Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:23–31

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:23–31

5:23–26Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمُ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ .

فُصِّلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ الأرْبَعُ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما بَيَّنّاهُ سالِفًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرَّجُلانِ هُما يُوشَعُ وكالِبٌ. ووُصِفَ الرَّجُلانِ بِأنَّهم (مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَوْفِ في قَوْلِهِ: ”يَخافُونَ“ الخَوْفَ مِنَ العَدُوِّ؛ فَيَكُونُ المُرادُ بِاسْمِ المَوْصُولِ بَنِي إسْرائِيلَ. جَعَلَ تَعْرِيفَهم بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلتَّعْرِيضِ بِهِمْ بِمَذَمَّةِ الخَوْفِ وعَدَمِ الشَّجاعَةِ، فَيَكُونُ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ اتِّصالِيَّةً وهي الَّتِي في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي، أيْ يَنْتَسِبُونَ إلى الَّذِينَ يَخافُونَ. ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالخَوْفِ بِقَرِينَةِ أنَّهم

صفحة ١٦٥

حَرَّضُوا قَوْمَهم عَلى غَزْوِ العَدُوِّ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما بِالشَّجاعَةِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (أنْعَمَ) اكْتِفاءً بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَوْفِ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ كانَ قَوْلُهُما لِقَوْمِهِما ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ ناشِئًا عَنْ خَوْفِهِما اللَّهَ تَعالى، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأنَّ الَّذِينَ عَصَوْهُما لا يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ مَنشَأِ خَوْفِهِما اللَّهَ تَعالى، أيِ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ مِنهُ عَلَيْهِما. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الشَّجاعَةَ في نَصْرِ الدِّينِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى صاحِبِها.

ومَعْنى ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ أنْعَمَ عَلَيْهِما بِسَلْبِ الخَوْفِ مِن نُفُوسِهِمْ وبِمَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ.

و”البابَ“ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَدْخَلُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أيِ المَسالِكُ الَّتِي يُسْلَكُ مِنها إلى أرْضِ كَنْعانَ، وهو الثَّغْرُ والمَضِيقُ الَّذِي يُسْلَكُ مِنهُ إلى مَنزِلِ القَبِيلَةِ يَكُونُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وعْرَيْنِ، إذْ لَيْسَ في الأرْضِ المَأْمُورِينَ بِدُخُولِها مَدِينَةٌ بَلْ أرْضٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، فَأرادا: فَإذا اجْتَزْتُمُ الثَّغْرَ ووَطِئْتُمْ أرْضَ الأعْداءِ غَلَبْتُمُوهم في قِتالِهِمْ في دِيارِهِمْ. وقَدْ يُسَمّى الثَّغْرُ البَحْرِيُّ بابًا أيْضًا، مِثْلَ بابِ المَندَبِ، وسَمَّوْا مَوْضِعًا بِجِهَةِ بُخارى البابَ. وحَمَلَ المُفَسِّرُونَ البابَ عَلى المَشْهُورِ المُتَعارَفِ، وهو بابُ البَلَدِ الَّذِي في سُورِهِ، فَقالُوا: أرادا بابَ قَرْيَتِهِمْ، أيْ لِأنَّ فَتْحَ مَدِينَةِ الأرْضِ يُعَدُّ مِلْكًا لِجَمِيعِ تِلْكَ الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ هي (أرِيحا) أوْ (قادِشُ) حاضِرَةُ العَمالِقَةِ يَوْمَئِذٍ، وهي المَذْكُورَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والبابُ بِهَذا المَعْنى هو دَفَّةٌ عَظِيمَةٌ مُتَّخَذَةٌ مِن ألْواحٍ تُوَصَّلُ بِجُزْأيْ جِدارٍ أوْ سُورٍ بِكَيْفِيَّةٍ تَسْمَحُ لِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْحُ سادًّا لِتِلْكَ الفُرْجَةِ مَتى أُرِيدَ سَدُّها وبِأنْ تُفْتَحَ عِنْدَ إرادَةِ فَتْحِها؛ فَيُسَمّى السَّدُّ بِهِ غَلْقًا وإزالَةُ السَّدِّ فَتْحًا.

وبَعْدَ أنْ أمَرا القَوْمَ بِاتِّخاذِ الأسْبابِ والوَسائِلِ أمَراهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ والِاعْتِمادِ عَلى وعْدِهِ ونَصْرِهِ وخَبَرِ رَسُولِهِ، ولِذَلِكَ ذَيَّلا بِقَوْلِهِما ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، لِأنَّ الشَّكَّ في صِدْقِ الرَّسُولِ مُبْطِلٌ لِلْإيمانِ.

صفحة ١٦٦

وإنَّما خاطَبُوا مُوسى عَقِبَ مَوْعِظَةِ الرَّجُلَيْنِ لَهم، رُجُوعًا إلى إبايَتِهِمُ الأُولى الَّتِي شافَهُوا بِها مُوسى إذْ قالُوا ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أوْ لِقِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِ الرَّجُلَيْنِ وأكَّدُوا الِامْتِناعَ الثّانِيَ مِنَ الدُّخُولِ بَعْدَ المُحاوَرَةِ أشَدَّ تَوْكِيدٍ. دَلَّ عَلى شِدَّتِهِ في العَرَبِيَّةِ ثَلاثُ مُؤَكِّداتٍ: إنَّ، ولَنْ، وكَلِمَةُ أبَدًا.

ومَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ إنْ كانَ خِطابًا لِمُوسى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ مُعْجِزَةً كَما تَعَوَّدُوا مِنَ النَّصْرِ فَطَلَبُوا أنْ يُهْلِكَ اللَّهُ الجَبّارِينَ بِدَعْوَةِ مُوسى.

وقِيلَ: أرادُوا بِهَذا الكَلامِ الِاسْتِخْفافَ بِمُوسى، وهَذا بِعِيدٌ، لِأنَّهم ما كانُوا يَشُكُّونَ في رِسالَتِهِ، ولَوْ أرادُوا الِاسْتِخْفافَ لَكَفَرُوا ولَيْسَ في كَلامِ مُوسى الواقِعِ جَوابًا عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ إلّا وصْفُهم بِالفاسِقِينَ. والفِسْقُ يُطْلَقُ عَلى المَعْصِيَةِ الكَبِيرَةِ، فَإنَّ عِصْيانَ أمْرِ اللَّهِ في الجِهادِ كَبِيرَةٌ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أتى المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ النَّبِيءَ وهو يَدْعُو عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نَقُولُ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ الحَدِيثَ.

فَلا تَظُنَّنَّ مِن ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مَقْرُوءَةً بَيْنَهم يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وإنَّما تَكَلَّمَ المِقْدادُ بِخَبَرٍ كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما يُحَدِّثُهم بِهِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ.

قالَ أيْ مُوسى، مُناجِيًا رَبَّهُ أوْ بِمَسْمَعٍ مِنهم لِيُوقِفَهم عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا أقْدِرُ إلّا عَلى نَفْسِي وأخِي، وإنَّما لَمْ يَعُدَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قالا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾، لِأنَّهُ خَشِيَ أنْ يَسْتَهْوِيَهُما قَوْمُهُما. والَّذِي في كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ هارُونَ كانَ قَدْ تُوَفِّيَ قَبْلَ هَذِهِ الحادِثَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِأخِيهِ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ لِأنَّهُ كانَ

صفحة ١٦٧

مُلازِمَهُ في شُئُونِهِ، وسَمّاهُ اللَّهُ فَتاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] الآيَةَ. وعَطَفَهُ هُنا عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ مُحَرِّضًا لِلْقَوْمِ عَلى دُخُولِ القَرْيَةِ.

ومَعْنى ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أنْ لا تُؤاخِذَنا بِجُرْمِهِمْ، لِأنَّهُ خَشِيَ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ في الدُّنْيا فَيُهْلِكَ الجَمِيعَ فَطَلَبَ النَّجاةَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ الفَرْقَ بَيْنَهم في الآخِرَةِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ البَرِيءَ بِذَنْبِ المُجْرِمِ، ولِأنَّ بَراءَةَ مُوسى وأخِيهِ مِنَ الرِّضا بِما فَعَلَهُ قَوْمُهم أمْرٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفَرْقِ بَيْنَهُمُ الحُكْمُ بَيْنَهم وإيقافُ الضّالِّينَ عَلى غَلَطِهِمْ.

وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى لَهُ ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمُ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ إلَخْ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ مُوسى ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾، وهو جَوابٌ جامِعٌ لِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَهُ كَلامُ مُوسى: لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِالعِقابِ الَّذِي يُصِيبُ بِهِ الَّذِينَ عَصَوْا أمْرَهُ، فَسَكَّنَ هاجِسَ خَوْفِهِ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ يَعُمُّ الجَمِيعَ، وحَصَلَ العِقابُ لَهم عَلى العِصْيانِ انْتِصارًا لِمُوسى. فَإنْ قُلْتَ: هَذا العِقابُ قَدْ نالَ مُوسى مِنهُ ما نالَ قَوْمَهُ، فَإنَّهُ بَقِيَ مَعَهم في التِّيهِ حَتّى تُوُفِّيَ. قُلْتُ: كانَ ذَلِكَ هَيِّنًا عَلى مُوسى لِأنَّ بَقاءَهُ مَعَهم لِإرْشادِهِمْ وصَلاحِهِمْ وهو خِصِّيصَةُ رِسالَتِهِ، فالتَّعَبُ في ذَلِكَ يَزِيدُهُ رَفْعَ دَرَجَةٍ، أمّا هم فَكانُوا في مَشَقَّةٍ.

يَتِيهُونَ يَضِلُّونَ، ومَصْدَرُهُ التَّيْهُ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الياءِ والتِّيهُ بِكَسْرِ التّاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ. وسُمِّيَتِ المَفازَةُ تَيْهاءَ وسُمِّيَتْ تِيهًا. وقَدْ بَقِيَ بَنُو إسْرائِيلَ مُقِيمِينَ في جِهاتٍ ضَيِّقَةٍ ويَسِيرُونَ الهُوَيْنا عَلى طَرِيقٍ غَيْرِ مُنْتَظِمٍ حَتّى بَلَغُوا جَبَلَ (نِيبُو) عَلى مَقْرُبَةٍ مِن نَهْرِ (الأُرْدُنِّ)، فَهُنالِكَ تُوُفِّيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهُنالِكَ دُفِنَ. ولا يُعْرَفُ مَوْضِعُ قَبْرِهِ كَما في نَصِّ كِتابِ اليَهُودِ. وما دَخَلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ حَتّى عَبَرُوا الأُرْدُنَّ بِقِيادَةِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ خَلِيفَةِ مُوسى. وقَدِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى هو وكالِبَ بْنَ يَفْنَةَ، لِأنَّهُما لَمْ يَقُولا: لَنْ نَدْخُلَها. وأمّا بَقِيَّةُ الرُّوّادِ الَّذِينَ أرْسَلَهم مُوسى لِاخْتِبارِ الأرْضِ فَوافَقُوا قَوْمَهم في الِامْتِناعِ مِن دُخُولِها.

صفحة ١٦٨

وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإخْبارِ بِهَذا العِقابِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مُوسى يُحْزِنُهُ ذَلِكَ، فَنَهاهُ عَنِ الحُزْنِ لِأنَّهم لا يَسْتَأْهِلُونَ الحُزْنَ لِأجْلِهِمْ لِفِسْقِهِمْ. والأسى: الحُزْنُ، يُقالُ أسِيَ كَفَرِحَ إذا حَزِنَ.

5:27–30Page 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.

إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠

And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّيَ أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .

عَطَفَ نَبَأً عَلى نَبَإٍ لِيَكُونَ مُقَدِّمَةً لِلتَّحْذِيرِ مِن قَتْلِ النَّفْسِ والحِرابَةِ والسَّرِقَةِ، ويُتْبَعُ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ وأحْكامِ الوَصِيَّةِ وغَيْرِها، ولِيَحْسُنَ التَّخَلُّصُ مِمّا اسْتُطْرِدَ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ الَّتِي هي مَواقِعُ عِبْرَةٍ وتُنْظَمُ كُلُّها في جَرائِرِ الغُرُورِ. والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَها مُناسَبَةُ تَماثُلٍ ومُناسَبَةُ تَضادٍّ. فَأمّا التَّماثُلُ فَإنَّ في كِلْتَيْهِما عَدَمَ الرِّضا بِما حَكَمَ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا أمْرَ رَسُولِهِمْ إيّاهم بِالدُّخُولِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وأحَدُ ابْنَيْ آدَمَ عَصى حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ قَبُولِ قُرْبانِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ. وفي كِلْتَيْهِما جُرْأةٌ عَلى اللَّهِ بَعْدَ المَعْصِيَةِ؛ فَبَنُو إسْرائِيلَ قالُوا: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ، وابْنُ آدَمَ قالَ: لَأقْتُلَنَّ الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنهُ. وأمّا التَّضادُّ فَإنَّ في إحْداهُما إقْدامًا مَذْمُومًا مِنِ ابْنِ آدَمَ، وإحْجامًا مَذْمُومًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّ في إحْداهُما اتِّفاقَ أخَوَيْنِ هُما مُوسى وأخُوهُ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وفي الأُخْرى اخْتِلافُ أخَوَيْنِ بِالصَّلاحِ والفَسادِ.

ومَعْنى ابْنَيْ آدَمَ هُنا ولَداهُ، وأمّا ابْنُ آدَمَ مُفْرَدًا فَقَدْ يُرادُ بِهِ واحِدٌ مِنَ البَشَرِ

صفحة ١٦٩

نَحْوَ: «يا ابْنَ آدَمَ إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ»، أوْ مَجْمُوعًا نَحْوَ ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] .

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ مُتَعَلِّقًا بِـ ”اتْلُ“ . والمُرادُ مِنَ الحَقِّ هُنا الصِّدْقُ مِن حَقَّ الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ، والصِّدْقُ هو الثّابِتُ، والكَذِبُ لا ثُبُوتَ لَهُ في الواقِعِ، كَما قالَ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] . ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الحَقُّ ضِدَّ الباطِلِ وهو الجِدُّ غَيْرُ الهَزْلِ، أيِ اتْلُ هَذا النَّبَأ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، أيْ بِالغَرَضِ الصَّحِيحِ لا لِمُجَرَّدِ التَّفَكُّهِ واللَّهْوِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِالحَقِّ مُشِيرًا إلى ما حَفَّ بِالقِصَّةِ مِن زِياداتٍ زادَها أهْلُ القَصَصِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أسْبابِ قَتْلِ أحَدِ الأخَوَيْنِ أخاهُ.

و”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ لِـ ”نَبَأٍ“ أيْ خَبَرِهِما الحاصِلِ وقْتَ تَقْرِيبِهِما قُرْبانًا، فَيَنْتَصِبُ ”إذْ“ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ.

وفِعْلُ ”قَرَّبا“ هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ القُرْبانِ الَّذِي صارَ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ الجامِدِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ والكُفْرانِ، يُسَمّى بِهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ المَرْءُ إلى رَبِّهِ مِن صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ أوْ صَلاةٍ، فاشْتُقَّ مِنَ القُرْبانِ قَرَّبَ، كَما اشْتُقَّ مِنَ النُّسُكِ نَسَكَ، ومِنَ الأُضْحِيَّةِ ضَحّى، ومِنَ العَقِيقَةِ عَقَّ. ولَيْسَ ”قَرَّبا“ هُنا بِمَعْنى أدْنَيا إذْ لا مَعْنى لِذَلِكَ هُنا.

وفِي التَّوْراةِ هُما (قايِينُ) والعَرَبُ يُسَمُّونَهُ قابِيلَ وأخُوهُ (هابِيلُ) . وكانَ قابِيلُ فَلّاحًا في الأرْضِ، وكانَ هابِيلُ راعِيًا لِلْغَنَمِ، فَقَرَّبَ قابِيلُ مِن ثِمارِ حَرْثِهِ قُرْبانًا وقَرَّبَ هابِيلُ مِن أبْكارِ غَنَمِهِ قُرْبانًا. ولا نَدْرِي هَلْ كانَ القُرْبانُ عِنْدَهم يُعْطى لِلْفُقَراءِ ونَحْوِهِمْ أوْ كانَ يُتْرَكُ لِلنّاسِ عامَّةً. فَتَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبانَ هابِيلَ ولَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبانَ قابِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ قَبُولَ قُرْبانِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ حَصَلَ بِوَحْيٍ مِنَ الله لِآدَمَ. وإنَّما لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ قُرْبانَ قابِيلَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا صالِحًا بَلْ كانَتْ لَهُ خَطايا. وقِيلَ: كانَ كافِرًا، وهَذا يُنافِي كَوْنَهُ يُقَرِّبُ قُرْبانًا.

وأُفْرِدَ القُرْبانُ في الآيَةِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، وإنَّما قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما

صفحة ١٧٠

قُرْبانًا ولَيْسَ هو قُرْبانًا مُشْتَرَكًا. ولَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعالى المُتَقَبَّلَ مِنهُ والَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ إذْ لا جَدْوى لِذَلِكَ في مَوْقِعِ العِبْرَةِ.

وإنَّما حَمَلَهُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ حَسَدُهُ عَلى مَزِيَّةِ القَبُولِ. والحَسَدُ أوَّلُ جَرِيمَةٍ ظَهَرَتْ في الأرْضِ.

وقَوْلُهُ في الجَوابِ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَعْرِيضٌ وتَنَصُّلٌ مِمّا يُوجِبُ قَتْلَهُ. يَقُولُ: القَبُولُ فِعْلُ اللَّهِ لا فِعْلُ غَيْرِهِ، وهو يَتَقَبَّلُ مِنَ المُتَّقِي لا مِن غَيْرِهِ. يُعَرِّضُ بِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِتَقِيٍّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنهُ. وآيَةُ ذَلِكَ أنَّهُ يُضْمِرُ قَتْلَ النَّفْسِ. ولِذا فَلا ذَنْبَ لِمَن تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبانَهُ يَسْتَوْجِبُ القَتْلَ. وقَدْ أفادَ قَوْلُ ابْنِ آدَمَ حَصْرَ القَبُولِ في أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ ”المُتَّقِينَ“ مَعْناهُ المَعْرُوفَ شَرْعًا المَحْكِيَّ بِلَفْظِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ مُرادُ ابْنِ آدَمَ كانَ مُفادُ الحَصْرِ أنَّ عَمَلَ غَيْرِ المُتَّقِي لا يُقْبَلُ؛ فَيُحْتَمَلُ أنَّ هَذا كانَ شَرِيعَتَهم، ثُمَّ نُسِخَ في الإسْلامِ بِقَبُولِ الحَسَناتِ مِنَ المُؤْمِنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا في سائِرِ أحْوالِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُتَّقِينَ المُخْلِصُونَ في العَمَلِ، فَيَكُونُ عَدَمُ القَبُولِ أمارَةً عَلى عَدَمِ الإخْلاصِ، وفِيهِ إخْراجُ لَفْظِ التَّقْوى عَنِ المُتَعارَفِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالتَّقَبُّلِ تَقَبُّلًا خاصًّا، وهو التَّقَبُّلُ التّامُّ الدّالُّ عَلَيْهِ احْتِراقُ القُرْبانِ، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أيْ هُدًى كامِلًا لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، أيِ الآخِرَةُ الكامِلَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَقَبُّلَ القَرابِينِ خاصَّةً؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ المُتَّقِينَ بِالقُرْبانِ، أيِ المُرِيدِينَ بِهِ تَقْوى اللَّهِ، وأنَّ أخاهُ أرادَ بِقُرْبانِهِ بِأنَّهُ المُباهاةُ.

ومَعْنى هَذا الحَصْرِ أنَّ اللَّهَ لا يَتَقَبَّلُ مِن غَيْرِ المُتَّقِينَ وكانَ ذَلِكَ شَرْعَ زَمانِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ إلَخْ، مَوْعِظَةٌ لِأخِيهِ لِيُذَكِّرَهُ خَطَرَ هَذا الجُرْمِ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَسْتَطِيعُ دِفاعَهُ ولَكِنَّهُ مَنَعَهُ مِنهُ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا اجْتِهادٌ مِن هابِيلَ في اسْتِعْظامِ جُرْمِ قَتْلِ النَّفْسِ، ولَوْ كانَ القَتْلُ دِفاعًا. وقَدْ عَلِمَ الأخَوانِ ما هو القَتْلُ بِما يَعْرِفانِهِ مِن ذَبْحِ

صفحة ١٧١

الحَيَوانِ والصَّيْدِ، فَكانَ القَتْلُ مَعْرُوفًا لَهُما، ولِهَذا عَزَمَ عَلَيْهِ قابِيلُ فَرَأى هابِيلُ لِلنُّفُوسِ حُرْمَةً ولَوْ كانَتْ ظالِمَةً، ورَأى في الِاسْتِسْلامِ لِطالِبِ قَتْلِهِ إبْقاءً عَلى حِفْظِ النُّفُوسِ لِإكْمالِ مُرادِ اللَّهِ مِن تَعْمِيرِ الأرْضِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونا تَلَقَّيا مِن أبِيهِما الوِصايَةَ بِحِفْظِ النُّفُوسِ صَغِيرِها وكَبِيرِها ولَوْ كانَ في وقْتِ الدِّفاعِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّيَ أخافُ اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّفاعَ بِما يُفْضِي إلى القَتْلِ كانَ مُحَرَّمًا وأنَّ هَذا شَرِيعَةٌ مَنسُوخَةٌ لِأنَّ الشَّرائِعَ تُبِيحُ لِلْمُعْتَدى عَلَيْهِ أنْ يُدافِعَ عَنْ نَفْسِهِ ولَوْ بِقَتْلِ المُعْتَدِي، ولَكِنَّهُ لا يَتَجاوَزُ الحَدَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الدِّفاعُ. وأمّا حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ» فَذَلِكَ في القِتالِ عَلى المُلْكِ وقَصْدِ التَّغالُبِ الَّذِي يَنْكَفُّ فِيهِ المُعْتَدِي بِتَسْلِيمِ الآخَرِ لَهُ؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْلَحَ الفَرِيقَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ لِلْآخَرِ وحَمْلِ التَّبِعَةِ عَلَيْهِ تَجَنُّبًا لِلْفِتْنَةِ، وهو المَوْقِفُ الَّذِي وقَفَهُ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجاءَ الصَّلاحِ.

ومَعْنى أُرِيدُ: أُرِيدُ مِن إمْساكِي عَنِ الدِّفاعِ.

وأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى العَزْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلَّتِي قَبْلَها، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ وافْتُتِحَتْ بِـ (إنَّ) المُشْعِرَةِ بِالتَّعْلِيلِ بِمَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ.

و﴿تَبُوءَ﴾ تَرْجِعُ، وهو رُجُوعٌ مَجازِيٌّ، أيْ تَكْتَسِبُ ذَلِكَ مِن فِعْلِكَ، فَكَأنَّهُ خَرَجَ يَسْعى لِنَفْسِهِ فَباءَ بِإثْمَيْنِ.

والأظْهَرُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِإثْمِي﴾ ما لَهُ مِنَ الآثامِ الفارِطَةِ في عُمْرِهِ، أيْ أرْجُو أنْ يُغْفَرَ لِي وتُحْمَلَ ذُنُوبِي عَلَيْكَ. وفي الحَدِيثِ «يُؤْتى بِالظّالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظّالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ حَتّى يَنْتَصِفَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ» . رَواهُ مُسْلِمٌ فَإنْ كانَ قَدْ قالَ هَذا عَنْ عِلْمٍ مِن وحْيٍ فَقَدْ كانَ مِثْلَ ما شُرِعَ في

صفحة ١٧٢

الإسْلامِ، وإنْ كانَ قَدْ قالَهُ عَنِ اجْتِهادٍ فَقَدْ أصابَ في اجْتِهادِهِ وإلْهامِهِ ونَطَقَ عَنْ مِثْلِ نُبُوءَةٍ.

ومَصْدَرُ ﴿أنْ تَبُوءَ﴾ هو مَفْعُولُ ”أُرِيدُ“، أيْ أُرِيدُ مِنَ الإمْساكِ عَنْ أنْ أقْتُلَكَ إنْ أقْدَمْتَ عَلى قَتْلِي أُرِيدُ أنْ يَقَعَ إثْمِي عَلَيْكَ، فَـ ”إثْمٌ“ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، أيْ ما عَسى أنْ يَكُونَ لَهُ مِن إثْمٍ. وقَدْ أرادَ بِهَذا مَوْعِظَةَ أخِيهِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإثْمِكَ﴾ تَذْكِيرًا لَهُ بِفَظاعَةِ عاقِبَةِ فِعْلَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] . فَعَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿وإثْمِكَ﴾ إدْماجٌ بِذِكْرِ ما يَحْصُلُ في نَفْسِ الأمْرِ ولَيْسَ هو مِمّا يُرِيدُهُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ تَذْكِيرًا لِأخِيهِ بِما عَسى أنْ يَكُفَّهُ عَنِ الِاعْتِداءِ.

ومَعْنى ﴿مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ مِمَّنْ يَطُولُ عَذابُهُ في النّارِ، لِأنَّ أصْحابَ النّارِ هم مُلازِمُوها.

وقَوْلُهُ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ دَلَّتِ الفاءُ عَلى التَّفْرِيعِ والتَّعْقِيبِ، ودَلَّ (طَوَّعَ) عَلى حُدُوثِ تَرَدُّدٍ في نَفْسِ قابِيلَ ومُغالَبَةٍ بَيْنَ دافِعِ الحَسَدِ ودافِعِ الخَشْيَةِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُفَرَّعَ عَنْهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَتَرَدَّدَ مَلِيًّا، أوْ فَتَرَصَّدَ فُرَصًا فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ. فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بَقِيَ زَمانًا يَتَرَبَّصُ بِأخِيهِ، (وطَوَّعَ) مَعْناهُ جَعَلَهُ طائِعًا، أيْ مَكَّنَهُ مِنَ المُطَوَّعِ. والطَّوْعُ والطَّواعِيَةُ ضِدُّ الإكْراهِ، والتَّطْوِيعُ: مُحاوَلَةُ الطَّوْعِ. شَبَّهَ قَتْلَ أخِيهِ بِشَيْءٍ مُتَعاصٍ عَنْ قابِيلَ ولا يُطِيعُهُ بِسَبَبِ مُعارَضَةِ التَّعَقُّلِ والخَشْيَةِ. وشُبِّهَتْ داعِيَةُ القَتْلِ في نَفْسِ قابِيلَ بِشَخْصٍ يُعِينُهُ ويُذَلِّلُ لَهُ القَتْلَ المُتَعاصِيَ، فَكانَ (طَوَّعَتْ) اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، والمَعْنى الحاصِلُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ أنَّ نَفْسَ قابِيلَ سَوَّلَتْ لَهُ قَتْلَ أخِيهِ بَعْدَ مُمانَعَةٍ.

وقَدْ سُلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ مَسْلَكَ الإطْنابِ، وكانَ مُقْتَضى الإيجازِ أنْ يُحْذَفَ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ ويُقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: فَقَتَلَهُ. لَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ لِقَصْدِ تَفْظِيعِ حالَةِ القاتِلِ في تَصْوِيرِ خَواطِرِهِ الشِّرِّيرَةِ وقَساوَةِ قَلْبِهِ، إذْ حَدَّثَهُ بِقَتْلِ مَن كانَ شَأْنُهُ الرَّحْمَةَ بِهِ والرِّفْقَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إطْنابًا.

صفحة ١٧٣

ومَعْنى ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ صارَ، ويَكُونُ المُرادُ بِالخَسارَةِ هُنا خَسارَةَ الآخِرَةِ، أيْ صارَ بِذَلِكَ القَتْلِ مِمَّنْ خَسِرَ الآخِرَةَ، ويَجُوزُ إبْقاءُ (أصْبَحَ) عَلى ظاهِرِها، أيْ غَدا خاسِرًا في الدُّنْيا. والمُرادُ بِالخَسارَةِ ما يَبْدُو عَلى الجانِي مِنَ الِاضْطِرابِ وسُوءِ الحالَةِ وخَيْبَةِ الرَّجاءِ، فَتُفِيدُ أنَّ القَتْلَ وقَعَ في الصَّباحِ.

5:31Page 112

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١

Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي﴾ .

البَعْثُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الإلْهامِ بِالطَّيَرانِ إلى ذَلِكَ المَكانِ، أيْ فَألْهَمَ اللَّهُ غُرابًا يَنْزِلُ بِحَيْثُ يَراهُ قابِيلُ. وكَأنَّ اخْتِيارَ الغُرابِ لِهَذا العَمَلِ إمّا لِأنَّ الدَّفْنَ حِيلَةٌ في الغِرْبانِ مِن قَبْلُ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ اخْتارَهُ لِذَلِكَ لِمُناسَبَةِ ما يَعْتَرِي النّاظِرَ إلى سَوادِ لَوْنِهِ مِنَ الِانْقِباضِ بِما لِلْأسِيفِ الخاسِرِ مِنِ انْقِباضِ النَّفْسِ. ولَعَلَّ هَذا هو الأصْلُ في تَشاؤُمِ العَرَبِ بِالغُرابِ، فَقالُوا: غُرابُ البَيْنِ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”يُرِيهِ“ إنْ كانَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ فالتَّعْلِيلُ المُسْتَفادُ مِنَ اللّامِ وإسْنادِ الإرادَةِ حَقِيقَتانِ، وإنْ كانَ عائِدًا إلى الغُرابِ فاللّامُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ، وإسْنادُ الإرادَةِ إلى الغُرابِ مَجازٌ، لِأنَّهُ سَبَبُ الرُّؤْيَةِ فَكَأنَّهُ مُرِيءٌ. و كَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهامِ مُرادًا مِنها الكَيْفِيَّةُ، أوْ لِلِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: لِيُرِيَهُ جَوابَ كَيْفَ يُوارِي.

والسَّوْأةُ: ما تَسُوءُ رُؤْيَتُهُ، وهي هُنا تَغَيُّرُ رائِحَةِ القَتِيلِ وتَقَطُّعُ جِسْمِهِ.

وكَلِمَةُ ”يا ويْلَتا“ مِن صِيَغِ الِاسْتِغاثَةِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعَجُّبِ، وأصْلُهُ يا لَوَيْلَتِي، فَعُوِّضَتِ الألِفُ عَنْ لامِ الِاسْتِغاثَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: يا عَجَبا، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الألِفُ عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وهي لُغَةٌ، ويَكُونَ النِّداءُ مَجازًا بِتَنْزِيلِ الوَيْلَةِ مَنزِلَةَ ما يُنادى، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .

صفحة ١٧٤

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أعَجَزْتُ﴾ إنْكارِيٌّ.

وهَذا المَشْهَدُ العَظِيمُ هو مَشْهَدُ أوَّلِ حَضارَةٍ في البَشَرِ، وهي مِن قَبِيلِ طَلَبِ سَتْرِ المَشاهِدِ المَكْرُوهَةِ. وهو أيْضًا مَشْهَدُ أوَّلِ عِلْمٍ اكْتَسَبَهُ البَشَرُ بِالتَّقْلِيدِ وبِالتَّجْرِبَةِ، وهو أيْضًا مَشْهَدُ أوَّلِ مَظاهِرِ تَلَقِّي البَشَرِ مَعارِفَهُ مِن عَوالِمَ أضْعَفَ مِنهُ كَما تَشَبَّهَ النّاسُ بِالحَيَوانِ في الزِّينَةِ، فَلَبِسُوا الجُلُودَ الحَسَنَةَ المُلَوَّنَةَ وتَكَلَّلُوا بِالرِّيشِ المُلَوَّنِ وبِالزُّهُورِ والحِجارَةِ الكَرِيمَةِ، فَكَمْ في هَذِهِ الآيَةِ مِن عِبْرَةٍ لِلتّارِيخِ والدِّينِ والخُلُقِ.

* * *

﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ .

القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] . ومَعْنى ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾ أصْبَحَ نادِمًا أشَدَّ نَدامَةٍ، لِأنَّ ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾ أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ النَّدامَةِ مِن نَفْسِهِ، مِن أنْ يُقالَ (نادِمًا) . كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والنَّدَمُ أسَفُ الفاعِلِ عَلى فِعْلٍ صَدَرَ مِنهُ؛ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِما فِيهِ عَلَيْهِ مِن مَضَرَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، أيْ نَدِمَ عَلى ما اقْتَرَفَ مِن قَتْلِ أخِيهِ إذْ رَأى الغُرابَ يَحْتَفِلُ بِإكْرامِ أخِيهِ المَيِّتِ ورَأى نَفْسَهُ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ، وما إسْراعُهُ إلى تَقْلِيدِ الغُرابِ في دَفْنِ أخِيهِ إلّا مَبْدَأُ النَّدامَةِ وحَبُّ الكَرامَةِ لِأخِيهِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّ هَذا النَّدَمَ لَمْ يَكُنْ ناشِئًا عَنْ خَوْفِ عَذابِ اللَّهِ ولا قَصْدِ تَوْبَةٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ. فَجاءَ في الصَّحِيحِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِمَن قالُوا: إنَّ القاتِلَ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ مِن سُورَةِ النِّساءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском