Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:3

5:3Page 107

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣

Prohibited to you are dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars,2 and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islām as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، فَهو بَيانٌ لِما لَيْسَ بِحَلالٍ مِنَ الأنْعامِ. ومَعْنى تَحْرِيمِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ تَحْرِيمُ أكْلِها، لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ هُنا، وهي أحْوالٌ مِن أحْوالِ الأنْعامِ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ أكْلِها. وأُدْمِجَ فِيها نَوْعٌ مِنَ الحَيَوانِ لَيْسَ مِن أنْواعِ الأنْعامِ وهو الخِنْزِيرُ؛ لِاسْتِيعابِ مُحَرَّماتِ الحَيَوانِ. وهَذا الِاسْتِيعابُ دَلِيلٌ لِإباحَةِ ما سِوى ذَلِكَ، إلّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن تَحْرِيمِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَ العُلَماءِ في مَعْنى تَحْرِيمِها، والظّاهِرُ أنَّهُ تَحْرِيمٌ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالَةٍ

صفحة ٨٩

لا إلى الصِّنْفِ. وألْحَقَ مالِكٌ بِها الخَيْلَ والبِغالَ قِياسًا، وهو مِن قِياسِ الأدْوَنِ، ولِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ ذَكَرَها في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ خِلافًا لِصاحِبَيْهِ، وهو اسْتِدْلالٌ لا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في الدَّلالَةِ الفِقْهِيَّةِ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: يَجُوزُ أكْلُ الخَيْلِ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «ذَبَحْنا فَرَسًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَأكَلْناهُ» . ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ. وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَهى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ ورَخَّصَ في لُحُومِ الخَيْلِ» .

وأمّا الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَهى عَنْ أكْلِها في غَزْوَةِ خَيْبَرَ» . فَقِيلَ: لِأنَّ الحُمُرَ كانَتْ حُمُولَتُهم في تِلْكَ الغَزاةِ. وقِيلَ: نَهى عَنْها أبَدًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِإباحَتِها. فَلَيْسَ لِتَحْرِيمِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى الإطْلاقِ وجْهٌ بَيِّنٌ مِنَ الفِقْهِ ولا مِنَ السُّنَّةِ.

والمَيْتَةُ الحَيَوانُ الَّذِي زالَتْ مِنهُ الحَياةُ، والمَوْتُ حالَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَنْشَأُ عَنْ وُقُوفِ حَرَكَةِ الدَّمِ بِاخْتِلالِ عَمَلِ أحَدِ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ أوْ أكْلِها. وعِلَّةُ تَحْرِيمِها أنَّ المَوْتَ يَنْشَأُ عَنْ عِلَلٍ يَكُونُ مُعْظَمُها مُضِرًّا بِسَبَبِ العَدْوى، وتَمْيِيزُ ما يُعْدِي عَنْ غَيْرِهِ عَسِيرٌ، ولِأنَّ الحَيَوانَ المَيِّتَ لا يُدْرى غالِبًا مِقْدارُ ما مَضى عَلَيْهِ في حالَةِ المَوْتِ، فَرُبَّما مَضَتْ مُدَّةٌ تَسْتَحِيلُ مَعَها مَنافِعُ لَحْمِهِ ودَمِهِ مَضارَّ، فَنِيطَ الحُكْمُ بِغالِبِ الأحْوالِ وأضْبَطِها.

والدَّمُ هُنا هو الدَّمُ المُهْراقُ، أيِ المَسْفُوحُ، وهو الَّذِي يُمْكِنُ سَيَلانُهُ كَما صُرِّحَ بِهِ في آيَةِ الأنْعامِ، حَمْلًا لِمُطْلَقِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُقَيَّدِ آيَةِ الأنْعامِ، وهو الَّذِي يَخْرُجُ مِن عُرُوقِ جَسَدِ الحَيَوانِ بِسَبَبِ قَطْعِ العِرْقِ وما عَلَيْهِ مِنَ الجِلْدِ، وهو سائِلٌ لَزِجٌ أحْمَرُ اللَّوْنِ مُتَفاوِتُ الحُمْرَةِ بِاخْتِلافِ السِّنِّ واخْتِلافِ أصْنافِ العُرُوقِ.

صفحة ٩٠

والظّاهِرُ أنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ القَذارَةُ: لِأنَّهُ يَكْتَسِبُ رائِحَةً كَرِيهَةً عِنْدَ لِقائِهِ الهَواءَ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ بِنَجاسَةِ عَيْنِهِ، ولا تَعَرُّضَ في الآيَةِ لِذَلِكَ، أوْ لِأنَّهُ يَحْمِلُ ما في جَسَدِ الحَيَوانِ مِنَ الأجْزاءِ المُضِرَّةِ الَّتِي لا يُحاطُ بِمَعْرِفَتِها، أوْ لِما يُحْدِثُهُ تَعَوُّدُ شُرْبِ الدَّمِ مِنَ الضَّراوَةِ الَّتِي تَعُودُ عَلى الخُلُقِ الإنْسانِيِّ بِالفَسادِ. وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَأْكُلُ الدَّمَ، فَكانُوا في المَجاعاتِ يَفْصِدُونَ مِن إبِلِهِمْ ويَخْلِطُونَ الدَّمَ بِالوَبَرِ ويَأْكُلُونَهُ، يُسَمُّونَهُ العِلْهِزَ بِكَسْرِ العَيْنِ والهاءِ وكانُوا يَمْلَئُونَ المَصِيرَ بِالدَّمِ ويَشْوُونَها ويَأْكُلُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما قالَ ﴿ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ ولَمْ يَقُلْ والخِنْزِيرُ كَما قالَ ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى آخِرِ المَعْطُوفاتِ. ولَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الخِنْزِيرِ في جَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ إلّا بِإضافَةِ لَفْظِ لَحْمٍ إلى الخِنْزِيرِ، ولَمْ يَأْتِ المُفَسِّرُونَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ يَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَبْدُو لِي أنَّ إضافَةَ لَفْظِ لَحْمٍ إلى الخِنْزِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ المُحَرَّمَ أكَلُ لَحْمِهِ لِأنَّ اللَّحْمَ إذا ذُكِرَ لَهُ حُكْمٌ فَإنَّما يُرادُ بِهِ أكْلُهُ. وهَذا إيماءٌ إلى أنَّ ما عَدا أكْلَ لَحْمِهِ مِن أحْوالِ اسْتِعْمالِ أجْزائِهِ هو فِيها كَسائِرِ الحَيَوانِ في طَهارَةِ شَعْرِهِ، إذا انْتُزِعَ مِنهُ في حَياتِهِ بِالجَزِّ، وطَهارَةِ عِرْقِهِ وطَهارَةِ جِلْدِهِ بِالدَّبْغِ، إذا اعْتَبَرْنا الدَّبْغَ مُطَهِّرًا جِلْدَ المَيْتَةِ، اعْتِبارًا بِأنَّ الدَّبْغَ كالذَّكاةِ. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِطَهارَةِ جِلْدِ الخِنْزِيرِ بِالدَّبْغِ عَنْ داوُدَ الظّاهِرِيِّ وأبِي يُوسُفَ أخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وعِلَّةُ تَحْرِيمِ الخِنْزِيرِ أنَّ لَحْمَهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَراثِيمَ مُضِرَّةٍ لا تَقْتُلُها حَرارَةُ النّارِ عِنْدَ الطَّبْخِ، فَإذا وصَلَتْ إلى دَمِ آكِلِهِ عاشَتْ في الدَّمِ فَأحْدَثَتْ أضْرارًا عَظِيمَةً، مِنها مَرَضُ الدِّيدانِ الَّتِي في المَعِدَةِ.

وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ هو ما سُمِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ اسْمٌ غَيْرُ اللَّهِ.

صفحة ٩١

والإهْلالُ: الجَهْرُ بِالصَّوْتِ ومِنهُ الإهْلالُ بِالحَجِّ، وهو التَّلْبِيَةُ الدّالَّةُ عَلى الدُّخُولِ في الحَجِّ، ومِنهُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صارِخًا. قِيلَ: ذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الهِلالِ، لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا رَأوْا هِلالَ أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ رَفَعُوا أصْواتَهم بِذَلِكَ لِيَعْلَمَ النّاسُ ابْتِداءَ الشَّهْرِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ اسْمُ الهِلالِ قَدِ اشْتُقَّ مِن جَهْرِ النّاسِ بِالصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ. وكانُوا إذا ذَبَحُوا القَرابِينَ لِلْأصْنامِ نادَوْا عَلَيْها بِاسْمِ الصَّنَمِ، فَقالُوا: بِاسْمِ اللّاتِ، بِاسْمِ العُزّى.

﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ هي الَّتِي عَرَضَ لَها ما يَخْنُقُها. والخَنْقُ: سَدُّ مَجارِي النَّفَسِ بِالضَّغْطِ عَلى الحَلْقِ، أوْ بِسَدِّهِ، وقَدْ كانُوا يَرْبِطُونَ الدّابَّةَ عِنْدَ خَشَبَةٍ فَرُبَّما تَخَبَّطَتْ فانْخَنَقَتْ ولَمْ يَشْعُرُوا بِها، ولَمْ يَكُونُوا يَخْنُقُونَها عِنْدَ إرادَةِ قَتْلِها. ولِذَلِكَ قِيلَ هُنا: المُنْخَنِقَةُ، ولَمْ يَقُلِ المَخْنُوقَةُ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾، فَهَذا مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشّاةَ وغَيْرَها فَإذا ماتَتْ أكَلُوها.

وحِكْمَةُ تَحْرِيمِ المُنْخَنِقَةِ أنَّ المَوْتَ بِانْحِباسِ النَّفَسِ يُفْسِدُ الدَّمَ بِاحْتِباسِ الحَوامِضِ الفَحْمِيَّةِ الكائِنَةِ فِيهِ فَتَصِيرُ أجْزاءُ اللَّحْمِ المُشْتَمِلِ عَلى الدَّمِ مُضِرَّةً لِآكِلِهِ.

والمَوْقُوذَةُ: المَضْرُوبَةُ بِحَجَرٍ أوْ عَصًا ضَرْبًا تَمُوتُ بِهِ دُونَ إهْراقِ الدَّمِ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن وقَذَ إذا ضَرَبَ ضَرْبًا مُثْخِنًا. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ لِتَأْوِيلِهِ بِأنَّهُ وصْفُ بَهِيمَةٍ. وحِكْمَةُ تَحْرِيمِها تُماثِلُ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ المُنْخَنِقَةِ.

﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾: هي الَّتِي سَقَطَتْ مِن جَبَلٍ أوْ سَقَطَتْ في بِئْرٍ تَرَدِّيًا تَمُوتُ بِهِ، والحِكْمَةُ واحِدَةٌ.

﴿والنَّطِيحَةُ﴾ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ. والنَّطْحُ ضَرْبُ الحَيَوانِ ذِي القَرْنَيْنِ بِقَرْنَيْهِ حَيَوانًا آخَرَ. والمُرادُ الَّتِي نَطَحَتْها بَهِيمَةٌ أُخْرى فَماتَتْ.

صفحة ٩٢

وتَأْنِيثُ النَّطِيحَةِ مِثْلُ تَأْنِيثِ المُنْخَنِقَةِ، وظَهَرَتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ في هَذِهِ الأوْصافِ وهي مِن بابِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِأنَّها لَمْ تَجْرِ عَلى مَوْصُوفٍ مَذْكُورٍ فَصارَتْ بِمَنزِلَةِ الأسْماءِ.

﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾: أيُّ بَهِيمَةٍ أكَلَها السَّبُعُ، والسَّبُعُ كُلُّ حَيَوانٍ يَفْتَرِسُ الحَيَوانَ كالأسَدِ والنَّمِرِ والضَّبْعِ والذِّئْبِ والثَّعْلَبِ، فَحُرِّمَ عَلى النّاسِ كُلُّ ما قَتَلَهُ السَّبُعُ، لِأنَّ أكِيلَةَ السَّبُعِ تَمُوتُ بِغَيْرِ سَفْحِ الدَّمِ غالِبًا بَلْ بِالضَّرْبِ عَلى المَقاتِلِ.

وقَوْلُهُ ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن جَمِيعِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ الواقِعَ بَعْدَ أشْياءَ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ هو بَعْضُها، يَرْجِعُ إلى جَمِيعِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا يَرْجِعُ إلى الأخِيرَةِ إلّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ والإمامِ الرّازِيِّ، والمَذْكُوراتُ قَبْلَ بَعْضِها مُحَرَّماتٌ لِذاتِها وبَعْضُها مُحَرَّماتٌ لِصِفاتِها. وحَيْثُ كانَ المُسْتَثْنى حالًا لا ذاتًا، لِأنَّ الذَّكاةَ حالَةٌ، تَعَيَّنَ رُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ لِما عَدا لَحْمَ الخِنْزِيرِ، إذْ لا مَعْنًى لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ إذا لَمْ يُذَكَّ وتَحْلِيلُهُ إذا ذُكِّيَ، لِأنَّ هَذا حُكْمُ جَمِيعِ الحَيَوانِ عِنْدَ قَصْدِ أكْلِهِ. ثُمَّ إنَّ الذَّكاةَ حالَةٌ تُقْصَدُ لِقَتْلِ الحَيَوانِ فَلا تَتَعَلَّقُ بِالحَيَوانِ المَيِّتِ، فَعُلِمَ عَدَمُ رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى المَيْتَةِ لِأنَّهُ عَبَثٌ، وكَذَلِكَ إنَّما تَتَعَلَّقُ الذَّكاةُ بِما فِيهِ حَياةٌ فَلا مَعْنًى لِتَعَلُّقِها بِالدَّمِ، وكَذا ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، لِأنَّهم يُهِلُّونَ بِهِ عِنْدَ الذَّكاةِ، فَلا مَعْنًى لِتَعَلُّقِ الذَّكاةِ بِتَحْلِيلِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ بِالِاسْتِثْناءِ: المُنْخَنِقَةُ، والمَوْقُوذَةُ، والمُتَرَدِّيَةُ، والنَّطِيحَةُ، وما أكَلَ السَّبُعُ، فَإنَّ هَذِهِ المَذْكُوراتِ تَعَلَّقَتْ بِها أحْوالٌ تُفْضِي بِها إلى الهَلاكِ، فَإذا هَلَكَتْ بِتِلْكَ الأحْوالِ لَمْ يُبَحْ أكْلُها لِأنَّها حِينَئِذٍ مَيْتَةٌ، وإذا تَدارَكُوها بِالذَّكاةِ قَبْلَ الفَواتِ أُبِيحَ أكْلُها. والمَقْصُودُ أنَّها إذا أُلْحِقَتِ الذَّكاةُ بِها في حالَةٍ هي فِيها حَيَّةٌ، وهَذا البَيانُ يُنَبِّهُ إلى وجْهِ الحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا

صفحة ٩٣

أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . فَذَكَرَ أرْبَعَةً لا تَعْمَلُ الذَّكاةُ فِيها شَيْئًا ولَمْ يَذْكُرِ المُنْخَنِقَةَ والمَوْقُوذَةَ وما عُطِفَ عَلَيْها هُنا، لِأنَّها تُحَرَّمُ في حالِ اتِّصالِ المَوْتِ بِالسَّبَبِ لا مُطْلَقًا. فَعَضُّوا عَلى هَذا بِالنَّواجِذِ.

ولِلْفُقَهاءِ في ضَبْطِ الحالَةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيها الذَّكاةُ في هاتِهِ الخَمْسِ عِباراتٌ مُخْتَلِفَةٌ: فالجُمْهُورُ ذَهَبُوا إلى تَحْدِيدِها بِأنْ يَبْقى في الحَيَوانِ رَمَقٌ وعَلامَةُ حَياةٍ قَبْلَ الذَّبْحِ أوِ النَّحْرِ، مِن تَحْرِيكِ عُضْوٍ أوْ عَيْنٍ أوْ فَمٍ تَحْرِيكًا يَدُلُّ عَلى الحَياةِ عُرْفًا، ولَيْسَ هو تَحْرِيكُ انْطِلاقِ المَوْتِ. وهَذا قَوْلُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ، ورِوايَةُ جُمْهُورِ أصْحابِهِ عَنْهُ. وعَنْ مالِكٍ: أنَّ المَذْكُوراتِ إذا بَلَغَتْ مَبْلَغًا أُنْفِذَتْ مَعَهُ مَقاتِلُها، بِحَيْثُ لا تُرْجى حَياتُها لَوْ تُرِكَتْ بِلا ذَكاةٍ، لا تَصِحُّ ذَكاتُها، فَإنْ لَمْ تَنْفُذْ مَقاتِلُها عَمِلَتْ فِيها الذَّكاةُ. وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالُوا: إنَّما يُنْظَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ أحَيَّةٌ هي أمْ مَيْتَةٌ ؟ ولا يُنْظَرُ إلى حالَةِ هَلْ يَعِيشُ مِثْلُها لَوْ تُرِكَتْ دُونَ ذَبْحٍ. وهو قَوْلُ ابْنِ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ، واخْتارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وأحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشّافِعِيِّ. ونَفْسُ الِاسْتِثْناءِ الواقِعِ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ رَخَّصَ في حالَةٍ هي مَحَلُّ تَوَقُّفٍ في إعْمالِ الذَّكاةِ، أمّا إذا لَمْ تُنْفَذِ المَقاتِلُ فَلا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ يُباحُ الأكْلُ، إذْ هو حِينَئِذٍ حَيَوانٌ مَرْضُوضٌ أوْ مَجْرُوحٌ، فَلا يُحْتاجُ إلى الإعْلامِ بِإباحَةِ أكْلِهِ بِذَكاةٍ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى لَكِنْ، أيْ لَكِنْ كُلُوا ما ذَكَّيْتُمْ دُونَ المَذْكُوراتِ، وهو بَعِيدٌ. ومِنَ العُلَماءِ مَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن قَوْلِهِ (﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾) عَلى رَأْيِ مَن يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ لِلْأخِيرَةِ، ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنْ يَكُونَ ناظِرًا إلى غَلَبَةِ هَذا الصِّنْفِ بَيْنَ العَرَبِ، فَقَدْ كانَتِ السِّباعُ والذِّئابُ تَنْتابُهم كَثِيرًا، ويَكْثُرُ أنْ يُلْحِقُوها فَتُتْرَكُ أكَيْلَتُها فَيُدْرِكُوها بِالذَّكاةِ.

﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ هو ما كانُوا يَذْبَحُونَهُ مِنَ القَرابِينِ والنُّشُراتِ فَوْقَ الأنْصابِ. والنُّصُبُ (بِضَمَّتَيْنِ) الحَجَرُ المَنصُوبُ، فَهو مُفْرَدٌ مُرادٌ بِهِ

صفحة ٩٤

الجِنْسُ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ وواحِدُهُ نِصابٌ، ويُقالُ: نَصْبٌ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] . وهو قَدْ يُطْلَقُ بِما يُرادِفُ الصَّنَمَ، وقَدْ يَخُصُّ الصَّنَمَ بِما كانَتْ لَهُ صُورَةٌ، والنُّصُبُ بِما كانَ صَخْرَةً غَيْرَ مُصَوَّرَةٍ مِثْلَ ذِي الخَلَصَةِ ومِثْلَ سَعْدٍ. والأصَحُّ أنَّ النُّصُبَ هو حِجارَةٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنها أنَّها تِمْثالٌ لِلْآلِهَةِ، بَلْ هي مَوْضُوعَةٌ لِأنْ تُذْبَحَ عَلَيْها القَرابِينُ والنَّسائِكُ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِها لِلْآلِهَةِ ولِلْجِنِّ، فَإنَّ الأصْنامَ كانَتْ مَعْدُودَةً ولَها أسْماءٌ وكانَتْ في مَواضِعَ مُعَيَّنَةٍ تُقْصَدُ لِلتَّقَرُّبِ. وأمّا الأنْصابُ فَلَمْ تَكُنْ مَعْدُودَةً ولا كانَتْ لَها أسْماءٌ وإنَّما كانُوا يَتَّخِذُها كُلُّ حَيٍّ يَتَقَرَّبُونَ عِنْدَها، فَقَدْ رَوى أئِمَّةُ أخْبارِ العَرَبِ: أنَّ العَرَبَ كانُوا يُعَظِّمُونَ الكَعْبَةَ، وهم ولَدُ إسْماعِيلَ، فَلَمّا تَفَرَّقَ بَعْضُهم وخَرَجُوا مِن مَكَّةَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ فِراقُ الكَعْبَةِ فَقالُوا: الكَعْبَةُ حَجَرٌ، فَنَحْنُ نَنْصِبُ في أحْيائِنا حِجارَةً تَكُونُ لَنا بِمَنزِلَةِ الكَعْبَةِ، فَنَصَبُوا هَذِهِ الأنْصابَ، ورُبَّما طافُوا حَوْلَها، ولِذَلِكَ يُسَمُّونَها الدُّوّارَ بِضَمِّ الدّالِّ المُشَدَّدَةِ وبِتَشْدِيدِ الواوِ ويَذْبَحُونَ عَلَيْها الدِّماءَ المُتَقَرَّبَ بِها في دِينِهِمْ.

وكانُوا يَطْلُبُونَ لِذَلِكَ أحْسَنَ الحِجارَةِ. وعَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْبُدُ الحَجَرَ فَإذا وجَدْنا حَجَرًا خَيْرًا مِنهُ ألْقَيْنا الأوَّلَ وأخَذْنا الآخَرَ فَإذا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا أيْ في بِلادِ الرَّمْلِ جَمَعْنا جَثْوَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ جِئْنا بِالشّاةِ فَحَلَبْناها عَلَيْهِ لِيَصِيرَ نَظِيرَ الحَجَرِ ثُمَّ طُفْنا بِهِ.

فالنُّصُبُ: حِجارَةٌ أُعِدَّتْ لِلذَّبْحِ ولِلطَّوافِ عَلى اخْتِلافِ عَقائِدِ القَبائِلِ: مِثْلُ حَجَرِ الغَبْغَبِ الَّذِي كانَ حَوْلَ العُزّى. وكانُوا يَذْبَحُونَ عَلى الأنْصابِ ويُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ ويَشْوُونَهُ، فَيَأْكُلُونَ بَعْضَهُ ويَتْرُكُونَ بَعْضًا لِلسَّدَنَةِ، قالَ الأعْشى، يَذْكُرُ وصايا النَّبِيءِ ﷺ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي صَنَعَها في مَدْحِهِ:

وذا النُّصُبِ المَنصُوبِ لا تَنْسُكَنَّهُ

صفحة ٩٥

وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ «لِلنَّبِيءِ ﷺ قَبْلَ البَعْثَةِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ سُفْرَةً لِيَأْكُلَ مَعَهُ في عُكاظٍ: إنِّي لا آكُلُ مِمّا تَذْبَحُونَ عَلى أنْصابِكم» . وفي حَدِيثِ فَتْحِ مَكَّةَ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ ونَيِّفٍ وسِتُّونَ نُصُبًا، وكانُوا إذا ذَبَحُوا عَلَيْها رَشُّوها بِالدَّمِ ورَشُّوا الكَعْبَةَ بِدِمائِها. وقَدْ كانَ في الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ تَخْصِيصُ صُخُورٍ لِذَبْحِ القَرابِينِ عَلَيْها، تَمْيِيزًا بَيْنَ ما ذُبِحَ تَدَيُّنًا وبَيْنَ ما ذُبِحَ لِلْأكْلِ، فَمِن ذَلِكَ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قِيلَ: إنَّها مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ وتَحْتَها جُبٌّ يُعَبَّرُ عَنْها بِبِئْرِ الأرْواحِ، لِأنَّها تَسْقُطُ فِيها الدِّماءُ، والدَّمُ يُسَمّى رُوحًا. ومِن ذَلِكَ فِيما قِيلَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ كانَ عَلى الأرْضِ ثُمَّ بَناهُ إبْراهِيمُ في جُدُرِ الكَعْبَةِ. ومِنها حَجَرُ المَقامِ، في قَوْلِ بَعْضِهِمْ. فَلَمّا اخْتَلَطَتِ العَقائِدُ في الجاهِلِيَّةِ جَعَلُوا هَذِهِ المَذابِحَ لِذَبْحِ القَرابِينِ المُتَقَرَّبِ بِها لِلْآلِهَةِ ولِلْجِنِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: النُّصُبُ: أنْصابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْها. قُلْتُ: ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ بِحَرْفِ (عَلى)، ولَمْ يَقِلْ وما ذُبِحَ لِلنُّصُبِ لِأنَّ الذَّبِيحَةَ تُقْصَدُ لِلْأصْنامِ والجِنِّ، وتُذْبَحُ عَلى الأنْصابِ، فَصارَتِ الأنْصابُ مِن شَعائِرِ الشِّرْكِ.

ووَجْهُ عَطْفِ ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ عَلى المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ هُنا، مَعَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ مَضَتْ سِنِينَ كَثِيرَةً عَلى الإسْلامِ وقَدْ هَجَرَ المُسْلِمُونَ عِبادَةَ الأصْنامِ، أنَّ في المُسْلِمِينَ كَثِيرِينَ كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، وهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ بُطْلانَ عِبادَةِ الأصْنامِ، أوَّلُ ما يَعْلَمُونَهُ مِن عَقِيدَةِ الإسْلامِ، فَقَدْ كانُوا مَعَ ذَلِكَ مُدَّةَ الجاهِلِيَّةِ لا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ عَلى النُّصُبِ عِنْدَهم بِذَبائِحِ الأصْنامِ خاصَّةً، بَلْ يَكُونُ في ذَبائِحِ الجِنِّ ونَحْوِها مِنَ النُّشُراتِ وذَبائِحِ دَفْعِ الأمْراضِ ودَفْعِ التّابِعَةِ عَنْ وِلْدانِهِمْ، فَقالُوا: كانُوا يَسْتَدْفِعُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمُ البَرَصَ والجُذامَ ومَسَّ الجِنِّ، وبِخاصَّةٍ الصِّبْيانَ، ألا تَرى إلى ما ورَدَ في كُتُبِ السِّيرَةِ: أنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ لَمّا أسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ورَجَعَ إلى قَوْمِهِ ودَعا امْرَأتَهُ إلى الإسْلامِ

صفحة ٩٦

قالَتْ لَهُ: أتَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى (صَنَمُ دَوْسٍ) ؟ . فَقالَ: لا، أنا ضامِنٌ، فَأسْلَمَتْ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ مِنهم مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى ذَبْحِ بَعْضِ الذَّبائِحِ عَلى الأنْصابِ الَّتِي في قَبائِلِهِمْ عَلى نِيَّةِ التَّداوِي والِانْتِشارِ، فَأرادَ اللَّهُ تَنْبِيهَهم وتَأْكِيدَ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وإشاعَتَهُ؛ ولِذَلِكَ ذُكِرَ في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ وفي آخِرِها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠] الآياتِ.

* * *

﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكم فِسْقٌ﴾ .

الشَّأْنُ في العَطْفِ التَّناسُبُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، فَلا جَرَمَ أنَّ هَذا المَعْطُوفَ مِن نَوْعِ المُتَعاطِفاتِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهي المُحَرَّمُ أكْلُها. فالمُرادُ هُنا النَّهْيُ عَنْ أكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي يَسْتَقْسِمُونَ عَلَيْهِ بِالأزْلامِ، وهو لَحْمُ جَزُورِ المَيْسِرِ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِالمُقامَرَةِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ في تَسْتَقْسِمُوا مَزِيدَتَيْنِ كَما هُما في قَوْلِهِمُ: اسْتَجابَ واسْتَرابَ. والمَعْنى: وأنْ تَقْسِمُوا اللَّحْمَ بِالأزْلامِ.

ومِنَ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ ضَرْبٌ آخَرُ كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ يَتَطَلَّبُونَ بِهِ مَعْرِفَةَ عاقِبَةِ فِعْلٍ يُرِيدُونَ فِعْلَهُ: هَلْ هي النَّجاحُ والنَّفْعُ أوْ هي خَيْبَةٌ وضُرٌّ. وإذْ قَدْ كانَ لَفْظُ الِاسْتِقْسامِ يَشْمَلُهُ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنَ النَّهْيِ أيْضًا، عَلى قاعِدَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، فَتَكُونُ إرادَتُهُ إدْماجًا وتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبِ القِسْمِ. وطَلَبُ القِسْمِ بِالكَسْرِ أيِ الحَظُّ مِن خَيْرٍ أوْ ضِدِّهِ، أيْ طَلَبُ مَعْرِفَتِهِ. كانَ العَرَبُ كَغَيْرِهِمْ مِنَ المُعاصِرِينَ، مُولَعِينَ بِمَعْرِفَةِ الِاطِّلاعِ عَلى ما سَيَقَعُ مِن أحْوالِهِمْ أوْ عَلى ما خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ المَكْتُومَةِ، وكانُوا يَتَوَهَّمُونَ بِأنَّ الأصْنامَ والجِنَّ يَعْلَمُونَ تِلْكَ المُغَيَّباتِ، فَسَوَّلَتْ سَدَنَةُ الأصْنامِ لَهم طَرِيقَةً يُمَوِّهُونَ عَلَيْهِمْ بِها فَجَعَلُوا أزْلامًا. والأزْلامُ جَمْعُ زَلَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ ويُقالُ لَهُ: قِدْحٌ - بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الدّالِ وهو عُودُ سَهْمٍ لا حَدِيدَةَ فِيهِ.

صفحة ٩٧

وكَيْفِيَّةُ اسْتِقْسامِ المَيْسِرِ: المُقامَرَةُ عَلى أجْزاءِ جَزُورٍ يَنْحَرُونَهُ ويَتَقامَرُونَ عَلى أجْزائِهِ، وتِلْكَ عَشَرَةُ سِهامٍ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وما اسْتَقْسَمْتُمْ عَلَيْهِ بِالأزْلامِ، فَغُيِّرَ الأُسْلُوبُ وعُدِلَ إلى ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾، لِيَكُونَ أشْمَلَ لِلنَّهْيِ عَنْ طَرِيقَتَيِ الِاسْتِقْسامِ كِلْتَيْهِما، وذَلِكَ إدْماجٌ بَدِيعٌ.

وأشْهَرُ صُوَرِ الِاسْتِقْسامِ ثَلاثَةُ قِداحٍ: أحَدُهُما مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ (أمَرَنِي رَبِّي) ورُبَّما كَتَبُوا عَلَيْهِ (افْعَلْ) ويُسَمُّونَهُ الآمِرَ. والآخَرُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ (نَهانِي رَبِّي)، أوْ (لا تَفْعَلْ) ويُسَمُّونَهُ النّاهِيَ. والثّالِثُ غُفْلٌ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الفاءِ أُخْتِ القافِ أيْ مَتْرُوكٌ بِدُونِ كِتابَةٍ. فَإذا أرادَ أحَدُهم سَفَرًا أوْ عَمَلًا لا يَدْرِي أيَكُونُ نافِعًا أمْ ضارًّا، ذَهَبَ إلى سادِنِ صَنَمِهِمْ فَأجالَ الأزْلامَ، فَإذا خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ كِتابَةٌ، فَعَلُوا ما رُسِمَ لَهم، وإذا خَرَجَ الغُفْلُ أعادُوا الإجالَةَ. ولَمّا أرادَ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَقُومَ لِأخْذِ ثَأْرِ أبِيهِ حُجْرٍ، اسْتَقْسَمَ بِالأزْلامِ عِنْدَ ذِي الخَلَصَةِ، صَنَمِ خَثْعَمَ، فَخَرَجَ لَهُ النّاهِي فَكَسَرَ القِداحَ وقالَ:

لَوْ كُنْتَ يا ذا الخَلَصِ المَوْتُورا مِثْلِي وكانَ شَيْخُكَ المَقْبُورا

لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ العُداةِ زُورا

وقَدْ ورَدَ، في حَدِيثِ فَتْحِ مَكَّةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وجَدَ صُورَةَ إبْراهِيمَ يَسْتَقْسِمُ بِالأزْلامِ فَقالَ كَذَبُوا واللَّهِ إنِ اسْتَقْسَمَ بِها قَطُّ وهم قَدِ اخْتَلَقُوا تِلْكَ الصُّورَةَ، أوْ تَوَهَّمُوها لِذَلِكَ، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ، وتَضْلِيلًا لِلنّاسِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ.

وكانَتْ لَهم أزْلامٌ أُخْرى عِنْدَ كُلِّ كاهِنٍ مِن كُهّانِهِمْ، ومِن حُكّامِهِمْ، وكانَ مِنها عِنْدَ هُبَلٍ في الكَعْبَةِ سَبْعَةٌ قَدْ كَتَبُوا عَلى كُلِّ واحِدٍ شَيْئًا مِن أهَمِّ ما

صفحة ٩٨

يَعْرِضُ لَهم في شُئُونِهِمْ، كَتَبُوا عَلى أحَدِها العَقْلُ في الدِّيَةِ، إذا اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ مَن يَحْمِلُ الدِّيَةَ مِنهم؛ وأزْلامٌ لِإثْباتِ النِّسَبِ، مَكْتُوبٌ عَلى واحِدٍ (مِنكم)، وعَلى واحِدٍ (مِن غَيْرِكم)، وفي آخَرَ (مُلْصَقٌ) . وكانَتْ لَهم أزْلامٌ لِإعْطاءِ الحَقِّ في المِياهِ إذا تَنازَعُوا فِيها. وبِهَذِهِ اسْتَقْسَمَ عَبْدُ المُطَّلِبِ حِينَ اسْتَشارَ الآلِهَةَ في فِداءِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ النَّذْرِ الَّذِي نَذَرَهُ أنْ يَذْبَحَهُ إلى الكَعْبَةِ بِعَشَرَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ الزَّلَمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَقالُوا لَهُ: ارْضِ الآلِهَةَ فَزادَ عَشَرَةً حَتّى بَلَغَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ فَخَرَجَ الزَّلَمُ عَلى الإبِلِ فَنَحَرَها. وكانَ الرَّجُلُ قَدْ يَتَّخِذُ أزْلامًا لِنَفْسِهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ «أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ لَمّا لَحِقَ النَّبِيءَ ﷺ لِيَأْتِيَ بِخَبَرِهِ إلى أهْلِ مَكَّةَ اسْتَقْسَمَ الأزْلامَ فَخَرَجَ لَهُ ما يَكْرَهُ» .

والإشارَةُ في قَوْلِهِ ذَلِكم فِسْقٌ راجِعَةٌ إلى المَصْدَرِ وهو أنْ تَسْتَقْسِمُوا. وجِيءَ بِالإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ حَتّى يَقَعَ الحُكْمُ عَلى مُتَمَيِّزٍ مُعَيَّنٍ.

والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الدِّينِ، وعَنِ الخَيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجَعَلَ اللَّهُ الِاسْتِقْسامَ فِسْقًا لِأنَّ مِنهُ ما هو مُقامَرَةٌ، وفِيهِ ما هو مِن شَرائِعِ الشِّرْكِ، لِتَطَلُّبِ المُسَبَّباتِ مِن غَيْرِ أسْبابِها، إذْ لَيْسَ الِاسْتِقْسامُ سَبَبًا عادِيًّا مَضْبُوطًا، ولا سَبَبًا شَرْعِيًّا، فَتَمَحَّضَ لِأنْ يَكُونَ افْتِراءً، مَعَ أنَّ ما فِيهِ مِن تَوَهُّمِ النّاسِ إيّاهُ كاشِفًا عَنْ مُرادِ اللَّهِ بِهِمْ، مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ نَصَبَ لِمَعْرِفَةِ المُسَبَّباتِ أسْبابًا عَقْلِيَّةً: هي العُلُومُ والمَعارِفُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ العَقْلِ، أوْ مِن أدِلَّتِهِ، كالتَّجْرِبَةِ، وجَعَلَ أسْبابًا لا تُعْرَفُ سَبَبِيَّتُها إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنهُ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ: كَجَعْلِ الزَّوالِ سَبَبًا لِلصَّلاةِ. وما عَدا ذَلِكَ كَذِبٌ وبُهْتانٌ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ فِسْقًا، ولِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا بِجُرْحَةِ مَن يَنْتَحِلُ ادِّعاءَ مَعْرِفَةِ الغُيُوبِ.

صفحة ٩٩

ولَيْسَ مِن ذَلِكَ تُعْرَفُ المُسَبَّباتُ مِن أسْبابِها كَتَعَرُّفِ نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ، وتَرَقُّبِ خُرُوجِ الفَرْخِ مِنَ البَيْضَةِ بِانْقِضاءِ مُدَّةِ الحَضانَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إذا نَشَأتْ بَحْرِيَّةٌ ثُمَّ تَشاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنُ غُدَيْقَةٍ» “ أيْ سَحابَةٍ مِن جِهَةِ بَحْرِهِمْ، ومَعْنى (عَيْنُ) أنَّها كَثِيرَةُ المَطَرِ.

وأمّا أزْلامُ المَيْسِرِ، فَهي فِسْقٌ، لِأنَّها مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ.

* * *

﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ .

جُمْلَةٌ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آيَةِ المُحَرَّماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وبَيْنَ آيَةِ الرُّخْصَةِ الآتِيَةِ: وهي قَوْلُهُ ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ لِأنَّ اقْتِرانَ الآيَةِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ يَقْضِي بِاتِّصالِها بِما تَقَدَّمَها، ولا يَصْلُحُ لِلِاتِّصالِ بِها إلّا قَوْلُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ.

والمُناسَبَةُ في هَذا الِاعْتِراضِ: هي أنَّ اللَّهَ لَمّا حَرَّمَ أُمُورًا كانَ فِعْلُها مِن جُمْلَةِ دِينِ الشِّرْكِ، وهي ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وتَحْرِيمُ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ، وكانَ في كَثِيرٍ مِنها تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ بِمُفارَقَةِ مُعْتادِهِمْ، والتَّقْلِيلِ مِن أقْواتِهِمْ، أعْقَبَ هَذِهِ الشِّدَّةَ بِإيناسِهِمْ بِتَذْكِيرِ أنَّ هَذا كُلَّهُ إكْمالٌ لِدِينِهِمْ، وإخْراجٌ لَهم مِن أحْوالِ ضَلالِ الجاهِلِيَّةِ، وأنَّهم كَما أُيِّدُوا بِدِينٍ عَظِيمٍ سَمْحٍ فِيهِ صَلاحُهم، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْبَلُوا ما فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ الرّاجِعَةِ إلى إصْلاحِهِمْ: فالبَعْضُ مَصْلَحَتُهُ راجِعَةٌ إلى المَنافِعِ البَدَنِيَّةِ، والبَعْضُ مَصْلَحَتُهُ راجِعَةٌ إلى التَّرَفُّعِ عَنْ حَضِيضِ الكُفْرِ: وهو ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ. والِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ أذْكَرَهم بِفَوْزِهِمْ عَلى مَن يُناوِيهِمْ، وبِمَحاسِنِ دِينِهِمْ وإكْمالِهِ، فَإنَّ مِن إكْمالِ الإصْلاحِ إجْراءَ الشِّدَّةِ عِنْدَ الِاقْتِضاءِ. وذُكِّرُوا بِالنِّعْمَةِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الشِّدَّةِ بِاللِّينِ. وكانَ المُشْرِكُونَ، زَمانًا، إذا سَمِعُوا أحْكامَ الإسْلامِ رَجَوْا أنْ تَثْقُلَ عَلى المُسْلِمِينَ فَيَرْتَدُّوا عَنِ الدِّينِ، ويَرْجِعُوا

صفحة ١٠٠

إلى الشِّرْكِ، كَما قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأحْكامُ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، ونِكايَةً بِالمُشْرِكِينَ. وقَدْ رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والقُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ مَعَ الآيَةِ الَّتِي سَتَأْتِي عَقِبَها، وهو ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وجَمْعٍ، ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وهو الأصَحُّ.

فَـ (اليَوْمَ) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اليَوْمُ الحاضِرُ، وهو يَوْمُ نُزُولِ الآيَةِ، وهو إنْ أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ أبْهَجَ أيّامِ الإسْلامِ، وظَهَرَ فِيهِ مِن قُوَّةِ الدِّينِ، بَيْنَ ظَهَرانِيِّ مَن بَقِيَ عَلى الشِّرْكِ، ما أيْأسَهم مِن تَقَهْقُرِ أمْرِ الإسْلامِ، ولا شَكَّ أنَّ قُلُوبَ جَمِيعِ العَرَبِ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِمَكَّةَ ومَوْسِمِ الحَجِّ ومَناسِكِهِ: الَّتِي كانَتْ فِيها حَياتُهُمُ الِاجْتِماعِيَّةُ والتِّجارِيَّةُ والدِّينِيَّةُ والأدَبِيَّةُ، وقِوامُ شُئُونِهِمْ، وتَعارُفُهِمْ، وفَصْلُ نِزاعِهِمْ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ انْفِرادُ المُسْلِمِينَ بِتِلْكَ المَواطِنِ قاطِعًا لِبَقِيَّةِ آمالِهِمْ: مِن بَقاءِ دِينِ الشِّرْكِ، ومِن مُحاوَلَةِ الفَتِّ في عَضُدِ الإسْلامِ. فَذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الحَقِيقَةِ يَوْمُ تَمامِ اليَأْسِ وانْقِطاعِ الرَّجاءِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُعاوِدُهُمُ الرَّجاءُ تارَةً. فَقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: ”اعْلُ هُبَلُ وقالَ لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم“ . وقالَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ أوْ أخُوهُ، يَوْمَ هَوازِنَ، حِينَ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ وظَنَّها هَزِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ: ”ألا بَطُلَ السِّحْرُ اليَوْمَ“ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском