Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:109–113
5:109–110Page 126
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طائِرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
صفحة ٩٨
جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ [المائدة: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] . وما بَيْنَهُما جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ نَشَأ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَعادَ الكَلامُ الآنَ إلى أحْوالِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَدَّلَ كَثِيرٌ مِنهم تَبْدِيلًا بَلَغَ بِهِمْ إلى الكُفْرِ ومُضاهاةِ المُشْرِكِينَ، لِلتَّذْكِيرِ بِهَوْلٍ عَظِيمٍ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ تَكُونُ فِيهِ شَهادَةُ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ وبَراءَتُهم مِمّا أحْدَثَهُ أُمَمُهم بُعْدَهم في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، والتَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ إلى شَهادَةِ عِيسى عَلى النَّصارى بِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهم بِتَأْلِيهِهِ وعِبادَتِهِ. وهَذا مُتَّصِلٌ في الغَرَضِ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] . فَإنَّ في تِلْكَ الآياتِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، وإبْعادًا وتَقْرِيبًا، وقَعَ الِانْتِقالُ مِنها إلى أحْكامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ ناسَبَتْ ما ابْتَدَعَهُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] . . . وتَفَنُّنُ الِانْتِقالِ إلى هَذا المَبْلَغِ، فَهَذا عَوْدٌ إلى بَيانِ تَمامِ نُهُوضِ الحُجَّةِ عَلى النَّصارى في مَشْهَدِ يَوْمِ القِيامَةِ. ولَقَدْ جاءَ هَذا مُناسِبًا لِلتَّذْكِيرِ العامِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] . ولِمُناسَبَةِ هَذا المَقامِ التَزَمَ وصْفَ عِيسى بِابْنِ مَرْيَمَ كُلَّما تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآياتِ أرْبَعُ مَرّاتٍ تَعْرِيضًا بِإبْطالِ دَعْوى أنَّهُ ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى.
ولِأنَّهُ لَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى الِاسْتِشْهادِ عَلى وصايا المَخْلُوقِينَ ناسَبَ الِانْتِقالَ إلى شَهادَةِ الرُّسُلِ عَلى وصايا الخالِقِ تَعالى، فَإنَّ الأدْيانَ وصايا اللَّهِ إلى خَلْقِهِ. قالَ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] . وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى شُهَداءً في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾) ظَرْفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، أوْ يُقَدَّرُ لَهُ عامِلٌ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ لِلظَّرْفِ، لِأنَّ الظَّرْفَ إذا تَقَدَّمَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في إعْطائِهِ جَوابًا. وقَدْ حُذِفَ هَذا العامِلُ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّهْوِيلِ، تَقْدِيرُهُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَكُونُ هَوْلٌ عَظِيمٌ لا يَبْلُغُهُ طُولُ التَّعْبِيرِ فَيَنْبَغِي طَيُّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ
صفحة ٩٩
﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ إلَخْ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ. وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ إلَخْ. فَغَيَّرَ نَظْمَ الكَلامِ إلى الأُسْلُوبِ الَّذِي وقَعَ في الآيَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَيَفْتَتِحُ بِهَذا الظَّرْفِ المَهُولِ ولِيُورِدَ الِاسْتِشْهادَ في صُورَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ والرُّسُلِ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو ما يَأْتِي بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] لِأنَّهُ لا جَدْوى في نَفْيِ الهِدايَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولِأنَّ جَزالَةَ الكَلامِ تُناسِبُ اسْتِئْنافَهُ، ولِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَيْرُ واسِعِ المَعْنى.
ومِثْلُهُ قَوْلُ الزَّجّاجِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١٠٨] عَلى أنَّ (يَوْمَ) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ واتَّقُوا اللَّهَ لِأنَّ جَمْعَ الرُّسُلِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ شَأْنُ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِشْهادِ. يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ، وهو تَوْبِيخُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في حَياتِهِمْ أوْ بَدَّلُوا وارْتَدُّوا بَعْدَ مَماتِهِمْ.
وظاهِرُ حَقِيقَةِ الإجابَةِ أنَّ المَعْنى: ماذا أجابَكُمُ الأقْوامُ الَّذِينَ أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ، أيْ ماذا تَلَقَّوْا بِهِ دَعَواتِكم، حَمْلًا عَلى ما هو بِمَعْناهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ [النمل: ٥٦] . ويُحْمَلُ قَوْلُ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا عَلى مَعْنى لا عِلْمَ لَنا بِما يُضْمِرُونَ حِينَ أجابُوا فَأنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا. أوْ هو تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ما عَدا ذَلِكَ مِمّا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ يَعْلَمُهُ رُسُلُهُمْ؛ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ نَفْيِ الرُّسُلِ العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ وتَفْوِيضِهِمْ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى. فَأجْمَعَ الرُّسُلُ في الجَوابِ عَلى تَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ، أيْ أنَّ عِلْمَكَ سُبْحانَكَ أعْلى مِن كُلِّ عِلْمٍ وشَهادَتَكَ أعْدَلُ مِن كُلِّ شَهادَةٍ، فَكانَ جَوابَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنًا أُمُورًا: أحَدُها الشَّهادَةُ عَلى الكافِرِينَ مِن أُمَمِهِمْ بِأنَّ ما عامَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ هو الحَقُّ. والثّانِي تَسْفِيهُ أُولَئِكَ الكافِرِينَ في إنْكارِهِمُ الَّذِي لا يُجْدِيهِمْ. والثّالِثُ تَذْكِيرُ أُمَمِهِمْ بِما عامَلُوا بِهِ رُسُلَهم لِأنَّ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾، تَعْمِيمًا لِلتَّذْكِيرِ بِكُلِّ ما صَدَرَ مِن أُمَمِهِمْ مِن تَكْذِيبٍ وأذًى وعِنادٍ. ويُقالُ لِمَن يَسْألُ عَنْ شَيْءٍ لا أزِيدُكَ عِلْمًا بِذَلِكَ، أوْ أنْتَ تَعْرِفُ ما جَرى.
صفحة ١٠٠
وإيرادُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ بَعْدَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ.
وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ تَأْوِيلُ قَوْلِ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا بِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ما كانَ مِن آخِرِ الأُمَمِ بَعْدَ مَوْتِ رُسُلِهِمْ مِن دَوامٍ عَلى إقامَةِ الشَّرائِعِ أوِ التَّفْرِيطِ فِيها وتَبْدِيلِها فَيَكُونُ قَوْلُ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ مَحْمَلُ (ماذا) عَلى قَوْلِهِ ماذا أُجِبْتُمْ هو ما أجابُوا بِهِ مِن تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ ومِن دَوامِ المُصَدِّقِينَ عَلى تَصْدِيقِهِمْ أوْ نَقْصِ ذَلِكَ، ويُعَضِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما جاءَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآيَةَ فَإنَّ المُحاوَرَةَ مَعَ عِيسى بَعْضٌ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ. وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ.
وعَبَّرَ في جَوابِ الرُّسُلِ بِـ (قالُوا) المُفِيدُ لِلْمُضِيِّ مَعَ أنَّ الجَوابَ لَمْ يَقَعْ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ أنْ سَيَقَعَ حَتّى صارَ المُسْتَقْبَلُ مِن قُوَّةِ التَّحَقُّقِ بِمَنزِلَةِ الماضِي في التَّحَقُّقِ. عَلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي تُحْكى بِهِ المُحاوَراتُ لا يُلْتَزَمُ فِيهِ مُراعاةُ صِيغَتِهِ لِزَمانِ وُقُوعِهِ لِأنَّ زَمانَ الوُقُوعِ يَكُونُ قَدْ تَعَيَّنَ بِقَرِينَةِ سِياقِ المُحاوَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ الغُيُوبِ بِضَمِّ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي لُغَةٌ لِدَفْعِ ثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الضَّمَّةِ إلى الباءِ، كَما تَقَدَّمَ في بُيُوتٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] مِن سُورَةِ النِّساءِ.
وفَصَلَ (قالُوا) جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ظَرْفٌ، هو بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَإنَّ يَوْمَ الجَمْعِ مُشْتَمِلٌ عَلى زَمَنِ هَذا الخِطابِ لِعِيسى، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ ما يُقالُ لِعِيسى يَوْمَئِذٍ هو تَقْرِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ ضَلُّوا في شَأْنِ عِيسى بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطِ بُغْضٍ وإفْراطِ حُبٍّ.
فَقَوْلُهُ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] اسْتِئْناسٌ
صفحة ١٠١
لِعِيسى لِئَلّا يُفْزِعَهُ السُّؤالُ الوارِدُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] إلَخْ. . . وهَذا تَقْرِيعٌ لِلْيَهُودِ، وما بَعْدَها تَقْرِيعٌ لِلنَّصارى. والمُرادُ مِنَ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ الذُّكْرُ بِضَمِّ الذّالِ وهو اسْتِحْضارُ الأمْرِ في الذِّهْنِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ اذْكُرْ لِلِامْتِنانِ، إذْ لَيْسَ عِيسى بِناسٍ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَتِهِ. ومِن لازِمِهِ خِزْيُ اليَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُ ساحِرٌ مُفْسِدٌ إذْ لَيْسَ السِّحْرُ والفَسادُ بِنِعْمَةٍ يَعُدُّها اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ. ووَجْهُ ذِكْرِ والِدَتِهِ هُنا الزِّيادَةُ مِن تَبْكِيتِ اليَهُودِ وكَمَدِهِمْ لِأنَّهم تَنَقَّصُوها بِأقْذَعَ مِمّا تَنَقَّصُوهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نِعْمَتِي) لِما فِيها مِن مَعْنى المَصْدَرِ، أيِ النِّعْمَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو وقْتُ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ. ورُوحُ القُدُسِ هُنا جِبْرِيلُ عَلى الأظْهَرِ.
والتَّأْيِيدُ ورُوحُ القُدُسِ تَقَدَّما في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] .
وجُمْلَةُ (تُكَلِّمُ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (أيَّدْتُكَ) وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ألْقى الكَلامَ مِنَ المَلِكِ عَلى لِسانِ عِيسى وهو في المَهْدِ، وفي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لَهُ لِإثْباتِ نَزاهَةِ تَكَوُّنِهِ، وفي ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، وعَلى والِدَتِهِ إذْ ثَبَتَتْ بَراءَتُها مِمّا اتُّهِمَتْ بِهِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُكَلِّمُ) . (و كَهْلًا) مَعْطُوفٌ عَلى في المَهْدِ لِأنَّهُ حالٌ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] . والمَهْدُ والكَهْلُ تَقَدَّما في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَكْلِيمُهُ كَهْلًا أُرِيدَ بِهِ الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ فَهو مِنَ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، لِأنَّهُ الَّذِي يُلْقِي إلى عِيسى ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ هُنالِكَ.
إلّا أنَّهُ قالَ هُنا ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَأنْفُخُ فِيهِ. فَعَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الضَّمِيرَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عادَ إلى الطَّيْرِ، والضَّمِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ
صفحة ١٠٢
عادَ إلى الهَيْئَةِ واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ هُنا عائِدًا إلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً. أيْ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يَقْتَضِي صُوَرًا أوْ أجْسامًا أوْ أشْكالًا، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ يَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (أخْلُقُ) . وجَعَلَهُ في الكَشّافِ عائِدًا إلى الكافِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها صِفَةً لِلَّفْظِ هَيْئَةِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ لَفْظُ هَيْئَةِ المَدْخُولِ لِلْكافِ وكُلُّ ذَلِكَ ناظِرًا إلى أنَّ الهَيْئَةَ لا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَ (تَنْفُخُ)، إذِ الهَيْئَةُ مَعْنًى لا يُنْفَخُ فِيها ولا تَكُونُ طائِرًا.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿فَتَكُونُ طائِرًا﴾ بِالإفْرادِ كَما قَرَأ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَوْجِيهُها هُنا أنَّ الضَّمِيرَ جَرى عَلى التَّأْنِيثِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإذْ تَخْلُقُ، أيْ تُقَدِّرُ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَتَكُونُ الهَيْئَةُ طائِرًا، أيْ كُلُّ هَيْئَةٍ تُقَدِّرُها تَكُونُ واحِدًا مِنَ الطَّيْرِ.
وقَرَأ البَقِيَّةُ (﴿طَيْرًا﴾) بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما يُقَدِّرُهُ مِن هَيْئاتٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ.
وقالَ هُنا ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ ولَمْ يَقُلْ: وتُحْيِ المَوْتى، كَما قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ تُخْرِجُهم مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً، فَأُطْلِقَ الإخْراجُ وأُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو الإحْياءُ، لِأنَّ المَيِّتَ وُضِعَ في القَبْرِ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَيِّتًا فَكانَ إخْراجُهُ مِنَ القَبْرِ مَلْزُومًا لِانْعِكاسِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وُضِعَ في القَبْرِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ الإحْياءَ خُرُوجًا في قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] وقالَ ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] .
وقَوْلُهُ ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ عُطِفَ عَلى إذْ أيَّدْتُكَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وهي نِعْمَةُ العِصْمَةِ مِنَ الإهانَةِ، فَقَدْ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ بَنِي إسْرائِيلَ سِنِينَ، وهو يَدْعُو إلى الدِّينِ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَعَ حِقْدِهِمْ وقِلَّةِ أنْصارِهِ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ ضُرِّهِ حَتّى أدّى الرِّسالَةَ، ثُمَّ لَمّا اسْتَفاقُوا وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى قَتْلِهِ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنهم فَرَفَعَهُ إلَيْهِ ولَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وماتَتْ نُفُوسُهم بِغَيْظِها. وقَدْ دَلَّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُدَّةِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَإنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كُلَّها مُدَّةُ ظُهُورِ مُعْجِزاتِهِ
صفحة ١٠٣
بَيْنَهم. وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ تَخَلُّصٌ مِن تَنْهِيَةِ تَقْرِيعِ مُكَذِّبِيهِ إلى كَرامَةِ المُصَدِّقِينَ بِهِ.
واقْتُصِرَ مِن دَعاوِي تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ الِادِّعاءَ قَصَدُوا بِهِ التَّوَسُّلَ إلى قَتْلِهِ، لِأنَّ حُكْمَ السّاحِرِ في شَرِيعَةِ اليَهُودِ القَتْلُ إذِ السِّحْرُ عِنْدَهم كُفْرٌ، إذْ كانَ مِن صِناعَةِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقَدْ قَرَنَتِ التَّوْراةُ السِّحْرَ وعِرافَةِ الجانِّ بِالشِّرْكِ، كَما جاءَ في سِفْرِ اللاوِيِّيينَ في الإصْحاحِ العِشْرِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ﴾)، والإشارَةُ بِـ هَذا إلى مَجْمُوعِ ما شاهَدُوهُ مِنَ البَيِّناتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (إلّا ساحِرٌ) . والإشارَةُ إلى عِيسى المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ . ولا شَكَّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِعِيسى كِلْتا المَقالَتَيْنِ عَلى التَّفْرِيقِ أوْ عَلى اخْتِلافِ جَماعاتِ القائِلِينَ وأوْقاتِ القَوْلِ.
5:111Page 126
وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١
And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."
﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ ما يَقُولُهُ اللَّهُ لِعِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ. فَإنَّ إيمانَ الحَوارِيِّينَ نِعْمَةٌ عَلى عِيسى إذْ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ لَما وجَدَ مَن يَتَّبِعُ دِينَهُ فَلا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوابُ المُتَجَدِّدُ بِتَجَدُّدِ اهْتِداءِ الأجْيالِ بِدِينِهِ إلى أنْ جاءَ نَسْخُهُ بِالإسْلامِ.
والمُرادُ بِالوَحْيِ إلى الحَوارِيِّينَ إلْهامُهم عِنْدَ سَماعِ دَعْوَةِ عِيسى لِلْمُبادَرَةِ بِتَصْدِيقِهِ، فَلَيْسَ المُرادُ بِالوَحْيِ الَّذِي بِهِ دَعاهم عِيسى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى عِيسى لِيَدْعُوَ بَنِي إسْرائِيلَ إلى دِينِهِ. وخَصَّ الحَوارِيُّونَ بِهِ هُنا تَنْوِيهًا بِهِمْ حَتّى كَأنَّ الوَحْيَ بِالدَّعْوَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِأجْلِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ حَصَلَ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ فَكَفَرَ أكْثَرُهم عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]؛
صفحة ١٠٤
فَكانَ الحَوارِيُّونَ سابِقِينَ إلى الإيمانِ لَمْ يَتَرَدَّدُوا في صِدْقِ عِيسى.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ الحَوارِيِّينَ.
وفَصْلُ جُمْلَةِ (قالُوا آمَنّا) لِأنَّها جَوابُ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وهو (أوْحَيْنا)، عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو قَوْلٌ نَفْسِيٌّ حَصَلَ حِينَ ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ تَصْدِيقَ عِيسى فَكَأنَّهُ خاطَبَهم فَأجابُوهُ. والخِطابُ في قَوْلِهِمْ ”واشْهَدْ“ لِلَّهِ تَعالى وإنَّما قالُوا ذَلِكَ بِكَلامٍ نَفْسِيٍّ مِن لُغَتِهِمْ، فَحَكى اللَّهُ مَعْناهُ بِما يُؤَدِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ . وسَمّى إيمانَهم إسْلامًا لِأنَّهُ كانَ تَصْدِيقًا راسِخًا قَدِ ارْتَفَعُوا بِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ إيمانِ عامَّةِ مَن آمَنَ بِالمَسِيحِ غَيْرُهم، فَكانُوا مُماثِلِينَ لِإيمانِ عِيسى، وهو إيمانُ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِيِّينَ، وقَدْ قَدَّمْتُ بَيانَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
5:112–113Page 126
إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢
[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣
They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."
﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي يُكَلِّمُ اللَّهُ بِهِ عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَيَكُونُ إذْ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ قالُوا آمَنّا فَيَكُونُ مِمّا يُذَكِّرُ اللَّهُ بِهِ عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَحُكِيَ عَلى حَسَبِ حُصُولِهِ في الدُّنْيا ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ أنَّ سُؤالَهُمُ المائِدَةَ حَصَلَ في أوَّلِ أوْقاتِ إيمانِهِمْ بَلْ في وقْتٍ آخَرَ. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ فَإنَّ قَوْلَهم آمَنّا قَدْ يَتَكَرَّرُ مِنهم بِمُناسَباتٍ، كَما يَكُونُ عِنْدَ سَماعِهِمْ تَكْذِيبَ اليَهُودِ عِيسى، أوْ عِنْدَ ما يُشاهِدُونَ آياتٍ عَلى يَدِ عِيسى، أوْ يَقُولُونَهُ لِإعادَةِ اسْتِحْضارِ الإيمانِ شَأْنَ الصِّدِّيقِيِّينَ الَّذِينَ يُحاسِبُونَ أنْفُسَهم ويُصْقِلُونَ إيمانَهم
صفحة ١٠٥
فَيَقُولُونَ في كُلِّ مُعاوَدَةٍ. آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ. وأمّا ما قَرَّرَ بِهِ الكَشّافُ ومُتابِعُوهُ فَلا يَحْسُنُ تَفْسِيرُ الكَلامِ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ ابْتِدائِيَّةً بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] في سُورَةِ النَّمْلِ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَخَلُّصًا إلى ذِكْرِ قِصَّةِ المائِدَةِ لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ ما دارَ بَيْنَ عِيسى وبَيْنَ الحَوارِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] .
وابْتَدَأُوا خِطابَهم عِيسى بِنِدائِهِ بِاسْمِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سَيَقُولُونَهُ أمْرٌ فِيهِ اقْتِراحٌ وكُلْفَةٌ لَهُ، وكَذَلِكَ شَأْنُ مَن يُخاطِبُ مَن يَتَجَشَّمُ مِنهُ كُلْفَةً أنْ يُطِيلَ خِطابَهُ طَلَبًا لِإقْبالِ سَمْعِهِ إلَيْهِ لِيَكُونَ أوْعى لِلْمَقْصُودِ.
وجَرى قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ عَلى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ في العَرْضِ والدُّعاءِ، يَقُولُونَ لِلْمُسْتَطِيعِ لِأمْرٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ كَذا، عَلى مَعْنى تَطَلُّبِ العُذْرِ لَهُ إنْ لَمْ يُجِبْكَ إلى مَطْلُوبِكَ، وأنَّ السّائِلَ لا يُحِبُّ أنْ يُكَلِّفَ المَسْئُولَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ فَلَمْ يَبْقَ مَنظُورًا فِيهِ إلى صَرِيحِ المَعْنى المُقْتَضِي أنَّهُ يَشُكُّ في اسْتِطاعَةِ المَسْئُولِ، وإنَّما يَقُولُ ذَلِكَ الأدْنى لِلْأعْلى مِنهُ، وفي شَيْءٍ يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطاعٌ لِلْمَسْئُولِ، فَقَرِينَةُ الكِنايَةِ تَحَقُّقُ المَسْئُولِ أنَّ السّائِلَ يَعْلَمُ اسْتِطاعَتَهُ. ومِنهُ ما جاءَ في حَدِيثِ يَحْيى المازِنِيِّ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أتَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ. فَإنَّ السّائِلَ يَعْلَمُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ قَوْلُ الحَوارِيِّينَ المَحْكِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ في القُرْآنِ إلّا لَفْظًا مِن لُغَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى التَّلَطُّفِ والتَّأدُّبِ في السُّؤالِ، كَما هو مُناسِبُ أهْلِ الإيمانِ الخالِصِ. ولَيْسَ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّهم سَألُوا آيَةً لِزِيادَةِ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِأنْ يَنْتَقِلُوا مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ إلى الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ. فَإنَّ النُّفُوسَ بِالمَحْسُوسِ آنَسُ، كَما لَمْ يَكُنْ سُؤالُ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] شَكًّا في الحالِ. وعَلى هَذا المَعْنى جَرى تَفْسِيرُ المُحَقِّقِينَ مِثْلَ ابْنِ عَطِيَّةَ، والواحِدِيِّ، والبَغَوِيِّ خِلافًا لِما في الكَشّافِ.
صفحة ١٠٦
وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَسْتَطِيعُ بِياءِ الغَيْبَةِ ورَفْعِ رَبُّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِتاءِ المُخاطَبِ ونَصْبِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مِن قَوْلِهِ (رَبَّكَ) عَلى أنَّ (رَبَّكَ) مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى هَلْ تَسْألُ لَنا رَبَّكَ، فَعَبَّرَ بِالِاسْتِطاعَةِ عَنْ طَلَبِ الطّاعَةِ، أيْ إجابَةِ السُّؤالِ. وقِيلَ: هي عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ، فَأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ في إعْرابِهِ. وفي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، ولَكِنْ قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ. «وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أقْرَأْنا النَّبِيءُ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ») .
واسْمُ (مائِدَةً) هو الخِوانُ المَوْضُوعُ عَلَيْهِ طَعامٌ، فَهو اسْمٌ لِمَعْنًى مُرَكَّبٍ يَدُلُّ عَلى طَعامٍ وما يُوضَعُ عَلَيْهِ. والخِوانُ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها تَخْتٌ مِن خَشَبٍ لَهُ قَوائِمُ مَجْعُولٌ لِيُوضَعَ عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلْأكْلِ، اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ. قالَ الجَوالِيقِيُّ: هو أعْجَمِيٌّ. وفي حَدِيثِ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما أكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خِوانٍ قَطُّ، ولا في سُكْرُجَةٍ، قالَ قَتادَةُ: قُلْتُ لِأنَسٍ: فَعَلامَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ ؟ قالَ: عَلى السُّفَرِ» . وقِيلَ: المائِدَةُ اسْمُ الطَّعامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في وِعاءٍ ولا عَلى خِوانٍ. وجَزَمَ بِذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ المَحَلِّ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ مَوائِدُ إنَّما كانَتْ لَهُمُ السُّفْرَةُ. وما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في الضَّبِّ: «لَوْ كانَ حَرامًا ما أُكِلَ عَلى مائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ»، إنَّما يُعْنى بِهِ الطَّعامُ المَوْضُوعُ عَلى سُفْرَةٍ. واسْمُ السُّفْرَةِ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى وِعاءٍ مِن أدِيمٍ مُسْتَدِيرٍ لَهُ مَعالِيقُ لِيُرْفَعَ بِها إذا أُرِيدَ السَّفَرُ بِهِ. وسُمِّيَتْ سُفْرَةً لِأنَّها يَتَّخِذُها المُسافِرُ. وإنَّما سَألَ الحَوارِيُّونَ كَوْنَ المائِدَةِ مُنَزَّلَةً مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم رَغِبُوا أنْ تَكُونَ خارِقَةً لِلْعادَةِ فَلا تَكُونُ مِمّا صُنِعَ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ مِن عالَمٍ عُلْوِيٍّ.
وقَوْلُ عِيسى حِينَ أجابَهُمُ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمْرٌ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى وعَدَمِ تَزَلْزُلِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِـ (إنْ) المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ في الإيمانِ لِيَعْلَمَ الدّاعِي إلى ذَلِكَ السُّؤالِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ نَشَأ لَهم عَنْ شَكٍّ في صِدْقِ رَسُولِهِمْ، فَسَألُوا مُعْجِزَةً يَعْلَمُونَ بِها صِدْقَهُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠]،
صفحة ١٠٧
أيْ ألَمْ تَكُنْ غَنِيًّا عَنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ. فالمُرادُ بِالتَّقْوى في كَلامِ عِيسى ما يَشْمَلُ الإيمانَ وفُرُوعَهُ. وقِيلَ: نَهاهم عَنْ طَلَبِ المُعْجِزاتِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَصَلَ إيمانُكم فَما الحاجَةُ إلى المُعْجِزَةِ. فَأجابُوهُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم ما أرادُوا ذَلِكَ لِضَعْفٍ في إيمانِهِمْ إنَّما أرادُوا التَّيَمُّنَ بِأكْلِ طَعامٍ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إكْرامًا لَهم، ولِذَلِكَ زادُوا مِنها ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنْ نَأْكُلَ إذْ لَيْسَ غَرَضُهم مِنَ الأكْلِ دَفْعَ الجُوعِ بَلِ الغَرَضُ التَّشَرُّفُ بِأكْلٍ مِن شَيْءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ. وهَذا مِثْلُ أكْلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي أكَلَ مِنهُ ضَيْفُهُ في بَيْتِهِ حِينَ انْتَظَرُوهُ بِالعَشاءِ إلى أنْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، وحَضَرَ أبُو بَكْرٍ وغَضِبَ مِن تَرْكِهِمُ الطَّعامَ، فَلَمّا أخَذُوا يَطْعَمُونَ جُعِلَ الطَّعامُ يَرْبُو فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِزَوْجِهِ: ما هَذا يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ. وحَمَلَ مِنَ الغَدِ بَعْضَ ذَلِكَ الطَّعامِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكَلَ مِنهُ.
ولِذَلِكَ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ أيْ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّ الدَّلِيلَ الحِسِّيَّ أظْهَرُ في النَّفْسِ، ﴿ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾، أيْ نَعْلَمُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ لا عِلْمَ اسْتِدْلالٍ فَيَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمانِ، ﴿ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، أيْ مِنَ الشّاهِدِينَ عَلى رُؤْيَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَنُبَلِّغُها مَن لَمْ يَشْهَدْها. فَهَذِهِ أرْبَعُ فَوائِدَ لِسُؤالِ إنْزالِ المائِدَةِ، كُلُّها دَرَجاتٍ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ أمْثالُهم.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences