَ“ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ المُبايَعَةِ الجَلِيلَةِ لِتَكُونَ كَأنَّها حاصِلَةٌ في زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ أنَّها قَدِ انْقَضَتْ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ويَصْنَعُ الفُلْكَ.

والحَصْرُ المُفادُ مِن (إنَّما) حَصْرُ الفِعْلِ في مَفْعُولِهِ، أيْ لا يُبايِعُونَ إلّا اللَّهَ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ بِادِّعاءِ أنَّ غايَةَ البَيْعَةِ وغَرَضَها هو النَّصْرُ لِدِينِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَنَزَلَ الغَرَضُ مَنزِلَةَ الوَسِيلَةِ فادَّعى أنَّهم بايَعُوا اللَّهَ لا الرَّسُولَ.

صفحة ١٥٨

وحَيْثُ كانَ الحَصْرُ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، كَما قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: لَمْ أجْعَلْ (إنَّ) الَّتِي في مُفْتَتَحِ الجُمْلَةِ لِلتَّأْكِيدِ لِحُصُولِ التَّأْكِيدِ بِغَيْرِها فَجَعَلْتُها لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ غَرَضانِ.

وانْتَقَلَ مِن هَذا الِادِّعاءِ إلى تَخَيُّلِ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - يُبايِعُهُ المُبايِعُونَ فَأُثْبِتَتْ لَهُ اليَدُ الَّتِي هي مِن رَوادِفِ المُبايَعِ بِالفَتْحِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيلَةِ مِثْلَ إثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ.

وقَدْ هُيِّأتْ صِيغَةُ المُبايَعَةِ لِأنْ تُذْكَرَ بَعْدَها الأيْدِي لِأنَّ المُبايَعَةَ يُقارِنُها وضْعُ المُبايِعِ يَدَهُ في يَدِ المُبايَعِ بِالفَتْحِ كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

حَتّى وضَعَتْ يَمِينِي لا أُنازِعُهُ في كَفِّ ذِي يَسَراتٍ قِيلُهُ القِيلُ

ومِمّا زادَ هَذا التَّخْيِيلَ حُسْنًا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ بَيْنَ يَدِ اللَّهِ وأيْدِيهِمْ كَما قالَ في المِفْتاحِ: والمُشاكَلَةُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ اليَدِ وسِماتِ المُحْدَثاتِ.

فَجُمْلَةُ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ المُفِيدَةِ أنَّ بَيْعَتَهُمُ النَّبِيءَ ﷺ في الظّاهِرِ، هي بَيْعَةٌ مِنهم لِلَّهِ في الواقِعِ فَقَرَّرَتْهُ جُمْلَةُ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ وأكَّدَتْهُ ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ.

وجُعِلَتِ اليَدُ المُتَخَيَّلَةُ فَوْقَ أيْدِيهِمْ: إمّا لِأنَّ إضافَتَها إلى اللَّهِ تَقْتَضِي تَشْرِيفَها بِالرِّفْعَةِ عَلى أيْدِي النّاسِ كَما وُصِفَتْ في المُعْطِي بِالعُلْيا في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى واليَدُ العُلْيا هي المُعْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى هي الآخِذَةُ»، وإمّا لِأنَّ المُبايَعَةَ كانَتْ بِأنْ يَمُدَّ المُبايِعُ كَفَّهُ أمامَ المُبايَعِ بِالفَتْحِ ويَضَعَ هَذا المُبايِعُ يَدَهُ عَلى يَدِ المُبايَعِ، فالوَصْفُ بِالفَوْقِيَّةِ مِن تَمامِ التَّخْيِيلِيَّةِ. ويَشْهَدُ لِهَذا ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا بايَعَهُ النّاسُ كانَ عُمَرُ آخِذًا بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ كانَ عُمَرُ يَضَعُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أيْدِي النّاسِ كَيْلا يَتْعَبَ بِتَحْرِيكِها لِكَثْرَةِ المُبايِعِينَ فَدَلَّ عَلى أنَّ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ تُوضَعُ عَلى يَدِ المُبايِعِينَ» .

وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الفَوْقِيَّةِ هُنا تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ وإغْراقٌ في التَّخَيُّلِ.

والمُبايَعَةُ أصْلُها مُشْتَقَّةٌ مِنَ البَيْعِ فَهي مُفاعَلَةٌ لِأنَّ كِلا المُتَعاقِدَيْنِ بائِعٌ، ونُقِلَتْ

صفحة ١٥٩

إلى مَعْنى العَهْدِ عَلى الطّاعَةِ والنُّصْرَةِ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيَةَ، وهي هُنا بِمَعْنى العَهْدِ عَلى النُّصْرَةِ والطّاعَةِ.

وهِيَ البَيْعَةُ الَّتِي بايَعَها المُسْلِمُونَ النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ مِنَ السَّمُرِ وكانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أوْ أكْثَرَ، وعَنْهُ: أنَّهم خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى كانُوا ثَلاثَ عَشْرَةَ مِائَةً. وأوَّلُ مَن بايَعَ النَّبِيءَ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أبُو سِنانٍ الأسَدِيُّ.

وتُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] .

وكانَ سَبَبُ هَذِهِ البَيْعَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ لِيُفاوِضَهم في شَأْنِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الِاعْتِمارِ بِالبَيْتِ فَأُرْجِفَ بِأنَّ عُثْمانَ قُتِلَ فَعَزَمَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى قِتالِهِمْ لِذَلِكَ ودَعا مَن مَعَهُ إلى البَيْعَةِ عَلى أنْ لا يَرْجِعُوا حَتّى يُناجِزُوا القَوْمَ، فَكانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بايَعُوهُ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، وقالَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: بايَعْناهُ عَلى المَوْتِ، ولا خِلافَ بَيْنَ هَذَيْنِ لِأنَّ عَدَمَ الفِرارِ يَقْتَضِي الثَّباتَ إلى المَوْتِ.

ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ عَنِ البَيْعَةِ إلّا عُثْمانُ إذْ كانَ غائِبًا بِمَكَّةَ لِلتَّفاوُضِ في شَأْنِ العُمْرَةِ، ووَضَعَ النَّبِيءُ ﷺ يَدَهُ اليُمْنى عَلى يَدِهِ اليُسْرى وقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ ثُمَّ جاءَ عُثْمانُ، فَبايَعَ وإلّا الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ السُّلَمِيُّ اخْتَفى وراءَ جَمَلِهِ حَتّى بايَعَ النّاسُ ولَمْ يَكُنْ مُنافِقًا ولَكِنَّهُ كانَ ضَعِيفَ العَزْمِ. وقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ» .

وفُرِّعَ قَوْلُهُ ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾، فَإنَّهُ لَمّا كَشَفَ كُنْهَ هَذِهِ البَيْعَةِ بِأنَّها مُبايَعَةٌ لِلَّهِ ضَرُورَةَ أنَّها مُبايَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاعْتِبارِ رِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ صارَ أمْرُ هَذِهِ البَيْعَةِ عَظِيمًا خَطِيرًا في الوَفاءِ بِما وقَعَ عَلَيْهِ التَّبايُعُ وفي نَكْثِ ذَلِكَ.

والنَّكْثُ: كالنَّقْضِ لِلْحَبْلِ. قالَ - تَعالى - ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النحل: ٩٢]

صفحة ١٦٠

وغَلَبَ النَّكْثُ في مَعْنى النَّقْضِ المَعْنَوِيِّ كَإبْطالِ العَهْدِ.

والكَلامُ تَحْذِيرٌ مَن نَكْثِ هَذِهِ البَيْعَةِ وتَفْظِيعٌ لَهُ لِأنَّ الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ. ومُضارِعُ يَنْكُثُ بِضَمِّ الكافِ في المَشْهُورِ واتَّفَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ. ومَعْنى فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. أنَّ نَكْثَهُ عائِدٌ عَلَيْهِ بِالضُّرِّ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (عَلى) .

و(إنَّما) لِلْقَصْرِ وهو لِقَصْرِ النَّكْثِ عَلى مَدْلُولِ عَلى نَفْسِهِ لِيُرادَ لا يَضُرُّ بِنَكْثِهِ إلّا نَفْسَهُ ولا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا فَإنَّ نَكْثَ العَهْدِ لا يَخْلُو مِن قَصْدِ إضْرارٍ بِالمَنكُوثِ، فَجِيءَ بِقَصْرِ القَلْبِ لِقَلْبِ قَصْدِ النّاكِثِ عَلى نَفْسِهِ دُونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ .

ويُقالُ: أوْفى بِالعَهْدِ وهي لُغَةُ تِهامَةَ، ويُقالُ: وفّى بِدُونِ هَمْزٍ وهي لُغَةُ عامَّةُ العَرَبِ، ولَمْ تَجِئْ في القُرْآنِ إلّا الأُولى.

قالُوا: ولَمْ يَنْكُثْ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ.

والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ سَبَبَ المُبايَعَةِ قَدِ انْعَدَمَ بِالصُّلْحِ الواقِعِ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَوَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيما بَيْنَ ساعَةِ البَيْعَةِ وبَيْنَ انْعِقادِ الهُدْنَةِ، وحَصَلَ أجْرُ الإيفاءِ بِالنِّيَّةِ عَدَمُهُ لَوْ نَزَلَ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَسَنُؤْتِيهِ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا ضَمِيرُهُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском