Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hujurat 49:13–16
49:13Page 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣
O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.
صفحة ٢٥٨
﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
انْتِقالٌ مِن واجِباتِ المُعامَلاتِ إلى ما يَجِبُ أنْ يُراعِيَهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ، وأُعِيدَ النِّداءُ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الغَرَضِ، إذْ كانَ إعْجابُ كُلِّ قَبِيلَةٍ بِفَضائِلِها وتَفْضِيلُ قَوْمِها عَلى غَيْرِهِمْ فاشِيًا في الجاهِلِيَّةِ كَما تَرى بَقِيَّتَهُ في شِعْرِ الفَرَزْدَقِ وجَرِيرٍ، وكانُوا يُحَقِّرُونَ بَعْضَ القَبائِلِ مِثْلَ باهِلَةَ، وضُبَيْعَةَ، وبَنِي عُكْلٍ.
سُئِلَ أعْرابِيٌّ: أتُحِبُّ أنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ وأنْتَ باهِلِيٌّ فَأطْرَقَ حِينًا ثُمَّ قالَ: عَلى شَرْطِ أنْ لا يَعْلَمَ أهْلُ الجَنَّةِ أنِّي باهِلِيٌّ. فَكانَ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى الإحَنِ والتَّقاتُلِ وتَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والنَّبْزُ والظَّنُّ والتَّجَسُّسُ والِاغْتِيابُ الوارِدَةُ فِيها الآياتُ السّابِقَةُ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِتَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى اجْتِنابِ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ لِاقْتِلاعِ جُذُورِهِ الباقِيَةِ في النُّفُوسِ بِسَبَبِ اخْتِلاطِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ سَنَةِ الوُفُودِ إذْ كَثُرَ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ.
فَعَنْ أبِي داوُدَ أنَّهُ رَوى في كِتابِهِ المَراسِيلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي بَياضَةَ مِنَ الأنْصارِ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ (مَوْلى بَنِي بَياضَةَ قِيلَ اسْمُهُ يَسارٌ) امْرَأةً مِنهم فَقالُوا: تُزَوِّجُ بَناتِنا مَوالِيَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا»﴾ الآيَةَ. ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ في سَبَبِ نُزُولِها.
ونُودُوا بِعُنْوانِ النّاسِ دُونَ المُؤْمِنِينَ رَعْيًا لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ هَذا العُنْوانِ وبَيْنَ ما صُدِّرَ بِهِ الغَرَضُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأنَّ أصْلَهم واحِدٌ، أيْ أنَّهم في الخِلْقَةِ سَواءٌ لِيُتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ التَّفاضُلَ والتَّفاخُرَ إنَّما يَكُونُ بِالفَضائِلِ وإلى أنَّ التَّفاضُلَ في الإسْلامِ بِزِيادَةِ التَّقْوى فَقِيلَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ .
فَمَن أقْدَمَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مَكَّةَ دُونَ بَقِيَّةِ السُّورَةِ اغْتَرَّ بِأنَّ غالِبَ الخِطابِ بِـ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إنَّما كانَ في المَكِّيِّ.
والمُرادُ بِالذَّكْرِ والأُنْثى: آدَمُ وحَوّاءُ أبَوا البَشَرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ .
صفحة ٢٥٩
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ» كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. فَيَكُونُ تَنْوِينُ ﴿ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ لِأنَّهُما وصْفانِ لِمَوْصُوفٍ فَقَرَّرَ، أيْ مِن أبٍ ذَكَرٍ ومِن أُمٍّ أُنْثى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”ذَكَرٍ وأُنْثى“ صِنْفُ الذَّكَرِ والأُنْثى، أيْ كُلُّ واحِدٍ مُكَوَّنٌ مِن صِنْفِ الذَّكَرِ والأُنْثى.
وحَرْفُ (مِن) عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لِلِابْتِداءِ.
والشُّعُوبُ: جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو مَجْمَعُ القَبائِلِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى جَدٍّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وقَدْ يُسَمّى جَذْمًا، فالأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ فَمُضَرُ شَعْبٌ، ورَبِيعَةُ شَعْبٌ، وأنْمارٌ شَعْبٌ، وإيادٌ شَعْبٌ، وتَجْمَعُها الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ المُسْتَعْرِبَةُ، وهي عَدْنانُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِمْيَرُ وسَبَأٌ، والأزْدُ شُعُوبٌ مِن أُمَّةِ قَحْطانَ. وكِنانَةُ وقَيْسٌ وتَمِيمٌ قَبائِلُ مِن شَعْبِ مُضَرَ. ومَذْحِجٌ، وكِنْدَةُ قَبِيلَتانِ مِن شَعْبِ سَبَأٍ. والأوْسُ والخَزْرَجُ قَبِيلَتانِ مِن شَعْبِ الأزْدِ.
وتَحْتَ القَبِيلَةِ العِمارَةُ مِثْلُ قُرَيْشٍ مِن كِنانَةَ، وتَحْتَ العِمارَةِ البَطْنُ مِثْلُ قُصَيٍّ مِن قُرَيْشٍ، وتَحْتَ البَطْنِ الفَخِذُ مِثْلَ هاشِمٍ وأُمَيَّةَ مِن قُصَيٍّ، وتَحْتَ الفَخِذِ الفَصِيلَةُ مِثْلُ أبِي طالِبٍ والعَبّاسِ وأبِي سُفْيانَ.
واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الشُّعُوبِ والقَبائِلِ لِأنَّ ما تَحْتَها داخِلٌ بِطْرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ.
وتَجاوَزَ القُرْآنُ عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ جَرْيًا عَلى المُتَداوَلِ في كَلامِ العَرَبِ في تَقْسِيمِ طَبَقاتِ الأنْسابِ إذْ لا يُدْرِكُونَ إلّا أنْسابَهم.
وجُعِلَتْ عِلَّةُ جَعْلِ اللَّهِ إيّاهُ شُعُوبًا وقَبائِلَ. وحِكْمَتُهُ مِن هَذا الجَعْلِ أنْ يَتَعارَفَ النّاسُ، أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والتَّعارُفُ يَحْصُلُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ مُتَدَرِّجًا إلى الأعْلى، فالعائِلَةُ الواحِدَةُ مُتَعارِفُونَ، والعَشِيرَةُ مُتَعارِفُونَ مِن عائِلاتٍ إذْ لا يَخْلُونَ عَنِ انْتِسابٍ ومُصاهَرَةٍ، وهَكَذا تَتَعارَفُ العَشائِرُ مَعَ البُطُونِ والبُطُونُ مَعَ العَمائِرِ، والعَمائِرُ مَعَ القَبائِلِ، والقَبائِلُ مَعَ الشُّعُوبِ لِأنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ تَأْتَلِفُ مِن مَجْمُوعِ الدَّرَجاتِ الَّتِي دُونَها.
صفحة ٢٦٠
فَكانَ هَذا التَّقْسِيمُ الَّذِي ألْهَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ نِظامًا مُحْكَمًا لِرَبْطِ أواصِرِهِمْ دُونَ مَشَقَّةٍ ولا تَعَذُّرٍ فَإنَّ تَسْهِيلَ حُصُولِ العَمَلِ بَيْنَ عَدَدٍ واسِعِ الِانْتِشارِ يَكُونُ بِتَجْزِئَةِ تَحْصِيلِهِ بَيْنَ العَدَدِ القَلِيلِ ثُمَّ بِبَثِّ عَمَلِهِ بَيْنَ طَوائِفَ مِن ذَلِكَ العَدَدِ القَلِيلِ ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ جَماعاتٍ أكْثَرَ. وهَكَذا حَتّى يَعُمَّ أُمَّةً أوْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم وما انْتَشَرَتِ الحَضاراتُ المُماثِلَةُ بَيْنَ البَشَرِ إلّا بِهَذا النّامُوسِ الحَكِيمِ.
والمَقْصُودُ: أنَّكم حَرَّفْتُمُ الفِطْرَةَ وقَلَبْتُمُ الوَضْعَ فَجَعَلْتُمُ اخْتِلافَ الشُّعُوبِ والقَبائِلِ بِسَبَبِ تَناكُرٍ وتَطاحُنٍ وعُدْوانٍ.
ألا تَرى إلى قَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِيَنا لا تَنْبُشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا
لا تَطْمَعُوا أنْ تُهِينُونا ونُكْرِمَكم ∗∗∗ وأنْ نَكُفَّ الأذى عَنْكم وتُؤْذُونا
وقَوْلُ العُقَيْلِيِّ وحارَبَهُ بَنُو عَمِّهِ فَقَتَلَ مِنهم:
ونَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكم عَلَيْكم ∗∗∗ ونَقْتُلُكم كَأنّا لا نُبالِي
وقَوْلُ الشَّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:
وقَدْ ساءَنِي ما جَرَّتِ الحَرْبُ بَيْنَنا ∗∗∗ بَنِي عَمِّنا لَوْ كانَ أمْرًا مُدانِيا
وأقْوالُهم في هَذا لا تُحْصَرُ عَدا ما دُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ والسُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والنَّبْزِ وسُوءِ الظَّنِّ والغِيبَةِ مِمّا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
وقَدْ جَبَرَ اللَّهُ صَدْعَ العَرَبِ بِالإسْلامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فَرَدَّهم إلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها وكَذَلِكَ تَصارِيفُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ تَرْجِعُ بِالنّاسِ إلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونُوا إخْوَةً وأنْ يُصْلِحُوا بَيْنَ الطَّوائِفِ المُتَقاتِلَةِ ونَهاهم عَمّا يَثْلِمُ الأُخُوَّةَ وما يَغِينُ عَلى نُورِها في نُفُوسِهِمْ مِنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والتَّنابُزِ والظَّنِّ السُّوءِ والتَّجَسُّسِ والغِيبَةِ، ذَكَّرَهم بِأصْلِ الأُخُوَّةِ في الِأنْسابِ الَّتِي أكَّدَتْها أُخُوَّةُ الإسْلامِ ووَحْدَةُ الِاعْتِقادِ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ عَوْنًا عَلى تَبَصُّرِهِمْ في حالِهِمْ،
صفحة ٢٦١
ولَمّا كانَتِ السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والتَّنابُزُ مِمّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ التَّنافُسُ بَيْنَ الأفْرادِ والقَبائِلِ جَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ في هَذِهِ المَوْعِظَةِ الحَكِيمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى النِّداءِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم عَمَدُوا إلى هَذا التَّشْعِيبِ الَّذِي وضَعَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ فاسْتَعْمَلُوهُ في فاسِدِ لَوازِمِهِ وأهْمَلُوا صالِحَ ما جُعِلَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ”لِتَعارَفُوا“ ثُمَّ وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ أيْ فَإنْ تَنافَسْتُمْ فَتَنافَسُوا في التَّقْوى كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] .
والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ المُساواةِ في أصْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ لِيُتَوَصَّلَ مِن ذَلِكَ إلى إرادَةِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ والمَزايا الَّتِي تَرْفَعُ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ كِنايَةً بِمَرْتَبَتَيْنِ. والمَعْنى المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَتِلْكَ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ مَنزِلَةَ المَقْصِدِ مِنَ المُقَدِّمَةِ والنَّتِيجَةِ مِنَ القِياسِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ البَيانِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ.
والمَقْصُودُ مِنِ اعْتِراضِها: إدْماجُ تَأْدِيبٍ آخَرَ مِن واجِبِ بَثِّ التَّعارُفِ والتَّواصُلِ بَيْنَ القَبائِلِ والأُمَمِ وأنَّ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ مِنهم.
ومِن مَعْنى الآيَةِ ما خَطَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ إذْ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ ألا إنَّ رَبَّكم واحِدٌ وأنَّ أباكم واحِدٌ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ ولا لِأسْوَدَ عَلى أحْمَرَ ولا لِأحْمَرَ عَلى أسْوَدَ إلّا بِالتَّقْوى» .
ومِن نَمَطِ نَظْمِ الآيَةِ وتَبْيِينِها ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْكم عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وفَخْرَها لا لِآباءِ النّاسِ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ أوْ فاجِرٍ شَقِيٍّ أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ» “ . وفي رِوايَةٍ أنَّ ذَلِكَ مِمّا خَطَبَ بِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ( عُبِّيَّةُ بِضَمِّ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وبِكَسْرِها وبِتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ المَكْسُورَةِ ثُمَّ تَشْدِيدِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ: الكِبْرُ والفَخْرُ. ووَزْنُهُما عَلى لُغَةِ ضَمِّ الفاءِ فُعْوِلَّةٌ وعَلى لُغَةِ كَسْرِ الفاءِ فِعْلِيَّةٌ، وهي إمّا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعْبِيَةِ فَتَضْعِيفُ الباءِ لِمُجَرَّدِ
صفحة ٢٦٢
الإلْحاقِ مِثْلُ: نَضَّ الثَّوْبُ بِمَعْنى نَضى أوْ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبابِ الماءِ فالتَّضْعِيفُ في الباءِ أصْلِيٌّ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عُمَرَ «طافَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ خَطَبَهم في بَطْنِ المُسِيلِ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ وزادَ فِيهِ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا وإنَّما أُخِّرَتْ في النَّظْمِ عَنْ جُمْلَةِ: ”﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾“، لِتَكُونَ تِلْكَ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ كالتَّوْطِئَةِ لِهَذِهِ وتَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ المُقَدِّمَةِ لِأنَّهم لَمّا تَساوَوْا في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن أبٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ كانَ الشَّأْنُ أنْ لا يَفْضُلَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا بِالكَمالِ النَّفْسانِيِّ وهو الكَمالُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ لَهم والَّذِي جَعَلَ التَّقْوى وسِيلَتَهُ ولِذَلِكَ ناطَ التَّفاضُلَ في الكَرَمِ بِـ ”عِنْدَ اللَّهِ“ إذْ لا اعْتِدادَ بِكَرَمٍ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.
والمُرادُ بِالأكْرَمِ: الأنْفَسُ والأشْرَفُ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والأتْقى: الأفْضَلُ في التَّقْوى وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ صِيغَ مِنِ اتَّقى عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ أيْ إنَّما كانَ أكْرَمُكم أتْقاكم لِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالكَرامَةِ الحَقِّ وأنْتُمْ جَعَلْتُمُ المَكارِمَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ البَطْشِ وإفْناءِ الأمْوالِ في غَيْرِ وجْهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ الكَرامَةُ الَّتِي هي التَّقْوى خَبِيرٌ بِمِقْدارِ حُظُوظِ النّاسِ مِنَ التَّقْوى فَهي عِنْدَهُ حُظُوظُ الكَرامَةِ، فَلِذَلِكَ الأكْرَمُ هو الأتْقى، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] أيْ هو أعْلَمُ بِمَراتِبِكم في التَّقْوى، أيِ الَّتِي هي التَّزْكِيَةُ الحَقُّ. ومِن هَذا البابِ قَوْلُهُ (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) .
عُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ لا يُنافِي أنْ تَكُونَ لِلنّاسِ مَكارِمُ أُخْرى في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ التَّقْوى مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرُ تَزْكِيَةٍ في النُّفُوسِ مِثْلُ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ ونَقاءِ النَّسَبِ والعَراقَةِ في العِلْمِ والحَضارَةِ وحُسْنِ السُّمْعَةِ في الأُمَمِ وفي
صفحة ٢٦٣
الفَصائِلِ، وفي العائِلاتِ، وكَذَلِكَ بِحَسَبِ ما خَلَّدَهُ التّارِيخُ الصّادِقُ لِلْأُمَمِ والأفْرادِ فَما يَتْرُكُ آثارًا لِأفْرادِها وخِلالًا في سَلائِلِها قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا» .
فَإنَّ في خُلُقِ الأبْناءِ آثارًا مِن طِباعِ الآباءِ الأدَنَيْنَ أوِ الأعْلَيْنَ تَكُونُ مُهَيَّئَةً نُفُوسُهم لِلْكَمالِ أوْ ضِدِّهِ وأنَّ لِلتَّهْذِيبِ والتَّرْبِيَةِ آثارًا جَمَّةً في تَكْمِيلِ النُّفُوسِ أوْ تَقْصِيرِها ولِلْعَوائِدِ والتَّقالِيدِ آثارُها في الرِّفْعَةِ والضَّعَةِ، وكُلُّ هَذِهِ وسائِلُ لِإعْدادِ النُّفُوسِ إلى الكَمالِ والزَّكاءِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُخَطِّطُهُ التَّقْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ بِتَزْكِيَةِ نَواياهم في مُعامَلاتِهِمْ وما يُرِيدُونَ مِنَ التَّقْوى بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في نُفُوسِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْهِ.
49:14Page 517
۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."
﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
كانَ مِن بَيْنِ الوُفُودِ الَّتِي وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَنَةِ تِسْعٍ المُسَمّاةِ سَنَةَ الوُفُودِ، وفْدُبَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وكانُوا يَنْزِلُونَ بِقُرْبِ المَدِينَةِ، وكانَ قُدُومُهُمُ المَدِينَةَ عَقِبَ قُدُومِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ الَّذِي ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورَةِ، ووَفَدَ بَنُو أسَدٍ في عَدَدٍ كَثِيرٍ وفِيهِ ضِرارُ بْنُ الأزْوَرِ، وطُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي ادَّعى النُّبُوءَةَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ أيّامَ الرِّدَّةِ، وكانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَنَةَ جَدْبٍ بِبِلادِهِمْ فَأسْلَمُوا وكانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: أتَتْكَ العَرَبُ بِأنْفُسِها عَلى ظُهُورِ رَواحِلِها وجِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ والذَّرارِيِّ ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ مُحارِبُ خَصَفَةَ وهَوازِنَ وغَطَفانَ. يَفِدُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَرُوحُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ويَمُنُّونَ عَلَيْهِ ويُرِيدُونَ أنْ يَصْرِفَ إلَيْهِمُ الصَّدَقاتِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ لِوُقُوعِ القِصَّتَيْنِ: قِصَّةِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وقِصَّةِ وفْدِ بَنِي أسَدٍ في أيّامٍ مُتَقارِبَةٍ، والأغْراضُ المَسْكُوَّةُ بِالجَفاءِ مُتَناسِبَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في الأعْرابِ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الفَتْحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] الآيَةَ.
صفحة ٢٦٤
قالُوا آمَنّا لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمّا اسْتُنْفِرُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ تَخَلَّفُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والأعْرابُ: سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ. وأحْسَبُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى أهْلِ البادِيَةِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لا مُفْرَدَ لَهُ فَيَكُونُ الواحِدُ مِنهُ بِياءِ النِّسْبَةِ أعْرابِيٌّ.
وتَعْرِيفُ الأعْرابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ لِأعْرابٍ مُعَيَّنِينَ وهم بَنُو أسَدٍ فَلَيْسَ هَذا الحُكْمُ الَّذِي في الآيَةِ حاقًّا عَلى جَمِيعِ سُكّانِ البَوادِي ولا قالَ هَذا القَوْلَ غَيْرُ بَنِي أسَدٍ.
وهم قالُوا: آمَنّا حِينَ كانُوا في شَكٍّ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِنهم فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِما في قُلُوبِهِمْ وأعْلَمَهم أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ لا بِمُجَرَّدِ اللِّسانِ لِقَصْدِ أنْ يُخَلِصُوا ويَتَمَكَّنُوا مِنهُ كَما بَيَّنَهُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١٥] الآيَةَ.
والِاسْتِدْراكُ بِحَرْفِ (لَكِنْ) لِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ أنَّهم جاءُوا مُضْمِرِينَ الغَدْرَ بِالنَّبِيءِ ﷺ . وإنَّما قالَ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ تَعْلِيمًا لَهم بِالفَرْقِ بَيْنَ الإيمانِ والإسْلامِ فَإنَّ الإسْلامَ مُقِرُّهُ اللِّسانُ والأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، وهي قَواعِدُ الإسْلامِ الأرْبَعَةُ: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وصِيامُ رَمَضانَ وحَجُّ الكَعْبَةِ الوارِدُ في حَدِيثِ عُمَرَ عَنْ سُؤالِ جِبْرِيلَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ والسّاعَةِ، الإسْلامُ: «أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وتُقِيمَ الصَّلاةَ وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ وتَصُومَ رَمَضانَ وتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا» فَهَؤُلاءِ الأعْرابُ لَمّا جاءُوا مُظْهِرِينَ الإسْلامَ وكانَتْ قُلُوبُهم غَيْرَ مُطْمَئِنَّةٍ لِعَقائِدِ الإيمانِ لِأنَّهم حَدِيثُو عَهْدٍ بِهِ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ آمَنّا لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَمْ يَخْفَ باطِنُهم عَلى اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِالإسْلامِ إلّا إذا قارَنَهُ الإيمانُ، فَلا يُغْنِي أحَدَهُما بِدُونِ الآخَرِ، فالإيمانُ بِدُونِ إسْلامٍ عِنادٌ، والإسْلامُ بِدُونِ إيمانٍ نِفاقٌ، ويَجْمَعُهُما طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .
وكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، أوْ أنْ يُقالَ: قُلْ لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا، لِيَتَوافَقَ المُسْتَدْرَكُ عَنْهُ والِاسْتِدْراكُ بِحَسَبِ النَّظْمِ المُتَعارَفِ في المُجادَلاتِ، فَعَدَلَ عَنِ الظّاهِرِ إلى هَذا النَّظْمِ لِأنَّ فِيهِ
صفحة ٢٦٥
صَراحَةً بِنَفْيِ الإيمانِ عَنْهم فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم غالَطُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
واسْتُغْنِيَ بِقَوْلِهِ: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ عَنْ أنْ يُقالَ: لا تَقُولُوا آمَنّا، لِاسْتِهْجانِ أنْ يُخاطَبُوا بِلَفْظٍ مُؤَدّاهُ النَّهْيُ عَنِ الإعْلانِ بِالإيمانِ لِأنَّهم مُطالَبُونَ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَقُولُوا: آمَنّا قَوْلًا صادِقًا لا كاذِبًا فَقِيلَ لَهم لا تُؤْمِنُوا تَكْذِيبًا لَهم مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ التَّكْذِيبِ ولَكِنْ وقَعَ التَّعْرِيضُ لَهم بِذَلِكَ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] أيْ لا أنْتُمْ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالِاسْتِدْراكِ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ إلى ﴿قُولُوا أسْلَمْنا﴾ تَعْرِيضًا بِوُجُوبِ الصِّدْقِ في القَوْلِ لِيُطابِقَ الواقِعَ، فَهم يَشْعُرُونَ بِأنَّ كَذِبَهم قَدْ ظَهَرَ، وذَلِكَ مِمّا يُتَعَيَّرُ بِهِ، أيِ الشَّأْنُ أنْ تَقُولُوا قَوْلًا صادِقًا.
وقَوْلُهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ وهو مُبَيِّنٌ لِمَعْنى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ بِأنَّهُ لَيْسَ انْتِفاءَ وُجُودِ تَصْدِيقٍ بِاللِّسانِ ولَكِنِ انْتِفاءُ رُسُوخِهِ وعَقْدِ القَلْبِ عَلَيْهِ إذْ كانَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنِ ارْتِيابٍ كَما أشْعَرَ بِهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] .
واسْتُعِيرَ الدُّخُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ لِلتَّمَكُّنِ وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ لِأنَّ الدّاخِلَ إلى المَكانِ يَتَمَكَّنُ ويَسْتَقِرُّ والخارِجَ عَنْهُ يَكُونُ سَرِيعَ المُفارَقَةِ لَهُ مُسْتَوْفِزًا لِلِانْصِرافِ عَنْهُ.
و(لَمّا) هَذِهِ أُخْتُ (لَمْ) وتَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْيَ بِها مُتَّصِلٌ بِزَمانِ التَّكَلُّمِ وذَلِكَ الفارِقُ بَيْنَها وبَيْنَ (لَمْ) أُخْتِها. وهَذِهِ الدَّلالَةُ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ إلى زَمَنِ المُتَكَلِّمِ تُؤْذِنُ غالِبًا، بِأنَّ المَنفِيَّ بِها مُتَوَقَّعُ الوُقُوعِ. قالَ في الكَشّافِ: وما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ.
وهِيَ دَلالَةٌ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ. وهَذا مِن دَقائِقِ العَرَبِيَّةِ. وخالَفَ فِيهِ أبُو حَيّانَ، والزَّمَخْشَرِيُّ حُجَّةٌ في الذَّوْقِ لا يُدانِيهِ أبُو حَيّانَ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ تَكْرِيرًا مَعَ قَوْلِهِ لَمْ تُؤْمِنُوا.
صفحة ٢٦٦
وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ إرْشادٌ إلى دَواءِ مَرَضِ الحالِ في قُلُوبِهِمْ مِن ضَعْفِ الإيمانِ بِأنَّهُ إنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ حَصَلَ إيمانُهم فَإنَّ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ بَيانُ عَقائِدِ الإيمانِ بِأنْ يُقْبِلُوا عَلى التَّعَلُّمِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُدَّةَ إقامَتِهِمْ بِالمَدِينَةِ عِوَضًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمَنِّ والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ الصَّدَقاتِ.
ومَعْنى لا يَلِتْكم لا يَنْقُصُكم، يُقالُ: لاتَهُ مِثْلُ باعَهُ. وهَذا في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، ويُقالُ: ألَتَهُ ألْتًا مِثْلَ: أمَرَهُ، وهي لُغَةُ غَطَفانَ قالَ تَعالى: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] في سُورَةِ الطُّورِ.
وقَرَأ بِالأُولى جُمْهُورُ القُرّاءِ وبِالثّانِيَةِ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ. ولِأبِي عَمْرٍو في تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ فِيها وتَخْفِيفِها ألِفًا رِوايَتانِ فالدُّورِيُّ رَوى عَنْهُ تَحْقِيقَ الهَمْزَةِ والسُّوسِيُّ رَوى عَنْهُ تَخْفِيفَها.
وضَمِيرُ الرَّفْعِ في ”يَلِتْكم“ عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ: لا يَلِتاكم بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِأنَّ اللَّهَ هو مُتَوَلِّي الجَزاءِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ .
والمَعْنى: إنْ أخْلَصْتُمُ الإيمانَ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ أعْمالَكُمُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ مِن أنَّكم جِئْتُمْ طائِعِينَ لِلْإسْلامِ مِن غَيْرِ قِتالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافُ تَعْلِيمٍ لَهم بِأنَّ اللَّهَ يَتَجاوَزُ عَنْ كَذِبِهِمْ إذا تابُوا، وتَرْغِيبٌ في إخْلاصِ الإيمانِ لِأنَّ الغَفُورَ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ شَدِيدُها، ومِن فَرْطِ مَغْفِرَتِهِ أنَّهُ يُجازِي عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الواقِعَةِ في حالَةِ الكُفْرِ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِها فَإذا آمَنَ عامِلُها جُوزِيَ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ إيمانِهِ وذَلِكَ مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ.
وتَرْتِيبُ ”رَحِيمٌ“ بَعْدَ ”غَفُورٌ“ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أصْلٌ لِلْمَغْفِرَةِ وشَأْنُ العِلَّةِ أنْ تُورَدَ بَعْدَ المُعَلَّلِ بِها.
49:15Page 517
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥
The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.
صفحة ٢٦٧
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾
هَذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ إلى قَوْلِهِ: ”في قُلُوبِكم“ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْأعْرابِ، أيْ لَيْسَ المُؤْمِنُونَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُخالِطْ إيمانَهُمُ ارْتِيابٌ أوْ تَشَكُّكٌ.
و(إنَّما) لِلْحَصْرِ، و(إنَّ) الَّتِي هي جُزْءٌ مِنها أيْضًا لِلتَّعْلِيلِ وقائِمَةٌ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ، أيْ إنَّما لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لِأنَّ الإيمانَ يُنافِيهِ الِارْتِيابُ.
والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم غَيْرُ هَؤُلاءِ الأعْرابِ.
فَأفادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأعْرابَ انْتَفى عَنْهُمُ الإيمانُ لِأنَّهُمُ انْتَفى عَنْهم مَجْمُوعُ هَذِهِ الصِّفاتِ.
وإذْ قَدْ كانَ القَصْرُ إضافِيًّا لَمْ يَكُنِ الغَرَضُ مِنهُ إلّا إثْباتَ الوَصْفِ لِغَيْرِ المَقْصُورِ لِإخْراجِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم عَنْ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الصِّفاتِ لِأنَّ عَدَّ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ صِفَتَيِ الإيمانِ وانْتِفاءِ الرَّيْبِ فِيهِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ لا يَنْتَفِي عَنْهُ وصْفُ الإيمانِ إذْ لا يَكْفُرُ المُسْلِمُ بِارْتِكابِ الكَبائِرِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ. وما عَداهُ خَطَأٌ واضِحٌ، وإلّا لانْتَقَضَتْ جَماعَةُ الإسْلامِ بِأسْرِها إلّا فِئَةً قَلِيلَةً في أوْقاتٍ غَيْرِ طَوِيلَةٍ.
والمَقْصُودُ مِن إدْماجِ ذِكْرِ الجِهادِ التَّنْوِيهُ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ المُجاهِدِينَ وتَحْرِيضُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ عَلى الِاسْتِعْدادِ إلى الجِهادِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ.
و(ثُمَّ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ. فَفي (ثُمَّ) إشارَةٌ إلى أنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ في إيمانِهِمْ أهَمُّ رُتْبَةً مِنَ الإيمانِ إذْ بِهِ قِوامُ الإيمانِ،
صفحة ٢٦٨
وهَذا إيماءٌ إلى بَيانِ قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أيْ مِن أجْلِ ما يُخالِجُكُمُ ارْتِيابٌ في بَعْضِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِمّا اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ قَصْرٌ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ أيْضًا، أيْ هُمُ الصّادِقُونَ لا أنْتُمْ في قَوْلِكم آمَنّا.
49:16Page 517
قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦
Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
أُعِيدَ فِعْلُ قُلْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَقُولَ لَهم هَذا هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ إلى آخِرِهِ، فَأُعِيدَ لَمّا طالَ الفَصْلُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِالجُمَلِ المُتَتابِعَةِ، فَهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] اتِّصالَ البَيانِ بِالمُبَيِّنِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ قُلْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُبَيِّنَةِ والمُبَيَّنَةِ.
قِيلَ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] الآيَةَ، جاءُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ وحَلَفُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ ولَمْ يُرْوَ بِسَنَدٍ مَعْرُوفٍ وإنَّما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ تَفْسِيرًا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ كَما وبَّخَ المُنافِقِينَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ) بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] الآيَةَ. ولَمْ أرَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ مَقْبُولٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِمّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم.
والتَّعْلِيمُ مُبالَغَةٌ في إيصالِ العِلْمِ إلى المُعَلَّمِ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْعِيلِ تَقْتَضِي قُوَّةً في حُصُولِ الفِعْلِ كالتَّفْرِيقِ والتَّفْسِيرِ، يُقالُ: أعْلَمَهُ وعَلَّمَهُ كَما يُقالُ: أنْبَأهُ ونَبَّأهُ. وهَذا يُفِيدُ أنَّهم تَكَلَّفُوا وتَعَسَّفُوا في الِاسْتِدْلالِ عَلى خُلُوصِ إيمانِهِمْ لِيُقْنِعُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ الَّذِي أبْلَغَهم أنَّ اللَّهَ نَفى عَنْهم رُسُوخَ الإيمانِ بِمُحاوَلَةِ إقْناعِهِ تَدُلُّ إلى مُحاوَلَةِ إقْناعِ اللَّهِ بِما يَعْلَمُ خِلافَهُ.
وباءُ ”بِدِينِكم“ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ٢٦٩
لَكَ الخَيْرانِ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ وقَدْ أُيِّدَ التَّوْبِيخُ بِجُمْلَةِ الحالِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ .
وفِي هَذا تَجْهِيلٌ إذْ حاوَلُوا إخْفاءَ باطِنِهِمْ عَنِ المُطَّلِعِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ تَذْيِيلٌ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ أعَمُّ مِن ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ صِفاتِهِ ويَعْلَمُ المَوْجُوداتِ الَّتِي هي أعْلى مِنَ السَّماواتِ كالعَرْشِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences