Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:18–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:18–22

5:18Page 111

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ .

مَقالٌ آخَرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ يَدُلُّ عَلى غَباوَتِهِمْ في الكُفْرِ إذْ

صفحة ١٥٦

يَقُولُونَ ما لا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هو مُناقِضٌ لِمَقالاتِهِمُ الأُخْرى. عُطِفَ عَلى المَقالِ المُخْتَصِّ بِالنَّصارى، وهو جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ﴾ [المائدة: ١٧] . وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ التَّعْبِيرُ بِأبْناءِ اللَّهِ؛ فَفي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ أوَّلُ الفَصْلِ الرّابِعَ عَشَرَ قَوْلُ مُوسى ”أنْتُمْ أوْلادٌ لِلرَّبِّ أبِيكم“ . وأمّا الأناجِيلُ فَهي مَمْلُوءَةٌ بِوَصْفِ اللَّهِ تَعالى بِأبِي المَسِيحِ، وبِأبِي المُؤْمِنِينَ بِهِ، وتَسْمِيَةُ المُؤْمِنِينَ أبْناءَ اللَّهِ في مَتّى في الإصْحاحِ الثّالِثِ ”وصَوْتٌ مِنَ السَّماءِ قائِلًا هَذا هو ابْنِي الحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ“، وفي الإصْحاحِ الخامِسِ ”طُوبى لِصانِعِي السَّلامِ لِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ“ . وفي الإصْحاحِ السّادِسِ ”وأبُوكُمُ السَّماوِيُّ يَقُوتُها“ . وفي الإصْحاحِ العاشِرِ ”لِأنْ لَسْتُمْ أنْتُمُ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكم“ . وكُلُّها جائِيَةٌ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ فَتَوَهَّمَها دَهْماؤُهم حَقِيقَةً فاعْتَقَدُوا ظاهِرَها.

وعُطِفَ ”وأحِبّاؤُهُ“ عَلى أبْناءُ اللَّهِ أنَّهم قَصَدُوا أنَّهم أبْناءٌ مَحْبُوبُونَ إذْ قَدْ يَكُونُ الِابْنُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ.

وقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِنَقْضَيْنِ: أوَّلُهُما مِنَ الشَّرِيعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم قائِلُونَ بِأنَّ نَصِيبًا مِنَ العَذابِ يَنالُهم بِذُنُوبِهِمْ، فَلَوْ كانُوا أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ لَما عَذَّبَهم بِذُنُوبِهِمْ، وشَأْنُ المُحِبِّ أنْ لا يُعَذِّبَ حَبِيبَهُ وشَأْنُ الأبِ أنْ لا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ. رُوِيَ أنَّ الشِّبْلِيَّ سَألَ أبا بَكْرِ بْنَ مُجاهِدٍ: أيْنَ تَجِدُ في القُرْآنِ أنَّ المُحِبَّ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ ؟ فَلَمْ يَهْتَدِ ابْنُ مُجاهِدٍ، فَقالَ لَهُ الشِّبْلِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ .

ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِوُقُوعِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ، مِن تَقْدِيرِ العَذابِ لَهم في الآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَعْتَرِفُونَ بِهِ فَلا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ بِهِ، إذْ يَصِيرُ الرَّدُّ مُصادَرَةً، بَلِ المَقْصُودُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِحُصُولِ عَذابٍ يَعْتَقِدُونَ حُصُولَهُ في عَقائِدِ دِينِهِمْ، سَواءٌ كانَ عَذابَ الآخِرَةِ أمْ عَذابَ الدُّنْيا. فَأمّا اليَهُودُ فَكُتُبُهم طافِحَةٌ بِذِكْرِ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] . وأمّا النَّصارى فَلَمْ أرَ في الأناجِيلِ ذِكْرًا لِعَذابِ الآخِرَةِ إلّا أنَّهم قائِلُونَ في عَقائِدِهِمْ بِأنَّ بَنِي

صفحة ١٥٧

آدَمَ كُلَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الأُخْرَوِيَّ بِخَطِيئَةِ أبِيهِمْ آدَمَ، فَجاءَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مُخَلِّصًا وشافِعًا وعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلصَّلْبِ لِيُكَفِّرَ عَنِ البَشَرِ خَطِيئَتَهُمُ المَوْرُوثَةَ، وهَذا يُلْزِمُهُمُ الِاعْتِرافَ بِأنَّ العَذابَ كانَ مَكْتُوبًا عَلى الجَمِيعِ لَوْلا كَفّارَةُ عِيسى فَحَصَلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِاعْتِقادِهِمْ بِهِ بَلْهَ اعْتِقادِنا.

ثُمَّ أُخِذَتِ النَّتِيجَةُ مِنَ البُرْهانِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ يَنالُكم ما يَنالُ سائِرَ البَشَرِ.

وفِي هَذا تَعْرِيضٌ أيْضًا بِأنَّ المَسِيحَ بَشَرٌ، لِأنَّهُ نالَهُ ما يَنالُ البَشَرَ مِنَ الأعْراضِ والخَوْفِ، وزَعَمُوا أنَّهُ نالَهُ الصَّلْبُ والقَتْلُ.

وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ كالِاحْتِراسِ، لِأنَّهُ لَمّا رَتَّبَ عَلى نَوالِ العَذابِ إيّاهم أنَّهم بَشَرٌ دَفَعَ تَوَهُّمَ النَّصارى أنَّ البَشَرِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ اسْتِحْقاقَ العَذابِ بِوِراثَةِ تَبِعَةِ خَطِيئَةِ آدَمَ فَقالَ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾، أيْ مِنَ البَشَرِ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ .

5:19Page 111

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

كَرَّرَ اللَّهُ مَوْعِظَتَهم ودَعْوَتَهم بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم فَسادَ عَقائِدِهِمْ وغُرُورَ أنْفُسِهِمْ بَيانًا لا يَدَعُ لِلْمُنْصِفِ مُتَمَسَّكًا بِتِلْكَ الضَّلالاتِ، كَما وعَظَهم ودَعاهم آنِفًا بِمِثْلِ هَذا عَقِبَ بَيانِ نَقْضِهِمُ المَواثِيقَ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ تَكْرِيرٌ لِمَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ١٥] الآياتِ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ الرَّسُولَ صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ هُنا بِوَصْفِ مَجِيئِهِ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ لِيُذَكِّرَهم بِأنَّ كُتُبَهم مُصَرِّحَةٌ بِمَجِيءِ رَسُولٍ عَقِبَ رُسُلِهِمْ، ولِيُرِيَهم أنَّ مَجِيئَهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ إذْ كانُوا يَجِيئُونَ عَلى فِتَرٍ بَيْنَهم. وذُكِرَ الرَّسُولُ هُنالِكَ بِوَصْفِ تَبْيِينِهِ ما يُخْفُونَهُ مِنَ الكِتابِ لِأنَّ

صفحة ١٥٨

ما ذُكِرَ قَبْلَ المَوْعِظَةِ هُنا قَدْ دَلَّ عَلى مُساواةِ الرُّسُلِ في البَشَرِيَّةِ ومُساواةِ الأُمَمِ في الحاجَةِ إلى الرِّسالَةِ، وما ذُكِرَ قَبْلَ المَوْعِظَةِ هُنالِكَ إنَّما كانَ إنْباءً بِأسْرارِ كُتُبِهِمْ وما يُخْفُونَ عِلْمَهُ عَنِ النّاسِ لِما فِيهِ مِن مَساوِيهِمْ وسُوءِ سُمْعَتِهِمْ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يُبَيِّنُ“ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بَيانُ الشَّرِيعَةِ. فالكَلامُ خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ﴾ [المائدة: ١٥] فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ ”جاءَكم“ . ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ ”يُبَيِّنُ“ لِأنَّ البَيانَ انْقَطَعَ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ.

و”عَلى“ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى (بَعْدَ) لِأنَّ المُسْتَعْلِيَ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ اسْتِقْرارِ ما يَسْتَعْلِي هو فَوْقَهُ، فَشُبِّهَ اسْتِقْرارُهُ بَعْدَهُ بِاسْتِعْلائِهِ عَلَيْهِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ الحَرْفُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِعْلاءِ.

والفَتْرَةُ: انْقِطاعُ عَمَلٍ ما.

وحَرْفُ (مِن) في قَوْله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لِلِابْتِداءِ، أيْ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ ابْتِداؤُها مُدَّةُ وُجُودِ الرُّسُلِ، أيْ أيّامُ إرْسالِ الرُّسُلِ.

والمَجِيءُ مُسْتَعارٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ بِتَبْلِيغِ الدِّينِ، فَكَما سُمِّيَ الرَّسُولُ رَسُولًا سُمِّيَ تَبْلِيغُهُ مَجِيئًا تَشْبِيهًا بِمَجِيءِ المُرْسَلِ مِن أحَدٍ إلى آخَرَ.

والمُرادُ بِالرُّسُلِ رُسُلُ أهْلِ الكِتابِ المُتَعاقِبِينَ مِن عَهْدِ مُوسى إلى المَسِيحِ، أوْ أُرِيدَ المَسِيحُ خاصَّةً. والفَتْرَةُ بَيْنَ البَعْثَةِ وبَيْنَ رَفْعِ المَسِيحِ، كانَتْ نَحْوَ خَمْسِمِائَةٍ وثَمانِينَ سَنَةً. وأمّا غَيْرُ أهْلِ الكِتابِ فَقَدْ جاءَتْهم رُسُلٌ مِثْلُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ وحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ.

وأنْ تَقُولُوا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ لِبَيانِ بَعْضِ الحِكَمِ مِن بَعْثَةِ

صفحة ١٥٩

الرَّسُولِ، وهي قَطْعُ مَعْذِرَةِ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ مُؤاخَذَتِهِمْ في الآخِرَةِ، أوْ تَقْرِيعُهم في الدُّنْيا عَلى ما غَيَّرُوا مِن شَرائِعِهِمْ، لِئَلّا يَكُونَ مِن مَعاذِيرِهِمْ أنَّهُمُ اعْتادُوا تَعاقُبَ الرُّسُلِ لِإرْشادِهِمْ وتَجْدِيدِ الدِّيانَةِ، فَلَعَلَّهم أنْ يَعْتَذِرُوا بِأنَّهم لَمّا مَضَتْ عَلَيْهِمْ فَتْرَةٌ بِدُونِ إرْسالِ رَسُولٍ لَمْ يَتَّجِهْ عَلَيْهِمْ مَلامٌ فِيما أهْمَلُوا مِن شَرْعِهِمْ وأنَّهم لَوْ جاءَهم رَسُولٌ لاهْتَدَوْا. فالمَعْنى أنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا رَسُولٌ في الفَتْرَةِ بَعْدَ مُوسى أوْ بَعْدَ عِيسى. ولَيْسَ المُرادُ أنْ يَقُولُوا: ما جاءَنا رَسُولٌ إلَيْنا أصْلًا، فَإنَّهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ، وكَيْفَ وقَدْ جاءَهم مُوسى وعِيسى. فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ تَعْلِيلًا لِمَجِيءِ الرَّسُولِ صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ﴿ما جاءَنا﴾ . ووَجَبَ تَقْدِيرُ لامِ التَّعْلِيلِ قَبْلَ (أنْ) وهو تَقْدِيرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى. ومِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ كَثِيرٌ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ قَبْلَ (أنْ) حَذْفًا مُطَّرِدًا، والمَقامُ يُعَيِّنُ الحَرْفَ المَحْذُوفَ؛ فالمَحْذُوفُ هُنا حَرْفُ اللّامِ.

ويَشْكُلُ مَعْنى الآيَةِ بِأنَّ عِلَّةَ إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ هي انْتِفاءُ أنْ يَقُولُوا ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ لا إثْباتُهُ كَما هو واضِحٌ، فَلِماذا لَمْ يَقُلْ: أنْ لا تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ نَظائِرُ لِهَذِهِ الآيَةِ، وفي شِعْرِ العَرَبِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

أرادَ أنْ لا تَشْتُمُونا. فاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في تَقْدِيرِ ما بِهِ يَتَقَوَّمُ المَعْنى في الآياتِ وغَيْرِها: فَذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى تَقْدِيرِ اسْمٍ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ لِفِعْلِ ”جاءَكم“ وقَدَّرُوهُ: (كَراهِيَةَ أنْ تَقُولُوا) وعَلَيْهِ دَرَجَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ مِن جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ؛ وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى تَقْدِيرِ حَرْفِ نَفْيٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ (أنْ) والتَّقْدِيرُ: أنْ لا تَقُولُوا، ودَرَجَ عَلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِثْلُ البَغَوِيِّ فَيَكُونُ مِن إيجازِ الحَذْفِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ والمَقامِ. وزَعَمَ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ أنَّهُ تَعَسُّفٌ، وذَكَرَ أنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ زَعَمَ أنَّ مِن مَعانِي (أنْ) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (لِئَلّا) .

صفحة ١٦٠

وعِنْدِي: أنَّ الَّذِي ألْجَأ النَّحْوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ لِهَذا التَّأْوِيلِ هو البِناءُ عَلى أنَّ (أنْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَتَقْتَضِي أنَّ قَوْلَ أهْلِ الكِتابِ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ غَيْرُ حاصِلٍ في حالِ نُزُولِ الآيَةِ، وأنَّهُ مُقَدَّرٌ حُصُولُهُ في المُسْتَقْبَلِ. ويَظْهَرُ أنَّ إفادَةَ (أنْ) تَخْلِيصَ المُضارِعِ لِلْمُسْتَقْبَلِ إفادَةٌ أكْثَرِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِمُطَّرِدَةٍ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ أنَّ أبا بَكْرٍ الباقِلّانِيَّ ذَهَبَ إلَيْهِ، بَلْ قَدْ تُفِيدُ (أنْ) مُجَرَّدَ المَصْدَرِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

فَإمّا تَرَيْنِي لا أُغَمِّضُ ساعَةً ∗∗∗ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أنْ أكُبَّ وأنْعَسا

فَإنَّهُ لا يُرِيدُ أنَّهُ يَنْعَسُ في المُسْتَقْبَلِ. وأنَّ صَرْفَها عَنْ إفادَةِ الِاسْتِقْبالِ يَعْتَمِدُ عَلى القَرائِنِ، فَيَكُونُ المَعْنى هُنا أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ قالُوا هَذا العُذْرَ لِمَن يَلُومُهم مِثْلِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الحَنِيفِيَّةَ، كَأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أوْ قالَهُ اليَهُودُ لِنَصارى العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ الفاءُ فِيهِ لِلْفَصِيحَةِ، وقَدْ ظَهَرَ حُسْنُ مَوْقِعِها بِما قَرَّرَتْ بِهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ لَإنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُكم إذْ قَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:

قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ∗∗∗ ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسَـانَـا

5:20–22Page 111

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِئاءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ .

صفحة ١٦١

عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القَصَصِ والمَواعِظِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِ ”وإذْ قالَ“ في مَواضِعَ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] في البَقَرَةِ.

ومُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآياتِ هُنا أنَّ القِصَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَذْكِيرٍ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وحَثٍّ عَلى الوَفاءِ بِما عاقَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ تَمْهِيدًا لِطَلَبِ امْتِثالِهِمْ.

وقَدَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِحَرْبِ الكَنْعانِيِّينَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِيُهَيِّئَ نُفُوسَهم إلى قَبُولِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ ولِيُوثِقَهم بِالنَّصْرِ إنْ قاتَلُوا أعْداءَهم، فَذَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وعَدَّ لَهم ثَلاثَ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ: أُولاها أنَّ فِيهِمْ أنْبِياءَ، ومَعْنى جَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في عَمُودِ نَسَبِهِمْ فِيما مَضى مِثْلُ يُوسُفَ والأسْباطِ ومُوسى وهارُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ جَعَلَ في المُخاطَبِينَ أنْبِياءَ؛ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أخِيهِ هارُونَ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ وقَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ هارُونَ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ”أنْبِياءَ“ جَمْعًا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ فاسْتَوى الإفْرادُ والجَمْعُ، لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ إذا أُرِيدَتْ مِنَ الجَمْعِ بَطَلَتْ مِنهُ الجَمْعِيَّةُ، وهَذا الجِنْسُ انْحَصَرَ في فَرْدٍ يَوْمَئِذٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] يُرِيدُ مُحَمَّدًا صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ أرادَ مَن ظَهَرَ في زَمَنِ مُوسى مِنَ الأنْبِياءِ. فَقَدْ كانَتْ مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى نَبِيئَةً، كَما هو صَرِيحُ التَّوْراةِ (إصْحاحٌ: ١٥ مِنَ الخُرُوجِ) . وكَذَلِكَ ألْدادُ ومِيدادُ كانا نَبِيَّيْنِ في زَمَنِ مُوسى، كَما في التَّوْراةِ (إصْحاحٌ: ١١ سِفْرُ العَدَدِ) . ومُوقِعُ النِّعْمَةِ في إقامَةِ الأنْبِياءِ بَيْنَهم أنَّ في ذَلِكَ ضَمانَ الهُدى لَهم والجَرْيَ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنهم، وفِيهِ أيْضًا حُسْنُ ذِكْرٍ لَهم بَيْنَ الأُمَمِ وفي تارِيخِ الأجْيالِ.

والثّانِيَةُ: أنْ جَعَلَهم مُلُوكًا، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ كالمُلُوكِ في تَصَرُّفِهِمْ في أنْفُسِهِمْ وسَلامَتِهِمْ مِنَ العُبُودِيَّةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ لِلْقِبْطِ، وجَعَلَهم سادَةً عَلى الأُمَمِ الَّتِي مَرُّوا بِها، مِنَ الآمُورْبِينَ، والعَناقِيِّينَ، والحَشْبُونِيِّينَ، والرَّفائِيِّينَ، والعَمالِقَةِ، والكَنْعانِيِّينَ، أوِ اسْتُعْمِلَ فِعْلُ ”جَعَلَكم“ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] قَصْدًا لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ بِشارةً لَهم بِما سَيَكُونُ لَهم.

صفحة ١٦٢

والنِّعْمَةُ الثّالِثَةُ أنَّهُ آتاهم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وماصْدَقَ (ما) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا واحِدًا مِمّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ أشْياءَ؛ إذْ آتاهُمُ الشَّرِيعَةَ الصَّحِيحَةَ الواسِعَةَ الهُدى المَعْصُومَةَ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ في طَرِيقِهِمْ، وساقَ إلَيْهِمْ رِزْقَهُمُ المَنَّ والسَّلْوى أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَوَلّى تَرْبِيَةَ نُفُوسِهِمْ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ هو الغَرَضُ مِنِ الخِطابِ، فَهو كالمَقْصِدِ بَعْدَ المُقَدِّمَةِ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ اللَّفْظَ الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ مَقالَتَهُ وهو النِّداءُ بِـ ”يا قَوْمِ“ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ أذْهانِهِمْ.

والأمْرُ بِالدُّخُولِ أمْرٌ بِالسَّعْيِ في أسْبابِهِ، أيْ تَهَيَّئُوا لِلدُّخُولِ. والأرْضُ المُقَدَّسَةُ بِمَعْنى المُطَهَّرَةِ المُبارَكَةِ، أيِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها، أوْ لِأنَّها قُدِّسَتْ بِدَفْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ قَرْيَةٍ مِن قُراها وهي حَبْرُونُ. وهي هُنا أرْضُ كَنْعانَ مِن بَرِّيَّةِ صِينَ إلى مَدْخَلِ (حَماةَ وإلى حَبْرُونَ) . وهَذِهِ الأرْضُ هي أرْضُ فِلَسْطِينَ، وهي الواقِعَةُ بَيْنَ البَحْرِ الأبْيَضِ المُتَوَسِّطِ وبَيْنَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ والبَحْرِ المَيِّتِ فَتَنْتَهِي إلى (حَماةَ) شَمالًا وإلى (غَزَّةَ وحَبْرُونَ) جَنُوبًا. وفي وصْفِها بِـ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى الإقْدامِ لِدُخُولِها.

ومَعْنى كَتَبَ اللَّهُ: قَضى وقَدَّرَ، ولَيْسَ ثَمَّةَ كِتابَةٌ ولَكِنَّهُ تَعْبِيرٌ مَجازِيٌّ شائِعٌ في اللُّغَةِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا أكَّدَهُ المُلْتَزِمُ بِهِ كَتَبَهُ، كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ

فَأُطْلِقَتِ الكِتابَةُ عَلى ما لا سَبِيلَ لِإبْطالِهِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ وعَدَ إبْراهِيمَ أنْ يُورِثَها ذُرِّيَّتَهُ. ووَعْدُ اللَّهِ لا يُخْلَفُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ تَحْذِيرٌ مِمّا يُوجِبُ الِانْهِزامَ، لِأنَّ ارْتِدادَ الجَيْشِ عَلى الأعْقابِ مِن أكْبَرِ أسْبابِ الِانْخِذالِ. والِارْتِدادُ افْتِعالٌ مِنَ الرَّدِّ، يُقالُ: رَدَّهُ فارْتَدَّ، والرَّدُّ: إرْجاعُ السّائِرِ عَنِ الإمْضاءِ في سَيْرِهِ وإعادَتُهُ إلى المَكانِ الَّذِي

صفحة ١٦٣

سارَ مِنهُ. والأدْبارُ: جَمْعُ دُبُرٍ، وهو الظَّهْرُ. والِارْتِدادُ: الرُّجُوعُ، ومَعْنى الرُّجُوعِ عَلى الأدْبارِ إلى جِهَةِ الأدْبارِ، أيِ الوَراءِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ المَكانَ الَّذِي يَمْشِي عَلَيْهِ الماشِي وهو قَدْ كانَ مِن جِهَةِ ظَهْرِهِ، كَما يَقُولُونَ: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، ورَكِبُوا ظُهُورَهم، وارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، وعَلى أعْقابِهِمْ، فَعُدِّيَ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ، أيِ اسْتِعْلاءِ طَرِيقِ السَّيْرِ، نُزِّلَتِ الأدْبارُ الَّتِي يَكُونُ السَّيْرُ في جِهَتِها مَنزِلَةَ الطَّرِيقِ الَّذِي يُسارُ عَلَيْهِ.

والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وأصْلُهُ الرُّجُوعُ إلى المَنزِلِ قالَ تَعالى ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] . والمُرادُ بِهِ هَنا مُطْلَقُ المَصِيرِ.

وضَمائِرُ (فِيها ومِنها) تَعُودُ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ.

وأرادُوا بِالقَوْمِ الجَبّارِينَ في الأرْضِ سُكّانَها الكَنْعانِيِّينَ، والعَمالِقَةَ، والحِثِّيِّينَ، واليَبُوسِيِّينَ، والأمُورِيِّينَ.

والجَبّارُ: القَوِيُّ، مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْرِ، وهو الإلْزامُ لِأنَّ القَوِيَّ يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ.

وكانَتْ جَواسِيسُ مُوسى الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ بَعَثَهم لِارْتِيادِ الأرْضِ قَدْ أخْبَرُوا القَوْمَ بِجَوْدَةِ الأرْضِ وبِقُوَّةِ سُكّانِها. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ مَخافَتِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ يَقْطُنُونَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فامْتَنَعُوا مِنِ اقْتِحامِ القَرْيَةِ خَوْفًا مِن أهْلِها، وأكَّدُوا الِامْتِناعَ مِن دُخُولِ أرْضِ العَدُوِّ تَوْكِيدًا قَوِيًّا بِمَدْلُولِ (إنَّ) و(لَنْ) في ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ [المائدة: ٢٤] تَحْقِيقًا لِخَوْفِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ الوَعْدِ بِدُخُولِها إذا خَلَتْ مِنَ الجَبّارِينَ الَّذِينَ فِيها.

وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما في الإصْحاحِ الثّالِثَ عَشَرَ والرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يُرْسِلَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا جَواسِيسَ يَتَجَسَّسُونَ أرْضَ كَنْعانَ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا؛ فَعَيَّنَ مُوسى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، مِنهم: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِن سِبْطِ أفْرايِمَ، ومِنهم كالِبُ بْنُ يَفْنَةَ مِن سِبْطِ يَهُوذا، ولَمْ يُسَمُّوا بَقِيَّةَ الجَواسِيسِ. فَجاسُوا خِلالَ الأرْضِ مِن بَرِّيَّةِ صِينَ إلى حَماةَ فَوَجَدُوا الأرْضَ ذات ثِمارٍ وأعْنابٍ ولَبَنٍ وعَسَلٍ ووَجَدُوا سُكّانَها مُعْتَزِّينَ،

صفحة ١٦٤

طُوالَ القاماتِ، ومُدُنُهم حَصِينَةٌ. فَلَمّا سَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وهِلُوا وبَكَوْا وتَذَمَّرُوا عَلى مُوسى وقالُوا: لَوْ مُتْنا في أرْضِ مِصْرَ كانَ خَيْرًا لَنا مِن أنْ تُغْنَمَ نِساؤُنا وأطْفالُنا، فَقالَ يُوشَعُ وكالِبٌ لِلشَّعْبِ: إنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنّا يُدْخِلْنا إلى هَذِهِ الأرْضِ ولَكِنْ لا تَعْصَوُا الرَّبَّ ولا تَخافُوا مِن أهْلِها، فاللَّهُ مَعَنا. فَأبى القَوْمُ مِن دُخُولِ الأرْضِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقالَ لِمُوسى: لا يَدْخُلُ أحَدٌ مَن سِنُّهُ عِشْرُونَ سَنَةً فَصاعِدًا هَذِهِ الأرْضَ إلّا يُوشَعَ وكالِبًا وكُلُّكم سَتُدْفَنُونَ في هَذا القَفْرِ، ويَكُونُ أبْناؤُكم رُعاةً فِيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском